الاثنين، 16 مارس 2026

عندما تكون القواعد الأمريكية فتيلا للحرب: جدلية الحماية والسيادة بالخليج وكلفة القرار السياسي

 عندما تكون القواعد الأمريكية فتيلا للحرب: جدلية الحماية والسيادة بالخليج وكلفة القرار السياسي

أحمد هلال‎

"وجود القواعد الأمريكية لم يمنع تهديدا عن المنطقة"- القيادة المركزية

في لحظات الصراع المتصاعد، حين تتقاطع الصواريخ مع الخرائط، يصبح السؤال عن مصير المنطقة العربية امتحانا وجوديا. فالمواجهة الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، ليست مجرد تبادل للقوة العسكرية، بل اختبار لمفهوم الحماية؛ الذي بُنيت عليه عقود من التحالفات الأمنية.

في منطقة تعاني من خلل بنيوي عميق ومنذ حرب الخليج عام 1991، رسخت الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة عبر شبكة قواعد تمتد في ست دول خليجية. قاعدة العديد في قطر، التي تضم نحو 8 آلاف جندي، تُعد أضخم منشأة أمريكية جوية خارج البلاد. ومقر الأسطول الخامس في البحرين يعود وجوده إلى عام 1948. قاعدة الظفرة في الإمارات تستضيف 3500 عسكري، إضافة إلى منشآت في الكويت والسعودية وعُمان، وتركيا والأردن.

لكن ما كان يُقدم على أنه مظلة أمنية، تحمي الدول المضيفة، تحوّل في المواجهة الحالية إلى مغناطيس للحرب. فمنذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، تعرضت القواعد الأمريكية في عموم الخليج لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات، ما أسفر عن أضرار طالت منشآت عسكرية وأهدافا مدنية، وسقوط قتلى في أبو ظبي ومطار دبي ومواقع مدنية تقول إيران إنها تستخدم كمراكز استخباراتية أمريكية وإسرائيلية.

تصل المنطقة إلى مفترق حاسم: ما كلفة استمرار هذا الوجود العسكري الأجنبي، وما كلفة إنهائه أو تقليصه؟


هنا تبرز المفارقة: من يحمي من؟ فرغم الحياد الذي أعلنته دول الخليج وحظرها استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، وجدت نفسها في قلب المعركة.

يكشف التصعيد الأخير عن انكشاف المبرر الأساسي الذي استندت إليه عقود من استضافة القواعد الأجنبية. فالواقع كشف أن هذه القواعد لم تحمِ نفسها من الاستهداف، ناهيك عن حماية الدول المضيفة.

استراتيجية إيران في الرد اعتمدت على تحويل جوارها الخليجي إلى مسرح مركزي للمواجهة، مستهدفة المنشآت العسكرية الأمريكية، وموسعة الضربات لتشمل البنية التحتية المدنية والاقتصادية. مرافق الطاقة والموانئ -الحيوية لاقتصادات الخليج والأسواق العالمية- أصبحت نقاط ضغط في استراتيجية إيرانية تقوم على رفع كلفة الحملة العسكرية على النظام الإيراني.

النتيجة أن دول الخليج وجدت نفسها في موقع المدافع لا المهاجم، رغم أنها لم تكن طرفا في الحرب، مما يؤكد أن وجود القواعد الأمريكية لم يمنع تهديدا عن المنطقة، بل جعلها أكثر عرضة للخطر.

من الناحية القانونية، لا يُعد وجود القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج انتهاكا للسيادة، إذ يتم باتفاقيات رسمية. لكن الإشكالية تنشأ عندما تتحول هذه القواعد إلى أهداف عسكرية مشروعة في النزاعات؛ قانون النزاعات المسلحة يقر بأن الهدف العسكري هو ما يسهم في العمل العسكري، ويحقق تدميره ميزة عسكرية واضحة. ومن هنا يتحول عنصر التأمين الى عنصر تهديد وجودي يجاوز ضجيج الساسة عند الاعتراض على ضرب تلك الأهداف.

لكن التعقيد يتضاعف حين تتشابك هذه القواعد مع محيط مدني، أو حين تمتد الاستهدافات إلى بنية تحتية مدنية، أو حين تتضرر مناطق سكنية نتيجة التصدي للصواريخ. هنا يبرز مبدأ التناسب الذي يمنع الهجمات إذا كانت الأضرار المتوقعة للمدنيين مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية.

هنا تصل المنطقة إلى مفترق حاسم: ما كلفة استمرار هذا الوجود العسكري الأجنبي، وما كلفة إنهائه أو تقليصه؟

كلفة البقاء باتت واضحة:

تحول الدول المستضيفة إلى ساحة مفتوحة للصراع، وخسائر اقتصادية وبشرية، وتقييد السيادة الوطنية، والارتهان لقرارات خارجية لا تراعي مصالح الدول المضيفة.

ففي اللحظات الحرجة، تبيّن أن الأولويات الأمريكية قد تختلف جذريا عن مصالح حلفائها الخليجيين. حادثة محاولة اغتيال إسرائيل لقادة حماس في الدوحة أيلول/ سبتمبر 2025، بموافقة أمريكية، شكلت صدمة عميقة للقادة الخليجيين وكشفت حدود المظلة الأمنية.

لكن كلفة التفكيك لا تقل تعقيدا، فهذه القواعد تمثل عقودا من الاستثمارات الاستراتيجية والعلاقات المؤسسية، وتفكيكها قد يُقرأ كتحول استراتيجي كبير في موازين القوى الإقليمية، وقد يخلق فراغا أمنيا لا تملك الدول الخليجية وحدها ملأه، خاصة مع استمرار التهديدات المتنوعة.

التحولات الجيوسياسية الكبرى تفرض إعادة نظر جذرية، فالعقيدة العسكرية الأمريكية تشهد تحولا نحو إعادة توزيع الموارد، مع صعود التحدي الصيني وتزايد الأعباء في أوروبا، ما يعني أن واشنطن تميل إلى نموذج ردع أكثر مرونة وأقل كلفة، يعتمد على القدرة على التدخل عند الحاجة بدل الانتشار الدائم.

هذا التحول انعكس على حسابات دول المنطقة، التي بدأت تدرك أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية قد لا يكون خيارا مضمونا، لذلك اتجهت بعض الدول إلى تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية وتنويع شراكاتها العسكرية، في محاولة لبناء توازن أكثر استقلالا.

مسار التقارب السعودي الإيراني، ووساطات قطر وعُمان المستمرة، تعكس إدراكا متزايدا بحدود الضمانات الخارجية وسعيا لبناء قنوات مباشرة مع طهران. لكن الطريق نحو مشروع أمني عربي مستقل لا يزال طويلا، والمنطقة تدفع ثمن هذا التأخير.

الدرس الأقسى أن الأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُجزأ، والقواعد الأجنبية قد تتحول في لحظة من دروع واقية إلى أهداف مكشوفة


تعيدنا الأحداث الجارية إلى السؤال الوجودي: من يحمي من؟ القواعد الأمريكية التي أنشئت لحماية المنطقة، هل تحميها فعلا، أم أن الدول الخليجية باتت هي من يحمي هذه القواعد باستضافتها وتحمل تبعات وجودها؟

الدرس الأقسى أن الأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُجزأ، والقواعد الأجنبية قد تتحول في لحظة من دروع واقية إلى أهداف مكشوفة. فكل قاعدة أجنبية هي تهديد كامن، وكل جندي أجنبي هو رسالة استفزاز، وكل رهان على الخارج هو مقامرة خاسرة.

واليوم، بعد أن سقط القناع، تقف دول الخليج أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها: الاستمرار في الارتهان لأمريكا يعني البقاء في دائرة الخطر الدائم. وهذا ما صرح به بعض الساسة في دول الخليج، أما الخروج من هذا المأزق، فيتطلب قرارا شجاعا بمراجعة شاملة للسياسات الأمنية، تبدأ بفك الارتباط العسكري التدريجي، وتنتهي ببناء أمن حقيقي قائم على السيادة، لا على القواعد، وعلى التفاهم الإقليمي، لا على الأساطيل الأجنبية.

وإذا كانت خطة التقسيم الجديدة واضحة ويتم تداولها علنا مع التهديدات المتنوعة بمحو بعض الدول من خرائط الجغرافيا السياسية، فإنه يتحتم على الجميع خطوات استباقية دون انتظار بدائل حماية أخرى ولو كانت في مسافة السكة.

أخطر المراحل في التحولات الجيوسياسية لا تبدأ حين تُعلن الحروب، بل حين يظن الجميع أن معادلة الردع ما زالت تعمل، بينما تكون شروطها قد تغيّرت بالفعل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق