‏إظهار الرسائل ذات التسميات دكتور حامد ربيع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دكتور حامد ربيع. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 يونيو 2022

وثيقة للتاريخ ..رسالة البروفيسور حامد ربيع ( رحمه الله ) الى حافظ الاسد في ثمانينات القرن الماضي

 وثيقة للتاريخ ..

رسالة البروفيسور حامد ربيع ( رحمه الله ) الى حافظ الاسد في ثمانينات القرن الماضي





(السيد الرئيس) … أسمح لنفسي أن أفتح صدري وأحدثكم بلغة صريحة واضحة لا مواربة فيها:
إلى متى تظل تلعب هذا الدور غير الايجابي والمُخرب في الوطن العربي؟؟
هذا الدور الذي ظل خافياً علينا والذي كنا نتساءل عن حقيقته حتى بدا واضحا للعيان لا غموض فيه؟
دعني (سيدي) أحدد مجموعة من النقاط الاساسية:
اولاً: قيادة الطائفة العلوية، عقدت مؤتمرها في 18 / يوليو / 1963 في حمص وقررت ضرورة التخطيط على المستوى البعيد لتأسيس الدولة العلوية وجعل عاصمتها حمص.

ثانياً: عندما منعتني سلطاتك من الدخول إلى سوريا بدعوى أن جواز سفري المصري يحمل تأشيرة عراقية، هل تعلم سيدي ظروف ذلك ؟؟
لقد دعتني الحكومة الليبية لكي أقوم بالإعداد لمحاكمة دولية للمسؤولين الاسرائيليين عن مذابح صبرا و شاتيلا، و بعد أن درست الموضوع و ناقشت تفاصيله مع كبار رجال القانون العالميين، وجدنا أنه من المحتمل أن تثار اثناء المحاكمة مسؤوليتكم عن مجازر تل الزعتر، و لذلك رأيت من المناسب عقد اجتماع مع المسؤولين لديكم في دمشق و أبلغتهم بذلك، و كان معي أيضاً نائب محكمة ( رسل الدولية ) و اثنان آخران من كبار المسؤولين،، و وصلت الى دمشق في الوقت المحدد و لكنني وجدت الباب مغلقا في المطار و كان علي أن أعود عقب ليلة قضيتها في المطار..
من يدري لماذا؟؟
هل هو التهرب من المسؤولية!!!
أم أنه الخجل الذي صبغ وجوه رجال حزبكم الذين يتحدثون عن القومية العربية؟
كل هذا اتركه و أقتصر على رصد الوقائع التي لا تستطيع (سيدي الرئيس) أن تتخلى عن مسؤوليتك بخصوصها، و هي:
• * لماذا تم التخلي عن الجولان عام 1967،، و لماذا جرى إحباط الهجوم العراقي على اسرائيل عام 1973
• * لماذا سمحت بمذابح تل الزعتر عام 1976
• * ما هي حقيقة اهدافك من تفتيت الحركة الوطنية اللبنانية
• * أين حدود اللعبة مع اسرائيل بخصوص اقتسام لبنان
*• كيف تفسر الطعنة التي وجهتها للعراق في حربه مع ايران
• * ما هي حقيقة اللعبة التي مارستها في مواجهة المقاومة الفلسطينية أثناء حصار طرابلس؟؟
و كيف كنت تخطط لقواتك بالاتفاق التام مع البحرية الاسرائيلية لاستئصال الوجود الفلسطيني في لبنان
إن سياستك (سيدي) قد حققت جميع أهداف اسرائيل بما لم بفوق حلم بن غوريون.
ان سياستك (سيدي) قد ادت الى ثلاث نتائج اكثر خطورة:
اولاً: انك اضعفت الجسد العربي في جميع اجزاء المنطقة.
ثانياً: ادخلت قوى غريبة في المنطقة لتكون لها كلمتها في الصراع حول مستقبل المنطقة، فهل تستطيع أن تُنكر أن الوجود الإيراني يمثل متغيراً جديداً، و هو ليس في صالح الأمة العربية؟؟
ثالثاً: فرضت على القومية في سوريا الانكفاء على الذات، حيث أصبحت الشعوبية هي المحور الحقيقي في التعامل مع المستقبل العربي،،
فهل هذا ما تريده (سيدي) في الزمن البعيد؟؟
معذرة (سيدي الرئيس) من قسوة اللغة فإيماني بهذه العروبة، هو وحده الذي جعلني أسطر هذه الكلمات
السيد الرئيس ...
اسمح لنفسي أن أفتح صدري وأحدثكم بلغة صريحة واضحة لامواربة فيها :
الى متى تظل تلعب هذا الدور غير الايجابي والمخرب في الوطن العربي ؟؟ هذا الدور الذي ظل خافياً علينا والذي كنا نتساءل عن حقيقته حتى بدا واضحا للعيان لاغموض فيه ؟؟؟
دعني سيدي أحدد مجموعة من النقاط الاساسية :
اولا :
قيادة الطائفة العلوية ، عقدت مؤتمرها في 18 / يوليو / 1963 في حمص وقررت ضرورة التخطيط على المستوى البعيد لتأسيس الدولة العلوية وجعل عاصمتها حمص
ثانيا :
عندما منعتني سلطاتك من الدخول الى سوريا بدعوى ان جواز سفري المصري يحمل تأشيرة عراقية ، هل تعلم سيدي ظروف ذلك ؟؟
لقد دعتني الحكومة الليبية لكي أقوم بالاعداد لمحاكمة دولية للمسؤولين الاسرائيليين عن مذابح صبرا وشاتيلا ، وبعد ان درست الموضوع وناقشت تفاصيله مع كبار رجال القانون العالميين ، وجدنا انه من المحتمل أن تثار اثناء المحاكمة مسؤليتكم عن مجازر تل الزعتر ، ولذلك رأيت من المناسب عقد اجتماع مع المسؤولين لديكم في دمشق وابلغتهم بذلك ، وكان معي ايضا نائب محكمة ( رسل الدولية ) واثنان آخران من كبار المسؤولين ،، ووصلت الى دمشق في الوقت المحدد ولكنني وجدت الباب مغلقا في المطار وكان علي أن أعود عقب ليلة قضيتها في المطار ..
من يدري لماذا ؟؟
هل هو التهرب من المسؤولية !!!
ام انه الخجل الذي صبغ وجوه رجال حزبكم الذين يتحدثون عن القومية العربية ؟
كل هذا اتركه وأقتصر على رصد الوقائع التي لاتستطيع سيدي الرئيس ان تتخلى عن مسؤوليتك بخصوصها ، وهي :
· * لماذا تم التخلي عن الجولان عام 1967 ،، ولماذا جرى احباط الهجوم العراقي على اسرائيل عام 1973
· * لماذا سمحت بمذابح تل الزعتر عام 1976
· * ماهي حقيقة اهدافك من تفتيت الحركة الوطنية اللبنانية
· * اين حدود اللعبة مع اسرائيل بخصوص اقتسام لبنان
* كيف تفسر الطعنة التي وجهتها للعراق في حربه مع ايران
· * ماهي حقيقة اللعبة التي مارستها في مواجهة المقاومة الفلسطينية أثناء حصار طرابلس ؟؟
وكيف كنت تخطط لقواتك بالاتفاق التام مع البحرية الاسرائيلية لأستئصال الوجود الفلسطيني في لبنان

ان سياستك سيدي قد حققت جميع اهداف اسرائيل بما لم بفوق حلم بن غوريون .
ان سياستك سيدي قد ادت الى ثلاث نتائج اكثر خطورة :
اولا :
انك اضعفت الجسد العربي في جميع اجزاء المنطقة .
ثانيا :
ادخلت قوى غريبة في المنطقة لتكون لها كلمتها في الصراع حول مستقبل المنطقة ، فهل تستطيع ان تنكر ان الوجود الايراني يمثل متغيرا جديدا ، وهو ليس في صالح الامة العربية ؟؟
ثالثا :
فرضت على القوى القومية في سوريا الانكفاء على الذات ، حيث اصبحت الشعوبية هي المحور الحقيقي في التعامل مع المستقبل العربي ،،
فهل هذا ماتريده سيدي في الزمن البعيد ؟؟
معذرة سيدي الرئيس من قسوة اللغة فأيماني بهذه العروبة ، هو وحده الذي جعلني اسطر هذه الكلمات .

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

ملاحظة لمن لايعرف حامد ربيع
الأستاذ الدكتور حامد تيسان عبد الله ربيع عبد الجليل ولد في صعيد مصر (1925 – 1989)
ويذكر أن أ‏.‏ د‏.‏ حامد ربيع ـ رحمه الله ـ قد اغتيل على يد الصهيونية العالمية في بيته‏.‏
حامد ربيع من ابرز علماء الستراتيجية العرب
من ابرز المدافعين عن القومية العربية والحضارة الاسلامية
وهو من اشد المعادين للصهيونية واسرائيل
التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة وتخرج فيها سنة 1364هـ/1945م
حصل حامد ربيع في مسيرته العلمية الطويلة على خمس رسائل دكتوراه
اثنتين من باريس،
وثلاث من روما،
وست دبلومات في تخصصات مختلفة
ونظرا لهذا الكم الكبير من رسائل الدكتوراه التي حصل عليها حامد ربيع،
فقد كانت الجامعات المصرية والعربية والعالمية تطمح في أن يقوم بالتدريس فيها؛
ولذا قام بالتدريس في عدة جامعات منها: جامعة القاهرة حيث كان أستاذ كرسي النظرية السياسية بها،
وكذلك جامعة باريس،
وجامعات دمشق
والجزائر
وبغداد
والكويت
والإمام محمد بن سعود الإسلامية،
وجامعة ميتشيجان الأمريكية.

الأحد، 19 يونيو 2022

د. حامد ربيع .. عالم الأمة وعدو إسرائيل

 د. حامد ربيع .. عالم الأمة وعدو إسرائيل



    اسم الشهرة: د. حامد ربيع

    تاريخ الميلاد: أبريل عام 1925م

    تاريخ الوفاة: التاسع من سبتمبر عام 1989

    محل الميلاد: في صعيد مصر

    التعليم: حصل من جامعة روما على الدكتوراة في علم الاجتماع التاريخي، والدكتوراه في فلسفة القانون، والدكتوراه في العلوم النقابية، وحاز درجة "الأستاذية" في القانون الروماني، وحصل من جامعة باريس على الدكتوراه في العلوم القانونية، ثم الدكتوراه في علوم السياسية، وحاز درجة "الأجريجاسيون" المرموقة من الجامعات الفرنسية .

    الوظائف:

     

    • 1961 – مساعد المستشار الشخصي العلمي للرئيس جمال عبد الناصر
    • 1979 – مدير معهد البحوث والدراسات العربية ببغداد ثم مستشارا سياسيا للرئيس العراقى صدام حسين
    • أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة
    • أستاذ خارجي في جامعات الخرطوم، بغداد، روما، باريس، وجامعات دمشق والجزائر والكويت والإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة ميتشجان الأمريكية.
    • قام بإنشاء مركز الدراسات الإنمائية فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى جامعة القاهرة وأشرف على إنشاء المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية المصرية قبل انتقاله للعمل في معهد البحوث والدراسات العربية في بغداد .


    أبرز إنتاجة:

    من مؤلفاته

    • إطار الحركة السياسية في المجتمع الإسرائيلي
    • مصر تدخل عصر النفايات الذرية
    • الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وارادة التكامل القومي
    • اتفاقيات كامب ديفيد. قصة حوار بين الثعلب والذئب.
    • الاستعمار والصهيونية وجمع المعلومات عن مصر.
    • من يتحكم في تل أبيب؟
    • النموذج الإسرائيلي للممارسة السياسية
    • نظرية الامن القومي ’والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط(دار الموقف العربي1984 )
    • سلوك المالك في تدبير الممالك – تحقيق
    • نحو ثورة القرن الواحد والعشرين: الإسلام والقوى الدولية
    • التجديد الفكري للتراث الإسلامي وعملية إحياء الوعي القومي
    • التعاون العربي والسياسة البترولية المعاصرة
    • كما له مقالات في جريدتي الأهرام والوفد ونشرت دار الشروق الدولية بمصر مجلدين كبيرين يضمان بعض اعمال الدكتور حامد ربيع، مما لم ينشر من قبل وذلك بجهود تلاميذه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة.

نبذة/التفاصيل:

الدكتور حامد عبد الله ربيع عبد الجليل مؤلف و مفكر عربي و من أهم أعلام الفكر السياسي العربي المعاصر. عمل كأستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة,وأستاذ النظرية السياسية. له أكثر من (45) كتابًا، وكتب أكثر من (350) دراسة منشورة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية واللاتينية، إضافةً إلى آلاف المقالات في الدوريات العلمية العربية والأجنبية والصحف.

  • ولد في القاهرة و درس بها و بعد أن أنهى تعليمه الثانوي التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة وتخرج فيها سنة 1364هـ/1945م، ثم التحق بسلك النيابة، لكنه لم يستمر فيه طويلا لاهتمامه بالتحصيل العلمي،

حصل من جامعة روما على الدكتوراة في علم الاجتماع التاريخي، والدكتوراه في فلسفة القانون، والدكتوراه في العلوم النقابية، وحاز درجة “الأستاذية” في القانون الروماني، وحصل من جامعة باريس على الدكتوراه في العلوم القانونية، ثم الدكتوراه في علوم السياسية، وحاز درجة “الأجريجاسيون” المرموقة من الجامعات الفرنسية .و هو شقيق للكاتبة الصحفية عواطف عبد الجليل.

التدرج العلمي:

١- دكتوراه العلوم السياسية بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة وتبادلها ، في

موضوع “دور السلطة السياسية في تشكيل الرأي العام ” ، ١٩٩٦

٢- ليسانس القانون بتقدير مرتبة الشرف الأولى ، من كلية الحقوق ، جامعة القاهرة ، ١٩٩٨ م.

٣- الماجستير في العلوم السياسية – النظرية السياسية – في موضوع” الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية ”

بتقدير ممتاز ، جامعة القاهرة ١٩٩ ٢ م.

٤- دبلوم الدراسات العليا ، من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، سبتمبر ١٩٨٧ بتقدير جيد جدا

٥- البكالوريوس في العلوم السياسية – بمرتبة الشرف الأولى ، بترتيب الأول على الدفعة ، من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ١٩٨٦

٦- دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في تاريخ التشريع الإسلامي ، جامعة لندن ، كلية الدراسات الشرقية والأفريقية ، ١٩٩٩

٧- دبلوم الدراسات العليا في الإعلام والمجتمع ، جامعة لندن

 

الخبرات البحثية والعملية:

١- عضو لجنة مناقشة والحكم علي رسالة ماجستير في العلوم السياسية للباحث مصطفي عبد الرازق ،

عن ” القضايا الاسلامية في الفكر السياسي الأمريكي : دراسة في كتابات برنارد لويس وجون

اسبوزيتو ” ، القاهرة : جامعة الدول العربية : معهد البحوث والدراسات العربية ، ٢٦ يوليه ،

٢٠٠٦

٢- الاشتراك في المشروع البحثي ” المستقبليات البديلة لمصر ٢٠٢٠ م” إشراف : البرنامج الانمائي للأمالمتحدة ، بالتنسيق مع وزارة الخارجية ووزارة الاستثمار الدولي المصرية ، صدر في عشر مجلدات ، وقد شاركت في المحور الخاص بالعلاقات المصرية – المتوسطية: (less)

  • الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع وجودي وليس حدودي” كانت عبارة نسبت إلى حامد ربيع وليس غريبا أن يوصف في أوساط الدولة العبرية بـ “عدو إسرائيل”. عمل مستشارا للرئيس العراقي صدام حسين و عارض عدد من قراراته المتعلقة بحربه مع إيران فمنعته السلطات العراقية من السفر لكنه استطاع العودة إلى بلده هربا. يعتقد البعض أن ربيع له قدرة غير سيئة على التكهن السياسي منها تكهنه باستعمال العرب لسلاح النفط خلال الستينات من القرن الماضي.
  • في التاسع من سبتمبر من عام 1989 لقي حامد ربيع حتفه. وكان سبب الوفاة حسب ما تناقلته أغلب وسائل الإعلام في تلك الفترة يرجع إلى إصابته بـ “مغص شديد” لم يمهل المتوفى أكثر من ربع ساعة قبل أن يسلم روحه، جدير بالذكر أن حامد ربيع كان بصدد افتتاح مركز في شقة يملكها في حي الجيزة لـ “استشارات صنع واتخاذ القرارات” في العاشر من الشهر، تتجه بعض أصابع الإتهام إلى أيدي خفية حالت دون افتتاح المركز البعض لا يستبعد إسرائيل من أن تكون وراء وفاة ربيع، لا يزال الغموض يكتنف حادثة وفاة ربيع إلى اليوم.
  • حاول الدكتور ربيع في كثير من مؤلفاته أن يبين لنا كيف نواجه ونفهم الخطر الصهيوني وجذوره الممتدة في أمريكا وأوروبا، واتسمت كتاباته في المسألة الصهيونية بالصرامة العلمية والدأب الشديد والدقة في تناول كل كبيرة وصغيرة، وفوق هذا كانت كتاباته تمتاز بما تحمله روح الإباء والكبرياء العربي، وتأمل قوله عن الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، لتعرف كيف يكون العالم الحقيقي:

    “هل يستطيع عالم عربي، مؤمن بقضية أمته، وقد وضع نصب عينيه أن يجعل من ثقافته وعلمه أداة من أدوات التحول الفكري والإيناع الحضاري لتلك الأمة، أن يكتب عن إسرائيل دون كراهية؟! وهل يستطيع أن ينسى أن الدولة العبرية هي مصدر لجميع المآسي التي يعيشها الواقع العربي؟”.

    يؤكد الدكتور حامد ربيع، أن في تاريخ كل أمة تمر لحظة معينة، فإذا بها تصاب بنوع من الغشاوة الحقيقية، تضطرب مفاهيمها، ويصيب مدركاتها عدم الوضوح، ويسيطر على عقلها عدم الصلاحية، أما قياداتها بجميع مستوياتها فهي مهلهلة لا تدري أين الطريق الصحيح، قيادات سياسية فقدت الوعي، وقيادات عسكرية يصيبها الترهل، أما عن القيادات الثقافية فهي لم تعد سوى أبواق تهلل وترقص وتطبل.

    ولا خروج من هذه اللحظة إلا بالتمسك بتراث الأمة وقيمها، والقيام بوظيفتها التي تحتمها عليها قيمها، والانطلاق من إرادة واثقة في الله والناس للتغيير، وقدرتنا على تحويل أنفسنا وعالمنا من رعب الضياع والتفكك الذي تعيشه أمتنا.

  • ويؤكد الدكتور حامد  ثقته في نهوض أمتنا من كبوتها، لكنه بعلميته الصارمة لا يجعل ذلك حلمًا أو همًا يستكين إليه، لا، ولكنه يرى أن ذلك لن يتحقق، ولن تقف أمتنا على قدميها إلا إذا عادت إلى “تعاليم آبائنا تنهل منها رحيق القيم وقصة البطولة وعظمة الإنسانية المسلمة”.

يعتقد الدكتور ربيع أن هناك معارك كثيرة على الأمة أن تخوضها لتحقق نهضتها وتبدأ في بنائها الجديد، ومسؤولية قيادة هذه المعارك تقع على عاتق الرجال الذين يجب أن يحملوا إيمانهم وعلمهم ويشقوا طريقهم وسط جماهير الأمة، يعلمونهم تقاليدهم وقيمهم وتراثهم، مكونين جيش التحرير الفكري الذي من عنده تبدأ مسيرة الأمة نحو مستقبلها المأمول.

ويصفه د. سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة بأنه عالم الأمة ويرى أنه لا بد أن يتحول حامد ربيع إلى مؤسسة بأعماله وأفكاره وإنتاجه الفكري والبحثي، وما أحوج أمتنا إلى نفس حامد ربيع في صاغية النصوص وكتابتها وإلى قلمه وأجندته المكتملة والمتنوعة. وكان ربيع يقول: “سوف أظلّ عربيًّا”.

ويقول الدكتور سيف أنه تعلم من الدكتور ربيع أن يقوم بتجديد المفاهيم ولا يستهين بذلك ولا يهوِّن منه، وكذلك تعلم منه المنهج أيضًا، فقد علّمه كيف يصوغ نصًا حرًّا، ويرى أن النص الحرّ انتماء للأمة وولاء لأصولها.. الأمة مقصد وقبلة.. إنها أمتي التي تتسم بخصائص وتختص بدور ويرى أن النصّ الحرّ دافع ورافع، دافع للفعل ورافع للفاعلية، والفاعلية مقاومة وتحدٍ وكفاح وعزة.. تجديد وإحياء

إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة (1)



إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة (3)





الخميس، 20 ديسمبر 2018

إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة (3)

إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة 
(3)

أ.د حامد ربيع
اختلال القوى القيادية
بني، لا أريد أن تتصوَّر أنني أسعى إلى تخفيف مسؤولية قياداتنا، ولكن علينا أن نتذكر أن التاريخ عرف هذه النماذج في أكثر من موقف واحد، اختلال القوى القيادية ظاهرة متكررة لأنَّها حقيقة المأساة التي عاشها ويعيشها الإنسان، ولكنَّ أصالة الشعوب تَبْرُز عندما تعرف القوى الفكرية كيف تُعِيد تصحيح المسار إزاء الخلل الذي يُسَيْطِرُ على القيادة السياسية، وإذا كانت هذه هي قِصَّة الوجود الإنسانِيِّ فلْنَقِفْ إزاء نَموذَجَيْنِ كل مِنْهُما يحمل مذاقه الخاص
الأول: يقودنا إلى المجتمع اليوناني قبل الميلاد.
الثاني: ينقلنا إلى المجتمع الألماني في أعقاب الثورة الفرنسية.

كل من حلل التاريخ اليوناني لاحظ بوضوح مدى تخلف الطبقة القيادية في مواجهة وظيفتها المقدَّسة، بينما أفلاطون وأرسطو وسقراط كلٌّ منهم بأسلوبه يندد ويهدد ويذكر، هذه قيادات أثينا وإسبارطة تعيش في عبادة الأصنام، وقد جعلت ممارسة الجنس في أقبح صوره وسيلتها للوصول والتقرُّب إلى الآلهة، وحتى عندما جاء "بركليس"* ليسطر صفحة رائعة في تاريخ الشعوب، لم تكن قِصَّتُه سوى لحظةٍ استثنائية في تاريخ مُجتمعٍ لم يستطع أن يعد قيادته الحاكمة.

نموذج آخر يعيد القصة، ولكن في دلالتها الإيجابية: المجتمع الجرماني في مواجهة الغزو الفرنسي في بداية القرن التاسع عشر، إن قصة أمراء المجتمع وقيادته، والواحد منهم يتبارى مع الآخر في الانحناء أمام قنصل فرنسا الغازية "نابليون بونابرت"، لا يزال يرويها الجميع بخزي وعار**، ولكن الفكر السياسي الألماني رفض إلا أن يقف مُتكاتفًا متراصًا مؤمنًا بوظيفته التاريخية، يقود ويهدي، ويعلنها حربًا ضاريةً على كلِّ مَن أصابه الخوف أو الوهن، لم يتردد حتى أولئك الذين جعلوا من مبدأ الدفاع عن النظام القائم محور فلسفتهم، أن يحيلوا لغة المديح إلى أداة للتنظيف والتنقية، ولنترك جانبًا "فيشت"، ولنحاول فهم الدلالة الحقيقية لفلسفة "هيجل"، ألم يوصف بأنه فيلسوف الدولة الروسية؟ ومع ذلك أليس هو من خلال قنابله الفكرية الموقوتة الذي قاد إلى بناء الثورة الثقافية الحقيقية، تلك الثورة التي دفع ببراكينها وزلازلها إلى تمزيق الأوضاع القائمة؛ بحيث كان لابد وأن تقود إلى خلق العملاق الألماني الذي لا يزال حتى اليوم يثير الرعب في قيادات واشنطن؟ وهل يمكن أن نفسر المعنى الحقيقي لبطولة "فيشت" وقصة تحديه للغازي الفرنسي؟ هذا الفيلسوف الألماني الذي لم يتردَّد في أن يقف في أكاديمية بروسيا المشهورة ليخاطب الوعي الجماعي، وليذكِّر الطبقة القيادية بواجبها ووظيفتها دون أن يعبأ لا بالجثث المعلقة في شارع برلين، ولا بأحكام الإعدام بالجملة، التي كانت تصدر من بونابرت بِمناسبة ودون مناسبة، ولا بضخامة الجمهور الذي وقف يتحدث إليه وما يعنيه ذلك من إمكانية تسرب تفاصيل حديثه إلى الغازي، بل خلال اثنتي عشرة محاضرة متتالية راح يهاجم الحضارة الفرنسية، ويشرح الاستعمار البونابرتي، ويرفض الوجود اللاتيني، ويدعو جميع القوى الألمانية الأصلية لأن تتكتَّل خلف القيادات التي آن لها أن تكون واعية لتطرح عن كاهلها تلك البربرية الجديدة.

إنَّ قوَّة الشعوبِ ليستْ فقط في أن تعرفَ كيفَ تخلق قياداتها الصالحة الواعية والقادرة على تحمل المسؤولية، بل إنَّ القوَّة الحقيقيَّة للأمم الخلاقة وللشعوب الحية اليقظة هي في أن تملك تلك الفئة المختارة القادرة على أن ترتفع عن مستوى الفرد العادي، لتبرز كإرادة للتحدي، مغامرة بنفسها لتصحيح مسارات الطبقة القيادية، ولو على حساب حياتها.ولماذا نذهب بعيدًا؟ أليست هذه قصة تاريخنا؟ هذا التاريخ الذي أضحى يقدمه أعداؤنا وخصومنا على أنه أحاديث ألف ليلة وليلة، وأشعار أبي نواس، إنه عامر بالنماذج التي ليس فقط عن إرادة التحدي، بل وعن حقيقة ذلك المجتمع على أنَّه قام على محور واحد: الفئة العلمية المختارة.

إن تاريخنا هو قِصَّة "الأئمة الأربعة" الذين لم يتردد أي منهم في أن يقف من السلطان (الحاكم) موقف الرقابة والمحاسبة، ولو على حساب حياته وحريته. إن هذا التاريخ هو أيضًا قصة الإمام أحمد بن حنبل الذي تحدى ثلاثة خلفاء، ولم يتردد في أن يقف وحيدًا مهابًا يرفض نظرية فكرية كاملة***، وليجعل من الرأي العام – في عالم لم يكن يعرف بعد ما تعنيه هذه الكلمة – قوة تثور على الخليفة العباسي، وتجعله يتراجع وينحني إجلالاً وتقديسًا.

إن ما يعنيني يا بني هو أن تعود إلى آبائك الأوائل، وأن تقرأ صفحة التاريخ لتعلم أنك تنتمي إلى الأمة المختارة، التي يجب أن تقود الإنسانية، وأن توجهها.أنت نقطة البداية في حضارة عصر النهضة الحقيقي، إن النهضة التي طالما سمعت عنها، والتي تحدث أكثر من مفكر بذكر فصولها، لا تزال في الأفق لم تحدث بعد!! أنت الذي سوف تَخْلُق هذه النهضة، وليس أمامك إلا أن تعود إلى آبائك الأوائل تسألهم وتسترشد منهم عن حقيقة وظيفة الأمة التي تنتمي إليها، والتي اختارتها القوة العليا لأن تقود الدعوة للعودة إلى حظيرة القِيَم المثاليَّة، لا تنظر إلى ما حولك، إن الفارس الحقيقي لا يلقي ببصره إلى ما هو أسفل أقدامه، وإنَّما يتَّجه ببصره إلى الأمام، إلى المستقبل.أنت فارس التاريخ، ومنك وبفضلك سوف ينبت ويترعرع تطبيق جديد لحضارة آبائك الأوائل، حضارة سوف تتسع لتفرض على كل وجود معاصر أن ينحني إكبارًا لها.
إن هذا صوت التاريخ
----------
*بركليس: سياسى يونانى أثينى، حكم اثينا بشكل قبل الميلاد ويعد أجد رواد حرية التعبير فى العصور القديمة.
**وهذا ما سقطت فيه بعض قياداتنا اﻹعلامية .. والثقافية، حيث ترى ونشاهد ونتأمل أجهزتنا الثقافية واﻹعلامية وهى تعد للإحتفال بمرور مائتى عام على اﻹحتلال فرنسا لمصر، بل ويكذب العلمانيون على أبناء اﻷمة بقولهم: إن الغزوة الفرنسية لمصر كانت سببا فى حضارتها العلمية والثقافية!! (الطريق إلى ثقافتنا، محمود شاكر)
 ولم يكتفوا بذلك ، بل يطالبون برفع تمثال "فرديناند ديلسبس" على مدخل القناة وهو الشخص الذى أفقر الخزانة المصرية ودفعها إلى اﻹفلاس، وكان سببا فى اﻹقتراض واﻹحتلال البريطانى فيما بعد. (أخطاء يجب أن تصحح فى التاريخ، مصر بين الخلافة العثمانية واﻹحتلال البريطانى ، دار الوفاء)
 ***هى نظرية خلق القرآن

ذات صلة

إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة (2)


إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة
 (2)


 أ.د حامد ربيع
أزمة قيم
إن خصائص الكثير من الطبقات القيادية التي تسيطر على مصير الأمة العربية، والتي يتعين علينا أن نتأمل معها تتمركز – وبغض النظر عن نسبية هذا الخصائص واختلافها قوة وضعفًا، في مختلف أجزاء تلك الأمة – حول متغيرات أربعة:

المتغير الأول: يدور حول طبيعة المنطق القيادي، فهو منطق متخلف، إنه يمثل تقاليد عفا عليها الزمن، ومن ثم لم يستطع أن يستوعب حقيقة التطورات التي تعيشها الأمة، وقد انفصل عن الطبقات المحكومة ليعيش في أبراج عاجية، تسودها الأنانية والتجمد وعدم وضوح الرؤية.

وقد ترتب على ذلك المتغير الثاني: وهو يدور حول حقيقة نراها في كل مناسبة، ونشاهدها بحزن وألم دون أن نستطيع منها فكاكا، كيف أن هذا النوع من القيادات غير قادر على فهم حقيقة الموقف الذي تعيشه أمتنا، فهي من جانب تبالغ في إعطاء الأشياء التافهة أهمية لا تملكها، وهي من جانب آخر تمر أمامها الحقائق والوقائع الخطيرة الحاسمة فلا تشعر بها، ولا بخطورتها، وإن تنبهت لذلك فكل ما تفعله لا يعدو الصراخ والعويل.
إنها بعبارة أخرى، لا تملك القدرة لا على أن تعطي كل موقف وزنه الحقيقي، ولا على أن تتعامل مع الموقف من منطلق الفاعلية والقدرة الواعية، والسبب في ذلك لا يعود فقط إلى تخلف تلك القيادات، بل وكذلك إلى نقص ثقافتها السياسية بالمعنى القومي والاستراتيجي.

أما المتغير الثالث: والذي يمثل الخطورة الحقيقة فهو الكذب، الذي تعودت هذه القيادات على ممارسته بعناد وصلابة، حتى انتهت بأن تصدق هي ذاتها تلك الأكاذيب، يساعدها على ذلك خوف من فقدان السلطة، أضحى تقليدًا، واستعداد من المواطن للتملُّق وقد تحوَّل إلى سلوكٍ ثابت؛ بِحَيْثُ صار شرطًا أساسيًّا لِلحصول على المنفعة التي بِدَوْرها أضْحَتْ هي وحده مِحْوَر التَّعامُل بَيْنَ الحاكم والمَحكوم، إنَّ الوُصُوليَّة قد وجدت في كل مجتمع بشري، وعرفها كلُّ نِظامٍ سياسي، ولكنَّ القائِدَ الحصيف، هو الذي يعرف أنَّ لكل شَيْءٍ موضعه، البعض يعتقد أنَّ الكَذِبَ هو تعبيرٌ عن الدهاء والقدرة على التلاعب بالموقف، ويتصوَّرُ أنَّ هذه هي المكيافيلية المثاليَّة، ولكنَّ هناك فارقًا بين الخديعةِ في مُعاملة العدوِّ، والكذب في التَّعامل مع الموقف، الأوَّل يعني أخْذَ الخصْمِ على غِرَّة، أمَّا الثَّاني فهو تعبير عن عدم الإدراك الذاتي لحقيقة الموقف.

وهذا يقودنا إلى المتغير الرابع: الذي هو النتيجة اللازمة والمنطقة لعنصر الكذب، حيث نرى هذه القيادات العربية في معظمها لا تفهم.. ولا تعرف.. ولا تقبل فن المناقشة، وهي لم تعد ترى في المناقشة وسيلة للوصول إلى ا لكمال، وإنما هي أسلوب من أساليب التعبير عن عدم الاحترام، إن عدم تقبل المبارزة المنطقة ليس إلا النتيجة الطبيعية لعدم الثقة في الذات، وهي لا تقتصر على القيادات التقليدية، بل لقد لمسنا نفس هذه الظاهرة في أكثر من تطبيق واحد، بصدد العالم المتخصِّص بالذات وقد أتيحت له فرصة الانتقال إلى العمل السياسي، فإذا به وقد فقد جميع صفات الممارسة العلمية، التي أساسها الانفتاح الفكري وتقبل مقارعة الحجة بالحجة، كأساس لتنقية المنطق من الشوائب، ويضخم من هذه الظاهرة نتيجة أخرى منطقية للعامل النفسي المتستر خلف هذه الحقيقة، أي عدم الثقة بالذات، فالقيادات هذه وهي ترفض المناقشة، فإنها إذا فرضت عليها المبارزة المنطقية تنتقل ببساطة وسهولة إلى الإسفاف والبذاءة

ذات صلة

إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة (1)


إختلال القوة القيادية فى اﻷمة؛ ظاهرة متكررة 
(1)



 أ.د حامد ربيع

بُنَي لابد وأنك تشعر – وقد تفتحت مداركك وأضحيت قادرًا على التمييز بين الخير والشر، وعلى تقييم الصالح وفصله عن الطالح – بشيء من الازدراء والاحتقار، لذلك الجيل الذي يحيط بك، ويقودك ويوجهك ويفرض عليك الطاعة والاحترام، أرى في كثير من الأحيان لمحات السخرية الصامتة على مخيلة طلبتي، أبنائي وبناتي، وهم يعلقون على سلوك آبائهم وأساتذتهم، ومن هم في حكم أولئك.

نعم صراع الأجيال حقيقة أزلية، ولكن ذلك الصراع لم يمنع الاحترام والتقدير، وخلف الصراع توجد رابطة الاستمرارية الثابتة، التي تتعدى الخلاف المؤقت والنسبي لتخلق قصة الإنسان والوجود.

رغم ذلك فعليك يا بني وأنت تحكم عليهم أن تذكر أولاً مدى ما لاقَوْا وما عانوا، وكيف خرجوا من تلك المحنة التي عاشتْها أمَّتنا، وحملوا هم وحدهم وزرها، وآثارها، ولا تتصوَّرْ يا بُنَيَّ أنَّها محنة جيل واحد، لقد حمل ذلك الجيل الذي تنظر إليه مستنكرًا المآسي المترسبة خلال عشرة قرون على الأقلِّ، لا تتصوَّر أنَّني أدافع عن هذا الجيل الذي أنتمي أنا أيضًا إليه، أنا أعلَمُ – وسوف تقرأُ ذلك في صفحاتِ هذه التأمُّلات – أن هذا الجيل هو حلقة في سلسلة طويلة من الأجيال التي تنكَّرتْ لتعاليم آبائِها الأوائل، والتي خانَتِ الوظيفة الحضاريَّة الخلاقة، التي عَهِدَتْ بِها العِناية الإلهية لأبناء هذه المنطقة، أجيال تركت الآخرين يشكلون منطقها وعقلها على المستوى الفردي والجماعي، فأضحت لقمة سائغة في يد قوى معادية لا يمكن إلا أن تقِفَ من رسالتنا التَّاريخيَّة موقف الرفض والعداوة.

كم عانيت يا بني إذ أنظر إلى أولئك الذين من حولي؛ فتجمع نظرتي بين الحب والإشفاق من جانب، والاحتقار والازدراء من جانبٍ آخَرَ، كما تضافرت في الذات عوامل التمزق، وهل هناك أشد على النفس من أن تحتقر شخصًا وتحبه في آن واحد؟ من أن تزدري إنسانًا وتعطف عليه؟ تسعى إليه بدافع من العاطفة، فإن تركت المنطق بحكم لغته التي لا تعرف سوى الوضعية بجفافها، لم تستطع إلا أن تشعر بالنفور والابتعاد، إنها مأساة جيل كامل، لا يستطيع أن يفهم حقيقتها إلا من عاناها وعاشا جَنَبَاتِها.

لا شكَّ يا بُنَيَّ في أنَّك تنظر من حولك وتسأل نفسك: أين أنا؟ هل أعيش وسط غابة قد امتلأتْ بالوحوش؟ أم إنَّنِي أنتمي إلى حديقةٍ للحيوانات تَجري في أنْحائِها كيانات ليستْ فَقَطْ غير عاقلة ولكن مفترسة؟ أم إنَّنِي أُشاهِدُ مسرحيَّة تتذَبْذَبُ فُصُولُها، بين الهزل المضْحِك والجِدِّ المُبكي؟ ولكنَّك يا بُنَيَّ تعيش كل ذلك في آنٍ واحد بين طبقات حاكمة قد نسيت إلا أنانيتها، و"ديدان" استطاعتْ أن تتسلَّق لتَصِلَ إلى أقصى القِمَّة، ولكنَّها لم تعد تذكر طبيعتها منذ أن تربعت في كراسي السلطة، وظَنَّتْ أنَّها قدِ اكتَسَبَتْ خصائصَ القيادة، وذوي قدرات فكرية انقَلَبُوا إلى مَجموعةٍ من الصفاقة، الذين تعوَّدوا الكذب بلا حياء، وقد فقدوا كل وعي بتقاليد الممارسة المهنية، دعني أهمس في أُذُنِك أنَّ الطبقات الحاكمة – رغم ذلك – ليستْ إلا تعبيرًا عن فسادِ الجسد ورخاوة الإرادة وتعفُّن الضمير، وكلُّ شعبٍ لا يَحكُمُه إلا مَنْ يستحِقُّه، ويعكس جميعَ خصائصِه من ضعفٍ وقُوَّة، علينا أن نعترف أن تَخَلُّفَ المنطِق القياديِّ ليس إلا النتيجة الطبيعيَّة لقصور القوى الفكرية، والمثقفة عن أداء وظيفتها، وإذا كان الحاكم يتقن فن الكذب فليس إلا نتيجة عدم قدرة المجتمع على أن يواجه ذاته بصدق وصراحة، وإذا كانت أمتنا ليست قادرة على أن تفهم حقيقة الموقف الذي تجتازه، فمرد ذلك أن الضمير والوعي الجماعي لم يعد صالحًا لأن يخلق ويفرض ذلك الإطار من القيم والمثاليات، الذي هو وحده الصالح لأن يساند ويحكم التدبر والتعامل السياسي.

ترى هل نستطيع أن نفهم كيف أنَّ هناك لحظات في تاريخ المجتمعات يتعين فيها على المفكر والفيلسوف أن يخاطب رجل الشارع، يثير فيه عناصره النفسية الدفينة، ويدفع من خلال قرع الضمير الجماعي ذلك الرجل العادي ليحيله إلى قُوَّة خلاقة تنطلق في عملية إيمان بالذات لتصير فيضانًا يتحكَّم في مصائر الحركة؟ 
أليس هذا ما فعله سقراط، وانتهى بأن يقدم ذاته على مذبح الإيمان والتضحية؟ 
وهل تَختلِفُ القِصَّة في تاريخ المجتمع الإسلامي، ومن خلال أكثر من نموذج واحد؟ لنتذكَّر ابن تيمية على سبيل المثال! 
وهذا عالَمنا المعاصر يقدم لنا الصفحات الواحدة منها تلو الأخرى! 
وأين "فيشت"* من قصة الثورة في القيم والأخلاقيات على الأوضاع القيادية المتعفنة؟
-----
* فيشت: وقد يقرأ أيضا فيشته ... هو فيلسوف ألمانى يعرف بفيلسوف المقاومة أو الثورة، ومن أشهر أعماله كتاب "محاولة فى نقد الثورة"

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

دور المعلومات في الاستراتيجية الامريكية

المقالة الثانية 
دور المعلومات في الاستراتيجية الامريكية

 الدكتورحامد عبد الله ربيع



 هل نستطيع طرح الموضوع بشىء من الهدوء، والنظرة البعيدة المدى، دون ذلك التشنج الذى تعودناه فى مناقشاتنا منذ عدة أعوام؟
نحن علماء، والعلم يعنى الوصفية فى المواجهة، والمتابعة المنطقية فى التحليل، والصلابة فى النتائج، والحياد فى التقييم، ليس هدفنا فى هذه الصفحات أن نثير الماضى، وأن نتحدث عن المسؤول فلنترك ذلك جانباً ولكن نريد أن نقتنع بمصالح أمتنا الحقيقية، وكيف يجب أن نبنى إطارنا فى التعامل مع الواقع، الذى تعيشه مصر من جانب، والمنطقة العربية من جانب آخر، وموضع مصر من تلك المنطقة من جانب ثالث.فلنجعل هذا وحده منطلقنا فى تناول الموضوع. 

هناك، وقبل أن ندلى بدلونا فى العناصر المختلفة التى سوف تدفعنا إلى جوهر المعالجة التفصيلية نقاط ثلاث، يجب أن تكون واضحة ومقننة منذ البداية، حيث لا موضع حولها لمناقشات:
أولاً: دقة وخطورة عملية التعامل مع المعلومات.
ثانياً: خصوصية العلماء العرب الذين يأتون من الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً: طبيعة التطور العام فى المنطقة، وأهميته للاستراتيجية الأمريكية الجديدة وموضوع عملية جمع المعلومات من هذه الاستراتيجية.أول هذه المنطلقات والتى يجب أن تكون واضحة فى الذهن، هى ما يتعلق بعملية جمع المعلومات، من متابعة التعليقات المختلفة التى تثار بهذا الخصوص، نلحظ نوعاً من السذاجة المنقطعة النظير، 
ونحن نتساءل :هل هى سذاجة مصطنعة أم سذاجة حقيقية ؟ هل يتصور أولئك الذين يقولون بأن هذه المعلومات متوفرة فى الخارج، ونحن مهما أحطناها بسرية فلا يمكن أن تظل خافية على الآخرين إنه لا يوجد فى عالمنا العربى من يعرف حقيقة التعامل مع المعلومات؟ إنهم هم الذين لا يعرفون كيف تتم عملية جمع المعلومات؟ كيف تتم عملية استخدام المعلومات فى بناء التصور، وخلق مسالك التنبؤ؟ أم أن الحقيقة تجمع بين هذا وذاك؟
أ- فالملاحظة أولاً أن من يعهد إليهم بهذه البحوث فى كثير من الأحيان لا يملكون أى معرفة حقيقية بالبحوث الميدانية، لم تقدر لهم الدراسة العلمية السابقة، ولم تقدر لهم التجربة الواقعية الحقيقية، وهم إلى جانب ذلك يمتازون بالسطحية من جانب، والغرور من جانب آخر، وهذا سلاح ذو حدين: فهو من جانب يجعل المرء يطمئن إلى عدم قدرة هؤلاء على البحث الحقيقى، واكتشاف الحقائق المستترة خلف هذه المعلومات، ولكن من جانب آخر يصيرون أداة واعية فى يد المخطط الأجنبى الذى يجلس إلى جوار هؤلاء، ويستخدمهم كما تستخدم الدمى  على مسرح العرائس، وحتى لا يظن البعض أننى أبالغ فإننى أسوق واقعة واحدة، أن أحد أهم من قام بتوجيه بعض هذه الأبحاث وبحضور قنصل مصر العام فى روما فى الشتاء الماضى، قال لى بالكلمة الواحد: إن بعض ما قام به هؤلاء الباحثون المصريون، لا يصلح حتى للنشر فهو مادة تافهة لا ترقى إلا مستوى المادة العلمية.
ب- كذلك فإن استخدام المعلومات اليوم أضحى عملية مرعبة، من حيث القدرة والفاعلية، لقد ذكر البعض أنه فى عهد الرئيس عبد الناصر استطاعت المخابرات الإسرائيلية. من متابعة عدد علب السردين المنقولة إلى منطقة الإسماعيلية. تقدير تطور عدد القوات المصرية المقاتلة فى تلك المنطقة، وهذه ليست نكتة ولكنها حقيقة، إن النظريات السلوكية بتحالفها مع نظريات المعلومات وصلت إلى مستوى وقدرة على التنبؤ لا يستطيع أن يتصورها إلا أولئك الذين تعاملوا حقيقة مع هذه الأجهزة، وعلماؤنا الذين يُختارون لهذه المشاكل، أى لجمع المعلومات فى غالبيتهم العظمى ينتمون إلى ثقافة اجتماعية ضحلة لم تسمح لهم بالتعامل الرياضى والالكترونى مع أجهزة تحليل المعلومات.جـ- وتأتى لتزيد من مخاطر هذه الحقيقة أن الاستمارة التى تضم المعلومات قد تحتوى من الأسئلة ما لا صلة له بالموضوع، وهذا قد يجد تبريراً له فيما يقال: إن كل استمارة يجب أن تتضمن مجموعة أسئلة ضابطة، ومعنى ذلك أن هناك أسئلة لا تتناول بالتحليل موضوع البحث، ولكنها تسعى إلى جمع المعلومات القصد منها التأكد من صلاحية الحالة موضع التحليل، للاعتماد على صدقها فى نقل المعلومات، من الناحية العلمية قول سليم لا يمكن المناقشة فى صحته، ولكن من حيث الواقع، فإن هذا باب واسع للتحايل بحيث يسمح بالحصول على معلومات لا صلة بها بالبحث، ولكن الجهاز المتستر خلف البحث والمتخصص فى عملية جمع المعلومات يسعى للحصول عليها بجميع الوسائل، وهذا يذكرنا بالطبيب الذى يطلب من مريضته أن تكشف عن جسدها ليقوم بعملية الفحص، وهو لا يريد سوى أن يتمتع بالنظر إلى موضع الجمال بها، وقد يستغل ذلك والمريضة الساذجة التى تذكرنا بعالمنا المصرى لن تفهم ذلك إلا متأخرة وقد لا تفهم إطلاقا، وهناك من تفهمه وتتظاهر بعدم الفهم وتتمادى فى ذلك.
ولعله قد يكون من قبيل الاستطراد أن نطرح سؤالين:
الأول: هل حقا أنه فى بعض الأبحاث تأتى استمارة جمع المعلومات وقد تم إعدادها فى المراكز المتخصصة الأمريكية؟ ويكون دور عالمنا المصرى أن يبصم على الاستمارة ليضفى عليها صفة الشرعية؟
الثانى: هل الأبحاث المشتركة التى تتم فى الجامعات الأوربية واليابانية، بل وفى أمريكا اللاتينية تأخذ نفس هذه المنهاجية؟أسئلة محددة وكم كنت أتمنى أن يطرحها علماؤنا الأجلاء على زملائهم الأمريكيين الذين يشتركون معهم فى إعداد أدوات جمع المعلومات.د- وليكتمل هذا الإطار ننتقل إلى تلك المقولة الخاصة بأن المعلومات عن مصر وعن المجتمع المصرى . 
متوفرة فى الخارج، وهذه الأجهزة قادرة بإمكانياتها من الحصول عليها دون عناء، منطق أيضاً أشد تفاهة، فلو أن الأمر كان كذلك فلماذا تنفق تلك الجهات الملايين؟الواقع أن المعلومات التى تسعى إليها هذه الأجهزة هى تلك التى تسمى بالمعلومات الخاصة بالمبرارت "Motivation"، أو بعبارة أخرى المتغيرات الدقيقة التى تستتر خلف السلوك، وخلف الوقائع، إن المعلومات المتوفرة فى الأجهزة الخارجية يغلب عليها طابع الوقائع Facts وليست المبررات، وهذه الأخيرة هى المحور الحقيقى لعملية التطويع ولنقدم نموذجاً:
شخص يرفض تنظيم النسل، هذه هى الواقعة أو الموقف، ولكن المبرر متغير داخلى: قد يكون التدين، ودرجة التدين، وقد يكون الرغبة فى إنجاب طفل ذكر والزوجة لم تنجب سوى إناث، وقد يكون رفض مصدر الدعوة لسبب عقائدى عنيف، رغم القناعة بصحة ومنطق موضوع تنظيم النسل، وقد يكون مصلحة مهنية كأن يكون الشخص الرافض طبيب صاحب مستشفى للولادة على سبيل المثال، وقد تعلم الأمريكيون من خبرة إيران أن الاقتصار على المعرفة بالوقائع لا يمكن إلا أن يقدم صورة مشوهة، بل إن نظرية السلوك بكاملها من منطلق التقاليد الأمريكية تخضع فى هذه اللحظة لعملية إعادة تشكيل كاملة، وأحد عناصر ذلك هو كل ما له صلة بالتنبؤ بالسلوك.
والآن ننتقل إلى الناحية الثانية، وهى المتعلقة بالعلماء ومدى إمكانية الاستعانة بهم فى الأبحاث المختلفة التى قد يطرحها أو يفرضها موضوع التعاون المشترك.موضوع لا شك فى منتهى الحساسية، فليس هناك موضع للمناقشة فى أن من صالحنا السعى نحو استعادة هؤلاء العلماء لحاجتنا الماسة إليهم، سواء بخصوص المشروعات الإنمائية الطموحة التى تفكر فيها جميع المجتمعات العربية، سواء لبناء جامعات ومراكز بحوث متقدمة، هذه المنطقة فى أشد الحاجة إليها، والإحصاءات المتوفرة لدينا تسمح بتقدير أؤلى للكفاءات. الأرقام بهذا الخصوص تصيبنا بالذهول، فالمهاجرين العرب من العلماء والمهندسين ما بين عام 1966 وعام 1977 أى خلال قرابة عشرة أعوام، قد بلغ عددهم فقط من الذين يحملون درجة الدكتوراه أكثر من ستة آلاف عالم، نصيب مصر وحدها يزيد عن ثلاثة آلاف.وهم على وجه التحديد 3310 موزعون بالشكل التالى ، مهندسون 2113- علماء فى الطبيعيات 1039- علماء الاجتماع 158 وذلك دون الأطباء وسائر العلوم الأخرى جميع المحاولات بخصوص استعادتهم لأرض الوطن باءت بالفشل، ولعل خير نموذج لذلك مركز الإسكندرية للدراسات العلمية الذى أنشئ فى عام 1972 وحددت لإنهائة فترة حوالى خمسة عشر عاماً، واستناداً إلى تقرير اليونسكو الذى ساهم فى المشروع، فإنه لم يستطع حتى عام 1980 أن يجتذب من العلماء المصريين المقيمين بالولايات المتحدة سوى أربعة أشخاص هم الذين عادوا نهائياً.والآن عودة للتساؤل هل يصلح هؤلاء العلماء، وبالتحديد العلماء المقيمون بالولايات المتحدة الأمريكية، للمشاركة فى أبحاثنا الميدانية وتحمل مسؤولية تلك الأبحاث، ونحدد أيضاً: الأبحاث المتعلقة بالمعلومات التى ترتبط بالأمن القومى؟
نحن نجيب بصراحة ووضوح: كلا وليست هذه الإجابة مردها التعصب الأعمى أو عدم الثقة فى علمائنا بالخارج، ولكنها إجابة مردها العديد من الاعتبارات التى يعود جزء منها بالأساس إلى صالح هؤلاء العلماء أنفسهم، ونحن نقدم حقا خلاصة أبحاثنا التى نقوم بها لحساب اليونسكو العربية، بصدد إنشاء جهاز الانتفاع بالخبرة العربية المهاجرة لصالح التطور الاقتصادى والتكنولوجى فى المنطقة العربية.
الأسباب عديدة ونحن نوجزها فيما له صلة بموضوعنا:
أولاً: هؤلاء العلماء العرب بما فيهم المصريون المقيمون بالولايات المتحدة لا يخرجون عن واحد من اثنين: إما أنهم يحملون الجنسية الأمريكية وفى جيبهم جواز سفر أمريكى وإما أنهم لم يحصلوا بعد على الجنسية فى الحالة الأولى هم قد أقسموا لحظة الحصول على الجنسية بألا يخدموا سوى الدولة الجديدة، وأنهم لم يعودوا ينتمون من حيث الولاء إلا لهذه الدولة التى يحملون جنسيتها، وأقل ما يمكن أن يحدث فى مثل هذا القِسْم، هو حالة من التمزق، لو فرض عليهم أن يختاروا بين الولاء الجديد والأمانة نحو الولاء القديم، فإن لم يكونوا قد حصلوا على الجنسية فهم يعلمون أن مستقبلهم ومستقبل أولادهم متوقف على الحصول على تلك الجنسية، ومن ثم فإن حالتهم تدعو للرثاء والشفقة أكثر منها للثقة والطمأنينة.
ثانياً: هؤلاء العلماء قد انقطعت صلتهم بالوطن الأم، ومجرد هجرتهم تعنى أن هناك أسباباً معينة تجعل علاقة الولاء ضعيفة أو غير متماسكة، ومن ثم فهم غرباء عن وطنهم سواء بسبب الانقطاع المادى أو الغربة المعنوية، وليست عملية مجيئهم عدة أيام أو أشهر بقادرة على أن تعيد إليهم ذلك الذى لم تستطع أن تكسبهم إياه حياة كاملة سابقة، وهذا لا علاقة له بمشكلة الولاء، إنه فقط يعنى أن منطق هؤلاء العلماء وطريقة تفكيرهم وأسلوبهم فى مواجهة المشاكل، لم يعد مصرياً ولا يجوز أن يغرينا أو يخدعنا سواء أصلهم المصرى أو أنهم يتكلمون العربية، أو أنهم يتحدثون دائماً عن الغربة والرغبة فى العودة إلى مصر.
إن اللغة تصير بالنسبة لهم رموزا وليست مفاهيم، عبارات وليست مدركات، وهم قد يصلحون أداة اتصال بيننا وبين المنطق الأمريكى، وذلك فقط لصالح هذا المنطق الذى لا يملك أداة أخرى، ولكن هؤلاء لا يستطيعون أن يعيشوا منطقنا وإدراكنا فى دينامياته وتطوراته المتعاقبة والمتتالية، فى عصر أضحى يتميز بالوثبات المتلاحقة.
إنهم يذكروننى بالمغنية " داليدا " التى كلما تحدثت قالت بأنها ولدت وعاشت شبابها فى شبرا، فهل هى اليوم قادرة علي أن تعيش فى شبرا، وتفهم أهل شبرا مرة أخرى؟ ولماذا نذهب بعيداً: هل من يدخل الجامعة الأمريكية فى القاهرة يشعر بأنه حقيقة فى القاهرة، وأن من بها يعيشون فى القاهرة؟
 سؤال سوف نعود له مرة أخرى عندما نتعرض للوظيفة الحقيقية التى تتولاها الجامعة الأمريكية فى القاهرة، وكذلك جميع الجامعات الأمريكية فى مختلف أجزاء العالم .
ولكن ليسمح لى القارئ أن أذكره بواقعة شخصية: إننى لا أزال أتذكر التعليقات التى سمعتها عندما قدر لى أن أجرى دراسة ميدانية فى إحدى قرى الصعيد لحساب المركز القومى للدراسات الاجتماعية فى القاهرة، كانت قد نزلت قبلى وفى نفس العزبة باحثة مصرية آتية من أمريكا، تعمل لحساب الجامعة الأمريكية، وعندما ذهبت لتلك العزبة كانت تحمل فى حقيبتها عدة أنابيب مطهرة " د. د. ت"، وقبل أن تجلس تناقش الفلاحة المصرية فى موضوع بحثها، تبدأ الباحثة المتفرنجة تفرغ إحدى الأنابيب من حولها وتطلب من الفلاحة أن تظل بعيدة عنها عدة أمتار، وويل لها إن اقتربت منها، وكم سمعت من تعليقات على ذلك من أهالى تلك القرية!.
ثالثاً: وليسمح لى هؤلاء الأخوة أن أحدثهم بلغة صريحة: إن أغلبهم إن لم يكونوا جميعهم أدوات متقدمة للمخابرات الأمريكية يخضعون لتوجيهها بطريق أو بآخر، بل إن الكثير ممن درسوا فى تلك الجامعات وعادوا إلى مصر قد خضعوا لذلك التوجيه، لكن عودتهم إلى الأرض الوطن قد سمحت لهم ولو نسبياً باستعادة حريتهم وقدرتهم على عدم الخضوع المطلق، ولكن أولئك الذين يعيشون فى الأرض الأمريكية، يقعون تحت سيطرة العديد من تلك الأجهزة القادرة على أن تتغلغل فى جميع عناصر حياتهم، بل وفى بعض الأحيان فإن زوجاتهم الأمريكيات ليسوا إلا عملاء لتلك الأجهزة، هل يريدون أسماء؟ نحن على استعداد لأن نتحفهم بالكثير من النماذج، لا يعنى ذلك عدم الاستعانة بهؤلاء العلماء، ولكن يجب ألا نضعهم موضع الاختبار بالنسبة لمشاكلنا الأمنية التى لا بد وأن تفرض عليهم تمزقات عديدة، هم أنفسهم ليسوا راغبين فيها، علينا أن نساعدهم على ألا يوضعوا فى هذا المأزق، بأن نحجب عنهم التصريح بالمشاركة فى مثل تلك الأبحاث، ولتكن المبادرة من جانبنا بأن نغلق ذلك الباب الذى ليس لصالحنا، بل ولا من صالح هؤلاء العلماء أنفسهم أن يتورطوا فى متاهاته، وما يفرضه من مشاكل وما يخلقه من مخاطر، ولو كان ذلك فقط من قبيل الحيطة فإنه جدير بالاعتبار.
بطبيعة الحال أحدد مرة أخرى: أننى أقصد أولئك العلماء الذين لا يزالون يقيمون فى الولايات المتحدة من جانب وعندما يتعلق الأمر بجمع معلومات ترتبط بأمننا ثانياً، ولكن هذا لا يمنع من الاستعانة بهم فى خارج ذلك النطاق من جانب، ومن محاولة استعادتهم إلى الوطن الأم، التى لا تزال فى حاجة إلى خدماتهم وجهودهم من جانب آخر.
وهكذا نصل إلى النقطة الثالثة المتعلقة بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة وموقع سياسة جمع المعلومات من هذه الاستراتيجية.مما لا شك فيه أن الحديث عن هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، موضوع معقد متشابك لا نستطيع أن نصفه فى كلمات محدودة، ولكن التعرض له فى نطاق علاقته السياسية بجمع المعلومات يصير ضرورة أساسية لفهم الموضوع الذى نتناوله بالتعليق، والوقائع، أن الحديث عن هذه الاستراتيجية بدأ يتردد فى صورة خافتة هامشية عقب الانسحاب من فيتنام، ليصير قوياً مدوياً فى أعقاب أزمة الرهائن، وليصير سياسة صريحة واضحة مع وصول ريجان إلى السلطة، على أنه يمتد فى حقيقته من حيث أصوله إلى فترة حكم كيندى عندما قدر لماكنمارا أن يتولى وزارة الدفاع وأن يجمع حوله طائفة من أكثر العقول الاستراتيجية حنكة، لوضع أصول التحرك الدولى من منطلق مصالح الإمبراطورية الأمريكية.
فنلقف إزاء تلك العناصر الأساسية المرتبطة بموضوعنا:
أولاً: اتساع مفهوم الأمن القومى الأمريكى.
ثانياً: الترابط بين منطقة الخليج العربى وجنوب شرق أوروبا.
ثالثاً: العودة إلى ما يسمى بنظرية الجبن والضعف.
رابعاً: مواجهة أى حركة ترمى إلى تغيير الوضع القائم فى دول العالم الثالث بالعنف والاستئصال.
هذا العنصر الأخير هو الذى يقودنا إلى سياسة المعلومات، على أن توضيح العناصر الثلاثة الأول يكمل هذا الإطار الكلى للإدراك الأمريكى.فأول هذه العناصر هو اتساع مفهوم الأمن القومى الأمريكى بشكل لافت للنظر، عندما ربطت الولايات المتحدة بين أمنها القومى ووجود إسرائيل، وُصِفَ ذلك فى حينه بأنه توسع مبالغ فيه، اليوم أصبح ينظر إلى أى تغير فى العالم على أنه تهديد للأمن القومى الأمريكى، لقد أضحت حماية المواد الأولية فى دولة كجنوب إفريقيا، الدولة العنصرية، التى تضرب عرض الحائط بجميع المفاهيهم والمثاليات التى تقوم عليها الأسرة الدولية، وهى أحد عناصر الأمن القومى الأمريكى، وقد ترتب على هذا التصور أن الولايات المتحدة تسيطر عليها قناعة واحدة: لم تعد المخاطر التى يتعين عليها أن تواجهها لتسمح لها بالاعتماد على الآخرين: لا حلفاء ولا دول تابعة يجب أن تخلق أدواتها الذاتية فى كل منطقة.
يرتبط بهذا تطور خطير فى مفهوم التعامل الاستراتيجى، أحد محاور الصدام المحتمل باسم منطقة القلب، وهى الممتدة من جنوب شرق أوروبا، حيث مواقع الحلف الأطلنطى حتى وسط المحيط الهندى، حيث جزيرة " ديجوجارسيا " التى تتمركز بها أكبر قاعدة أمريكية عرفها التاريخ حتى اليوم، ويتبع ذلك أن هذه المنطقة يجب أن تدخل فى دائرة الاستعداد، حيث المسرح الثانى لحرب فى مستوى الصدام فى وسط أوروبا مع احتمالات التدفق الروسى وحلف وارسو.
هذا يقودنا إلى العنصر الرابع الذى يرتبط مباشرة بموضوع هذه الدراسة، والواقع أن هذا العنصر ينطلق من مقدمات معينه تدور حول أسلوب التعامل مع دول العالم الثالث، فأى حركة فى تلك الدول ترمى إلى تغيير الوضع القائم يجب أن تواجه بالعنف . ، إنها نوع من الإرهاب الدولى، يقول هيج عندما كان مسؤولاً عن وزارة الخارجية بهذا الخصوص: إن مفهوم مقاومة الإرهاب . الدولى- وهو الاصطلاح الذى استخدم للتعبير فى العالم الثالث - يجب أن يحل فى اهتمامنا موضع مفهوم الدفاع عن حقوق الإنسان، وكذلك فإن مواجهة هذا الإرهاب الدولى يجب أن تتم من خلال استخدام القوة العسكرية، من العبث الحديث عن الإصلاح أو التقدم أو التجديد، الذى يعنى القيادات الأمريكية هو القدرة على الاستئصال الجسدى والعنصرى للقوى الثورية والقيادات الرافضة وهكذا فإن النظرة الأمريكية الجديدة واقعية وعنيفة فى واقعيتها، إنها لا تؤمن بفكرة الإصلاح ولا بكل ما يتصل بغزو القلوب، هى تكتفى بغزو القوى الثورية، واستئصالها بالأدوات العسكرية، أو ما فى حكمها، أما ما عدا ذلك فلا يعنيها، لأنه مضيعة للوقت والمال. ولكن ما هى أدوات تنفيذ تلك السياسة فى دول العالم الثالث؟
أدوات عديدة ليس هذا موضع التفصيل بخصوصها." ولكنها تنبع من مفهومين أساسيين الوقاية أولاً خير من العلاج، ومن ثم يجب ألا تنتظر حتى تتفجر الثورة أو حركات الرفض، بل يجب اقتطاعها مسبقاً، والثانى عندما يحدث التدخل فلندع جانباً مفهوم التدرج فى التدخل، وإنما يجب أن يكون هذا التدخل كثيفا صاعقاً.
بعبارة أخرى أول ما يجب أن تهتم به الإدارة الأمريكية هو عملية حصر حقيقية للقوى والقيادات القادرة أو الصالحة لأن تكون بؤرة رفض على قسط معين مهم من الفاعلية، وعندما تكتشف الإدارة ذلك عليها أن تلجأ إلى جميع الوسائل لاستئصال تلك القوى والقيادات.الترغيب والتطويع خطوة أولى وإن لم تفلح فالقبض والسجن خطوة ثانية، وإلا فالقتل والاسئصال الجسدى ".
وقد أرفق الكاتب صورة فوتغرافية من جريدة "لموند الدبلوماسى" الفرنسية" Le Monde Deplomatique ".. عدد أبريل 1981:
"نشرت تقرير " ميتشيل كلار " الخبير فى التحليل السياسى، واحد ممن ساهموا فى وضع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التى بدأت من أول كارتر.. يعمل باحثا فى معهد دراسات التخطيط السياسى بواشنطن- صاحب المؤلف المشهور بعنوان " حرب بدون نهاية " الذى يؤكد فيه ضرورة أن تدخل الإدارة الأمريكية فى قناعتها استمرار التدخل فى العالم الثالث دون توقف.فى هذا التقرير تحدث عن التخطيط الأمريكى لمواجهة حركات الرفض فى دول العالم الثالث، على أساس تغيير الاستراتيجية التى كان يتبعها كيندى، واتباع استراتيجية جديدة، مفادها ليس خلق القناعة بالتعاون مع الإدارة الأمريكية وإنما استئصال مفاصل القوة فى المجتمعات موضع الغزو من دول العالم الثالث ".
هذا ما يكتبه بصراحة " ميتشيل كلار " الخبير فى معهد التحليل السياسى بجامعة واشنطن، وهو ما يسمح لنا بأن نفهم الوظيفة التى تؤديها مراكز البحوث المنتشرة خلف مزاعم الأهداف والاعتبارات الأكاديمية، وهو أيضاً ما يوضح النوايا الحقيقية من عمليات جمع المعلومات الميدانية، يقول الكاتب المذكور بكلمات صريحة، ليست فى حاجة إلى تعليق: " ولتستطيع هذه السياسة أن تكون مجدية، فإن السياسة الأمريكية تفحص الملاحظة المستمرة لسلوك المواطنين من خلال ناقلى المعلومات للإدارة الأمريكية، وكذلك من خلال وضع نظام حديث للتصنت والمراقبة فضلا عن معالجة المعلومات ".
ترى هل قرأ علماؤنا تقرير هذا العالم؟ وهو أحد من ساهموا فى وضع هذه الاستراتيجية؟ هذا التقرير قد نشرته جريدة " لموند " الدبلوماسى فأقام الدنيا وأقعدها فى جميع أجزاء أوروبا، ولكن علماؤنا الأجلاء لا يزالون يغطون فى النوم.فهل من مستمع؟! ".وتحت صورة لكتاب بالفرنسية عنوانه: غزو الأرواح “La Conquete des esprites” كتب حامد ربيع:
" أصدره الناشر اليسارى الفرنسى " ماسبرو " سنة 1982، وهو يحدد مصادر التصور الأمريكى لغزو العقول فى العالم المعاصر بما فى ذلك أوروبا، وكيف أن التفكير بدأ أثناء الحرب العالمية الثانية.هذه الوثيقة خطورتها فى أنها تحدد مصادر غير معروفة وغير متداولة، عن كيفية دراسة وإعداد هذا المخطط منذ الحرب العالمية الثانية نفسها، ويقال: إن سبب مقتل فلترينلى الناشر الإيطالى اليسارى المشهور يرتبط بهذه الوثيقة ".
وتحت صورة لكتاب آخر بالإيطالية كتب حامد ربيع:" سالمون أشهر فيلسوف ألمانى- تصدى للغزو الفكرى الثقافى الأمريكى لألمانيا من سنة 1951. الكتاب الأصلى باللغة الألمانية صادر سنة 1951، وتمت ترجمته إلى الإيطالية سنة 1954، الغريب أن تلميذه هو (خيمر) أستاذ علم النفس السياسى، ومن أشهر أطباء علم النفس فى جامعة برلين اختفى فى الستينات ولا نعرف عنه شيئا ". عزيزي القاري العربي برجاء القراءة بتركير بين يديك كنزمن المعلومات التي سوف تساعد علي فهم الواقع وقراءة المستقبل .

الأحد، 4 يونيو 2017

د. حامد ربيع قراءة السيرة الذاتية


الدكتورحامد عبد الله ربيع
قراءة السيرة الذاتية
حامد عبدالله ربيع عبدالجليل (1925-1989) ولد في القاهرة. تزوج من امرأتين إحداهما مصرية و الأخرى عراقية و له من الأطفال أربعة محمد، عبدالله، شمس، و رحاب. 
من الملفت أثناء قراءة السيرة الذاتية لربيع هو انكبابه على العلم و انجذابه الشديد للتعليم الأكاديمي وهو ما نتج عن حصوله على سبع شهادات دكتوراه و ست دبلومات. 
حصل على دكتوراة في علم الاجتماع التاريخي من جامعة روما عام 1950 بعد أن تعلم الإيطالية و اللاتينية و دكتوراة في فلسفة القانون في العام التالي ثم دكتوراة في العلوم النقابية عام 1954 بعد ذلك تابع دراسته في العلوم السياسية و القانونية التي أثمرت عن شهادتي دكتوراة في هذين المجالين.

التوجه السياسي:
"الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع وجودي وليس حدودي" كانت عبارة نسبت إلى حامد ربيع و ليس غريبا أن يوصف في أوساط الدولة العبرية ب"عدو إسرائيل". 
يعتقد البعض أن ربيع له قدرة غير سيئة على التكهن السياسي، و خير مثال على ذلك منعه من السفر من قبل السلطات العراقية حينما كان مدرسا في إحدى جامعات بغداد بسبب تحذيره من غزو العراق للكويت. استطاع حامد العودة إلى بلده هربا بعد قرار المنع. كما تكهن أيضا باستعمال العرب لسلاح النفط خلال الستينات من القرن الماضي.

من بين المناصب التي تقلدها:
أستاذ و رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة
أستاذ و رئيس قسم الدراسات القومية في معهد الدراسات العربية
أستاذ خارجي في جامعات الخرطوم، بغداد، روما، باريس، و جامعات دمشق و الجزائر و الكويت و الإمام محمد بن سعود الإسلامية و جامعة ميتشيجان الأمريكية.
قام بإنشاء مركز الدراسات الإنمائية في كلية الاقتصاد و العلوم السياسية في جامعة القاهرة و أشرف على إنشاء المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية المصرية ثم انتقل إلى العمل في مركز البحوث العربية في بغداد حيث أقام في العراق ما يقرب من 8 سنوات.

مؤلفاته:
1. إطار الحركة السياسية في المجتمع الإسرائيلي
2. مصر تدخل عصر النفايات الذرية
3. الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني و ارادة التكامل القومي
4. اتفاقيات كامب ديفيد. قصة حوار بين الثعلب و الذئب
5. الإستعمار والصهيونية وجمع المعلومات عن مصر
6. من يتحكم في تل أبيب؟
7. النموذج الإسرائيلي للممارسة السياسية
كما له مقالات في جريدتي الأهرام و الوفد.

لغز موته:
في التاسع من سبتمبر من عام 1989 لقي حامد ربيع حتفه. و كان سبب الوفاة حسب ما تناقلته أغلب وسائل الإعلام في تلك الفترة يرجع إلى إصابته بـ"مغص شديد" لم يمهل المتوفى أكثر من ربع ساعة قبل أن يسلم روحه.
جدير بالذكر، أن حامد ربيع كان بصدد افتتاح مركز في شقة يملكها في حي الجيزة لـ"استشارات صنع و اتخاذ القرارات" في العاشر من الشهر. تتجه بعض أصابع الإتهام إلى الموساد الإسرائيلي أنها تقف وراء اغتياله للحيلولة دون افتتاح المركز، ولنشاطه في فضح مخططات الصهيونية.
ولا يزال الغموض يكتنف حادثة وفاة الدكتور ربيع إلى هذا اليوم.

الخميس، 26 مارس 2015

احتواء العقل المصري


احتواء العقل المصري
أخطر مقال للراحل حامد ربيع: المخطط الإسرائيلي لتقسيم الدول العربية




العرب نيوز

عندما كتبت مقالاتي السابقة عن مخطط التقسيم الذي يجري الآن باسم تقسيم إداري جديد للمحافظات المصرية، لم أكن قد قرأت ما كتبه العالم المصري الاستراتيجي الكبير الراحل الدكتور حامد ربيع عن ذات الموضوع.
لقد فوجئت بأن حامد ربيع كتب سلسلة مقالات في بداية الثمانينات، في جريدة الوفد ومجلة الأهرام الاقتصادي، من أهم ما كتب في تحليل الاستراتيجيات المعادية، وكشف معلومات تفصيلية عن الخطط الإسرائيلية والأمريكية المتعلقة بمصر والمنطقة العربية والعالم الإسلامي، ووضح فيها كيف يفكر الأمريكيون والإسرائيليون تجاهنا، وأثبت بالمعلومات والوثائق محاور المخطط الإسرائيلي الأمريكي لتمزيق كل الدول الكبيرة الذي يجري الآن في كل المنطقة.
هذا المقال وباقي السلسلة يفسر ما نراه هذه الأيام في مصر واليمن وليبيا والعراق والسودان والمغرب وما ينتظر باقي الدول العربية الكبيرة التي يرى الإسرائيليون أن بقائها متماسكة وبزيادة سكانها خطرا على وجود الكيان الصهيوني.
أنصح كل عربي ومسلم أن يقرأ هذا المقال وكل ما كتبه الدكتور حامد ربيع ليفهم ما يجري في بلادنا وما نساق إليه.
أعيد نشر مقال الدكتور حامد ربيع عسى أن يجد كلامه آذانا صاغية في كل بلادنا المستهدفة، تساهم في وقف تنفيذ المخطط الإسرائيلي الأمريكي، فمثل هذه الخطط ليست قدرا محتوما، وإنما هي مكر شيطاني يتبدد بأقل تحرك بعد التوكل على الله.


عامر عبد المنعم

هذا هو المقال الأول للدكتور حامد ربيع في سلسلة المقالات التي نشرت بعنوان " احتواء العقل المصري، " في الأهرام الاقتصادي " العدد 733 القاهرة في 31/1/1983


احتواء العقل المصري


بقلم: حامد ربيع:

"هل حقا عاد الوعي إلى مصر؟ مصر الخالدة، التي ظلت دائماً صامدة أمام أي عدوان؟ نعم إنها الأنثى التي تعرف بحسها اللاشعورى ابنها الحقيقي، من ذلك الذي حملته سفاحاً، فجاء يلطخ اسمها بالأوحال.
مصر التي لم تعرف خلال تاريخها الطويل سوى الآلام، ومع ذلك فهي قائدة بتضحياتها، قوية بإيمانها، راسخة بصلابتها، هذه هي التي أتوجه إليها بالحديث، أؤكد لها أن أبناءها الحقيقيين سوف يظلون على عهدهم عصبها الحقيقي، ودرعها الواقية، وسوف يحمون بجسدهم قيمها الحقيقية، قيم الصلابة السلوكية، والقوة المثالية، قيم الوظيفة الحضارية والقيادة التاريخية.
أ- موضوع إعادة وصف مصر، لا يمكن فصله عن حقائق ثلاث، مجموعها يكون الإدراك الحقيقي للتعامل الدولي، الذي خضعت له مصر دائماً، بل والمنطقة العربية سواء سميت هذه بمنطقة الشرق الأوسط أو بالوطن العربي، وهى حقائق ليست جديدة بل إننا فقط لم نعد نعرف تاريخنا وقد أضحينا نتجاهل خبرة آبائنا وأجدادنا في التعامل مع القوى ذات الأطماع الاستعمارية.
أول هذه الحقائق: الرغبة الثابتة في معرفة مصر من الداخل، وتحليل خصائص منطقها وأسلوب التعامل مع عقليتها وعقلية قياداتها السياسية والفكرية، هذه المعرفة لا تعود إلى الأمس القريب، ولا تبدأ فقط مع الحملة الفرنسية، وكتاب وصف مصر.
إن تحليل دراسة الماضي تثبت أن هذه الحقيقة تعود إلى أقدم العصور، بل وإلى عصر البطالسة على وجه التحديد، عندما حدث أول صدام حقيقي مع إمبراطورية كبرى، ولكننا لو اقتصرنا على العالم المعاصر، لوجدنا أول تعامل مع هذا المفهوم يقودنا إلى فترة حكم على بك الكبير الذي يندر أن يذكره أحد، هو أول من حاول بناء دولة كبرى في منطقة الشرق الأوسط، وقد كشفت الوثائق التي قدر لنا أن نطلع عليها ونحللها، أنه في فترة حكمه، وهى فترة فكرت فيها فرنسا بدورها في مد نفوذها إلى وادي النيل، والتدخل في هذه المنطقة أرسلت أحد أبنائها واسمه " سافادى "، عاش في مصر ثلاثة أعوام، أرسل خلالها مجموعة من الخطابات إلى المسئولين، موجودة حالياً في المكتبة الوطنية بباريس باسم " رسائل من مصر " ومن يرد أن يعرف كيف كان يتولى هؤلاء الجواسيس جمع المعلومات من منطلق الفضول ظاهرياً ومن منطلق التخطيط الواعي لفهم عقلية هذه البلاد، التي يرغبون في الاستيلاء على خيراتها فعلاً، فليس عليه سوى أن يطلع على هذه الخطابات، المجموعة في ثلاث مجلدات بباريس، وتوجد منها نسخة معروضة للبيع لدى المكتبة الشرقية بشارع "Monsieur Le Prince" حاولت أن أحصل عليها في الصيف الماضي ولكنني كنت عاجزاً إزاء ثمنها وهو حوالي ألف ومائتا جنيه.
الحقيقة الثانية: تدور حول طبيعة المخطط الاستعماري من حيث خصائصه العامة في التعامل مع مصر، إنه دائماً يسير في خطين متوازيين، خلق الفرقة بين القيادة المصرية والشعب المصري من جانب، وفرض العزلة في العلاقات بين مصر والدول المحيطة بها من جانب آخر، وكان محور ذلك دائماً التعامل النفسي، هذا المحور قد يختلف من حيث تشكيله وأداته من مرحلة لأخرى، ومن مستعمر لآخر ، لأنه ينبع من التصور لأسلوب الغزو، ومنطق الفتح، ولكن تحطيم الثقة في الذات القومية كان دائماً العنصر الأساسي في عملية الغزو المعنوي، وقد بدأ ذلك من الفتح الروماني عقب مقتل كليوباترا خرج رسل قيصر روما الجديد ولديهم أمر واحد صريح تحطيم معبد الكرنك، لماذا؟ لأن معبد الكرنك لم يكن مجرد منزل الإله، بل لأنه كان يمثل أكبر جامعة في العالم القديم، علماء الكيمياء والطب والتشريح واستخراج المعادن، كانوا في رداء الكهنوت في ذلك المعبد بالمئات، بل وبعض النصوص اللاتينية تحدثنا عنهم بالآلاف، تحطيم الكرنك لم يكن يعنى مجرد تحطيم معبد، ولكنه استئصال للعلم والتكنولوجيا المتقدمة، التي عرفتها أرض وادي النيل.
الاستعمار الفرنسي ورث الاستعمار الإنجليزي، وكلاهما ورث وعاش مفاهيم استراتيجية القيادات الرومانية ، ومن المعلوم أن رعاة البقر القادمين اليوم من القارة الجديدة، يصفون أنفسهم بالقياصرة الجدد، وهكذا علينا ألا نندهش إزاء سياسة استعمارية تنطلق من مبدأ اختصاص قدراتنا العلمية ومواهبنا الإبداعية كيف؟
سوف نرى ذلك فيما بعد وفى موضعه، وسوف ندرك حينئذ الخطورة الحقيقية لهذا الموضوع الذي نحن بصدده، وكيف أن على الدولة أن تستيقظ، وعلى الحاكم أن يفتح عينيه دوماً ليعرف كيف أن كيان أمة قد أضحى موضع التهديد.
بل إنني أتساءل هل نستطيع الآن أن ننقذ الجسد مما ألم به؟ قبل أن تصيبه مآسي حقيقية؟ ألم يعد الوقت متأخراً ؟
الحقيقة الثالثة: التي يجب أن ندخلها في الاعتبار وهى أن الاستعمار الذي يعرفه العالم المعاصر ينطلق من مفهوم الاستعمار الجديد، والاستعمار الجديد يعنى بأبسط الكلمات: خلق التبعية المعنوية.
التبعية قديماً كانت أداتها هي القوة الغاشمة والقهر المادي والعضوي، جيش يأتي فيحتل الأرض المراد استغلالها والحصول على ثرواتها.
اليوم هناك أسلحة أكثر فتكاً وأقل تكلفة: أسلحة نفسية تواضع العلماء على تسميتها بكلمة الغزو المعنوي، هذا هو مفهوم الاستعمار الجديد، هذا المنطق تختلف أساليبه، أو بعبارة أدق تختلف فلسفة التعامل بخصوصه، فالمنطق الفرنسي يدور حول خلق التبعية من المنطلق الحضاري، ومن خلال زرع كلمات الفكر الفرنسي.
الروسي يفضّل منطق الولاء والقناعة الأيديولوجية، وهكذا تصير الاشتراكية والعدالة، الاشتراكية والمساواة بين الشعوب رداء فضفاضاً يستتر خلفه منطق التغلغل، وخلق التبعية المعنوية.
الأمريكي ابتدع مفهوم التنمية وأسلوب الحياة الأمريكي، هو يجمع بين عنصرين كل منهما يكمل الآخر: عنصر القناعة الفكرية بالتنمية وما ينطوي تحتها من مثاليات، بحيث تستوعب في نظام القيم القومية من جانب، ثم عنصر الممارسة والحياة الواقعية من خلال تقديم نموذج الوجود الأمريكي، على أنه المثل الأعلى في العالم المعاصر للمجتمع المثالي، وهو يسعى بهذا المعنى لخلق التبعية السلوكية أولاً من جانب الجماهير، وثانياً التبعية الفكرية لتلك المتعلقة بالفئة المختارة، وذلك دون الحديث عن التبعية المصلحية للفئات المنتفعة.
وسوف نرى كل ذلك تفصيلاً في موضوع آخر.
ب- قد يتصور البعض أن كاتب هذه الصفحات يبالغ ويضخم، ولكنني أؤكد أن تحت يدي من الوثائق ما يجعل أي مواطن مؤمن بواجبه لو قدر له الاطلاع عليها يخجل مما يحدث حوله، وهو صامت لا يرفع راية التحدي والمطالبة بوضع حد لهذا التسيب الذي تعيشه مصر منذ عدة أعوام.
ولنقتصر مؤقتاً على بعض المنطلقات:
ا- أول هذه المنطلقات: هو أن التفكير في هذه العملية أي في عملية الغزو المعنوي العقلي والفكري للعالم الثالث، بل وللعالم الأوربي نفسه لا يعود من جانب القيادة الأمريكية إلى الأمس القريب، يوجد في منطقة الأوهايو بشمال أمريكا، وعلى وجه التحديد بمدينة كليفلاند مبنى يحمل اسماً ترجمته الحرفية " القضية الغربية " الدخول إلى هذا المبنى الذي يوصف بأنه جامعة أصعب من التطرق إلى دهاليز البنتاجون، وأتحدى أن يكون أحد حضرات العلماء الذين أقبلوا على السادة الأمريكيين يخدمونهم بكل هذه القناعة، قد سمع بها أو علم بما يحدث في داخلها، عندما كنت بالولايات المتحدة في صيف عام 1973 وقبل حرب أكتوبر في مهمة رسمية لحساب السلطات المصرية، حاولت أن أدخل هذه الجامعة، ولو لعدة ساعات فلم أستطع، ورغم أنني استطعت أن أدخل حاخامية القيادة الصهيونية، وأجلس مع "دانييل سيلفر" ابن أكبر الدعاة للصهيونية الأمريكية وأطلع على خطاباته أقصد أباهى لِلَيل سيلفر فقد ظلت أبواب هذه الجامعة مغلقة بالضبة والمفتاح أمام كل محاولاتي وخلال شهر كامل.
2- لدينا اليوم دراسة قامت بنشرها إحدى دور النشر الفرنسية، وهى متداولة في الأسواق منذ الشتاء الماضي، ورغم أنني في هذه اللحظة لا أذكر اسم المؤلف أو الدار إلا أنها موجودة لدينا بالقاهرة، وكم كنت أتمنى أن تترجم إلى اللغة العربية، وبصفة خاصة
أن تجميع الوثائق التي تستند إليها هذه الدراسة من تقارير سرية، تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.
وكيف منذ تلك الفترة بدأت القيادة الأمريكية المسؤولة تخطط لكيفية غزو العقول والأفئدة.
فقط أود أن أضيف بأن مقتل الناشر اليساري الإيطالي المشهور " فلترينللى" منذ قرابة عشرة أعوام والذي ظل يحيط به الغموض حتى وقت قريب، الجميع يعلم اليوم أنه مرتبط بهذه الوثيقة، وفى التفكير في طرحها على الرأي العام الأوربي، وليس ذلك لأن الرأي العام الأوربي يخشى على مصير مصر، ولكن لأن هذا المخطط يتجه أيضاً إلى العالم الأوربي.
3- ولعله يكفى التأكيد بهذه الحقيقة وما يرتبط بها، من تصور أمريكي لأساليب الغزو الفكري، أن نعود إلى ما حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في كل من اليابان وألمانيا الغربية، ولنحدد مصادر المعلومات بهذا الخصوص، حتى لا تخرج علينا أبواق التكذيب، أول مصدر هو كتاب العالم الأمريكي " الأشهر كاهن " عن اليابان ولنتذكر أن " كاهن " هو العقل المفكر لمؤسسة "راندكوربوريشن"، وقد كان أي " كاهن " مستشاراً للرئيس كيندي في لحظة معينة، هذا الكتاب يحمل عنوان: (اليابان).
أما عن ألمانيا فلدينا وثيقة خطيرة كنا نتمنى أن تترجم إلى اللغة العربية، ونحن على استعداد لأن نقدمها مجاناً لأي جهة علمية مصرية تتعهد بتلك المهمة ، هذه الوثيقة تحمل عنواناً له دلالة: " سوف أظل بروسيا " كتبها الفيلسوف الألماني الشهير (سالومون). ظروف هذا الكتاب الضخم الذي يقرب من ستمائة صفحة والذي أصدره فيلسوف ألمانيا الأشهر عام 1954 هو أنه سقطت في يده بطريق المصادفة، أداة جمع المعلومات التي كانت قوات الاحتلال الأمريكي في ألمانيا قد قامت بتنفيذها، لدراسة خصائص الطابع القومي الألماني، ويستطيع القارئ أن يجد تفاصيل بهذا الخصوص في مؤلفنا بعنوان " مقدمة في العلوم السلوكية " وبصفة خاصة طبعته الثانية " دمشق عام 1981 "
هذا الحادث له دلالة متعددة الأبعاد:
أولاً: أسلوب جمع المعلومات الميداني، هو المسيطر على المنطق الأمريكي، كنتيجة للمدرسة السلوكية التي تتحكم في المنطق العلمي للتحليل الاجتماعي والسياسي في تلك التقاليد.
ثانياً: إن هذه المعلومات ليست بقصد علمي منزه، لقد كانت تقوم بها في ألمانيا واليابان قوات الاحتلال، وتخضع لإدارة عسكرية، وهى اليوم في المجتمعات المتخلفة تتولاها أجهزة في ظاهرها جهات مدنية، ولكنها تنتهي بأن تصب في أجهزة الأمن القومي الأمريكي الصانعة للسياسة الخارجية لتلك الدولة، أو على الأقل المحددة لأهم مؤشرات ومتغيرات تنفيذ تلك السياسة.
ثالثاً: كذلك فإن هذا المفهوم للتعامل لا يعود للأمس القريب، لقد طُبّق في ألمانيا الغربية منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية، وطبق بالنسبة لليابان منذ فترة سالفة على الحرب العالمية الثانية. يخبرنا " كاهن" في مؤلفه السابق ذكره بأن ذلك تم أثناء الحرب حيث طبق على اليابانيين المقيمين بالولايات المتحدة بل ومنذ عام 1942.
رابعاً: ونستطيع أن نضيف إلى ذلك أنه بالنسبة للمنطقة العربية، فإن تطبيق هذا الأسلوب لا يعود إلى الأمس القريب، يخطئ من يتصور أن بداية عملية جمع المعلومات الميدانية عن مصر تعود فقط إلى عدة أعوام، لقد بدأت الولايات المتحدة في تنفيذ هذه السياسة مند عهد عبد الناصر، وعلى وجه التحديد عقب حوادث وحدة مصر مع سوريا، ثم حرب اليمن، ولكن تم ذلك خلال تلك الفترة بطريق الوسيط، وأستطيع أن أؤكد أن ذلك تم خلال الفترة من خلال منظمة فورد التي بدورها عهدت إلى بعض الإيطاليين وواحد منهم دون ذكر اسمه مؤقتاً شخص تصفه الأوساط العالمية الإيطالية بأنه اكبر " نصّاب " في تاريخ إيطاليا العلمي الحديث، قام بإنشاء مركز مصطنع وهمي في إحدى الشقق الخاصة بروما ومن خلاله استطاع التسرب إلى مصر عن طريق بعض الأجهزة المسئولة ذات البريق الجذاب، وقام بجمع المعلومات اللازمة، سواء بخصوص تطور العمالة المصرية في العالم العربي، أو سواء بصدد انتشار المفاهيم والمدركات المصرية في العالم العربي، وأثر كل ذلك على الاندماج العربي، وهذه الدراسات التي نوقشت في ميلانو وشاءت المصادفة إلا أن أحضر المناقشة، بوصفي أستاذاً خارجياً في جامعة روما، كانت هي الأساس الذي استتر خلف سياسة واشنطن، عقب ذلك ابتداء من عام 1974 وانتهاء بالتوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد.
وسوف نعود للتفاصيل وندعمها بالوثائق.
ب- كل هذا يقودنا إلى أهداف تلك السياسة الخاصة، بجمع المعلومات، ورغم أننا سوف نطرح التفاصيل في مقالاتنا المتتابعة إلا أننا نود منذ البداية أن نذكر بأن عملية جمع المعلومات هذه تستند إلى تحالف وثيق، وتنسيق بين الأجهزة الأمريكية من جانب والأجهزة الإسرائيلية من جانب آخر، وأجهزة حلف الأطلنطي من جانب ثالث، والمخابرات الأمريكية بصفة خاصة تعمل بتوافق تام مع أجهزة الأمن الإسرائيلي، والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة ووضوح، ما هي أهداف السياسة الإسرائيلية البعيدة المدى والتي تتفق مع السياسة الأمريكية، وكيف تستطيع عملية جمع المعلومات هذه أن تخدم كلا السياستين ؟
لقد ظلت مصر دائماً في جميع مراحل تاريخها متماسكة، قومياً وسياسياً واقتصادياً، لماذا ؟
التاريخ والطبيعة الجغرافية والتقاليد الحضارية تجيب على هذا التساؤل، ولكن ما هو أخطر من ذلك؟ هو أنه لم يكن من صالح الدول المستعمرة أو المحتلة تجزئة مصر، ستة آلاف عام ظلت خلالها مصر ومنذ عهد (مينا) دولة واحدة تعبر عن كيان قومي واحد. ولكننا اليوم نعيش مرحلة فيها قوى دولية تطمع في مصر، ومن صالحها تجزئة ذلك الكيان فهل نحن على وعى بذلك؟ لأنها في نهاية القرن سوف تصير ثمانين مليوناً ولأن موقعها الاستراتيجي أضحى أكثر خطورة على مصالح القوى الكبرى ، ولأن حقيقة الصراع الدولي تغيرت معالمه وخصائصه، ولو استطاعت مصر أن تهيئ لنفسها قيادة حقيقية فهي مؤهلة، لأن تجمع تحت رايتها جميع دول المنطقة العربية، وهذا يعنى نتيجتين:
أولاً: انتهاء إسرائيل سواء باستئصالها واقتطاع وجودها، أو بذوبانها وابتلاعها.
ثانياً: وضع حد لعملية النهب التي تمارسها القوى الدولية والشركات الكبرى المتعددة الجنسية في جميع أجزاء المنطقة العربية.
من يريد أن يعرف كيف تفكر القيادة الإسرائيلية، فليعد إلى كتاب "بن جوريون " الذي أنهاه قبل موته بعدة أشهر، والذي يعتبر وصية للجيل الذي أعقبه بعنوان "A Personal History " " تاريخ شخصي " كتاب ضخم يقع في حوالي ألف صفحة يشرح فيه كاتبه من خلال حياته تطور وظيفة إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، فهل قرأه أحد من السادة علماء السياسة الذين تطوعوا لخدمة السادة الجدد لقاء عدة ملاليم دون وعى ودون حياء؟
فلنعد للتساؤل: ما الذي تخطط له إسرائيل بالنسبة لمصر في الأمد البعيد ولو نسبياً ؟
إن المخطط العام الذي يسيطر على القيادة الصهيونية، وهو تجزئة المنطقة وتحويلها إلى كيانات صغيرة يسيطر عليها مفهوم الدولة الطائفية، ومصر هي الدولة الوحيدة التي سوف تقف عقبة في وجه هذا المخطط. ولكن هذا لا يمنع القيادة الصهيونية من أن تفكر في تنفيذ نفس السياسة أيضاً بصدد وادي النيل، بل إن المخاطر التي يتعرض لها هذا الكيان الصهيوني، لو ظلت مصر في تماسكها أولاً وفى تضخمها الديمقراطي ثانياً، وفى تقدمها العلمي والتكنولوجي ثالثاً هي قاتلة والقيادة الإسرائيلية تعلم ذلك جيداً، فهل تقف صامتة؟
الخيال الصهيوني يتصور هذه التجزئة في أربعة محاور أساسية:
أولاً: محور الدولة القبطية الممتدة من جنوب بني سويف حتى جنوب أسيوط، وقد اتسعت غرباً لتضم الفيوم التي بدورها تمتد في خط صحراوي يربط هذه المنطقة بالإسكندرية التي تصير عاصمة الدولة القبطية، وهكذا تفصل مصر عن الإسلام الإفريقي الأبيض وعن باقي أجزاء وادي النيل.
ثانياً: ولتزيد من تعميق هذه التجزئة تربط الجزء الجنوبي الممتد من صعيد مصر حتى شمال السودان باسم بلاد النوبة بمنطقة الصحراء الكبرى، حيث أسوان تصير العاصمة لدولة جديدة دولة تحمل اسم دولة البربر.
ثالثاً: الجزء المتبقي من مصر سوف تسميه مصر الإسلامية وهكذا تصبغ الطابع الطائفي على مصر بعد أن قلصتها من عاصمتها التاريخية في الشمال وعاصمتها الصناعية في الجنوب.
رابعاً: وعندئذ يصير طبيعياً أن يمتد النفوذ الصهيوني عبر سيناء ليستوعب شرق الدلتا بحيث تصير حدود مصر الشرقية من جانب فرع رشيد، ومن جانب آخر ترعة الإسماعيلية، وهكذا يتحقق الحلم التاريخي من النيل إلى الفرات، طبقاً للشطر المتعلق بالفرات ليس هذا موضعه ولكنه بدوره يخضع لتصور آخر.
سوف نسمع الصيحات: خيال مريض! ولكن ألم نصف ما حدث في لبنان منذ عشرة أعوام بأنه خيال، وها هو اليوم يتحقق أمام أعيننا؟ عندما كتبنا ننبه الأذهان في كتابنا عن " الحرب النفسية " قبل حرب أكتوبر اتهمنا بالمبالغة وكنا نتمنى في قرارة أنفسنا أن نكون فعلاً مبالغين، ولكن ها هو كل ما تنبأنا به قد تحقق، واليوم هذه التصورات التي نطرحها سبق وحددناها في كتابنا عن " اتفاقيات كامب ديفيد " ونعود اليوم لنؤكدها وقد ازددنا قناعة، بل نود أن نضيف بأن الوثائق المتعلقة بالحديث عن "جمهورية سيناء المستقلة" موجودة في مصلحة الاستعلامات بالقاهرة، فهل فكر أحد في تحليل واستخلاص دلالتها من هذا الجهاز الضخم المسئول عن أمن مصر؟
سؤال ليس في حاجة إلى إجابة.
إن أخطر ما يجب أن نلحظه، وأن نؤكد عليه هو أن التطور الذي نعيشه جعل سياسة القوى الكبرى تتفق في مصالحها مع سياسة إسرائيل، لا فقط بمعنى عزل مصر بل وبمعنى تجزئة مصر، ورغم أننا أيضاً سوف نعود لهذا بتفصيل في مواضع أخرى، إلا أننا نقتصر بهذا الخصوص على أن نطرح علامات الاستفهام التالية:
أولاً: لماذا اهتمت الأبحاث الميدانية التي أجرتها الهيئات الأمريكية على وجه الخصوص بمحافظة الفيوم وكذلك بمدينة أسوان؟
ثانياً: وهل الاهتمام بمحافظة الفيوم ينبع من التصور الإسرائيلي بخصوص الدولة القبطية؟ الذي أساسه ضم الفيوم إلى المحافظات الأخرى السابق ذكرها، وشق طريق صحراوي يربط هذه المنطقة عبر وادي النطرون بالإسكندرية، التي سوف تصير عاصمة للدولة الجديدة، وقد اتسعت لتضم أيضاً جزءاً من المنطقة الساحلية الممتدة حتى مرسى مطروح ؟
ثالثا: وهل هناك علاقة بين الاهتمام بأسوان، والحديث المتردد عن دولة البربر، التي سوف تمتد حينئذ لتشمل الصحراء الكبرى من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر؟
التفكير في دولة البربر قديم، أثارته بعض الاتجاهات الاستعمارية الفرنسية قبل الحرب العالمية الثانية، وعندما بدأت تتكشف أهمية البترول المنتشر في الصحراء الجزائرية وحولها، ولكن التفكير اصطدم بعدم وجود مدينة في جميع أجزاء هذه المنطقة، لتجعل منها فرنسا عاصمة للدولة الجديدة، وبينما راحت الأقلام تلح على التفكير الجدي في إنشاء تلك العاصمة، نشبت الحرب، وتوقفت جميع هذه المشروعات، اليوم الأهداف مختلفة: فالسياسة الأمريكية تريد خلق حائط يمنع الإسلام العربي من الالتقاء بالإسلام الأسود وهى تريد أن تحمى مراكز الثروة الطبيعية في وسط إفريقيا، وهى تعلم جيداً حاجتها إلى تلك المصادر، التي أضحت توصف بأنها مصادر للمعادن الاستراتيجية، ولنتذكر على سبيل المثال النيكل والبلاتين والقصدير، دون الحديث عن اليورانيوم، وهكذا تلتقي أهداف التجزئة لمصر مع أهداف الإحاطة، والتحزيم للسياسة الإمبريالية، فهل سوف تحل مدينة أسوان هذه المشكلة ؟ لتصير عاصمة الدولة البربرية؟ والجميع يتحدث اليوم عن الوحدة الثقافية لشعب البربر وعن الالتقاء الطبيعي بين شعب النوبة والشعب البربري، فهل هذا عشوائي؟
رابعاً: وهل صحيح أن هناك دراسة ممولة من الجانب الأمريكي حول هذا الطريق الصحراوي الذي سوف يربط الفيوم بالإسكندرية؟ وهل بدأت هذه الدراسة فعلاً أم أنها لا تزال في حيز الإعداد ؟
أسئلة عديدة نطرحها مؤقتاً،ولكن الجعبة لا تزال عامرة بالمفاجآت!!! "