الخميس، 17 أبريل 2014

التحالف الإيراني في النزيف السوري


التحالف الإيراني في النزيف السوري 


قلنا مرارا وتكرارا إنه في يوم ما -إن لم يكن قد حدث حتى الآن- ستكتشف إيران، التي تدير تحالفا قويا يتشكل من العراق والعديد من المجموعات والتنظيمات في مقدمتها حزب الله، أن قرارها بدعم بشار الأسد في حربه ضد شعبه هو أسوأ قرار اتخذته منذ الثورة الإسلامية.
ويبدو أن هذا التوقع يقترب حثيثا من أن يتحوّل إلى حقيقة ما لم تعد قيادتها إلى الرشد، و"تتجرع كأس السم"، وتقبل بتسوية ترضي الشعب السوري، وتضع حدا لهذا النزيف الذي أرهق الجميع.

قبل إيران وتحالفها، لا شك أن سوريا -شعبا وكيانا- هي الخاسر الأكبر في هذه المعركة تبعا لما وقع من تدمير وتهجير وقتل وجراح، بل وانقسام أهلي يصعب ردمه، ولا شك أيضا أن هناك خاسرين آخرين في مقدمتهم تركيا التي تحملت عبئا لا بأس به، كما أن الربيع العربي قد خسر أيضا، وتبعته الشعوب العربية.
وما من شك أيضا أن الكيان الصهيوني كان أكبر الرابحين، وهنا المفارقة في ظل استخدام التحالف الإيراني لحكاية المقاومة والممانعة في تبرير الوقوف إلى جانب طاغية يقتل شعبه، وفي ظل استمرار حزب الله في الحديث عن فلسطين وقضيتها في معرض تبرير التدخل العسكري في سوريا.

الكيان الصهيوني أكبر الرابحين مما جرى، وهنا المفارقة في ظل استخدام التحالف الإيراني لحكاية المقاومة والممانعة في تبرير الوقوف إلى جانب طاغية يقتل شعبه
وكان الكيان المذكور أكبر الرابحين لأنه استنزف جميع أعدائه، ومنهم إيران وحزب الله، لكن الأهم دون شك الشعوب العربية وقواها الحيّة التي لا تعترف له بما تعترف به الأنظمة، وأعاق النزاع السوري ربيعها الذي بشّر بنمط آخر من الصراع يختلف عن سابقه، ولا شك أن هيمنة ما كان يُعرف بمحور الاعتدال على الوضع العربي يشكل إسنادا لنظرية السياج الحامي للعدو التي كان المحور الآخر يقلل من أهميتها بعض الشيء، وإن لم يغير في أسس الصراع القائم على نظرية اللاحرب واللاسلم من الناحية العملية.

في مقابل حقيقة أن الرابح الأكبر مما جرى ويجري في سوريا هو الكيان الصهيوني، فإن الخاسر الأكبر هو التحالف الإيراني، خلافا لمحاولات الاستعراض التي يبديها، والتي تتبدى بشكل واضح في خطاب حسن نصر الله، وبعض تجليات الخطاب الإيراني، فضلا عن خطاب شبيحة يساريين وقوميين لا يتذكرون سوى شيء واحد هو أن نظامهم الحبيب في دمشق كان على وشك السقوط، وهو الآن متماسكك بعض الشيء ويمكنه الصمود في المعركة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بكل قوة يتعلق بنتيجة هذه المعركة في سوريا، وهل يمكن بالفعل لنظام بشار الأسد أن يحوّل صموده إلى انتصار، ويحسم المعركة تبعا لذلك، ويعيد كل شيء إلى ما كان عليه قبل اندلاع الثورة؟

سؤال لا يجيب عنه شبيحة النظام والتحالف الإيراني سوى بروح الأمنيات لا أكثر، وربما لا يتعرضون له ابتداءً، كي لا يخرّب عليهم فرحة الصمود الآني، وبعض التقدم الذي يحرزه النظام بين حين وآخر، مع أن تقدما من الطرف الآخر لا زال يفسد عليهم تلك الفرحة، كما حصل في معارك "كسب" وريف اللاذقية التي أفسدت عليهم فرحة انتصار كان متوقعا في "يبرود" وعموم مناطق القلمون التي ستتحول حربها لاحقا إلى حرب استنزاف لقواته وقوات حزب الله أكثر من تحولها إلى محطة لحسم المعركة بشكل شامل في ريف دمشق.

وهي إستراتيجية قد تبدو أفضل، ويبدو أن الثوار سيميلون إليها من الآن فصاعدا، أي تحول الحرب إلى حرب استنزاف أكثر من مساعي السيطرة على مناطق جديدة تضاف إلى المناطق التي بحوزتهم، والتي تصل إلى نصف مساحة التراب السوري.

وللتذكير هنا، فمن يقاتل عمليا هم عناصر حزب الله والكتائب الموالية الأخرى بإشراف الحرس الثوري، بينما يكتفي النظام بتوفير الغطاء الجوي والمدفعي، وهو الذي يعاني من صراخ طائفته من حجم الخسائر بين صفوف أبنائها.

لقد بات واضحا أن معركة من هذا النوع ستمتد لسنوات طويلة، قد تزيد على عشر سنوات قبل أن يتم التوصل إلى حل، طبعا ما لم تخضع إيران وتتجرع كأس السم، وخلال هذه المدة لن تحسم المعركة بالكامل لصالح طرف من الأطراف ما لم تحدث مفاجأة من العيار الثقيل، لكن الحسم لن يكون من طرف النظام، مع أن شيئا كهذا سيكون انتصارا مجللا بالهزيمة دون شك، وبالطبع تبعا لكلفته الباهظة، مع أن المؤكد أن مسيرة الاستنزاف لن تؤدي إلى غير انهيار النظام واستنزاف حلفائه.

والحال أن العالم أجمع -بل حتى داعمي الثورة- وطّن نفسه على معركة طويلة، بل إن من غير العسير القول إن بعض العرب قد وجد في ما يجري في سوريا فرصة لاستنزاف المشروع الإيراني، وصولا إلى إعادته إلى حجمه الطبيعي -بل ما دون ذلك- دون أن يتكلفوا الكثير، وما تدفعه تلك الدول لن يشكل عبئا حقيقيا على ميزانياتها، قياسا بما يشكله من عبء على ميزانية إيران وحلفائها ومصالحهم.

ما ينبغي أن يقال هنا هو أن التحالف الإيراني هو الذي يدفع كلفة الحرب في سوريا كاملة، كان ذلك في البداية على الصعيد الاقتصادي فقط، لكنه اليوم يدفعها حتى على الصعيد السياسي، وكذلك البشري بالنسبة لحزب الله تحديدا، فمن يقتلون غالبا في المعارك هم إما من الطائفة العلوية، أو من حزب الله والكتائب العراقية المساندة، لكن الكلفة الاقتصادية التي تتكفل بها إيران والعراق هي كلفة باهظة بكل المقاييس.
لقد بات واضحا أن معركة من هذا النوع ستمتد لسنوات طويلة، قد تزيد على عشر سنوات قبل أن يتم التوصل إلى حل، إذا لم تخضع إيران وتتجرع كأس السم
إيران وحلفاؤها مستنزفون إذن، أولا في إيران التي لم تذهب نحو تسوية الملف النووي إلا من أجل الهروب من العقوبات وتحسين وضعها الاقتصادي، وثانيا العراق الذي يدفع الكثير لدعم بشار بضغط من إيران وقناعة من المالكي بحساسية سوريا لوضعه الداخلي، ويدفع أيضا أمنيا وسياسيا في الصراع الداخلي، ولا يستقر فيه الحال أبدا، وبالطبع كجزء من تداعيات الحرب السورية وارتباط المعركتين بعضهما البعض (دكتاتورية المالكي سبب مهم أيضا)، وثالثا حزب الله في لبنان الذي عزل نفسه عن الأمة أيضا.

وفوق ذلك كله، وهو الأهم دخول هؤلاء جميعا في مزاج عداء سافر مع أغلبية الأمة (دعك من أضرار الحشد الطائفي للأقليات الشيعية في المنطقة عموما، بهدف تخريب أسس التعايش بينها وبين الآخرين بسبب اضطرارها لتأييد إيران في موقفها من سوريا).

لأجل ذلك كله، تبدو سوريا بالفعل مثل فيتنام بالنسبة لأميركا، أو بتعبير أدق مثل أفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفياتي، فمن يدعمون الثوار في هذه الأخيرة لم يكونوا مستنزفين، بينما كان النزيف المؤدي إلى خاتمة سيئة من نصيب الاتحاد السوفياتي، ولعل ذلك هو السبب الكامن خلف التوجه الدولي المدعوم صهيونيا، والذي تبدى واضحا منذ عامين وكررناه مرارا، ممثلا في إطالة أمد الحرب من أجل استنزاف الجميع، لكن الاستنزاف الأكبر سيكون من نصيب إيران وحلفائها كما هو واضح للجميع.

ثمة فرصة لا تزال قائمة أمام إيران لإعادة حساباتها، مع ضرورة تذكيرها بأنه كان بوسعها فرض حل سياسي معقول على بشار منذ البداية لو حكّمت العقل والرشد، لكن فرصة ليست كتلك لا تزال قائمة تتمثل في التخلص من عبء هذه الحرب، والقبول بتسوية تبقي الدولة السورية من دون بشار الأسد، وتجري مصالحة بين جميع أفرادها من دون أن يترتب على ذلك هزيمة شاملة لإيران، وهو ما قبلت به المعارضة بذهابها إلى جنيف وقبولها بفكرة الهيئة الانتقالية.

نتمنى أن يحدث ذلك، لكن الإحساس السائد هو أن الرعونة التي تعاني منها القيادة الإيرانية ستدفعها نحو الذهاب بعيدا في لعبة الحرب على أمل الانتصار، خاصة أنها باتت جزءا من الصراع الداخلي في ظل شعور المحافظين بأن خسارتهم لها ستعني خسارتهم في الداخل أيضا في مواجهة الإصلاحيين، وتلك كما يبدو باتت أحد المحددات الرئيسية للقرار في إيران.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق