نزع السلاح منجزاً عربياً... كيف وصلنا إلى هنا؟
وائل قنديل
بعد أن هرولت دول عربية وإسلامية ثمانٍ لتلبية دعوة دونالد ترامب للانضمام إلى مجلسه لحكم غزّة، ها هو الرئيس الأميركي يعلن، بوضوح، أنّ المجلس الذي يسمّى كذباً "مجلس السلام" لن ينحصر نطاق عمله في قطاع غزّة، بل من الوارد أن يمتدّ إلى مناطق أخرى، ما يعني بوضوح رهن القرار العربي الإسلامي الرسمي برغبات ترامب.
تأسّس مجلس سلام ترامب على فكرة أساسية تشبه حدّ التطابق مشروع القيادة المركزية العسكرية الأميركية في المنطقة، التي تمنح واشنطن، وبالضرورة تل أبيب، مساحات شاسعة من النفوذ الاستراتيجي على الإقليم كلّه، إذ يتضمّن المجلس إنشاء قوّة عسكرية تضم آلاف الجنود وتتمركز في مناطق غلاف غزّة بقيادة أميركية منفردة.
والحال كذلك، ليست غزّة بالنسبة للرئيس الأميركي سوى أداة تُستعمل في تنفيذ مُخطّط أميركي شامل للحصول على شرق أوسط جديد يرضي تطلّعات الاحتلال الصهيوني ومخاوفه، بحيث لا يكون مسموحاً بالتسليح في الإقليم إلّا لإسرائيل، إذ يبدأ مشروع مجلس سلام ترامب من مبدأ نزع الأسلحة وإنهاء زمن المقاومة وينتهي عنده، بحيث يتضمن لبنان وسورية والعراق، وقبل كلّ هؤلاء إيران، المُتهمة بأنّها الداعم الأوّل والأخير لمشاريع المقاومة العربية.
ليس الكلام عن قاعدة عسكرية أميركية في غلاف قطاع غزّة جديداً، فهو مطروح منذ نوفمبر/ تشرين ثاني من العام الماضي وتناوله الإعلام العبري، إذ كشف موقع شومريم العبري وصحيفة يديعوت أحرنوت أنّ الولايات المتحدة تُخطّط لإنشاء قاعدة عسكرية كبيرة في منطقة غلاف غزّة (المناطق المحيطة بقطاع غزّة)، وسيكون بإمكانها استيعاب عدّة آلاف من الجنود، وتبلغ ميزانية إنشائها نحو نصف مليار دولار.
في ذلك الوقت، حاول الإعلام الصهيوني تصدير حالة وهمية من الانزعاج الإسرائيلي من بسط أميركا نفوذها على غزّة بإقامة قاعدة عسكرية على جزءٍ من أرضها، باعتباره مسّاً بسيادة الاحتلال على الأراضي التي يتحكّم فيها.
من المُفترض بعد أن استعاد الاحتلال آخر جثة من قتلاه في العدوان على غزّة أن ينصرف الاهتمام كلّه على موضوع فتح المعابر في الاتجاهين، والبدء فوراً في إعادة الإعمار، غير أنّ إسرائيل، وبما أنّها المُتحكّم الوحيد في السيناريو، تنقل المسألة إلى الهدف الرئيس والنهائي من خطّة ترامب، وهو نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، من دون كلام عن انسحاب إسرائيلي أو إعادة إعمار، إذ ترى تل أبيب في فتح معبر رفح (المصري الفلسطيني) بقرار منها وتحت إشرافها الأمني الكامل أقصى ما يمكن أن تقدّمه لمجلس سلام ترامب، الذي يتفرّج بكلّ السعادة على حركة عدّاد الشهداء الفلسطينيين في غزّة باليوم التالي لاستلام الاحتلال آخر جثّة له، والتي كان عدم العثور عليها الذريعة التي تستند إليها إسرائيل في اعتداءاتها الوحشية وتوسّعاتها في أراضي غزّة التي لم تتوقّف منذ الإعلان عن دخول اتفاق وقف الحرب حيّز التنفيذ.
يتحدّث "عرب مجلس ترامب" عن نزع السلاح الفلسطيني المُقاوم في غزّة، وفي جنوب لبنان، باستسهال مُزعج وكأنّهم يتحدثون عن إزالة تعديات بالبناء العشوائي على قطعة أرض لا صاحب لها، والمُخجل أكثر أنّهم يتحدّثون عن تنفيذ هذا الأمر وكأنه إنجاز قومي. فمن يرى السعادة في وجه الرئيس اللبناني وهو يستعرض إنجازات حكومته في نزع السلاح يتخيّل أنه يتحدّث عن نزع سلاح الاحتلال الإسرائيلي وطرده من الأراضي اللبنانية، وليس عن سلاح مقاومة وطنية خاضت أنبل معاركها دفاعاً عن تحرير الأرض اللبنانية، وهو ما تجده بدرجة أقل نسبياً في حديث الوسطاء المُتفائل عن مستقبل غزّة الواعد على يد دونالد ترامب.
كما أنّ نزع سلاح المقاومة الفلسطينية كان يُذكر باعتباره من عجائب المفاوضات وغرائبها، وكان أوّل ظهور له في تصريح من قيادي في حركة حماس لقناة الجزيرة قبل مؤتمر شرم الشيخ، قال فيه "وفدنا المفاوض فوجئ بأن المقترح الذي نقلته مصر يتضمن نصاً صريحاً بشأن نزع سلاح المقاومة، مصر أبلغتنا أنه لا اتفاق لوقف الحرب من دون التفاوض على نزع سلاح المقاومة"، وأضاف أنّ "الحركة أبلغت مصر أن المدخل لأي اتفاق هو وقف الحرب والانسحاب وليس السلاح، لأن نقاش مسألة سلاح المقاومة مرفوض جملة وتفصيلاً".
لم تمضِ أكثر من ثلاثة شهور حتى صار المرفوض بالجملة والتفصيل مشروعاً عربياً يتحدّث عنه العاملون على تحقيقه باعتباره مُنجزاً عربياً.
كيف وصلنا إلى هنا؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق