من بحر التأمل في لحظات الاستعمار الشامل
د. عبد الرحمن بشير
داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي
1- الحياة بدون تأمل عيش بلا خطة، والعيش بلا خطة حياة مملة، لأنك تريد أن تكون نسخة واحدة في الحياة، فلا تتجدد مع تجدد الزمان والمكان، وهذا النوع من الحياة المملة جعلت حياة الناس عذابا، وكم كان دايل كارنيجي عبقريا حين كتب كتابه المشهور (دع القلق، وابدأ الحياة)، وحين قرأ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله هذا الكتاب الفذ وجد فيه فطرة توافق الإسلام، فكتب كتابه الجميل (جدد حياتك).
2- لا تجديد بدون قراءة، والقراءة هي مفتاح التجديد، فنحن أمام معضلة عجيبة، لدينا من يرغب التجديد بدون أن يملك مفتاحه، فقد كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم مجددين للحياة، والسبب أنهم كانوا جبالا في القراءة، فقرأ أحدهم في شهر واحد أكثر من خمسين مجلدا، وكتب أحدهم أكثر من ألفي مجلد، وهذا هو الذي جعل هذا العالم الأول في السلم الحضاري في القرون الوسطي.
3- الغرب اليوم يقرأ أكثر من عشرين كتابا في العام، والبعض منهم يقرأ ألف كتاب، ولكن الطامة عندنا أن بعض الدول المسلمة، لا يقرأ أبناؤها أكثر من ثلاثين صفحة في العام كله، ورأيت من لا يقرأ كتابا واحدا في حياته، ولكنه مع ذلك يتصفح النت بشكل مذهل، وبدون استفادة من العلوم والمعلومات الموجودة في هذا العالم الافتراضي، ويظن أنه بهذا يستطيع أن يجدد حياته، بل ويجدد حياة الأمة.
4- في لقاء لي مع داعية من دعاة الإسلام في الغرب، سألته هل قرأت كتاب (رأسمال) للمفكر الألماني كارل ماركس، فقال لي: لم أقرأ كتابا لماركس في حياتي، ولكني سألته: هل فهمت الماركسية القديمة؟ والاشتراكية الجديدة؟ فقال لي: نعم، لأَنِّي قرأت بعض فتاوي العلماء من خطورتهم.
تدبرت قليلا في إجابة الداعية، فقلت في نفسي، إذا كان الخواص لا يقرأون الأفكار الكبرى في الحياة، فما بالك بعامة الناس؟ انها كارثة الأمة في القرن الواحد والعشرين، لا يمكن لنا أن نقيم في حياتنا تجديدًا بدون قراءة، ولا يمكن لنا القراءة بدون همة عالية في هذا المجال.
5- نحن اليوم أمام لحظة جديدة، لحظة تآكل النخب، وذهاب الدول، وتقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، وتغييب الشعوب، ودخول المنطقة في مرحلة استعمارية جديدة، ولكن الغائب عن الساحة هي القراءة الشاملة والموضوعية، وبهذا غابت عن الأمة الأفكار التي من شأنها التغيير، والتغيير كما التجديد يبدأ من عالم الأفكار، وليس من عالم الأشياء، فالأمة المسلمة اليوم تملك في عالم الأشياء ما لم تملكها في تاريخها سابقا، بل وما لا تملكها الأمم التي تصنع الأشياء، فهي فقيرة في عالم الأفكار، وغنية في عالم الأشياء، وهذا هو السبب الرئيسي لأزمتنا الحالية.
6- الغرب قوي، لأنه ينتج عالمه الفكري، والمسلمون ضعاف، لأنهم لا يصنعون عالمهم الفكري، بل يُصنع لهم، ولهذا فهم في عالم من الأوهام، ومن الشكوك، ومن بحر من الشبهات والشهوات، فقد رأينا من يهدم آخر الحصون الفكرية للأمة بلا وعي، وكم كان صادقا الدكتور محمد محمد حسين حين كتب كتابه الفريد (حصوننا مهددة من الداخل) واليوم صارت الحصون الأخيرة مهددة من الداخل والخارج.
لقد أعلن الحرب على المقدسات، وعلى التاريخ، وعلى الرموز، فما بقي شيء له قيمة في الأمة إلا وتعرض لهزات فكرية، ورموه عن قوس واحد، ويمكرون، ويكيدون، ولكنهم لا يعرفون أن الإسلام لا ينهزم في ميادين الفكر، بل يزداد قوة ونصاعة ورشدا.
إن هذه اللحظة الأليمة ليست لحظة بكاء، ولا مرحلة انفعال، وإنما هي مرحلة فهم ودراسة، والفهم يتطلب من المسلمين قراءة واعية للحدث، وأسباب الحدث، وربط ذلك بالمقاصد الواقعية، والمقاصد الشرعية، وهدا من شأنه بتطلب قراءة شاملة للحياة، وموضوعية للأحداث، كما تتطلب قراءة واعية للدين كوحي سماوي، وقراءة أخري للدين من خلال تفاعله مع الأحداث في التاريخ.
في هذه القراءة الواعية نستخلص منها العبر التي سوف تصنع لنا الضوء لنتعامل مع المتغيرات من خلال الثوابت، فليس من الواقعية ترك الثوابت لصالح المتغيرات، وليس من المثالية تجاوز المتغيرات لصالح الثوابت.
7- لقد عشت في عالم لا يتغير إلا قليلا، وجئت إلى عالم يتغير في كل يوم، فرأيت أن وراء ذلك هو التجدد الذاتي، فالفرد الذي يحب التجديد، يجب أن يتجدد هو ذاتيا.
لدينا في العالم الثالث أفراد يبحثون عن أسباب البقاء في الحياة، فهذا النوع من البشر لا يتجددون غالبا، ولدينا في العالم الأول أفراد يبحثون عن أسباب التقدم، فهذا النوع من البشر يتجددون بشكل مستمر، والسبب هو أن الانسان في الغرب تجاوز عتبة البحث عن أسباب العيش، بينما زميله في العالم الثالث ما زال في بداية العتبة عن البحث عن سبب يؤدي للبقاء في الحياة.
الفكر في العالم الثالث توقف، لأن صوت المعدة أقوي من صوت الضمير، وأقوي كذلك من صوت العقل، فلا عقل لمن كانت معدته خاوية، أو تكاد تكون خاوية، وأخطر من ذلك حين تكون المعدة مستعمرة للحكام، يمنحوننا حينا بعض اللقيمات، ويمنعون عنها حينا آخر، فهذا العالم يحتاج إلى فكر آخر.
الفكر المطلوب في العالم الغربي هو الفكر الذي يؤدي إلي استدامة الحضارة، وهذا ما لاحظناه في الخطاب الأول لماركون رئيس فرنسا الجديد حين تحدث عن عظمة فرنسا المرتبط بإعادة تحديدها من خلال خطابها الثوري، ومن خلال رموزها الفكريين والسياسيين، ولكن الفكر المطلوب في العالم الثالث هو فكر تحرري، من شأنه صناعة التحرير لأمم تعيش في الفقر المدقع، والفقر الفكري أخطر من الفقر المادي كما قلت في مقال سابق.
8- الحرية بداية الطريق، والطريق طويل وشاق، ولكن من يصنع الحرية؟ هل هي في موجودة كثقافة في الجامعة العربية؟ أو هي موجودة في منظمة التعاون الإسلامي؟ أو هي مطروحة في رفوف الاتحاد الأفريقي؟
هل رأيتم حاكما عربيا يتحدث عن الحرية؟ وهل لاحظتم زعيما مسلما يتناول في خطابه عن الحرية؟ وهل قرأتم في حياتكم زعيما أفريقيا تناول في خطابه عن الحرية الدستورية؟
الحرية ليست للبيع، وإنما هي تنتزع بالقوة من القاهرين، ولا ينتزع بها إلا من كان قويا في أفكاره، وقويًّا في شخصيته، بسببها يدخل الأقوياء في السجون، ويبقون في هذه السجون طويلا، وبسببها يعيش الرجال في المنافي، بل ويبقون فيها طويلا، ولكن آمال الحرية تبقي معهم طويلا أينما كانوا.
لقد رأيت الدكتور حاكم المطيري يتوصل من خلال قوة الأفكار إلي أن الحرية هي المنطلق فكتب كتابه (الحرية او الطوفان)، وكتب المفكر البوسني علي عزت بيحوفيتش كتابه الهام في السجن (هروبي إلي الحرية)، ويؤصل القرضاوي ومعه جملة من المفكرين كالريسوني بأن الحرية كمطلب مقدمة علي تطبيق الشريعة، والسبب أن الأحرار فقط هم الذين يقدرون علي تطبيق الشريعة، ولدي قراءة جديدة وجدتها في الشهادتين (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهي أن البداية رفض قوي للعبودية، وهذا يعنى البراءة الأصلية، أي أنا حرّ من كل قيد وتبعية وعبودية وتكليف، ثم يقرر المسلم (الالتزام) أي أنه تحرر من كل عبودية سوي الله، فالكلمة تعنى رفض وقبول، وحرية والتزام، ثم تأتى الجزء الثاني من الكلمة (محمد رسول الله) وتحمل في طياتها (خطة الالتزام) أو قل إن شئت (مشروع الالتزام).
9- لدينا نوعان من العبودية، العبودية الفكرية، والعبودية السياسية، وهما رائجتان في الأسواق العالمية في هذه الأيام، لدينا ساسة لا كلمة لهم في بلادهم إلا من خلال العبودية السياسية، ولدينا مفكرون لا يملكون عقولهم، ذلك لأن العقول تم تشكيلها في المدارس الكبري، والجامعات العريقة، فهم عبيد للآخرين فكريا.
العبودية الفكرية تمهيد للعبودية السياسية، والعبودية السياسية نتيجة للعبودية الفكرية، فلا استقلال لشعوبنا المسلمة، ولشعوبنا في القارة الأفريقية ما لم تتحرر العقول من العبودية والتبعية، وهذا الدور الخطير يحتاج إلي دراسات وقراءات شاملة، وهذا هو الامتحان الصعب في هذه اللحظة الصعبة.
10 – لقد كنّا في غفلة من أمرنا حين صدقنا بأن المشكلة في الآخر الذي يستعمرنا، ويكرهنا، ويريد أن نبقي في مربع التخلف أبدا، فهذا صحيح، ولكنه لا يحمل في طياته كل الصواب، هو جزء من الصواب، وهو نتيجة، وليس السبب، فالسبب الرئيسي هو نحن، هو عدم فهمنا، وغيابنا عن الواقع بشكل كامل، ذلك لأن عالم الفكر لدينا عقيم.
إن الفشل في انتاج الفكر الذي يؤدي إلي التحرر الكامل هو الذي جعل الأمة تعيش حتي اليوم في الهامش، فلا مكان لأمة لا تملك قرارها السياسي، ولا تملك أمة قرارها السياسي ما لم تصنع خبزها، ولا تصنع خبزها ما لم تملك إنتاج فكرها، ولا تملك إنتاج فكرها ما لم تتحرر رموزها الفكريين من التبعية.
أيها الشباب المسلم، عليكم بأنفسكم، كونوا روادا لأمتكم، فاقرؤوا وتعلموا، ولا تتعبوا أنفسكم في البحث عن الغيبيات التي تولي الوحي في إيضاحها، وعليكم بكتب العلم النافع، وبتراث أمتكم كلها، ولكن يجب أن لا تكون قراءتكم سطحية، بل واعية، وعيشوا زمنكم، ونافسوا الأمم في العلم والقراءة، ولا تترددوا أن يخرج من بينكم من جديد أمثال ابن تيمية، والغزالي، وهما من رواد حضارتنا، فالعمل لأجل المستقبل أفضل بكثير في العيش مع المعارك التاريخية.
في هذا الزمن يُصنع أمامنا المستقبل، ونحن نعيش مع آلام الماضي، ونختلف حول قضايا لا معنى له، فالدول الكبرى تصنع التاريخ من خلال غيابنا، ونحن نكرّر الفراغ، لأننا لا نعيش لحظتنا، بل نعيش في زمن آخر، والمشكلة تكمن في غياب القراءة السليمة والصحيحة، ولن يتحرك من هو غائب في التاريخ بلا عبرة، أو يعيش في الحاضر بلا بوصلة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق