الاثنين، 12 يناير 2026

الصليبيون الجدد (7)

  الصليبيون الجدد (7)

 فاتن فاروق عبد المنعم 

كاتبة روائية،وعضو بالمجلس الرقابي الأعلى للاتحاد العالمي للمثقفين العرب

البحث عن الذات:

الصراع حول فلسطين أو الأرض المقدسة لدى أصحاب الشرائع الثلاث شغلت به كارين وحاولت تبيان طبيعة الصراع والدوافع التي أشعلت الحروب حولها وجعل هذه الحروب مقدسة لديهم، فحامت حول الهوية الدينية المحركة لأتون هذه الحروب، فاليهود عانوا من اضطهاد المصريين ومن بعدهم الرومان والفرس الذين أسروهم ببابل ثم المسيحين في أوروبا، وارتأوا في أرض فلسطين المهد الأول لليهودية أرضهم الواجب العودة إليها ولكنهم في الوقت نفسه قوم بهت “كما العادة” يحتقرون ما دنهم ولم تقم لهم دولة قط في فلسطين ولم تكن يوما ما يهودية أو أقيمت لهم مملكة باسمهم في فلسطين، وقد تعرضت لذلك مرارا من مؤرخين غربين وليسوا مسلمين.

أما أوروبا التي انطلقت منها الحروب الصليبية فكانت تموج بصراعات قبلية أكثر منها حروب بين دول تطورت في كثير من الأحيان إلى حروب أهلية شكلا وموضوعا في وقت كانت فيه الكنيسة هي من تقود هذا الصراع الذي تنوع بين صراعات مذهبية كي تفرض كل كنيسة معتقدها على الأخرى وليس ذلك فحسب وإنما أقاموا المذابح لليهود وخيروهم بين التعميد أو الذبح لأنهم قتلوا الرب استنادا إلى نبوءة بولس الذي قال أن اليهود سيؤمنون بالمسيحية لاحقا لأن المسيح بشر بالمسيحية بينهم وسيتعمدون، أما نظرة الأوروبيين في ذلك الوقت للمسلمين فكانت سوداوية قاتمة، فهم كفار، همج، بربر، عرب أجلاف، ووضعوا أيديهم على الأرض المقدسة التي هي جذور المسيح إلههم وهم أحق بها من اليهود الذين هم جماعة أينما وجدوا أقاموا جيتو يخصهم ولا يمكنهم الاندماج في أي مجتمع دون أن يكونوا قذرين مرابين متآمرين، خونة لا يؤتمنون، وكانت هذه المنطلقات التي بها قاد الرهبان الكلونيون (كما وصفتهم كارين، وكان يراهم صلاح الدين أخبث الصليبيين) الحروب الصليبية بأهوالها وفظائعها.

أما العرب فقد قالت عنهم كارين أنهم دون الإسلام لا شيء، كانوا قبائل متناحرة، عباد للأوثان، لا يجمعهم قانون موحد ولا هوية يتجمعون حولها، وكانوا يشعرون بأنهم دون المسيحيين واليهود ذوي الشرائع السماوية، فجاء الإسلام العظيم ليمنحهم دستورا أبديا وراية توحدوا تحتها، ديباجة إلهية بها انطلقوا فحققوا نجاحات مذهلة في وقت قصير، فتحوا البلاد يبشرون بدينهم، ورفعوا رؤوسهم عالية بما أنجزوا فقط بالإسلام

الآن:

تحلل أصحاب الشرائع الثلاث من تلك الهوية التي بها كانوا يسعون للقبض على مقاليد الأرض المقدسة فكيف أصبحوا؟

تحرر الأوروبيون من ربقة الكنيسة وانطلقوا يشيدون الحضارة الآنية على أنقاض الحضارة الإسلامية بمنجزها الضخم وأصبح الدين لديهم هامشي، وانطلق اليهود يدبجون الخطط لسحب البساط من أسفل كل الأقدام دونهم وامتلكوا مقاليد كل شيء باستحواذهم على كنوز الأرض بطرق شتى فأصبحوا أصحاب الكلمة العليا في كل شيء وغاصوا في ماديتهم وتبنوا الإفساد في الأرض بشتى الطرق كي يعلو، وانصاع المسلمون لكل انحراف بعيد عن الدين بهدوء ودون أن يدركوا بما ألم به إلا مؤخرا، لأنهم في غفلتهم يعمهون، أهملوا الإسلام واستبعدوه من حياتهم بدرجات متفاوتة، استغنوا عن مكمن قوتهم فعادوا أذلاء تابعين همل لا قيمة لهم ولا وزن، ضرب الله عليهم تيه العاصين كي يعودوا إليه ويحملوا الراية مرة أخرى، إنه الناموس الإلهي الذي لا يتبدل ولا يتغير منذ بدء الخليقة.

 وبذلك تقدم الأوربيون عندما تحرروا من ربقة الكنيسة وتخلف المسلمون عندما نحو الدين جانبا وهاموا على وجوههم يأخذون من غيرهم ظنا منهم أنهم بذلك سيتقدمون فطالهم الانحطاط تلو الانحطاط.

عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال:

لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَأخُذَ أمَّتي بأخذِ القُرونِ قَبلَها، شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ.

فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، كفارِسَ والرُّومِ؟ فقال: ومَنِ النَّاسُ إلَّا أولَئِكَ؟

ولنا هنا وقفة:

فلسطين هي الميزان الحراري الذي يقاس به حال المسلمين في قبضة اليهود المتصهينين بمؤازرة كل من هم دون المسلمين، اليهود المتدينون لا يرضون باحتلالها لأنهم يعلمون أنها ليست أرضهم، والغرب المسيحي (مجازا) يبارك بقاء الصهاينة بها ليصدوا عنهم خروج المارد (الإسلام) مرة أخرى كما قالت كارين، أما المسلمون اصطفي الله منهم ثلة من المجاهدين ليكونوا الأنموذج والطليعة التي تتصدر المشهد، بهم تزال كل الأقنعة ليميز الله بهم الخبيث من الطيب، لزموا ثغرهم، عادوا إلى الهدي بكل صوره في الداخل والخارج ألتزموا القرآن فهدوا إلى الطيب من القول والفعل.

الزم ثغرك:

الطوفان الذي انطلق من غزة سيطوف الأرض، وسيطال الكل، بيد قوى الاستكبار العالمي، الذين يتعاملون على إنهم آلهة تأمر فتطاع، قرن الشيطان يقضي عليه الشيطان بنفسه، إبداع إلهي والخبيث يظن أنه في مزيد من التمكين.

المشهد الآني الأبرز في العالم هو اختطاف رئيس فنزويلا، واستشهاد أبو عبيدة، هي دلائل وإشارات لديباجات خطط معدة سلفا ظاهرها يختلف عن باطنها، بل إن الصورة الحقيقية تناقض المعلن أما الثابت والأكيد هو إنك مستهدف لأسباب مختلفة وقد تكون متقاطعة لدى حتى الأطراف التي تشترك في الصياغة ولكنهم يتفقون على كونك هدفا في لوحة التنشين، أما النجاح الذي من المفروض أن تعول عليه هو تفادي رشقاتهم ما أمكنك ذلك.

هذا العالم يحكمه الشيطان رأسا ومواليه من شياطين الإنس، انحسر دور المؤمنين فأصبح المجال له مفتوح من كل جانب وأصبح حاكما على كوكب الأرض، أقام مملكته ظنا منه أنه يكمل تحدي الله، شيد جنته المناقضة لجنة الله، جزيرة إيبستن، شرط دخولها مبارزة الله بكل أنواع المعاصي دون وجل، فكان روادها كل النخب ذات الدور المؤثر في العالم، منها يتحكمون في، يرفعون أقوام ويضعون آخرين، ما يحدث فيها كان يحدث منذ الأزل ولكنهم كانوا يتوارون، أما الآن يعلنون عن أنفسهم، رواد هذه الجزيرة هم عباد للشيطان والإعلان عنها يعني أنهم بلغوا من القوة ما لا يمكن مجابهتهم أو بالأحرى أن الشيطان نفسه يعلن عن نفسه حاكما وإلها للبشر، ومن يتحداه ويعبد الله فسيكون هدفا مستباحا له.

في البداية ابتدع اليهود الشيوعية والليبرالية، الاثنان في ظاهرهما نقيضان ولكنهما خرجا من بوتقة واحدة (كما ذكروا هم في كتبهم وسبق وتعرضت له هنا بالتفصيل) والاثنان يصبا في مصلحة اليهود ومواليهم، ليحدثوا صدع في معتقدك ويهزوا البناء العقدي داخلك، وقد كان برعاية الماسونية حزب الشيطان الأعظم، وأصبح المؤمنون أغراب تكال لهم الاتهامات تلو الاتهامات، وبمرور الوقت انتهت الشيوعية وجاء وقت موت الليبرالية، لأن الدول القومية التي نشأت بإيعاز منهم أفلست فكريا وأصبحت الشعوب الإسلامية على وجه الخصوص تنحو نحو الإسلام كدين وبديل قوي لإفك الشيطان، استشعرت قوى الاستكبار العالمي الخطر فقاموا من فورهم لقيادة العالم إلى الحرب العالمية الثالثة ضد الإسلام نفسه، فلابد أن يعبدوا الشيطان الذي يعلن عن نفسه دائما ولكنه الآن أوضح.

الخيانة:

أسوأ السلوكيات البشرية على الإطلاق، تجلت بقوة ورائحتها تزكم الأنوف،

مشهد الانقضاض على رئيس دولة في وسط نظامه وأركانه ودعائمه هو تنفيذ حرفي لموت الليبرالية مفخرة أمريكا وأوروبا، هو مشهد الضرب بقوانين الأمم المتحدة عرض الحائط، الأمم المتحدة التي ولدت فكرتها داخل أحد بيوت الدعارة بنيويورك، وهو ما يعني أنهم مجموعة من القوادين والمومسات الفاضلات الذين خرجوا على العالم بهذا المنتج ليقيموا العدل في الأرض!!! فأفصح الشيطان عن وجهه قائلا:

 لا قوانين ولا دول وإنما مملكتي وأنا ربكم الأعلى، فهل من معترض؟

رغم التنظيرات والتحليلات والتكهنات التي رافقت المشهد إلا أن هناك شيئًا أساسيًا في كل العمليات المخابراتية لا يمكن تخطيه وإن لم يشر إليه أحد وهو الخيانة من أقرب الأقربين وحتمية وجود العنصر النسائي، بمعنى الزج بإحدى المومسات الفاضلات إلى رئيس فنزويلا فلما انقضت قوات دلتا على الرئيس في لحظة التجلي الأعظم قام بسحب بوكسره ليرتديه ولا يلفوه في ملاءة، ولكن الذكاء الاصطناعي لم يذكر لنا أهو بوكسر قطونيل أم بفتة، أما المومس الفاضلة فقد منحوها الوقت الذي تريده لترتدي ثوب الفضيلة وتهل علينا من إحدى الشاشات لتناقش قضايا مجتمعية أو أسرية أو حتى قضية رأي عام، ففي مملكة الشيطان المجد لكل مومس فاضلة في أي مكان.

الجزء الثاني من المشهد هو موت أبي عبيدة، وهذا أيضا تم بالخيانة ولكن دون مومس فاضلة، ولو وجدت لاعتبرها العدو النصر الحقيقي لهم لأن وجودها يسرع بنهاية رجال المقاومة، ولو وجدت لتنافست قنوات إعلام الرايات الحمر لإعلان الخبر كي يميتوا الأنموذج في القلوب ولكن هيهات، الذين تربوا على مائدة القرآن غير الذين تربوا على منتج ديزني لاند وهوليود.

أخيرا:

لو قامت حربا عالمية ثالثة فلن تضع الحرب أوزارها إلا مع المجيء الثاني للمسيح عليه السلام، ثغرك الواجب عليك التزامه هو نفسك، هي أسرتك، نجري لأنفسنا تحديث إيماني، لا نجاة إلا بالفرار إلى الله، سفينة النجاة في التعاليم الإلهية، هذا فقط ما يقهر الشيطان وهذا ما يفعله رجال المقاومة في غزة، لذا خطفت قوات دلتا رئيس فنزويلا ولم تستطع أن تخطف أسيرا واحدا من رجال المقاومة.

وللحديث بقية إن شاء الله



الصليبيون الجدد (6)


الأحد، 11 يناير 2026

عندما يمتلكُ المرءُ زمام نفسه!

 نقطة نظام

عندما يمتلكُ المرءُ زمام نفسه!

أدهم شرقاوي

حين كان «كورنيلوس فاندربلت» في سنِّ الثانيةَ عشرة، أُجبِرَ على العمل لصالح والده في مشروعه الصغير الخاصّ بالشَّحن، وكان عملًا شاقًّا، لذلك كرهه.

كان كورنيلوس طفلًا عنيدًا وطموحًا، وعقد العزم في ذهنه على الآتي: خلال أعوامٍ معدودةٍ سيؤسِّسُ مشروعه الخاصّ للشَّحن. هذا القرار البسيط غيَّر كلَّ شيء.

وباتت هذه الوظيفة التي يكرهها تدريبًا ممتازًا وضروريًّا؛ فقد تعلَّم سرَّ المهنة، وفهم قانون اللعبة.

في سنِّ السادسةَ عشرة، اقترض مائةَ دولارٍ من والدته، وهو مبلغٌ جيِّد في عام 1814، واستخدم المال لشراء قارب، وبدأ العبور بالمسافرين بين منهاتن وستاتن آيلاند. واستطاع أن يعيد المبلغ إلى والدته خلال عام.

ومع بلوغه سنَّ الحاديةِ والعشرين، كوَّن ثروةً صغيرة، وصار في طريقه لأن يصبح أغنى رجلٍ في زمانه.

ومن خبرته وضع شعاره الذي استمرَّ معه مدى الحياة:

لا تكن تابعًا أبدًا، كُنْ مالكًا على الدَّوام.

قبل أن نفتح نافذةَ الكلام ونُطلَّ منها على القصة، لا بدَّ أن نؤكِّد على عدَّة مفاهيم أوَّلًا:

1. الأرزاقُ مكتوبة، ونحن مأمورون بالسَّعي.

2. لو أمضى الإنسانُ عمره كلَّه في السَّعي فلن ينال أكثرَ ممّا كُتِب له.

3. التوقُّف عن السَّعي لتحصيل الرزق بحجَّة أن الأرزاق مكتوبة فهمٌ سقيم، وليس فيه شيء من التوكُّل، وإنَّما هو التواكُل بعينه.

4. نحن مأمورون بالعمل لأننا نعلم أن العمل بابُ رزق، ولكننا ونحن نعمل لا ننسى أبدًا أن الرزّاق في السماء.

5. سِمَةُ هذه الدنيا التفاوت، ولو كانت الأرزاق مقسَّمةً بالتساوي لما كان هناك عملٌ ولا سعي، فسبحان من قضى كلَّ أمرٍ لحكمةٍ يعلمها.

لا شكَّ أن الإصرار على تطوير الذات، والاستقلال بعملٍ خاصّ، أمرٌ محمود، ومضمارُ سباقٍ محترم، وكلَّما استقلَّ الإنسانُ ماديًّا كان أملكَ لنفسه.

على أنَّه في كلِّ قصة نجاحٍ مُلهمة، علينا ألّا ننسى أن الآلاف يقبعون في السجون لأنهم اقترضوا لأجل أن تكون لهم مشاريعهم الخاصّة. 
نعم، هناك فرقٌ بين ساعٍ وآخر، وبين محترفٍ وهاوٍ، ولكن ما منّا من أحدٍ إلّا سيأخذ ما كُتِب له.

الوظائفُ، وإن كانت مضمونةَ الراتب نوعًا ما، وتُضفي على حياة الإنسان قدرًا من الاستقرار، إلّا أنها تحمل في طيّاتها نوعًا من الرِّقّ المُغلَّف بالمدنيَّة الحديثة، ولن يفهم هذا المعنى إلّا شخصٌ كان له وظيفة، ثم صار له عمله الخاصّ.

ثمَّة شعورٌ رائع في أن يملك المرءُ زمامَ نفسه.

على أني لستُ من دُعاة التهوُّر، ولا تركِ المضمون لأجل الممكن، ولا مع المخاطرة بكلِّ شيء لأجل شيءٍ قد لا يكون.

أنا مع الجرأة المتعقِّلة… ولكن الأمر، فعلًا، يستحقّ!


لماذا يفشل «المنجمون» والعلماء معاً!

 

خواطر صعلوك

لماذا يفشل «المنجمون» والعلماء معاً!

                             محمد ناصر العطوان

منذ أن هبط «البني آدم» على هذا الكوكب، وهو يعاني من عقدة نقص مزمنة تجاه الغيب... نحن كائنات لا تطيق الانتظار، ولا تحتمل المفاجآت... نريد أن نعرف ماذا سيحدث غداً، هل ستمطر؟ هل سترتفع الأسهم؟ هل سنشرب «القهوة سادة» في العزاء؟

قديماً، كنا نلجأ لـ «أم إبراهيم» قارئة الودع والفنجان، أو للعرّاف الذي يضرب الرمل... واليوم، لأننا تطورنا وارتدينا الكرافتات، استبدلنا «أم إبراهيم» بالخوارزميات، واستبدلنا «الودع» بالبيانات الضخمة و(Big Data). وأصبح لدينا جيش من الخبراء الإستراتيجيين الذين يُقسِمون بأغلظ الأيمان أنهم، وبفضل التكنولوجيا، قادرون على التنبؤ بمستقبل الاقتصاد والطقس، وحتى نتائج الانتخابات بدقة الميزان الحساس.

ولكن، تأتي «نظرية الفوضى»، لتصفعنا جميعاً على قفانا صفعاً علمياً مبرحاً، وتقول لنا بلسان عربي مبين (أو بلسان رياضي مبين): «انزلوا من على المسرح يا نصابين!».

الحكاية بدأت في الستينات مع عالم أرصاد جوية اسمه إدوارد لورينز... الرجل كان يجلس أمام كمبيوتر بحجم سيارة، يحاول التنبؤ بالطقس... أعاد إدخال الأرقام في المعادلة، لكنه – وللتبسيط أو الكسل – بدلاً من أن يكتب الرقم كاملاً (مثل 0.506127)، كتبه مختصراً (0.506). فرق تافه، لا يُذكر، أصغر من جناح بعوضة، أليس كذلك؟ المفاجأة كانت أن الكمبيوتر أخرج له طقساً مختلفاً تماماً! عاصفة بدلاً من شمس مشرقة!

هنا اكتشف عمنا لورينز، الحقيقة المرعبة التي تُعرف اليوم بـ «أثر الفراشة» والتي تتلخص في جملة شاعرية مخيفة: «رفرفة جناح فراشة في الدسمة قد تسبب إعصاراً في المهبولة بعد شهر».

ماذا يعني هذا الكلام بالنسبة لنا نحن القراء الكرام الذين نعاني من سرقة اللئام؟ 

يعني ببساطة أن الكون ليس «ساعة سويسرية» منضبطة كما كان يظن إسحاق نيوتن، حيث (1+1=2) دائماً وأبداً... الكون عزيزي القارئ، هو نظام معقد، وحساس جداً لأي «نغزة».

نحن نتوهم أننا لو جمعنا كل المعلومات عن الحاضر، سنعرف المستقبل... نظرية الفوضى تقول لك: «انسَ يا حبيبي». لأنك لكي تعرف المستقبل بدقة، يجب أن تعرف مكان وسرعة كل ذرة في الكون، وكل رفرفة جناح، وكل عطسة موظف في مجمع الوزارات... ولأنك يستحيل أن تعرف كل هذا بدقة لامتناهية، فإن تنبؤاتك ستظل دائماً «عرجاء».

أنت تخطط لحياتك بدقة: جامعة، وظيفة، زواج، تقاعد. ثم فجأة، يقرر شخص مجهول في مدينة «ووهان» أن يأكل «خفاشاً» غير مطهو جيداً... بوم! ينهار اقتصاد العالم، وتُغلق المطارات، وتجلس أنت في بيتك بالملابس الداخلية تشرح نظرية الفوضى لأطفالك... تغيير بسيط جداً (فيروس مجهري)، قلب «سنسفيل» الكوكب رأساً على عقب.

هذه النظرية تعلّمنا درساً في التواضع، ودرساً في سخرية الأقدار... إنها تخبرنا أن «السيطرة وهم»... وهمٌ نبيعه لأنفسنا لكي ننام ليلاً دون قلق... المدير الذي يظن أنه يسيطر على الشركة، والسياسي الذي يظن أنه يهندس المجتمع، والزوج الذي يظن أنه يسيطر على مصروف البيت... كلهم واهمون.

أبسط تغيير في المدخلات، قد يؤدي إلى نتائج كارثية أو مذهلة في المخرجات... كلمة واحدة قد تشعل حرباً، وتأخير دقيقة في إشارة المرور قد يمنعك من لقاء حب حياتك – أو يمنعك من حادث شنيع.

والخلاصة عزيزي القارئ.. أن محاولة التنبؤ بالمستقبل بدقة هي نوع من «العبث» الجميل. عش يومك، وخطط نعم، ولكن لا تأخذ خططك بجدية قاتلة... اترك مساحة للفوضى، وللمصادفة، والقدر وللفراشات التي ترفرف حولك دون أن تراك... فالكون أكبر من معادلاتنا، والحياة أذكى من توقعاتنا... وكما فشلت أجهزة الأرصاد في التنبؤ بالمطر، ستفشل أنت في التنبؤ بمصيرك... فارحمنا وارحم نفسك من داء «السيطرة»، واستمتع بالرحلة... حتى لو كانت في اتجاه لم يظهر في الـ GPS... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله يضمحل.

حين لمس العميان المارد

حين لمس العميان المارد

سيلين ساري


 يُحكى أنه في أحد الأيام، وفي مكانٍ غير المكان، اجتمع في ساحةٍ واسعةٍ عددٌ من العميان. وفي منتصف الساحة وقف فيلٌ ضخم ساكنا كأنه جبلٌ يتنفس. لم يكن شرسا، ولا هائجا، كان فقط.. موجودا. اقترب منه العميان، لا يعرف أحدهم شكل الفيل، ولا حجمه، ولا حقيقته. مدّ الأول يده، فأمسك الخرطوم، جسما طويلا لينا يتحرك بين أصابعه، فقال بثقة لا تعرف الشك: "هذه حيّة، لا شك عندي". اقترب الثاني ولمس أذنا عريضة تتحرك مع الهواء، فقال بازدراء: "بل هي مروحة كبيرة، وكيف لحيّة أن تكون هكذا؟". أما الثالث، فاحتضن ساقا غليظة، ثابتة كالصخر، فضرب الأرض بعصاه وقال: "كفاكما وهْما، إنه عمودٌ لا يتحرك". وجاء الرابع، وأمسك بالذيل، فشعر به حبلا خشنا يتدلّى، فقال: "كلكم مخطئون، إنه حبل، والحق أوضح من أن يُجادَل".


واختلفوا، وارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي، وكلٌّ أقسم أن ما لمسه هو الحقيقة الكاملة. لم يكن أحدهم كاذبا.. لكن جميعهم تجاهلوا أنهم عميان. أما الفيل، فبقي واقفا، صامتا، أمام جهلهم وتعنت آرائهم، مندهشا من خصامهم. ولو أن أحدهم سأل بدل أن يُقسم، ولو أن أحدهم تراجع خطوة إلى الخلف معترفا بحقيقة أنهم لا يبصرون، لعلموا أن ما بين أيديهم ليس أشياء متفرقة، بل جسدا واحدا.

لكنهم ظلّوا عميانا، يقتتلون حول الأجزاء، بينما الحقيقة الكاملة تقف أمامهم.. ولا يلمسها أحد. تلك لم تكن حكاية عن فيل. كانت نبوءة عن أمة لا ترى نفسها كاملة.

الخوف الحقيقي ليس من عربٍ غاضبين، فالغضب يُدار ويُحتوى، الخوف من عربٍ واعين؛ لأن الأمة التي ترى نفسها كاملة لا تحتاج أن تصرخ، ولا أن تبرر وجودها، ولا أن تستجدي اعترافا. هي فقط.. تنهض، وعندها لن يعود السؤال: لماذا يخاف الغرب؟ بل: كيف أقنعنا أنفسنا طويلا أننا لم نكن هذا المارد أصلا؟

إنه الوطن العربي؛ ذاك الفيل.. أو بالأحرى "المارد"، وما نحن اليوم إلا عميان التاريخ، نتحسس أجزاء من جسد قوتنا، ونتقاتل حول تعريفها، بينما المارد الذي نمثله واقفٌ أمامنا.. كاملا، ضخما، مخيفا لمن يراه، وغائبا عمّن ينتمي إليه.

الغرب لم يكن أذكى منا، كان فقط أكثر وعيا بنا؛ حين نظر إلى هذه الجغرافيا لم يرَ صحارى متفرقة، ولا دولا ناشئة، ولا نزاعات حدود، رأى كتلة بشرية تتجاوز نصف مليار إنسان، ورأى أرضا تشكل قارة مصغَّرة بذاتها، تمتد على ما يقارب من عُشر يابسة العالم، أو تتجاوز مساحتها مساحةَ أوروبا بأكملها. ورأى ثروات لو اجتمعت لغيّرت موازين القوة والاقتصاد العالمي، ورأى موقعا يتوسط العالم، يتحكم في ممراته وبحاره وطاقته. ورأى تاريخا متصلا، وعِرقا متقاربا، وأكثر من نصف مليار يتحدثون لغة واحدة، ويدين أغلبهم بدين واحد. رأى.. فارتعب.

لذلك لم يحارب الوطن العربي ككل، بل قسّمه ذهنيا قبل أن يقسّمه سياسيا. زرعُ إسرائيل في منتصف الجسد العربي لم يكن فعل عداء فقط، بل عملية تشويش تاريخية: فصل المشرق عن المغرب، قطع التواصل الجغرافي، خلق جرحا دائم النزف، وأجبر المارد أن ينشغل بالألم.. لا بإدراك ذاته. ثم بدأ المشروع الأخطر: تحويل الأمة إلى عميانٍ متخاصمين؛ عربي يرى القوة في النفط فقط، وآخر يحصرها في الدين دون وعي سياسي، وثالث يتغنى بالتاريخ وكأنه تعويذة لا مشروع، ورابع يؤمن بالعدد لكنه يخشاه، وخامس يتوهم أن الجغرافيا لعنة لا نعمة.

وكلهم، دون أن يدروا، يلمسون الفيل.. ويخطئون تعريفه. الحقيقة التي يخشاها الغرب، ويعمل ليل نهار لمنع تحققها، ليست وحدة سياسية رومانسية، ولا شعاراتٍ قومية قديمة، بل لحظة وعي واحدة.. لحظة أن يدرك العميان أنهم لا يلمسون أجزاء متنافرة، بل جسدا واحدا، حينها فقط سيتحوّل العدد إلى قوة، واللغة إلى أداة توحيد، والدين إلى بوصلة أخلاقية لا وقود صراع، والثروة إلى مشروع، والجغرافيا إلى سلاح استراتيجي.

الخوف الحقيقي ليس من عربٍ غاضبين، فالغضب يُدار ويُحتوى، الخوف من عربٍ واعين؛ لأن الأمة التي ترى نفسها كاملة لا تحتاج أن تصرخ، ولا أن تبرر وجودها، ولا أن تستجدي اعترافا. هي فقط.. تنهض، وعندها لن يعود السؤال: لماذا يخاف الغرب؟ بل: كيف أقنعنا أنفسنا طويلا أننا لم نكن هذا المارد أصلا؟

الربيع الأميركي الصهيوني في إيران

 الربيع الأميركي الصهيوني في إيران

وائل قنديل

وفقًا للرؤية الأميركية الإسرائيلية المشتركة، الأحداث المتصاعدة في الداخل الإيراني الآن هي الفرصة الثمينة لاستكمال حزمة أهداف العدوان "الصهيو أميركي" على إيران في صيف العام الماضي، وبمنتهى الوضوح الوقح/ الوقاحة الواضحة في تبرير واشنطن العدوان على فنزويلا وخطف رئيسها، يتكرّر الموقف نفسه من الاحتجاجات في المدن الإيرانية. لم يعد ترامب وتابعه نتنياهو، والعكس هو الأصح، بحاجة إلى الكلام عن التدخّل عسكريّاً لدعم تطلعات الشعوب للحرّية وحقوق الإنسان، فغزو فنزويلا كان من أجل النفط والثروات الطبيعية ومعاقبة الرئيس مادورو على مواقفه العروبية الإنسانية الناصعة من العدوان على الشعب الفلسطيني في غزّة، وكذلك تأتي مقاربة تحالف واشنطن/ تل أبيب من الأحداث في إيران بوصفها فرصة سانحة لاستكمال تدمير القوة الإيرانية العسكرية والحضارية، بإعلان النية في التدخل عسكريّاً لدعم إسقاط النظام والدولة، من خلال تبنّي التظاهرات واحتضانها باعتبارها"الثورة" ثورة ترامب ونتنياهو وابن الشاه الذي ينفذ مهامه من العاصمة الأميركية.

ليس فيما يجري في إيران الآن أية ملامح لربيع ثوري حقيقي، بل هي احتجاجاتٌ محمولةٌ فوق قطع الأسطول الأميركي والترسانة الإسرائيلية، بغية إسقاط إيران من معادلات الشرق الأوسط، حتى وإن اتخذت الأحداث شكلاً شعبيّاً بدأ بالغضب من تردّي الأوضاع الاقتصادية، ثم سرعان ما أعلن الانسجام مع المطالب الأميركية الإسرائيلية.

والحال كذلك، يبدو مستغرباً من ثوار الربيع العربي المتقاعدين هذا الاندفاع الطفولي نحو الدفاع عن"ثورة أميركية إسرائيلية على إيران"، ومحاولة ترويجها بوصفها ربيعاً يشبه ربيعاً عربيّاً مغدوراً على يد أنظمةٍ هي بمثابة أذرع وأدوات تدار أميركيّاً وإسرائيليّاً. الربيع الثوري العربي كان يضع القضية الفلسطينية في القلب من أحلامه ومطالبه، إذ كان انتفاضاً من أجل إسقاط أنظمةٍ أمنت بقاءها بالتبعية الكاملة للمشروع الصهيوني، كما حدّدت خطواته واشنطن، والذي يتجه إلى الاكتمال الآن بعد إطاحته كل تجليات المقاومة العربية من طريقه، مستخدماً أنظمة تأسّست فوق جثة الثورات الشعبية الحقيقية. أما ما نراه في إيران، فهو مما يُسعد إسرائيل ويبهج أميركا ويثير لعاب النافذين في القارّة العجوز لإعلان الانتماء إلى ما تريدانه واشنطن وتل أبيب، كي تحظى ببعض الغنائم حال إسقاط إيران، عن طريق ذلك الغضب الملوّث بكل عوادم آلة الحرب الصهيونية.

والحال كذلك، يبدو مثيرًا للأسى ألا يدرك حكماء الربيع العربي المعتزلين أن إسقاط إيران بهذه الطريقة الأميركية هو الخطوة النهائية قبل إعلان الشرق الأوسط الإسرائيلي رسميّاً، والذي تتحوّل معه البلاد العربية إلى "فنزويليات" متناثرة على الخريطة، مجرّد مساحات مستباحة في أي وقت، من أجل الحصول على النفط والثروة، والمشهد على هذا النحو يشبه تمامًا لحظة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران 2025، إذ جاءت معظم ردّات الفعل العربية أشبه بمكلمةٍ دارت ما بين برود أكاديمي استعلائي واستعراضي، وبين غلٍّ طائفي طافح، باستثناءاتٍ معدودةٍ على أصابع اليد الواحدة لمتداخلين ومعلقين من فلسطين المحتلة كانوا يدركون الأمور على حقيقتها ويستشعرون الألم والخطر على قضية الإقليم المركزية إن نجح الأوغاد المعتدون في القضاء على القوة الوحيدة الباقية في المنطقة المناوئة لأطماع التوسع الصهيوني ومشاريعه، لتركيع المنطقة بأسرها لتكون في خدمته.

المعلن أميركيّاً وإسرائيليّاً في السابق وفي الوقت الحالي هو القضاء على كل مظاهر القوة الاستراتيجية لإيران، وفي القلب منها برنامجها النووي وترسانتها من الصواريخ، والشعار المرفوع بوقاحة هو: ممنوعٌ على أي طرفٍ في الإقليم امتلاك أيٍّ من مظاهر القوة يمكن أن يسبب نوعاً من الإزعاج للقوة الغاشمة غير الشرعية والوحيدة المسموح بوجودها وتعاظمها، وهي إسرائيل، إن لم يكن بالمقاتلات والصواريخ، فعن طريق تظاهرات تدار من هناك فتحرق ما تبقى من الأخضر واليايس هنا .

إسرائيل تعيد هندسة الاقتصاد في الضفة لغايات التهجير

إسرائيل تعيد هندسة الاقتصاد في الضفة لغايات التهجير
د.أحمد أبو الهيجاء
باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية.

تسير الحكومة الإسرائيلية بخطوات ممنهجة لإعادة هندسة الاقتصاد في الضفة الغربية؛ بهدف القضاء على مقومات الحياة فيها ودفع الفلسطينيين إلى هجرة قسرية متنكرة بثياب الطوعية لضمان إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، واستكمال مشروع الضم الذي تحول إلى حقيقة لا لبس فيها.

يعتبر الاقتصاد غير الرسمي جزءا من جميع اقتصاديات دول العالم، فهناك الاقتصاد الرسمي المنظم الذي ترعاه الدولة، ويخضع لكامل إجراءاتها ويمثل غالبية الأنشطة الاقتصادية في الدول الطبيعية، وهناك الاقتصاد الهامشي غير المنظم أو غير الرسمي، والذي يشكل في كل مجتمع متنفسا لشرائح اجتماعية هامشية أو متهربة ضريبيا لكنه في فلسطين لب الحياة. إذ إن الاقتصاد غير الرسمي أو غير المنظم يشكل أكثر من ثلثي الاقتصاد، وتم تقديره من قبل أوساط اقتصادية بنحو (56) مليار شيكل، ويعتبر ذلك كلمة السر في صمود الفلسطينيين وقت الأزمات.

أتقن الفلسطينيون بحكم التجربة الإبداع في العيش على الهامش والقدرة العالية على التكيف، والعيش لفترات طويلة بدون دولة، ومن ثم مع سلطة مقيدة بلا صلاحيات. بمعايير الأرقام الرسمية يفترض أن الحياة الاقتصادية في الضفة الغربية قد انهارت، وهذه حقيقة، ولكن إجراءات التكيف مع الحياة تتحدى القواعد الكلاسيكية في سعي الإنسان لإشباع احتياجاته.

تتحكم سلطات الاحتلال بمفاصل الحياة الاقتصادية كاملة في الضفة الغربية، وهذا أمر بديهي، فيما لا تبقي للسلطة الفلسطينية سوى هوامش ضئيلة في تنظيم الاقتصاد وإدارته، يمكن تشبيه العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بشركة عملاقة لإنتاج السيارات، هي إسرائيل، بينما توجد شركات خدمات لوجيستية تعتاش منها، بعضها يقدم خدمات النقل أو البريد، أو وجبات البيتزا للعاملين.

تقوم سلطات الاحتلال في السنوات الأخيرة بسلسلة إجراءات واضحة وعلنية؛ لكسر قواعد اللعبة الاقتصادية في الضفة الغربية، ما يعني انسدادا كاملا لأفق الحياة لشرائح واسعة من المجتمع شملت منع أكثر من 300 ألف عامل من الضفة الغربية من العمل في الداخل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهم يشكلون مصدر الدخل الرئيسي للنقد في الضفة، ويدرون نحو مليار دولار شهريا، لم يتبقَ منهم اليوم سوى ثمانين ألفا، منهم ثلاثون ألفا يعملون بتصاريح عمل رسمية معقدة الإجراءات، وخمسون ألفا يعملون عبر طرق تهريب مختلفة وملاحقة مستمرة، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يقتل أحدهم، وهو يحاول اجتياز جدار الفصل العنصري، أو خلال ملاحقته في الداخل.

يترافق ذلك مع احتجاز غالبية أموال الضرائب الفلسطينية للعام الخامس على التوالي والتي تعرف باسم "المقاصة" والتي وصلت حاليا لأكثر من ملياري دولار، وتشكل عادة ثلثي موازنة السلطة الفلسطينية.

وإذا كان ما سبق ذكره معروفا تماما ولا جديد في سرده؛ فإن قضية إعادة هندسة الاقتصاد الفلسطيني أعمق من ذلك بكثير، وتتم بإجراءات غير مرئية، ولكنها أكثر تحطيما للقواعد الناظمة للاقتصاد في الضفة الغربية ككل، فإسرائيل اليوم تبحث عن أي مقوم حياة في الضفة لضربه؛ ومن ذلك تحجيم وقطع الصلات الاقتصادية والاجتماعية بين فلسطينيي الداخل (1948) وفلسطينيي الضفة الغربية، وهم شريان اقتصادي رئيسي.

فمثلا حين كانت المعابر مفتوحة على مدينة جنين، كان فلسطينيو الداخل يضخون نحو ثلاثة مليار شيكل سنويا في اقتصاد جنين، فما بالك بالضفة الغربية ككل؟. تعتبر الضفة الغربية الحديقة الخلفية لفلسطينيي الداخل من حيث التسوق، امتلاك الشقق والعقارات، السياحة الداخلية، الدراسة في الجامعات، وبدونهم يصيب الإنهاك كل هذه القطاعات.

كما فرضت إسرائيل قيودا غير مسبوقة على النظام المصرفي الفلسطيني، وإذا كان ليس بالجديد أن يخضع النظام المصرفي لرقابة صارمة فيما يسمى أنظمة غسل الأموال، وما يسمى مكافحة الإرهاب وفق الأنظمة الأميركية، فليس ذلك هو المقصود. فمثلا قررت حكومة الاحتلال عدم السماح للبنوك الفلسطينية بنقل عملة الشيكل إلى البنوك الإسرائيلية، ما أدى لتكدس الشيكل في البنوك الفلسطينية.

قد لا يفهم المتابع معنى ذلك، لكن هذا الإجراء يعني ضرب كل مقومات الاقتصاد غير الرسمي الذي تقوم عليه الضفة الغربية، ويعني ذلك أن إسرائيل لا تعترف بأي نقد لا يمر عبر نظامها الضريبي.

ومن ذلك، على سبيل المثال، إنفاق فلسطينيي الداخل في الضفة الغربية الذي أشرنا إليه، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية الصناعية والحرفية والزراعية غير الرسمية والمسجلة ضريبيا في الضفة، كما يقوض قدرة التجار الفلسطينيين على الاستيراد.

تنبهت إسرائيل لأهمية هذا النوع من الاقتصاد في تعزيز صمود الفلسطينيين، فقررت أن تضرب نقاط قوة الفلسطينيين في التنمية الاقتصادية في المساحات المتاحة على الهامش، صحيح أن بعض هذه المساحات ولدت اقتصادا مشوها، لكنه قادر على تعزيز صمود الناس حتى بات التخلي عن هذا النمط الاقتصادي المشوه خطرا كبيرا مهددا لمقومات الحياة كاملة.

بثت القناة الإسرائيلية الـ"14″- وهي قناة اليمين الإسرائيلي المحسوبة على نتنياهو- قبل نحو عام تقريرا عن الحياة في الضفة الغربية تضمن الإشارة إلى حركة المركبات الحديثة في شوارع مدن الضفة الغربية، ناقش المحللون باستفاضة واستهجان أن ذلك دليل على الحالة الاقتصادية الجيدة في الضفة، وتساءلوا ما دام هؤلاء يركبون سيارات حديثة كيف سيرحلون؟ قد يبدو ذلك سخيفا لكنه يعكس الاتجاهات المستقبلية لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

يضاف إلى ذلك إلزام إسرائيل، السلطة الفلسطينية بسن إجراءات ملاحقة وتقييد أنشطة تجارية، وعمليات تداول غير رسمي للبضائع بين تجار محليين وآخرين عرب ويهود في الداخل، علما أنها لا تؤثر سلبا على الاقتصاد الفلسطيني، لكنها تضر بالاقتصاد الإسرائيلي من وجهة نظر وزارة المالية الإسرائيلية.

تأخرت السلطة الفلسطينية كثيرا في تطوير البدائل للتعامل مع الأزمات التي وقعت بها، فكان اعتمادها الكامل على الضرائب والمساعدات دون بناء اقتصاد حقيقي داخل فلسطين، والتفكير في استثمار الأموال في فترات الرخاء والمبادرة في الاستثمار الآمن خارج فلسطين، ما فاقم الأزمة وجعل الحالة الاقتصادية اليوم مكشوفة بالكامل.

لا مجال لحصر ما تقوم به إسرائيل لتحطيم اقتصاد الضفة، فمثلا أدى الاستيطان الرعوي الذي ابتدعه المستوطنون في السنوات الأخيرة والذي سيطر خلال فترة وجيزة على ثلث مساحة الضفة الغربية، إلى تدمير الزراعة والسيطرة شبه الكاملة على مصادر المياه الطبيعية في الضفة الغربية، فانهارت تربية وتجارة الماشية لانتفاء المراعي ومصادر المياه، وتناقصت بؤر السلال الغذائية الزراعية بشكل حاد.

قررت إسرائيل أن تضرب نقاط قوة الفلسطينيين في التنمية الاقتصادية في المساحات المتاحة على الهامش، فبات التخلي عن هذا النمط الاقتصادي المشوه خطرا كبيرا مهددا لمقومات الحياة كاملة

تسير الحياة الاقتصادية في الضفة باللامنطق الاقتصادي، لكنه صراع البقاء لا أكثر. بلغة الأرقام مثلا، أشار البنك الدولي قبل سنوات إلى أن إسرائيل تسيطر على كامل المياه الجوفية للضفة الغربية وتحرم الفلسطينيين منها، وفي المقابل تقوم ببيع جزء من هذه المياه للفلسطينيين لتلبية احتياجاتهم، المفارقة أن الأرقام أشارت إلى أن ما تتقاضاه إسرائيل سنويا من الفلسطينيين في الضفة ثمنا لتزويدهم بمياههم المحرومين منها أعلى من قيمة المساعدات الدولية التي تدخل فلسطين، وعلى ذلك يمكن إجراء القياس على كل المنظومة!

لا يوجد إجماع في المنظومة الأمنية والسياسية في إسرائيل حول الاندفاع الشديد حاليا في تطبيق هذه الإجراءات، فجهاز مخابرات الاحتلال "الشاباك" يميل أكثر لعدم المساس الجوهري بمقومات الاقتصاد في الضفة؛ ضمانا لاستتباب الأمن، فالدولة العميقة في إسرائيل تعي أهمية ذلك لضمان الاستقرار، بينما الحكومة الإسرائيلية بمكوناتها المعروفة يعملون على التأزيم الكامل، ويتهمون من قبل الدولة العميقة بأن نفسهم قصير وغير مخضرمين في التعامل مع الفلسطينيين؛ رغبة منهم في تسريع تهجير الفلسطينيين، وقتل مقومات صمودهم.

إن ما يجري خطير جدا ومفصلي، فالمطلوب فلسطينيا وعربيا خطة إبداعية وخلاقة لدعم مقومات صمود الفلسطينيين على أرضهم، ولا يرتبط ذلك فقط بالمساعدات، فمثلا توجيه الشركات التي تعمل عن بعد- سواء شركات التكنولوجيا المتقدمة أو غيرها- إلى أن توظف الفلسطينيين، يعني ذلك إيجاد عشرات آلاف فرص العمل عن بعد داخل فلسطين، إضافة إلى رؤية جريئة للسلطة الفلسطينية وإن كانت متأخرة للاستثمار الرشيد خارج فلسطين كما تفعل إسرائيل، ما يوفر مساحات آمنة للاستثمار يعود ريعها للداخل.

علاوة على إعادة هيكلة الاقتصاد في الداخل بشكل تشاركي وشفاف، وترشيد إدارة المال العام، ومكافحة جادة للفساد بطرق أكثر كفاءة، وتوزيع عادل دون اختلال لبنود الموازنة على القطاعات ذات الأولوية، خاصة أن عنوان المرحلة المقبلة هو منع التهجير.

تركيا العظمى والحزام العظيم ضرورة حتمية

تركيا العظمى والحزام العظيم ضرورة حتمية
الموجة الأولى كانت "حربًا على الإسلام" وقادها اليمين الإسرائيلي المتطرف.. الموجة الثانية فستكون "حربًا على الإنسانية" ويقودها اليوم اليمين الإسرائيلي المتطرف نفسه.. جرى تعميم الأزمات عالميًا فيما أُصيب ما يُسمّى بـ"العقل الغربي" بالشلل وأصبحت الدول الغربية رهينة.. محور تركيا هو المحور المشترك للإنسانية في زمن الكارثة.. تركيا العظمى والحزام العظيم ضرورة حتمية.
إبراهيم قاراغول
كاتب تركي - رئيس تحرير صحيفة يني شفق

الولايات المتحدة تضع يدها على فنزويلا، وتستعد لوضع يدها على غرينلاند. وتوجّه رسائل إلى المكسيك وكولومبيا وتشيلي مفادها: "الدور قادم عليكم".

وبالتنسيق مع إسرائيل، تعمل على تهيئة الشروط اللازمة لضرب إيران. وبعد ذلك، تستعد لإطلاق موجة عسكرية واسعة في جغرافيتنا.

محور إسرائيل–الإمارات، وبعد الإبادة الجماعية في غزة، يعمل على تقسيم اليمن، وتقسيم السودان، وتقسيم الصومال. وفي سوريا، يغذّي تنظيم واي بي جي الإرهابي، ويحاول تفكيك الدولة السورية. وبالتعاون مع اليونان وقبرص الرومية، يُنشئ جبهات عدائية في مواجهة تركيا.

الجغرافيا كلها تغلي. وما يجري في إيران يتجاوز كونه أزمة نظام. فما الذي تنذر به كل هذه التطورات؟

في ظل هذه الأحداث، تتوسع الاحتجاجات الجماهيرية داخل إيران. وقد أُعلن، في الليلة الماضية، أن مدينة عبادان سقطت في أيدي المتظاهرين. وفي طهران العاصمة، كما في معظم أنحاء البلاد، خرجت الجماهير إلى الشوارع.

هذه التحركات لا تشبه الاحتجاجات السابقة المناهضة للنظام. فهي تبدو وكأنها مصممة لإسقاط إيران من الداخل بشكل كامل. وبعد الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، واحتمال انكفاء إيران إلى داخل حدودها، ينبغي النظر إلى هذه المحاولات التمردية ضمن فئة مختلفة تمامًا. ويبدو أن منطقتنا مقبلة في أي لحظة على فتح جبهات جديدة.

فما الذي تنذر به كل هذه التطورات؟ ومن الذي يدفع العالم نحو أي مستقبل؟ وماذا سنرى إن جمعنا هذه الأحداث، التي تبدو منفصلة، في صورة واحدة؟

هل اختار الغرب خيارًا قاتلًا؟ اليمين الإسرائيلي المتطرف يحتجز الغرب رهينة، والحرب على الإسلام ستلتهمهم.

بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة، وجد الغرب نفسه أمام خيار مصيري. فقد انتصر على الاتحاد السوفيتي، وكان بصدد بناء نظام عالمي جديد. فهل سيكون هذا النظام قائمًا على هيمنة غربية أحادية، أم على شراكة عالمية؟

وكانت العقدة الأساسية هنا: هل سيتحالف الغرب مع المسلمين في نظام العالم الجديد، أم سيخوض الحرب ضدهم؟

الجزء الأكبر كان يميل إلى خيار التحالف. غير أن إسرائيل واليمين المتطرف في الولايات المتحدة عملا على استفزاز العالم الغربي بأكمله، وتم تحويل "الحرب على الإسلام" إلى عقيدة عالمية.

وجرى تنفيذ هجمات غامضة من طراز 11 أيلول/سبتمبر لخدمة هذا المشروع الكوني. تحت قيادة إسرائيل، شُنّت أكبر الحملات الصليبية في التاريخ… ولم يكن هناك شيء اسمه "العقل الغربي".

بعد ذلك، جرى تعميم خطابات من قبيل "الخطر الإسلامي" و"الإرهاب الإسلامي". وأُعيد تشكيل العقائد الأمنية والعسكرية وفق هذا "التهديد" الجديد. وبدأت الغزوات والاعتداءات على الدول الإسلامية، وتم تغذية الصراعات الداخلية. وكانت النزاعات ذات الطابع العرقي والمذهبي نتيجة مباشرة لذلك.

لقد نجح اليمين الإسرائيلي المتطرف في دفع العالم إلى الحرب مع الإسلام. وشهدنا حينها مدى سهولة التلاعب بما يسمى "العقل الغربي".

ارتُكبت فظائع مروّعة. قُتل الملايين. ومورست أبشع أنواع التعذيب في مراكز مثل سجن أبو غريب، تحت غطاء ديني. دُمّرت مدن، وخُرّبت دول بأكملها.

لقد دفعت إسرائيل الغرب كله إلى حروب صليبية جديدة

وفي الوقت الذي كانت فيه الدول تُحتل، كانت الأنظمة التابعة للغرب في العالم الإسلامي تدعم هذه الاحتلالات. قالوا "إرهاب"، وفي الوقت نفسه أنشؤوا تنظيمات إرهابية.

ما طُبّق لأول مرة في تركيا خلال أحداث 28 شباط/فبراير، والذي كان يستهدف تصفية المسلمين، جرى تعميمه عالميًا. ومنذ ذلك اليوم، لم تعرف جغرافيتنا السلام. كانوا يحتلون، وفي الوقت ذاته يشعلون الحروب في المنطقة.

كانوا يثيرون الضجيج حول "الإرهاب الإسلامي"، وفي الوقت نفسه ينشئون ويديرون تنظيمات إرهابية، ويطلقونها ضد دول بعينها، ثم يضعون تلك الدول تحت السيطرة. لقد كانت السنوات الخمس والثلاثون الماضية من أكثر الفترات إذلالًا في تاريخ منطقتنا.

القوى ذاتها تطلق الآن "الموجة الثانية" وهذا الانكسار الجديد يقوده اليمين الإسرائيلي المتطرف

نحن اليوم أمام الانكسار الثاني منذ الحرب الباردة. فالغرب فشل في فرض نظام عالمي أحادي القطب، لكنه لا يبدو مستعدًا لترك العالم وشأنه. بل يتهيأ لنقل تاريخه الاستعماري الممتد لخمسمئة عام إلى مرحلة جديدة.

وفي هذا الانكسار الثاني أيضًا، يتولى اليمين الإسرائيلي المتطرف، أو ما يُسمّى بـ"القبيلة اليهودية"، قيادة ما يُعرف بـ"العقل الغربي". يستخدم قوة الغرب كسلاح، ويحوّل الأرض إلى ساحة حرب.

يفسد كل مساحات التفاهم، ويحوّل كل خطوط الصدع إلى صراعات.

اليهود، في حدّ ذاتهم، لا يملكون هذه القوة. لكنهم يمسكون بقوة الغرب، ويوجهونها، ويستغلون نقاط ضعفها، ويحيون العداوات التاريخية.

الأولى كانت "حربًا على الإسلام". أما الثانية فهي "حرب على الإنسانية". هل تدركون حجم الخطر؟

في المرة الأولى، قامت إسرائيل واليمين الأميركي المتطرف بعولمة "الحرب على الإسلام". أما اليوم، فهم يهيئون البنية التحتية النفسية والسياسية والاقتصادية لـ"حرب على الإنسانية"، بدافع الجشع والسيطرة على الموارد. إنهم يدفعون العالم نحو الهاوية، ويفتحون أبواب حرب عالمية جديدة تشارك فيها البشرية جمعاء.

وضع أوروبا الكارثي، ومواقفها التي تقترب من الغباء، باتت السلاح الأقوى بيد إسرائيل.

وإن لم تستفق الإنسانية، ولم توقف هذا الجنون، فإن الأرض كلها ستتحول إلى ساحة صراع شامل، وقد تنتهي الأمور بكارثة إنسانية كبرى. وربما يكون هذا هو ما يهدفون إليه بالفعل.

علينا تعزيز بلدنا ومنطقتنا


يجب أن نتدخل في جغرافيتنا. ففي عالم مظلم لا يمكن حتى التنبؤ بغده، علينا أن نعزز دولتنا، ونعزز منطقتنا.

يجب إغلاق كل بؤر الصراع الداخلية، أو القضاء عليها، أو على الأقل تجميدها. كما يجب إغلاق جميع بؤر التوتر في محيطنا الإقليمي.

علينا أن نتخلى عن إرث العداوات التقليدية، وأن ندفع الأزمات خارج جغرافيتنا.

لا يمكن لأي دولة أن تصمد وحدها. يجب بناء شراكات. وهذا بالضبط ما يستهدفونه الآن.

لم يعد ما يلوح في الأفق إقليميًا فحسب، بل كونيًا يشمل البشرية جمعاء.

لذلك، حتى لو كان الأمر قسريًا، وحتى لو كان مؤلمًا، يجب الإسراع في بناء الشراكات الإقليمية وتعزيزها.

ولهذا الغرض، تُصمَّم اليوم صراعات جديدة في السودان، واليمن، والصومال، وبحر إيجه، وشرق المتوسط، وسوريا، وإيران، وغيرها.

وإن نجحوا في ذلك، فلن يبقى لجغرافيتنا أي هامش حركة في العاصفة العالمية القادمة.


تركيا العظمى، والحزام العظيم.

في صراع القوى العالمي، يجب أن تكون قبضتنا مشدودة وأيدينا قوية، وإلا خسرنا هذا القرن والمستقبل معًا.

نحن نمتلك حزام قوة هائلًا يمتد من آسيا الوسطى وجنوب آسيا إلى شمال وشرق إفريقيا.

وهم يحاولون منعنا من اكتشاف هذه القوة واستخدامها. يحاولون منع تشكّل "تركيا العظمى" و"الحزام العظيم"، وإبقائنا ضعفاء وعاجزين.

لكن هذه المرة، هناك تركيا. هذه المرة، المنطقة أقوى. هذه المرة، الغرب أضعف، والقوى المتحدية أكثر.

مفاجأة القرن الحادي والعشرين ستكون تركيا

قد يدمرون العالم، لكن ذلك لن ينتهي بتفوق الغرب. قد يصنعون عاصفة كبرى، لكنها ستؤدي، للمرة الأولى منذ خمسة قرون، إلى انتقال القوة.

قد يعلنون الحرب على الإنسانية، لكن الإنسانية ستعرف كيف توقفهم، وتضعفهم، وتدفعهم إلى الانهيار.

لطالما قلت: "مفاجأة القرن الحادي والعشرين هي تركيا". ولم يكن ذلك قولًا عاطفيًا، بل استنتاجًا قائمًا على حسابات القوة.

ما الخطوات العاجلة المطلوبة؟

قبل أن تضرب العاصفة الكبرى، هناك خطوات يجب اتخاذها فورًا:

إفشال مخططات إسرائيل والإمارات في اليمن، والسودان، والصومال، واستخدام الخيار العسكري عند الضرورة.

إحباط محاولات إسرائيل والإمارات منع وحدة سوريا، وقطع دعمهم لتنظيم واي بي جي الإرهابي، والقضاء على هذا الكيان.

إنشاء درع دفاعي يضم تركيا، والسعودية، ومصر، والجزائر، وقطر، وسوريا، وباكستان.

إنشاء درع قوة في آسيا الوسطى يضم تركيا، وأذربيجان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان.

يجب أن يتوسع "الموقف التركي" إقليميًا.

وسط كل هذه الصورة، تبقى تركيا القوة الوحيدة القادرة على تغيير التوازنات الإقليمية، وإحدى القوى القليلة القادرة على التأثير في التوازنات العالمية.

إنه أمل. وسنتمسك بهذا الأمل. محور تركيا هو محور الإنسانية في هذه الكارثة، وهو اليوم قوة عظمى. دوّنوا هذا جيدًا.