الصليبيون الجدد (7)
فاتن فاروق عبد المنعم
كاتبة روائية،وعضو بالمجلس الرقابي الأعلى للاتحاد العالمي للمثقفين العرب
البحث عن الذات:
الصراع حول فلسطين أو الأرض المقدسة لدى أصحاب الشرائع الثلاث شغلت به كارين وحاولت تبيان طبيعة الصراع والدوافع التي أشعلت الحروب حولها وجعل هذه الحروب مقدسة لديهم، فحامت حول الهوية الدينية المحركة لأتون هذه الحروب، فاليهود عانوا من اضطهاد المصريين ومن بعدهم الرومان والفرس الذين أسروهم ببابل ثم المسيحين في أوروبا، وارتأوا في أرض فلسطين المهد الأول لليهودية أرضهم الواجب العودة إليها ولكنهم في الوقت نفسه قوم بهت “كما العادة” يحتقرون ما دنهم ولم تقم لهم دولة قط في فلسطين ولم تكن يوما ما يهودية أو أقيمت لهم مملكة باسمهم في فلسطين، وقد تعرضت لذلك مرارا من مؤرخين غربين وليسوا مسلمين.
أما أوروبا التي انطلقت منها الحروب الصليبية فكانت تموج بصراعات قبلية أكثر منها حروب بين دول تطورت في كثير من الأحيان إلى حروب أهلية شكلا وموضوعا في وقت كانت فيه الكنيسة هي من تقود هذا الصراع الذي تنوع بين صراعات مذهبية كي تفرض كل كنيسة معتقدها على الأخرى وليس ذلك فحسب وإنما أقاموا المذابح لليهود وخيروهم بين التعميد أو الذبح لأنهم قتلوا الرب استنادا إلى نبوءة بولس الذي قال أن اليهود سيؤمنون بالمسيحية لاحقا لأن المسيح بشر بالمسيحية بينهم وسيتعمدون، أما نظرة الأوروبيين في ذلك الوقت للمسلمين فكانت سوداوية قاتمة، فهم كفار، همج، بربر، عرب أجلاف، ووضعوا أيديهم على الأرض المقدسة التي هي جذور المسيح إلههم وهم أحق بها من اليهود الذين هم جماعة أينما وجدوا أقاموا جيتو يخصهم ولا يمكنهم الاندماج في أي مجتمع دون أن يكونوا قذرين مرابين متآمرين، خونة لا يؤتمنون، وكانت هذه المنطلقات التي بها قاد الرهبان الكلونيون (كما وصفتهم كارين، وكان يراهم صلاح الدين أخبث الصليبيين) الحروب الصليبية بأهوالها وفظائعها.
أما العرب فقد قالت عنهم كارين أنهم دون الإسلام لا شيء، كانوا قبائل متناحرة، عباد للأوثان، لا يجمعهم قانون موحد ولا هوية يتجمعون حولها، وكانوا يشعرون بأنهم دون المسيحيين واليهود ذوي الشرائع السماوية، فجاء الإسلام العظيم ليمنحهم دستورا أبديا وراية توحدوا تحتها، ديباجة إلهية بها انطلقوا فحققوا نجاحات مذهلة في وقت قصير، فتحوا البلاد يبشرون بدينهم، ورفعوا رؤوسهم عالية بما أنجزوا فقط بالإسلام
الآن:
تحلل أصحاب الشرائع الثلاث من تلك الهوية التي بها كانوا يسعون للقبض على مقاليد الأرض المقدسة فكيف أصبحوا؟
تحرر الأوروبيون من ربقة الكنيسة وانطلقوا يشيدون الحضارة الآنية على أنقاض الحضارة الإسلامية بمنجزها الضخم وأصبح الدين لديهم هامشي، وانطلق اليهود يدبجون الخطط لسحب البساط من أسفل كل الأقدام دونهم وامتلكوا مقاليد كل شيء باستحواذهم على كنوز الأرض بطرق شتى فأصبحوا أصحاب الكلمة العليا في كل شيء وغاصوا في ماديتهم وتبنوا الإفساد في الأرض بشتى الطرق كي يعلو، وانصاع المسلمون لكل انحراف بعيد عن الدين بهدوء ودون أن يدركوا بما ألم به إلا مؤخرا، لأنهم في غفلتهم يعمهون، أهملوا الإسلام واستبعدوه من حياتهم بدرجات متفاوتة، استغنوا عن مكمن قوتهم فعادوا أذلاء تابعين همل لا قيمة لهم ولا وزن، ضرب الله عليهم تيه العاصين كي يعودوا إليه ويحملوا الراية مرة أخرى، إنه الناموس الإلهي الذي لا يتبدل ولا يتغير منذ بدء الخليقة.
وبذلك تقدم الأوربيون عندما تحرروا من ربقة الكنيسة وتخلف المسلمون عندما نحو الدين جانبا وهاموا على وجوههم يأخذون من غيرهم ظنا منهم أنهم بذلك سيتقدمون فطالهم الانحطاط تلو الانحطاط.
عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال:
لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَأخُذَ أمَّتي بأخذِ القُرونِ قَبلَها، شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ.
فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، كفارِسَ والرُّومِ؟ فقال: ومَنِ النَّاسُ إلَّا أولَئِكَ؟
ولنا هنا وقفة:
فلسطين هي الميزان الحراري الذي يقاس به حال المسلمين في قبضة اليهود المتصهينين بمؤازرة كل من هم دون المسلمين، اليهود المتدينون لا يرضون باحتلالها لأنهم يعلمون أنها ليست أرضهم، والغرب المسيحي (مجازا) يبارك بقاء الصهاينة بها ليصدوا عنهم خروج المارد (الإسلام) مرة أخرى كما قالت كارين، أما المسلمون اصطفي الله منهم ثلة من المجاهدين ليكونوا الأنموذج والطليعة التي تتصدر المشهد، بهم تزال كل الأقنعة ليميز الله بهم الخبيث من الطيب، لزموا ثغرهم، عادوا إلى الهدي بكل صوره في الداخل والخارج ألتزموا القرآن فهدوا إلى الطيب من القول والفعل.
الزم ثغرك:
الطوفان الذي انطلق من غزة سيطوف الأرض، وسيطال الكل، بيد قوى الاستكبار العالمي، الذين يتعاملون على إنهم آلهة تأمر فتطاع، قرن الشيطان يقضي عليه الشيطان بنفسه، إبداع إلهي والخبيث يظن أنه في مزيد من التمكين.
المشهد الآني الأبرز في العالم هو اختطاف رئيس فنزويلا، واستشهاد أبو عبيدة، هي دلائل وإشارات لديباجات خطط معدة سلفا ظاهرها يختلف عن باطنها، بل إن الصورة الحقيقية تناقض المعلن أما الثابت والأكيد هو إنك مستهدف لأسباب مختلفة وقد تكون متقاطعة لدى حتى الأطراف التي تشترك في الصياغة ولكنهم يتفقون على كونك هدفا في لوحة التنشين، أما النجاح الذي من المفروض أن تعول عليه هو تفادي رشقاتهم ما أمكنك ذلك.
هذا العالم يحكمه الشيطان رأسا ومواليه من شياطين الإنس، انحسر دور المؤمنين فأصبح المجال له مفتوح من كل جانب وأصبح حاكما على كوكب الأرض، أقام مملكته ظنا منه أنه يكمل تحدي الله، شيد جنته المناقضة لجنة الله، جزيرة إيبستن، شرط دخولها مبارزة الله بكل أنواع المعاصي دون وجل، فكان روادها كل النخب ذات الدور المؤثر في العالم، منها يتحكمون في، يرفعون أقوام ويضعون آخرين، ما يحدث فيها كان يحدث منذ الأزل ولكنهم كانوا يتوارون، أما الآن يعلنون عن أنفسهم، رواد هذه الجزيرة هم عباد للشيطان والإعلان عنها يعني أنهم بلغوا من القوة ما لا يمكن مجابهتهم أو بالأحرى أن الشيطان نفسه يعلن عن نفسه حاكما وإلها للبشر، ومن يتحداه ويعبد الله فسيكون هدفا مستباحا له.
في البداية ابتدع اليهود الشيوعية والليبرالية، الاثنان في ظاهرهما نقيضان ولكنهما خرجا من بوتقة واحدة (كما ذكروا هم في كتبهم وسبق وتعرضت له هنا بالتفصيل) والاثنان يصبا في مصلحة اليهود ومواليهم، ليحدثوا صدع في معتقدك ويهزوا البناء العقدي داخلك، وقد كان برعاية الماسونية حزب الشيطان الأعظم، وأصبح المؤمنون أغراب تكال لهم الاتهامات تلو الاتهامات، وبمرور الوقت انتهت الشيوعية وجاء وقت موت الليبرالية، لأن الدول القومية التي نشأت بإيعاز منهم أفلست فكريا وأصبحت الشعوب الإسلامية على وجه الخصوص تنحو نحو الإسلام كدين وبديل قوي لإفك الشيطان، استشعرت قوى الاستكبار العالمي الخطر فقاموا من فورهم لقيادة العالم إلى الحرب العالمية الثالثة ضد الإسلام نفسه، فلابد أن يعبدوا الشيطان الذي يعلن عن نفسه دائما ولكنه الآن أوضح.
الخيانة:
أسوأ السلوكيات البشرية على الإطلاق، تجلت بقوة ورائحتها تزكم الأنوف،
مشهد الانقضاض على رئيس دولة في وسط نظامه وأركانه ودعائمه هو تنفيذ حرفي لموت الليبرالية مفخرة أمريكا وأوروبا، هو مشهد الضرب بقوانين الأمم المتحدة عرض الحائط، الأمم المتحدة التي ولدت فكرتها داخل أحد بيوت الدعارة بنيويورك، وهو ما يعني أنهم مجموعة من القوادين والمومسات الفاضلات الذين خرجوا على العالم بهذا المنتج ليقيموا العدل في الأرض!!! فأفصح الشيطان عن وجهه قائلا:
لا قوانين ولا دول وإنما مملكتي وأنا ربكم الأعلى، فهل من معترض؟
رغم التنظيرات والتحليلات والتكهنات التي رافقت المشهد إلا أن هناك شيئًا أساسيًا في كل العمليات المخابراتية لا يمكن تخطيه وإن لم يشر إليه أحد وهو الخيانة من أقرب الأقربين وحتمية وجود العنصر النسائي، بمعنى الزج بإحدى المومسات الفاضلات إلى رئيس فنزويلا فلما انقضت قوات دلتا على الرئيس في لحظة التجلي الأعظم قام بسحب بوكسره ليرتديه ولا يلفوه في ملاءة، ولكن الذكاء الاصطناعي لم يذكر لنا أهو بوكسر قطونيل أم بفتة، أما المومس الفاضلة فقد منحوها الوقت الذي تريده لترتدي ثوب الفضيلة وتهل علينا من إحدى الشاشات لتناقش قضايا مجتمعية أو أسرية أو حتى قضية رأي عام، ففي مملكة الشيطان المجد لكل مومس فاضلة في أي مكان.
الجزء الثاني من المشهد هو موت أبي عبيدة، وهذا أيضا تم بالخيانة ولكن دون مومس فاضلة، ولو وجدت لاعتبرها العدو النصر الحقيقي لهم لأن وجودها يسرع بنهاية رجال المقاومة، ولو وجدت لتنافست قنوات إعلام الرايات الحمر لإعلان الخبر كي يميتوا الأنموذج في القلوب ولكن هيهات، الذين تربوا على مائدة القرآن غير الذين تربوا على منتج ديزني لاند وهوليود.
أخيرا:
لو قامت حربا عالمية ثالثة فلن تضع الحرب أوزارها إلا مع المجيء الثاني للمسيح عليه السلام، ثغرك الواجب عليك التزامه هو نفسك، هي أسرتك، نجري لأنفسنا تحديث إيماني، لا نجاة إلا بالفرار إلى الله، سفينة النجاة في التعاليم الإلهية، هذا فقط ما يقهر الشيطان وهذا ما يفعله رجال المقاومة في غزة، لذا خطفت قوات دلتا رئيس فنزويلا ولم تستطع أن تخطف أسيرا واحدا من رجال المقاومة.
وللحديث بقية إن شاء الله




.jpg)


