الثلاثاء، 17 مارس 2026

تلك الاستقالة الفاضحة وائل قنديل

تلك الاستقالة الفاضحة  

وائل قنديل

 

"لا يُمكنني بضمير مرتاح أن أؤيد الحرب المستمرّة في إيران. لم تُشكّل إيران أي تهديد مُباشر لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأميركية القوية التابعة لها". ...          

بهذه الفقرة الكاشفة، بدأ مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جوزيف كينت، خطاب الاستقالة من منصبه إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهي الاستقالة التي جاءت بمثابة زلزال، وكشفت أنّ العدوان على إيران حرب إسرائيلية بالأساس، فلا يعني الاستمرار في المشاركة فيها سوى تقديم آلاف الأرواح خدمة لجريمة صهيونية.

 وكأنّ الرجل يثبت صحة كلّ كلمة وردت في رسالة علي لاريجاني أوّل من أمس، وفيها إنّ "بعض الدول ذهبت أبعد من ذلك فقالت إن إيران أصبحت عدواً لها لأنها استهدفت قواعد أميركية ومصالح أميركية وإسرائيلية في أراضيها. فهل يُطلب من إيران أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تُستخدم القواعد الأميركية في بلدانكم للاعتداء عليها؟ إنها ذرائع واهية. فالمواجهة اليوم بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران المسلمة وقوى المقاومة من جهة أخرى. فإلى أيّ جانب تقفون؟".

استقالة المسؤول الأميركي من هذا المنصب الرفيع ومجريات أحداث العدوان منذ بدايته تضفي مزيداً من الوضوح على الحرب الدائرة، بوصفها حرب بنيامين نتنياهو وذئاب اليمين الصهيوني الديني في كلّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، للوصول إلى الغاية القصوى، إخضاع منطقة الشرق الأوسط بأسرها للهيمنة الإسرائيلية، ومن ثم يصبح أيّ إسناد للهجوم الأميركي الإسرائيلي بمثابة اصطفاف صريح مع المشروع الصهيوني في المنطقة.

تقول كلّ الشواهد إنّ القضاء على إيران، القوّة الوحيدة الباقية في الإقليم تناوئ أحلام الصهيونية الدينية المُتطرّفة، بشقيها الأميركي والإسرائيلي، مشروع جرى التخطيط له منذ وقت طويل، والآن وقت التنفيذ، بما يجعل الأمر ليس فقط استكمالاً لجدول أعمال واشنطن وتل أبيب لمرحلة ما بعد "طوفان الأقصى"، وإنما تحقيقاً للهدف الموضوع منذ ما قبل "الطوفان"، والذي جرى الإعلان عنه صراحًة في قمّة النقب في 27 مارس/ أذار 2022، وترأستها إسرائيل، وأحضرت إليها أربع دول عربية، مصر  والمغرب والبحرين والإمارات، بالإضافة إلى أميركا، وهي القمّة التي أرادتها تل أبيب "قمة الهدف الواحد"، وهو الاصطفاف العربي الإسرائيلي في مواجهة إيران.

في ثاني أيام انعقادها، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، يئير لبيد، تحويل "قمّة النقب" إلى منتدى دائم، مُعتبراً أنّ تعزيز العلاقات بين إسرائيل و"الشركاء العرب" سيردع إيران، فيما أعلنت واشنطن أنّها ستواصل دعمها عملية التطبيع. وقال في مؤتمر صحافي ختامي، جمع لبيد مع نظرائه من أميركا ومصر والإمارات والبحرين والمغرب، إنّ "ما نقوم به هنا هو صنع التاريخ وبناء هيكل إقليمي جديد قائم على التقدم والتكنولوجيا والتسامح الديني والأمن والتعاون الاستخباراتي"، وأضاف: "هذه التركيبة الجديدة، والقدرات المشتركة التي نبنيها، ترهب وتردع أعداءنا المشتركين وفي مقدمتهم إيران ووكلاؤها". والمقصود بالوكلاء بالطبع كلّ فصيل يقاوم الفناء، حركة حماس في غزّة وحزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن.

من هنا، كان "طوفان الأقصى" حتمية تاريخية بمواجهة الفناء، خصوصاً بعد أن بدا أنّ ثمّة اصطفافاً من النظام الرسمي العربي مع إسرائيل ضدّ كلّ كوابح الإذعان الكامل لهذا الشرق الأوسط المُتصهين، فكان لا بُدّ للإنسان الفلسطيني المُقاوم أن يباغت الاحتلال، وأصدقاءه العرب، ورعاته الغربيين، بأن بادر بفعل غير مسبوق في التاريخ، مُستعيداً التعريف الصحيح للكفاح من أجل التحرّر من الاحتلال، على نحو مارسته كلّ الشعوب التي وقعت تحت استعمار في العالم، حقّاً تحميه قرارات الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، فدعمته إيران وخاض المعركة معه حزب الله، وهي معركة لم تكن ضدّ الاحتلال فقط، بل أيضاً ضدّ تيار عريض من التصهين العربي يمقت مفرداتٍ مثل المقاومة والكفاح والاستقلال والتحرّر.

في ظلّ هذه المعطيات، من لا يشاهد الارتباط بين القضاء على القوّة الإيرانية والتقدّم في مشروع الشرق الأوسط الإسرائيلي بما يتضمّنه من ابتلاع كامل الجغرافيا الفلسطينية، وما يستتبع ذلك من محو ملامح الهُويّة الإسلامية على القدس، إمّا أنّه يخدع نفسه أو يتماهى مع هذا المشروع ظنًا أنّه سيحصل على مكان فيه، بينما الحقيقة المؤكّدة أنّ الصهيوني لا يرى في المنطقة سوى صفوف من الأغنام أمام المقصلة تنتظر دورها في الذبح، وأولهم الذين يتسوّلون الخدمة في بلاط الجزارين والسفاحين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق