الأحد، 15 مارس 2026

المأزق الأخلاقي للحروب في الشرق الأوسط حين تختلط العدالة بالقوة

المأزق الأخلاقي للحروب في الشرق الأوسط
حين تختلط العدالة بالقوة
 

الى جانب اشتعال الحرب في المنطقة بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران وحلفائها في الجهة المقابلة اشتعلت حربًا أخرى بين جبهات الاصطفاف النخبوي الذي لم تفرضه المعايير الدولية او الأخلاقية او الدينية واحتدمت تلك المواجهات على حسب زاوية الاصطفاف التي يتبناها كل طرف. وقد سقط فيها من سقط ونجا فيها من نجا، لكن سقطت معها مصداقية بعض الرموز والشخصيات العامة.

في كل حربٍ كبرى، لا تنفجر القنابل وحدها؛ تنفجر معها الأسئلة الأخلاقية أيضًا. 

وحين تتصاعد المواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لا يكون الصراع مجرد تبادلٍ للصواريخ أو استعراضٍ للقوة العسكرية، بل يتحول إلى اختبار عميق لضمير المنطقة كلها:

 كيف يمكن التمييز بين العدوان والدفاع في عالمٍ تتشابك فيه الجبهات وتتداخل فيه الحدود؟

يبدأ المأزق من اللحظة الأولى للحرب. 

فالتاريخ يعلمنا أن الشرارة الأولى في أي صراع هي التي تحدد الإطار الأخلاقي للنقاش كله.

فإذا كان طرف ما قد بدأ الهجوم، فإن الفطرة الإنسانية، كما تقرها الشرائع الدينية ومبادئ العدالة الطبيعية، تميل إلى إدانة هذا الفعل باعتباره اعتداءً.

ولهذا فإن كثيرًا من النقاش الدائر في المنطقة اليوم ينطلق من سؤال بسيط في ظاهره لكنه عميق في دلالاته: هل يمكن إدانة ردود الفعل دون إدانة الفعل الذي أطلق شرارة الحرب؟

في الوعي الأخلاقي العام، لا يمكن تجاهل هذه النقطة. فالحرب التي تبدأ بالهجوم تضع المعتدي في موقع المساءلة، وتمنح الطرف الآخر، نظريًا على الأقل، حق الدفاع عن نفسه.

غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول الحرب من مواجهة محدودة بين طرفين إلى شبكة معقدة من الضربات المتبادلة التي تمتد إلى أراضٍ لم تكن في الأصل جزءًا من المعركة.

هنا يظهر التوتر بين مبدأين أخلاقيين متعارضين ظاهريًا:

 مبدأ حق الدفاع عن النفس، ومبدأ احترام سيادة الدول وعدم توسيع نطاق الحرب. فحين تنطلق العمليات العسكرية من قواعد أجنبية موجودة داخل دول أخرى، تتحول هذه الدول، شاءت أم أبت، إلى عقدة في شبكة الصراع.

وتبرز هنا معضلة القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، فهذه القواعد التي أنشئت في سياقات أمنية سابقة أصبحت اليوم، في لحظة المواجهة، نقاط اشتعال مؤكدة في حرب أوسع.

من زاوية عسكرية بحتة، قد تبدو القواعد التي تنطلق منها العمليات أهدافًا مشروعة في منطق الحرب. لكن من زاوية سياسية وأخلاقية، فإن استهدافها يضع الدول المضيفة في قلب العاصفة، حتى لو لم تكن راغبة في الانخراط في الصراع.

 وهنا يتجلى أحد أعقد تناقضات النظام الدولي المعاصر: 

الحدود السياسية للدول لا تعني دائمًا حدود الحرب؛ وهذا يكشف عن خلل بنيوي في ظروف نشأة وتطور بعض دول المنطقة.

وهكذا تتكشف طبقات جديدة من التعقيد. فالدول الصغيرة أو المتوسطة التي تستضيف قواعد عسكرية لقوى كبرى تجد نفسها في موقف شديد الحساسية:

 فهي من جهة تعتمد على هذه التحالفات لحماية أمنها، ومن جهة أخرى قد تتحول أراضيها إلى أهداف في أي مواجهة بين تلك القوى وخصومها. وفي هذه اللحظة يتبدل معنى السيادة نفسه؛ إذ تصبح السيادة السياسية منفصلة جزئيًا عن السيطرة الفعلية على مسار الصراع.

لكن المأزق لا يقف عند حدود الجغرافيا. 

فالحروب في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى حروبًا بين دول فقط. إذ تتداخل فيها شبكات من الفاعلين غير الدولتيين، كما في حالة حزب الله، الذي يمثل أحد أبرز امتدادات النفوذ الإقليمي الإيراني. 

وفي مثل هذه الحالات يصبح الصراع متعدد الطبقات: حرب بين دول، وصراع نفوذ، ومواجهة غير مباشرة تدور عبر وكلاء.

وفي هذا المشهد المعقد، تتراجع الخطوط الواضحة التي تميز بين المعتدي والمدافع. فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره في موقع الدفاع عن النفس، بينما يتهم خصومه بالعدوان والتوسع.

ومع مرور الوقت، تتحول الحرب إلى دائرة متصاعدة من الضربات والردود، بحيث يصبح من الصعب تحديد اللحظة التي بدأت فيها الشرارة الأولى.

هذه الديناميكية ليست جديدة في تاريخ الشرق الأوسط. فالكثير من حروب المنطقة بدأت باعتداء واضح، لكنها سرعان ما تحولت إلى صراعات إقليمية واسعة تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الجيوسياسية.

وفي مثل هذه الحروب، غالبًا ما تضيع البوصلة الأخلاقية وسط ضجيج السلاح.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للنخب الفكرية والسياسية في المنطقة. 

فالمطلوب منها ليس الانخراط في خطاب الاصطفاف الأعمى مع هذا الطرف أو ذاك، بل محاولة إعادة صياغة النقاش على أسس أكثر اتزانًا. فالعدالة الأخلاقية لا تعني الدفاع عن طرف بشكل مطلق، بل تعني القدرة على الاعتراف بحقائق متعددة في الوقت نفسه:

إدانة الاعتداء الأول، والاعتراف بحق الدفاع عن النفس، وفي الوقت ذاته التحذير من مخاطر توسيع الحرب وتحويل أراضي دول أخرى إلى ساحات قتال.

وهذا ما انتبهت له جماعة الإخوان المسلمين في بيانها الصادر بشأن موقفها من الحرب الحالية الذي تميز بالوضوح المؤسس على معايير حاكمة أخلاقية ودولية ودينية.

إن المعضلة الأخلاقية للحروب المعاصرة تكمن تحديدًا في هذا التشابك بين العدالة والقوة. فالقوة العسكرية قد تمنح بعض الأطراف القدرة على فرض وقائع جديدة على الأرض، لكنها لا تمنحها بالضرورة شرعية أخلاقية. 

وفي المقابل، قد يمتلك طرف ما حجة أخلاقية قوية، لكنه يجد نفسه محاصرًا بميزان قوى لا يعمل لصالحه.

لهذا فإن السؤال الأعمق الذي تطرحه الحرب الحالية لا يتعلق فقط بمن بدأها أو بمن سيربحها، بل يتعلق بطبيعة النظام الإقليمي الذي ستتركه وراءها. 

فالحروب الكبرى لا تنتهي عادة عند لحظة وقف إطلاق النار، بل تترك آثارها في بنية العلاقات الدولية لعقود طويلة.

والسؤال الحقيقي والأكثر إثارة للتأمل هو اين موقع الأمة الإسلامية والعربية من تلك المشاريع التي تتصارع فيما بينها ويدور الصراع على أراضيها لنهب خيراتها وثرواتها والسيطرة عليها؟!

وفي نهاية المطاف، يبقى الدرس الأقدم في التاريخ السياسي صحيحًا:

العدالة قد تكون شرارة الحروب، لكن القوة هي التي تحدد مسارها. وبين هذين القطبين، العدالة والقوة، تتحرك شعوب المنطقة في مساحة ضيقة من الخيارات الصعبة، محاولةً أن تحافظ على شيء من التوازن في عالمٍ يبدو فيه التوازن أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

ولن تكون نتيجة الحرب في صالح أصحاب الأرض إلا اذا أعادت تموضعها بشكل أكثر ديناميكية يحولها من المبني للمجهول الى المبني للمعلوم. او من ضمير الغائب الى ضمير متصل ناشط وفعال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق