الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

ماذا قال الرئيس في ذكرى مذبحة رابعة؟!

اللهم أرحم براء أشرف رحمة واسعة

ماذا قال الرئيس في ذكرى مذبحة رابعة؟!



براء أشرف  

مدونة صحفي وكاتب مصري

تم النشر: 18:41 14/08/2015 AST    
 تم التحديث: 12:12 14/08/2016 AST

كنت على وشك الاحتفال بعيد ميلادي الخمسين، هذه مصادفة غريبة، أذكر القصة منذ زمن بعيد، تم فض اعتصام رابعة ووقعت المذبحة ضد المعتصمين وكنت لا زلت حينها ابن الثامنة والعشرين، عيد ميلادي بعد فض الاعتصام بثمانية أيام فقط.. في ذلك العام البعيد، 2013، احتفلت بعيد ميلادي، ببؤس شديد، بين ثلاثة من أصدقائي داخل المنزل، محبوسين بقرار اتخذته السلطات حينها بحظر التجوال..

وكل عام، مر بعدها، يأتي عيد ميلادي ملطخًا بالبؤس ذاته، فقبله بأسبوع واحد تمر ذكرى المذبحة.. حتى جاء عيد مولدي رقم 50.. حينها، تلقيت دعوة كريمة، من مؤسسة الرئاسة، لحضور اجتماع ضخم، يضم ممثلين للمجتمع المصري، رجال سياسة وعلم وثقافة وفن، وسيلقي الرئيس الشاب، خطابًا مهمًا.. هكذا تقول الدعوة..

وسأنقل ما جرى في ذلك اليوم، تمامًا كما دونته في مذكراتي الشخصية، بعد عودتي إلى المنزل.. وكنت في هذا الحين، أكتب يومياتي في صورة خطابات لصغيرتي مليكة، التي كانت وقتها لا تزال شابة يافعة، متزوجة ولديها طفل واحد، ومقيمة خارج البلاد.

القاهرة - 14 أغسطس 2035
الجو كعادته في أغسطس، لكن نسمة هواء تلاحقني قادمة من مكان مجهول. سحبت قميصي الأبيض، وتذكرت أنه لم يعد ضروريًّا ارتداء الملابس الرسمية في اجتماعات الرئاسة التي يحضرها الرئيس، باتت هذه تقاليد قديمة لا يحرص عليها أحد.

طالعت عناوين مواقع الإنترنت في عربة المترو المخصصة للمسنين، تخيلي يا مليكة، صار أبوكِ كهلاً عجوزًا بإمكانه الجلوس في عربة المسنين دون قلق من الغرامة.. صار عمري أكبر من 45 قبل خمس سنوات.. وهو ما يتيح لي الجلوس هنا..

كل الأخبار تشير إلى "لجنة المستقبل". تفاصيل اجتماعها الأخير، وقراراتها بخصوص منظومة التعليم والصحة، ودفعها لتطبيق مبكر للمرحلة التاسعة من برنامج التأمين الصحي الشامل.. جلوسي في عربة المسنين يعني أن تطبيق المرحلة السابعة يسير بشكل جيد. أجلس هنا لأن هذه العربة تم تمويلها من ميزانية البرنامج.. ذكريني أن أكتب لهم يوم السبت، أشتكي من اللون القاتم لمقاعد العربة.. أنا مسن، وأستحق بعض البهجة في شيخوختي.. ولون المقاعد يصيبني بالتعاسة..

كل شيء في قصر الرئاسة كان منظمًا كالعادة. اصطحبتني فتاة تشبهك إلى مقعدي. أخبرتها أنها تشبهك.. ورأيت في عيونها البند التاسع من قانون التحرش. فجلست صامتًا أستمع لموسيقى وطنية مريحة.. هذه الأغاني كانت تزعجني حتى وقت قريب. يبدو أنني بدأت أحبها تدريجيًّا بعد أن صار لها معنى..

"سيستمر خطاب الرئيس لمدة 20 دقيقة، ثم ستكون الساعة التالية للخطاب مخصصة لمناقشة حرة، وبعدها يتفضل الحضور بتناول الغداء، وسيبدأ الخطاب بعد خمس دقائق".. هكذا قالت الموظفة في الميكرفون..

كما أخبرتك في الهاتف، كنت جاهزًا بعكازي الأسود، سأقوم وأصرخ في وجهه، ليس من حقك تعطيل لجنة المستقبل، ليس من حقك أن تفعل، لم ننتخبك لذلك.. كل شيء يقول أنه جمعنا للحديث عن اللجنة وميزانيتها..

تحسست عكازي جيدًا فيما تبقى من وقت، وراجعت خطتي.. بينما أتى هو مبكرًا، ومر من جواري، وربما لمح عكازي بطرف عينه وابتسم.. أو هكذا تخيلت..

هذا الرجل يحيرني، في شبابي كان كل رجال السياسة لديهم كروش ضخمة. وكنا نحب السخرية منها عادة، حين كنت صحفيًا صغيرًا، كتبت مرة "كرش الرئيس ممتلئ بالأكاذيب".. لكن هذا الرئيس الشاب ليس لديه كرش!، طيب يعني لو كذب علينا (فرضًا)، عن أي شيء سنكتب أنه ممتلئ بالكذب؟!..

بدأ خطابه بسرعة.. يحاول أن يقول كل شيء في الوقت المخصص له..

بسم الله.. خطابي اليوم جُزءان، الأول، أحفظه جيدًا، والثاني سأكون بحاجة لقراءته من ورقة كتبتها بعناية طوال عام كامل..


أشكر لكم حضوركم لهذا الاجتماع المهم، لعلكم لاحظتم أنه لم يكن مدرجًا سابقًا في جدول الرئاسة المنشور بالصحف. بصراحة، رأيت أن موضوع هذا الخطاب، يجب أن يسمعه الناس دون تكهنات مسبقة. ودون ضجيج وانفعالات لا قيمة لها..


أعزائي، إذا نظرتم جيدًا إلى تاريخ اليوم، المذكور في الدعوة التي تلقاها كل منكم، وإذا نظر المواطنون الذين يشاهدونني الآن عبر الشاشات، إلى تاريخ اليوم، فستجدون النتيجة واحدة : 14 أغسطس..


اليوم، مجرد يوم جديد، "لجنة المستقبل" تنهي عملها، وأنا أعلم أن بعضكم يتوقع أن يكون خطابي بخصوصها.. سأخيب آمالكم.. الميزانية كما هي، وأنا هنا للحديث عن أمر مختلف تمامًا.. 14 أغسطس الذي أعنيه، يعود إلى 2013..


كنت حينها طفلًا صغيرًا، ولم أفهم تحديدًا ما يحدث في شوارع القاهرة، لكني أذكر جيدًا، نظرات أمي إلى التلفزيون.. ولون الدم على الشاشة..

ولاحقًا، علمت أن ذكريات طفولتي لا تخصني وحدي، بل صارت محفورة، في ذهن كل مواطن مصري، بغض النظر عن انتمائه السياسي..

كبرت، وأنا أرى البعض يعتبر 14 أغسطس يوم لانتصار الوطن.. وكنت شابًّا، والدولة تتباهى، بقتلها لأولادها في الشوارع، وتبرر أفعالها، بل، وتمنح نفسها الحق في الكذب والتضليل..

أصبحت رئيسًا، والناس كادت أن تنسى ما جرى.. ربما، بقيت القصة في ذاكرة من هم أكبر سنًّا..

أيها السادة. أنا هنا للحديث عن مذبحة رابعة العدوية. وأنا، بصفتي رئيس الجمهورية المنتخب، أعلن، بصدق وأسف، اعتذار الدولة المصرية عن قيامها بمذبحة رابعة، ضد آلافٍ من مواطنيها، وما تلا فضَّ الاعتصامات من انتهاكات واضحة للقانون والدستور، وباسم الدولة، أعلن، وأكرر اعتذارها لكل مواطن، قضى ساعة واحدة، مسلوب الحرية، بتهم لم يثبت صحتها.

أيها السادة.. أنا هنا، لأعتذر باسم الدولة. لكني أيضًا، أؤمن، أن الدولة لم تكن الجاني الوحيد.. بل شاركنا جميعاً في هذه الجريمة..

كما تعلمون، فقد تم اعتبار مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية جريمة ضد الإنسانية، بحسب تحقيق اللجنة الخاصة التي شكلتها الأمم المتحدة.. وقناعتي الشخصية، أن الجرائم ضد الإنسانية، دائمًا، المجتمعات شريكة بها..

هذه الدولة، في عصرها السابق، لم تكن لتستطيع وحدها ارتكاب جريمة كهذه، لولا قبول أجيال سابقة وسكوتها. بل ومنح البعض السلطة الغاشمة تفويضًا قذرًا بقتل الناس دون حساب.

أنا هنا، أعتذر باسم الدولة، وأطالب كل مواطن مصري، كان بالغًا راشدًا ساعة تنفيذ المذبحة، بالاعتذار لأطفاله، وللأجيال الأصغر سنًّا، بل وربما يكون بحاجة للاعتذار لنفسه، لأنه شخصيًّا كان واحدًا من الضحايا.

هذا الوطن، ضيع وقتًا كبيرًا، راهن بمستقبله، ومستقبل أطفاله.. وفي كل مرة، أسمع فيها اسم "لجنة المستقبل"، أتصور أن عمل هذه اللجنة تعطل كثيرًا، فقد غاب المستقبل عن عقل هذا الوطن حين كان متفرغًا للقتل..

أعتذر باسم الدولة، وأطالبكم بالاعتذار باسم المجتمع، لأن هذا وحده يمنحنا القدرة على تخيل شكل المستقبل، فلا مستقبل لأمة، تسمح للقتل أن يكون جزءًا من ذاكرتها.

أعتذر لأطفالي، لأن حياتهم كانت لتكون أفضل، لولا المذبحة. وأعتذر وأطلب المغفرة، من كل من تسببت المذبحة في أن يصبح طفلًا يتيمًا، أو أُمًّا حزينة على مقتل ابنها..

أعتذر للعالم، أن وطننا تأخر كثيرًا عن الاعتراف بحقوق الإنسان واحترامها، أعتذر للإنسانية عن كل الجرائم التي ارتكبت ضدها، في وطني الذي لم يكن حينها حرًّا..

أعتذر للقيم التي طالب بها آباؤنا فتم اتهامهم بالعمالة والخيانة، القيم التي أقسمت على حمايتها ضمن قسمي الدستوري، العيش، الحرية، الكرامة، العدالة.. أعتذر لها، فما كان أسهل من أن نحصل عليها دون كل هذا الدم..

أعتذر للمستقبل، لأننا فرَّطنا فيه طويلًا، وعزائي أن أعلى سلطة حالية في الدولة تحمل اسمه.. لجنة المستقبل..

أعتذر وأتعهد، بأن تبقى السلطة في بلدي، متداولة بشكل سلمي، لا يقتل الناس في سبيل الوصول لها، ولا تقتل الناس باسم الدفاع عن الأمن.. هذه دولة آمنة، وليست دولة أمنية..

أتعهد، وألتزم، ألا يقتل مواطن مصري واحد، باسم السياسة، مهما كانت الأسباب..

اليوم أيها السادة، أقرر باسم رئيس الجمهورية ما يلي.. وهذا هو الجزء الذي سأقرأه من الورقة:


أتقدم للبرلمان المصري، بطلب اعتماد يوم الرابع عشر من أغسطس، يوم إجازة رسمية، يحمل اسم ذكرى مذبحة رابعة العدوية.. على أن تنكس الأعلام المصرية في كل مؤسسات الدولة الرسمية. وأن يتم إلزام كافة أفراد المؤسسة العسكرية، ومؤسسة الشرطة، بعدم ارتداء قبعات الرأس العسكرية والشرطية تمامًا خلال هذا اليوم، كاعتذار من المؤسستين عن المذبحة..

كما، أطالبهم أيضاً، بتشكيل لجنة خاصة، تكون مهمتها مراجعة مناهج التاريخ المدرسية، وإضافة فصل جديد، يحكي قصة المذبحة، برواية محايدة، معلوماتية، تدين السلطة، وتدين المجتمع، وتدين القتل بشكل عام..

كما أمنح أيضًا، "لجنة المستقبل" الحق الكامل في إضافة بند بالميزانية، مخصص للتعويضات التي تقررها، لكل من ترى تضرره المباشر أو غير المباشر من المذبحة..

كما أعلن، تشكيل لجنة تحقيق، تابعة بشكل مباشر للمحكمة العليا، مهمتها التحقيق في ملابسات فض اعتصام رابعة، وملابسات التحقيق والمحاكمات التي تمت حينها، على أن يكون من حقها، توجيه الاتهام إلى أي متورط باقٍ على قيد الحياة.. أو لاسم أي متهم مُتوفَى، فالجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم..

وأطالب، مجلس الوزراء، ببدء تشكيل لجنة قومية، تحمل اسم #قصة_رابعة مهمتها توثيق ما جرى خلال مذبحة فض الاعتصامات.. على أن تنشر لاحقًا على نفقة الدولة.. وتوزع بالمجان على المواطنين..

أشكركم.. وأنا جاهز الآن لتلقي الأسئلة..

.....


كان عكازي الأسود قد سقط إلى جواري في منتصف الخطاب.. وكنت أبكي بصوت مسموع.. 

وقد هاتفتك بينما يتلقى الرئيس الأسئلة، من طرقة واسعة، بجوار باب القاعة الخارجي..
 أخبرك بأنه قد صار أخيرًا، من حقك، العودة إلى وطنك وتربية أبنائك فيه.. بل، والاحتفال بعيد ميلادي، دون حزن أو بؤس..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق