الخميس، 4 أغسطس 2016

طقوس الإشارات والتحولات السياسية في مصر

طقوس الإشارات والتحولات السياسية في مصر

حسام الغمري

من الواجب أن أقر بأني للمرة الأولى مدين بالأفكار التي ستحملها السطور التالية للإعلامي تامر أمين، الذي لم يجد حرجاً في أن يخرج على الملايين من المشاهدين في مصر والعالم العربي ممتدحاً سيساه الذي "حمّر" عينيه للدولار، فارتعدت أوصاله، وعندها لم يجد الدولار بُداً من أن يحني هامته قليلاً أمام الجنية المصري، الذي شعر بدوره أن ليثاً جسوراً يستطيع أن يُعيد له هيبته المفقودة إن هو قرر أن يمنحه من وقته خمس دقائق تكفي لتحمير العينين في وجه الأزمة، ضارباً بعرض الحائط كل النظريات الاقتصادية الحديثة والقديمة معاً.

ولم نشغل البال والخاطر بمعادلات ومنحنيات اقتصادية، وعندنا رصيد من حكايات الغولة في كتاب "كليلة ودمنة"، وإن استعصت لغتها الأدبية الراقية علينا، حلقات من حكايات ألف وليلة وليلة للفنانة "شريهان" وفيها من القصص الخرافية ما يكفي لنجاة السيسي من عشرات الأزمات، وكما يقول المثل: إن لم تستحِ فاصنع ما شئتَ، وهؤلاء القوم لا يستحون.

فأنا لا أشكك مطلقاً في أن الإعلامي تامر أمين نال قدراً من التعليم يجعله يدرك مدى تفاهة ما يقوله، ولعله في أعماقه يلعن اليوم الذي اضطرته فيه الظروف للاستسلام لسلطة تأمره بذكر هذه القصص التافهة عن السيسي أمام المشاهدين، بما تقتضيه من أداء باهت مفتعل.
ولكن الأهم هو ما صار يقيناً لديَّ بأن سلطة السيسي وبعد ثلاث سنوات من انقلابها الدموي على ثورة يناير/كانون الثاني ما زالت تعتمد نفس الأسلوب الرث لتخطي الأزمات.

وهذا بعمق يعكس حقيقة الواقع السياسي المصري، ولعل الشيء الصادم أن تجد نفس الركود والجمود الفكري الموجود في معسكر السيسي هو نفسه ذات الركود والجمود في المعسكر المناهض له، أي أننا وبكل أسف أمام نفس العملة، ولكن مع اختلاف الوجوه.


فإن كان السيسي وأجهزته سياسياً قد توقفا عند الإعلام كأداة وحيدة لتبرير الأخطاء وتمرير الكوارث وتغييب العقول ومنح الوقت وإعطاء قُبلات حياة لنظام توفى إكلينيكياً لحظة ميلاده، أيضاً نجد معسكرنا قد توقف سياسياً عند الإعلام لكشف عورات نظام السيسي والصراخ من ظلمه وكذبه وعمالته الأكيدة للصهاينة والولولة على ضحاياه، فضلاً عن دفعه البلاد إلى حافة الهاوية، والفريقان نسيا أو تناسيا أن السياسة فن متحرك، شأن الكون الذي لا يتوقف عن الحركة ولو للحظة، وأن الثابت في السياسة أنها لا ثوابت فيها.

ولعَمري كيف أدركت قريش الجاهلية هذه الحقيقة قبلنا فتنازلت طوعاً عن شرط ضرورة تسليم مَن يفر منها مسلماً لله مهاجراً إلى يثرب حين وجدت أن تطبيق هذا الشرط على الأرض قد شكل بؤرة تعرض طريق تجارتها إلى الشام للمخاطر، ولم يصبها جمود أو غرور التمسك بنفس الشرط، وكم أتباكى على بعض خصال جاهليتنا حين أقارن بحالنا اليوم معشر العرب، أما ساستنا فتراهم بعد ثلاث سنوات وشهرين هي عمر الانقلاب ما زالوا في الجُب عند نفس القناعات القديمة يعاندون بعض السيارة، ولا عجب أن يتجمد المشهد ويزداد تدهور حال مصر قلب الأمة.

والأعجب أن ترى كل فريق قد افتلى بعض منتسبيه لا هم لديهم إلا مطاردة وحصار مَن سوَّلت لهم أنفسهم استخدام عقولهم لإنتاج أفكار جديدة يجتمع عليها شمل مَن أيقنوا بأننا أمسينا نسير بالقصور الذاتي صوب اللاشيء المؤدي إلى الهوة السحيقة التي صممت بعناية لالتهامنا، ولم يكتفوا باليقين بل باتوا مستعدين للعمل على منع ذلك.

مصر بلا سياسة، هذا هو الواقع المرير في كلا المعسكرين الخصمين، والسياسة لها إشارات وتحولات يستطيع المتابع رصدها جيداً، وهو المفقود في شأننا المصري المترهل الذي أورثه مبارك كهولته وسنوات حكمه المملة والطويلة وتخريبه المتعمد فينا.

ولا عجب أيضاً أن ينصرف الشعب عنا جميعاً بفطرته السليمة في معظمها ما دام صدى التحولات هزيلاً ومحاصراً، وأفق الإشارات خافتاً وباهتاً ولا أقول معدوماً.

ويبقى أن أنادي بدعوة الكاتب المسرحي سعد الله ونوس في نصه المسرحي الذي رسم طقوساً تحمل نفس الاسم؛ كي نبحث جميعنا عن حقيقة ما بداخلنا، وأن يخبر كل منّا نفسه بحقيقة أهدافها، فإن كانت أمتنا هي هدفنا بالفعل، ما كان للنصر أن يستعصي علينا كل هذا الوقت.

قاتل الله الجمود والركود والبلادة وضعف الاستجابة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق