الخميس، 1 فبراير 2018

فلسطين المحتلة والعقل الأميركي

فلسطين المحتلة والعقل الأميركي


عبد الوهاب المسيري
قد يظن بعض الناس أن عرض الخرائط التي تبيّن -بما لا يدع مجالا للشك- أن المنطقة المخصصة للدولة الصهيونية مبتورة وأنها غير قابلة للحياة، وقد يظن أن عرض الصور التي توضح طبيعة احتلال إسرائيل للمناطق الفلسطينية سيكون له نوع من التأثير على القراء من الأميركيين الفطنين حتى وإن كانوا غير ملمين بالموضوع عموما، ولكن يبدو أن الواقع غير ذلك.

فالإنسان لا يستجيب للواقع المادي مباشرة (مثير تتبعه استجابة بطريقة مباشرة) وإنما يستجيب له من خلال إدراكه له، أو ما نسميه الخريطة الإدراكية، وهي مجموعة الأساطير والذكريات والرؤى والصور والمقولات القَبْلية (التي تسبق عملية الاستجابة للواقع المادي) التي تحدد ما يمكن أن يراه الإنسان في واقعه المادي المباشر.

ويبدو أن الخريطة الإدراكية الكامنة في العقل الأميركي عن فلسطين المحتلة تحدد حدود الرؤية بقوة تجعل من الصعب بل من المستحيل على المثقفين الأميركيين حتى المتخصصين منهم، أن يدركوا الواقع في كل أبعاده، فما بالك بالإنسان الأميركي العادي الذي يقوم الإعلام الأميركي بمحو ذاكرته.

توقعاتنا بأن هؤلاء الأميركيين قد يستمعون، وربما يتعلمون شيئا كانت للأسف في غير محلها. كان يبدو أن الكثير من أعضاء مجموعة المناقشة يشعرون بالقلق، وكان الموقف مثالا صارخا على عدم المبالاة الأميركية
وقد ظهر في 14 (فبراير/شباط) 2008 مقال في الموقع الإلكتروني "كونتر بنش"  بقلم كاثيلين وبيل كريستيسون (وكانت كاثلين محللة سياسية سابقة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية ومؤلفة. أما بيل فكان مدير مكتب المخابرات المركزية الأميركية للتحليل الإقليمي والسياسي). وعنوان مقالهما "التحدث مع الجدار: فلسطين في الفكر الأميركي"، وهما يلقيان بعض الضوء على الإدراك الأميركي للصراع العربي الإسرائيلي.

يقول المؤلفان: "تحدثنا في الآونة الأخيرة مع مجموعة صغيرة بخصوص السياسة الخارجية (الأميركية) وكرسنا جزءًا كبيرًا من العرض الذي قدمناه لصور الظلم (الذي يلحق بالفلسطينيين) صور لا تظهر إطلاقا في الإعلام الأميركي. (وكان يراودنا) أمل ساذج في إحداث نوع من التأثير ولو ضئيل على الموقف الأميركي غير المبالي تجاه أربعين عاما من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

إلا أن توقعاتنا بأن هؤلاء الناس قد يستمعون، وربما يتعلمون شيئا كانت للأسف في غير محلها. كان يبدو أن الكثير من أعضاء مجموعة المناقشة (من أعضاء النخبة السياسية والثقافية والمختصين) التي عقدت لمناقشة ما يحدث على أرض الواقع في فلسطين/إسرائيل، كانوا يشعرون بالقلق، وكان الموقف مثالا صارخا على عدم المبالاة الأميركية إزاء النظام الإسرائيلي القمعي في الأراضي المحتلة الذي تسمح به الولايات المتحدة، بل وتشجعه بفعالية في الكثير من الحالات.

تصور الخرائط التي عرضناها للضفة الغربية -والتي أعدتها الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان الإسرائيلية، بوضوح تشتت قطع الأراضي المنفصلة غير المترابطة التي سوف تشكل الدولة الفلسطينية في أكثر السيناريوهات تفاؤلا- مناطق فلسطينية يفصلها الجدار العازل الذي يقتحم عمق الضفة الغربية، وتصور المستوطنات الإسرائيلية المنتشرة في كل الأنحاء وهي تشغل نحو 10% من الأراضي، ثم تصور شبكة الطرق التي تربط المستوطنات المتاحة للسائقين الإسرائيليين وحدهم، كما تصور غور الأردن المحظور حاليا على أي فلسطيني لا يعيش هناك بالفعل أي ما يمثل نحو ربع الضفة الغربية كاملة، الذي قررت إسرائيل مؤخرا ضمه إليها.
 تشير الخرائط بوضوح إلى أن أكثر الخطط الإسرائيلية كرما ستترك دولة فلسطينية مكونة من 50 إلى 60 في المائة فقط من الضفة الغربية (التي تمثل 11 إلى 12 في المائة من فلسطين الأصلية)، مقسمة إلى العديد من الأجزاء المنفصلة ولا تتضمن أي جزء من القدس.


تصور الصور التي التقطناها أثناء رحلاتنا العديدة إلى فلسطين في السنوات الأخيرة: الجدار العازل ونقاط التفتيش والحواجز التي تشبه الأقفاص وبيوت الفلسطينيين المهدمة والمباني الرسمية المدمرة والمستوطنات الإسرائيلية الواسعة المبنية على الأراضي الفلسطينية المصادرة وبساتين الزيتون الفلسطينية المدمرة والأنشطة التجارية في المدن الفلسطينية المتوقفة بسبب إغارات المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين.

عرضنا خرائط وصورا مثل هذه مرارا وتكرارا، ولكنها لم تقابل أبدا بمثل هذا من عدم المبالاة. هنا كانت مجموعة معظمها من المسؤولين الحكوميين الأميركيين والأكاديميين والصحفيين والتنفيذيين، وكذلك عدد قليل من المتخصصين، وكلهم يتراوحون في انتمائهم السياسي من يمين الوسط إلى يساره، وهم صفوة أميركا المتعلمين والمطلعين، أي أنهم يمثلون رأي النخبة السائد في الولايات المتحدة. إلا أن فقدانهم للاهتمام بشأن ما تفعله إسرائيل -وما تفعله الولايات المتحدة بفضل دورها المساند- لتدمير شعب كامل وتطلعاته القومية، لا يمكن أن يكون أكثر وضوحا من هذا.

قالت أول من قامت بالتعليق عندما انتهى العرض الذي قدمناه -وقد قدمت نفسها على أنها يهودية- إنها لم تسمع من قبل أبدا عرضا أحادي الجانب مثل هذا، ووصفتنا بمصطلح "ما وراء المعاداة للسامية beyond anti-Semitic" الذي يفترض أنه شيء أسوأ من معاداة السامية البسيطة الواضحة.

وهذه دائما تهمة مزعجة إلى حد ما، على الرغم من أنها شائعة ومتوقعة إلى درجة أنها صارت غير ذات أهمية. وما كان جديرا بالملاحظة هو رد الفعل -أو عدم وجوده- بين باقي المجتمعين الذين لم يجادلوا أبدا في التهمة التي وجهتها إلينا، ولكنهم قضوا معظم وقت المناقشة إما في وصف العرض الذي قدمناه، أو في محاولة إيجاد طرق لتخفيف "الآلام اليهودية".
تطورت محادثتنا الموجزة مع هذه السيدة بطريقة مثيرة للاهتمام، حاولنا الدخول معها في مناقشة حول ما الذي كان "أحادي الجانب" تحديدا في تصويرنا للوضع على أرض الواقع؟ وما الذي كانت تود أن تراه ليكون عرضنا "ثنائي الجانب"؟

لم تجب لكنها أشارت إلى أنها تعتقد أن أي شيء تفعله إسرائيل لابد أن له مما يبرره من الأفعال الفلسطينية. وقالت: "لابد من أن أحدهم هو من بدأ هذا الأمر". (وهذه مقولة قبلية تسبق عملية الفهم).

المناقشة المستفيضة التي تمت مع مجموعة صغيرة من الأميركيين الأذكياء المفكرين مثيرة للقلق، فهي مؤشر على مدى سطحية وتحيز وإدراك قطاع واسع من الرأي العام الأميركي للصراع العربي الإسرائيلي
شرحنا لها بعض التفاصيل التاريخية، مشيرين إلى أن الفعل الأول، الجزء الخاص بـ"من بدأ الأمر" يمكن أن نتتبعه تاريخيا إلى إعلان بريطانيا لوعد بلفور في عام 1917 للترويج لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في وقت كان فيه اليهود لا يمثلون أكثر من 10% من عدد سكان فلسطين، ثم نأتي إلى قرار التقسيم في الأمم المتحدة عام 1947 الذي خصص 55% من فلسطين للدولة اليهودية في وقت كان فيه اليهود يملكون 7% من الأرض ويمثلون أقل قليلا من ثلث عدد السكان.

كانت إجابتها هي: "لكن لم يكن اليهود هم من فعلوا هذا"، حررناها من هذا الوهم وشرحنا لها بإيجاز البرنامج الصهيوني المتعمد للتطهير العرقي ضد السكان الفلسطينيين الذي تم أثناء حرب 1947-48، كما وصفه العديد من المؤرخين الإسرائيليين، ومنهم بصفة خاصة إيلان بابيه الذي استند في كتابه "التطهير العرقي لفلسطين" إلى سجلات عسكرية إسرائيلية.

انتفخت أوداجها واحمرت عيناها لكنها أمسكت لسانها. وقررت فيما يبدو أنه لا سبيل أمامها لدحض هذه الحقائق، فقررت أخيرا أنه ما من فائدة تذكر في العودة إلى التاريخ -وهو أسلوب مراوغة صهيوني شهير- وأن إسرائيل لم تؤسس على أي حال لتكون دولة ديمقراطية وإنما كانت ملاذا لليهود المضطهدين ومن ثم فإن لها كل الحق في تنظيم نفسها على النحو الذي تراه مناسبا.

أخيرا دعا منظم المناقشة الباقين ممن يريدون التحدث، لتستمر المناقشة، ولكن لم يبتعد الأمر كثيرا عن هذا. فالحديث يدور الآن لأكثر من ساعة حول ما قد يكون مناقشة مهمة: حول تعليقات غريبة من أحدهم عن "روح العصر" "Zeitgeist"، وإصرار شخص آخر إصرارا لا يقل غرابة على أن "هناك شيئا ما يدور هناك لا يمكن لأحد التحدث عنه" وأن هذا الشيء يؤثر على الوضع، وبضعة تعليقات حول الفلسطينيين بصفتهم إرهابيين وكيف أنه حتى إذا ما أقامت إسرائيل السلام مع الفلسطينيين فإن حماس ستحاول تدمير هذا السلام، والكثير من الكلام حول كيفية تخفيف الألم اليهودي.

ومن هذا المنطلق حاولت طبيبة نفسية من بين الحاضرين أن تعقد مقارنة بين اليهود الذين يعيشون في خوف من الاضطهاد، وضحايا الاغتصاب الذين عالجتهم والذين يعيشون في خوف مستمر من أن يغتصبوا مرة أخرى أو أن يحدث لهم ما هو أسوأ. سأل القليل من الناس أسئلة مهمة عن الموقف على أرض الواقع والخصائص المختلفة للسياسية الإسرائيلية، وبعد تركز النقاش لفترة طويلة حول الألم اليهودي، أشار أحدهم إلى أن الفلسطينيين أيضا يشعرون بالألم ويعيشون في خوف، إلا أن أحدا لم يعلق على هذا.

لم يعترض أحد على تهمة معاداة السامية التي وجهتها إلينا المتحدثة الأولى، وفي النهاية لم يكن هناك أي ذكر تقريبا للممارسات الإسرائيلية التي كانت هي موضوع العرض الذي قدمناه.

أتيحت لنا الفرصة في اليوم التالي لمراسلة العديد من المشاركين عن طريق البريد الإلكتروني. في واحدة من الرسائل، قدمنا شكوى لبقة لمنظمي العرض الثلاثة بشأن حقيقة أنهم سمحوا لتهمة معاداة السامية التي وجهت لنا، ليس فقط بأن تثبت علينا ولكن أيضا بأن تحدد لهجة الكثير من الكلام الذي دار في المناقشة، مع عدم تفنيد أي شخص لجوهر التهمة فيما عدانا.
  

وفي رسالة أخرى أرسلناها إلى رجل كان قد عبر عن تعجبه من أن أصوات اليهود ينظر إليها باعتبارها مهمة في الانتخابات الأميركية، أرسلنا إليه بدون تعليق مقالة من مجلة "موذر جونز" عن الصعوبات التي يواجهها باراك أوباما مع المجتمع اليهودي وجهوده المنسقة لإظهار حسن نواياه بتعهده بالولاء لإسرائيل وبتبريره لحصار إسرائيل لغزة.
 
وأخيرا أرسلنا رسالة إلى الطبيبة النفسية، كتبنا فيها تعليقا على مقارنتها بين اليهود وضحايا الاغتصاب، أشرنا فيها إلى أنها بلا شك -باعتبارها طبيبة نفسية- لا تشجع ضحايا الاغتصاب على الإبقاء على خوفهم أو اتخاذ موقف عدواني تجاه الناس الآخرين، ولكنها في الغالب تقدم لهم الأدوات التي تساعدهم على استعادة الثقة وتجاوز المخاوف على سلامته الشخصية.

وأشرنا إلى أن هذا النوع من العلاج النفسي التصالحي لم يستخدمه أحد أبدا من قبل مع اليهود، ولكن على العكس من ذلك نجد قادة إسرائيل وقادة الجماعات اليهودية الأميركية يشجعون المخاوف اليهودية، ويشجعون السياسة العدوانية العسكرية الإسرائيلية تجاه الجيران.

كانت كل هذه المفاتحات بلا مسوغ من جانبنا، ولكنها لم تكن غير لائقة ولا غير متحضرة. إلا أن أحدا من هؤلاء الناس لم ير أنه من المناسب الرد على رسائلنا أو حتى شكرنا على استلامها، وهو ما يوضح -ولا يسعنا إلا أن نفترض ذلك- المستوى العام لعدم الاكتراث بين الأميركيين فيما يتعلق بالفظائع التي ترتكب ضد الفلسطينيين، بما فيها الحصار والتجويع المفروضان على سكان قطاع غزة. ومن ثم أيضا، فإن عدم الرد ربما يعكس شعورا من جانب معظم الحاضرين بأننا مسؤولون إلى حد ما عن إشراكهم في مناقشة انتهت بأن كانت مكدرة إلى حد ما بالنسبة لهم.

سمح عدم المبالاة للولايات المتحدة بأن تفلت بقتلها لملايين الفيتناميين منذ عقود مضت، وها هو يعطي تصريحا للولايات المتحدة بالقتل الجماعي في إيران وأفغانستان
هذه المناقشة المستفيضة التي تمت مع مجموعة صغيرة من الأميركيين الأذكياء المفكرين مثيرة للقلق، فهي مؤشر على مدى سطحية وتحيز وإدراك قطاع واسع من الرأي العام الأميركي للصراع العربي الإسرائيلي، ومستوى عدم مبالاتهم بتبعات السياسات الأميركية.

كل هذا الميل للانهماك في الشؤون الداخلية الذي بدا واضحا في هذا الاجتماع، وموقف عدم الرغبة في تغيير الوضع الحالي، والافتقار الصارخ للاهتمام بِشأن ضحايا القوة الإسرائيلية والأميركية، يتصاعد كل هذا ليصل إلى تصريح بالقتل يقدم للولايات المتحدة وحلفائها.

وقد سمح عدم المبالاة هذا للولايات المتحدة بأن تفلت بقتلها لملايين الفيتناميين منذ عقود مضت، وها هو يعطي تصريحا للولايات المتحدة بالقتل الجماعي في إيران وأفغانستان، وهو ذاته السبب في أن الديمقراطيين لا يزالون -بعد سبع سنوات من قيام إدارة بوش بعمليات التعذيب والقتل حول العالم- غير قادرين على فصل أنفسهم كليا من النزعة العسكرية التي يتسم بها الجمهوريون. كما أن عدم المبالاة هذا يعطي لإسرائيل تصريحا بقتل شعب فلسطين بأسره وتطهيره عرقيا".

انتهى المقال، وهو لا يحتاج لأي تعليق، فهو يعطينا صورة واضحة متبلورة: كيف يدرك معظم أعضاء النخبة الأميركية الثقافية والحاكمة الصراع العربي الإسرائيلي. وقد تكون الصورة قاتمة وكئيبة، ولكننا لابد أن نأخذها في الاعتبار حتى ندير الصراع مع العدو بكفاءة. وعلى كلٍّ الخريطة الإدراكية ليست أمرًا ثابتًا ونهائيًّا، إذ يمكن تغييرها من خلال المقاومة المستمرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق