الأربعاء، 28 فبراير 2018

أوطاننا كلها غوطة

أوطاننا كلها غوطة


محمود عبد العزيز العايد
نتألم وجعا ليس على ما يحدث في الغوطة فحسب، بل نتألم وجعا ونبكي دما على واقع الأمة المزري، بالأمس كنا نبكي على القدس، وقبلها على ما حل في حلب وأهلها والموصل وسكانها، واليوم على الغوطة ومن فيها، وغدا حتما سنبكي على غيرها، والحبل على الجرار، متى ندرك كشعوب مستهدفة أن الأمة كلها غوطة وإن لم يصل بعد جدارنا اللهيب الحارق؟ ومتى نستوعب أن التعاطف وحده لا يكفي لنصرة قضايا الأمة المفصلية والجوهرية؟ ومتى سنعي أن تعاطفنا مرحلي ومنقوص وليس منظما وموجها ولا يرقى للمستوى المطلوب؟ ومتى سنفهم أن سذاجتنا تخطت المعقول وتجاوزت العقول؟

فتجدنا تارة نعول على أنظمة مهترئة، وجيوش بوصلتها مشوهة لتحرير الأمة، وتارة أخرى نعول على الشعوب المنبطحة والمغيبة، أوطاننا كلها غوطة لو نظرت إلى أم الدنيا مصر ستجد كيف يسعى السيسي جاهدا لهدمها وحرقها على رؤوس ساكنيها، لقد عاث في مصر خرابا وتدميرا وجعلها جحيما لا يطاق، قتل الألوف وهجر عشرات الأولوف، واعتقل مئات الألوف، استطاع أن يحول مصر إلى سجن كبير، وليت الأمر يقف هنا، المهمة الموكلة إلى "الجنرال" هي أن يجعل مصر تعيش في حقب ما قبل التاريخ.

لو سألت عن فلسطين لقالوا لك محتلة منذ عقود، وشعبها ما بين مقاوم ومطارد ولاجئ وعميل، لكنهم لن يخبروك أن فلسطين رغم احتلالها فإنها ما زالت حرة وتعيش بلا قيود
لو أمعنت النظر في ليبيا لوجدت حفتر مدعوما بالمال والسلاح والمرتزقة ليقضي على الثوار والأحرار والمهمة المناطة إليه هي إزهاق الأرواح ومسح ليبيا عن وجه الخارطة، ولو نظرت إلى بلاد الرافدين لرأيت النظام الطائفي المتمثل في الشيعة يذل أهل السنة فيها ويسومهم سوء العذاب، ولو أمعت النظر في اليمن السعيد لرأيته يقطر تعاسة ولا يطاق، فلا غذاء ولا هواء ولا ماء وحضارته أصبحت قيد النسيان، ولو تأملت في السودان لرأيته وطنا مليئا بالفساد والاستبداد، ولو دققت النظر في الصومال لوجدت لا فرق بينها وبين غوطة الشام؛ جوع وقتل ودمار والوضع فيها يزداد سوء وجحيما.

ولو ألقيت نظرة عابرة على جيبوتي وجزر القمر وموريتانيا لوجدت أنها أوطان لا تصلح فيها الحياة من شدة الفقر والجوع والاضطهاد، ولو نظرت إلى لبنان ورأيت الطائفية كيف تفتك بها لقلت يا ليتنا في غوطة الشام، ولو تأملت واقع الأردن وأن فيها شعبا مصدرا طبيعيا للطاقة ينفق على حكومته لقلت ما لا يقال، حكومة تقتات على جيوب مواطنيها، وكلما أعلنت الإفلاس توجهت مسرعة إلى جيب المواطن لتملأ بطون الفاسدين والمفسدين، ولو نظرت إلى الخليج لوجدته بلا خليج ووضعه لا يطاق، مقسوم على بعضه، فيه الظالم والمظلوم وكل همه إرضاء الأميركان وتطبيع مع دولة الاحتلال، والمصيبة أنه أصبح يتحكم في زمام الأمور بعد غياب بغداد والقاهرة ودمشق وعمان.

ولو سألت عن فلسطين لقالوا لك محتلة منذ عقود وشعبها ما بين مقاوم ومطارد ولاجئ وعميل، لكنهم لن يُخبروك أن فلسطين رغم احتلالها فإنها ما زالت حرة وتعيش بلا قيود، وما زال فيها من يقاوم الاحتلال ويرفض التطبيع، ولو نظرت للجزائر لبكيت دما وقهرا على حال الناس، الرئيس فيها لا يقوى على أداء شؤون حياته اليومية لكنه يَقوى على إدارة شؤون البلاد والعباد، ولو أخذت نظرة إلى المغرب لوجدت الناس فيها يسبحون بحمد أمير المؤمنين.

وتونس الخضراء لو رأيت حالها مع النهضة لقلت بئس هي الثورات التي ينادي ثوارها بالتطبيع مع الاحتلال، ولو سرقت نظرك على حال الأمة العربية لوجدت فيها نارا تلتهب في صدور الشعوب من سياسات الإفقار والتجويع والخنوع والاضطهاد، ولو همس مواطن يطلب تحسين الأوضاع لانهالت عليه السياط من كل حدب وصوب، ولرأى نفسه وقتئذ يعيش في غوطة الشام.

لا تبكوا الغوطة وحدها وابكوا على حال الأمة كلها، وإذا بقيت الشعوب متفرجة على ما يحدث في غوطة الشام وغيرها من ديار الإسلام؛ فإن مصيرها لا محالة كغوطة الشام
رويترز
 
نضحك على ذواتنا إذا كنّا نعتقد أن لدينا دولا وفيها جيوش، وتسعى لحماية الأوطان من أي اعتداء، ولا خلاص لهذه الأمة من الظلم الواقع عليها والطغيان الذي يمارس عليها إلا بالخلاص من بقايا الاستعمار وطعمة الطغيان، وقبضة السجّان، وبعيدا عن الغوطة وما يحدث فيها من جرائم مروعة يندى لها الجبين، الأمة كلها غوطة ومحتلة منذ زمن بعيد، وكل من يعتقد ولو للحظة أن هذه الأمة مستقلة برأيها ولها سيادتها على أرضها فهو واهم وجاهل، فالمستعمر عندما خرج من أرض الأمة -عنوة تحت ضربات الأجداد المتتالية- وضع له أذنابا، وأذنابه اليوم يحكمون الأمة، ويتحكمون في مصيرها، ويعملون لصالح الاستعمار.

‏لو نظرت لفيالق الشيعة لرأيتها تأتي تباعا من طهران، وقد احتلت جزءا من أوطاننا كالعراق واليمن ولبنان وسوريا، وعينها إلى غيرها لاحتلال غيرها من أوطاننا، وتقاتل أيضا إلى جانب طاغية الشام، وجيوشنا تُعلَّف من جيوبنا وعلى حساب قوتنا ولا تحرك ساكنا، وتأتمر بأمر الصهاينة والأميركان، وستكون مهمتها الخلاص منا إذا فكّرنا بالتحرر من قيودنا وطالبنا بالحرية والعيش بسلام وأمان، فلا تبكوا الغوطة وحدها وابكوا على حال الأمة كلها، وإذا بقيت الشعوب متفرجة على ما يحدث في غوطة الشام وغيرها من ديار الإسلام؛ فإن مصيرها لا محالة كغوطة الشام، مسألة وقت وستصل النيران لكل الأوطان، فالأنظمة المهترئة كلها تعمل لصالح الاستعمار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق