العالم بلا أقنعة: تأملات في القوة، الشرعية، وما تبقّى من النظام الدولي
أحمد هلال
كاتب وناشط حقوقي
حين تنكشف الحقائق
تتساقط الأقنعة وأوراق التوت لتنكشف حقيقة
النظام العالمي البئيس، الذي نتج من بعد حروب
طاحنة، وظنت الشعوب أنها سوف تستريح من
بعيد نزف وجراحات ودمار وشتات.
وانتصب الميزان الدولي على خمسة اعمدة
يتقاسمون تركة تلك الحروب في صورة عدالة
زائفة وتدثرت الفوضى بثياب المؤسسات الدولية
تحت قبضة الخمسة الكبار وكأنه العالم لا يتسع
لغيرهم.
حتى الخمسة انفرد بهم قوة أحادية وأصبح الباقي
مجرد خيالات تنتظر الفتات!!
ليس العالم اليوم أكثر فوضى مما كان عليه
بالأمس، لكنه أكثر صراحة.
ما تغيّر ليس طبيعة النظام الدولي، بل درجة
إنكاره لذاته. فقد سقطت الأقنعة التي طالما غلّفت
منطق القوة بلغة القانون، وانكشفت البنية العميقة
التي حكمت العلاقات بين الدول منذ نهاية الحرب
العالمية الثانية، وربما قبلها بكثير.
لقد وُلد النظام الدولي الحديث على أنقاض حرب
كونية مدمّرة، محمّلًا بوعد أخلاقي كبير: ألّا
تتكرر المأساة، وأن تُدار الصراعات بالقواعد لا
بالغلبة. هكذا ظهرت الأمم المتحدة، بوصفها
تجسيدًا لهذا الحلم الإنساني المتعب. غير أن هذا
الحلم، منذ لحظة تدوينه في الميثاق، كان محكومًا
بشروط الواقعية القاسية.
هندسة القوة باسم السلم
لم يكن إنشاء مجلس الأمن فعلًا بريئًا أو مثاليًا، بل
تسوية سياسية بين المنتصرين. حق النقض لم
يُمنح لضمان العدالة، بل لضمان ألا يُفرض قرار
دولي على قوة كبرى لا تريده. كان الهدف إدارة
الصراع بين الأقوياء، لا حماية الضعفاء.
ومنذ ذلك الحين، تحوّل الفيتو إلى تعبير فجّ عن لا
مساواة أصلية في النظام الدولي. خمس دول تملك
حق التعطيل، وبقية العالم يملك حق الشكوى.
هكذا أصبح القانون الدولي نصًا قابلًا للتأويل، لا
قاعدة ملزمة، وأصبحت الشرعية مفهومًا نسبيًا
يتبدل بحسب هوية الفاعل.
القانون كخطاب لا كسلطة
لم يختفِ القانون الدولي، لكنه انفصل عن القوة.
بقي حاضرًا في الخطاب، غائبًا في الفعل.
يُستدعى لتجريم الخصوم، ويُجمَّد حين يقترب من
الحلفاء. لم يعد أداة ردع، بل أداة توصيف،
وأحيانًا تبرير.
بهذا المعنى، لم تعد المؤسسات الدولية محاكم حكم،
بل مسارح خطاب. تُقال فيها الكلمات الثقيلة، دون
أن تتبعها أفعال ثقيلة بالقدر نفسه. العدالة تُعلَّق، لا
تُلغى؛ تُؤجَّل، لا تُنفَّذ.
وهم القطبية الأحادية
بعد الحرب الباردة، بدا وكأن التاريخ اختار
منتصرًا نهائيًا. الولايات المتحدة امتلكت القوة
العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، وسردية القيم.
غير أن التفوق حين يتحول إلى اعتياد، يفقد قدرته
على الإقناع. القوة التي تُستخدم بلا حدود، تُفرغ
نفسها من معناها.
ومع الوقت، بدأت التشققات تظهر. لم يعد العالم
مستعدًا للانضباط تحت مظلة واحدة، لا حبًا في
التعدد، بل رفضًا للهيمنة. هنا بدأ الانتقال، لا إلى
نظام بديل مكتمل، بل إلى فراغ تتصارع فيه قوى
مختلفة الاتجاهات.
تعدد بلا طمأنينة
في هذا الفراغ، صعدت الصين كقوة صبورة، تبني
نفوذها دون استعجال، وتراكم قوتها دون ضجيج.
وفي المقابل، استعادت روسيا دورها كقوة رافضة
لقواعد لم تشارك في صياغتها. إلى جانبهما،
تتحرك قوى إقليمية تبحث عن هامش استقلال، لا
عن قيادة عالمية.
لكن هذا التعدد لا يحمل وعد الاستقرار. إنه تعدد
بلا مرجعية، وبلا عقد جامع. عالم تُدار فيه
الأزمات بدل حلّها، وتُحتوى الصراعات بدل
إنهائها. لا حروب كبرى، لكن حروبًا لا تنتهي.
المؤسسات الدولية في زمن الهامش
في هذا السياق، تراجعت المنظمات الدولية من
مركز القرار إلى أطرافه. لم تعد الأمم المتحدة
تصنع الحدث، بل تلاحقه. ولم يعد مجلس الأمن
ساحة حسم، بل ساحة تعطيل متبادل.
الشرعية لم تختفِ، لكنها فقدت أسنانها. تُستخدم للزينة السياسية، لا للحسم القانوني.
العالم العربي: بين الثقل والتيه
وسط هذا التحول العنيف، يقف العالم العربي في
موقع بالغ الحساسية. يملك كل أسباب التأثير،
ويفتقد آليات الفعل. موقعه الجغرافي يجعله
محورًا، وانقسامه السياسي يجعله هشًا. ثرواته
تمنحه وزنًا، وغياب مشروعه الجماعي يسلبه
القرار.
تحوّلت جامعة الدول العربية إلى شاهد على
الانقسام، لا أداة لتجاوزه. وباتت القضايا العربية
تُنقل من عاصمة إلى أخرى، ومن مجلس إلى
آخر، دون أن تجد قوة تحميها.
الدرس العاري
ما يتكشّف اليوم ليس قسوة العالم، بل صدقه.
النظام الدولي لم يكن يومًا محكمة أخلاقية، بل
ساحة صراع مُنظَّم. العدالة فيه ليست أصلًا، بل
نتيجة محتملة حين تتلاقى مع القوة.
في هذا العالم:
لا تكفي مشروعية القضية،
ولا يكفي عدل المطلب،
ما لم يقترن ذلك بقدرة تجعل التجاهل مكلفًا.
بعد سقوط الوهم
لسنا أمام نهاية النظام الدولي، بل أمام نهاية
الحكاية التي رُويت عنه. عاد العالم إلى لغته
الأصلية، لغة المصالح، لكن دون اعتذار. ومن لا
يتقن هذه اللغة، سيظل يُخاطَب بلغة البيانات، لا
بلغة القرار.
في زمنٍ كهذا،
لا يُقاس حضور الدول بما تقوله،
بل بما لا يستطيع الآخرون تجاهله منها
هل تستطيع الشعوب العربية امتلاك زمام الأمور
واستعادة وحدة الصف العربي والإسلامي وتشكيل
قوة كبرى تقول مالا يستطيع أن يتجاهله الآخرين
منها؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق