الخميس، 8 يناير 2026

الاتجاه السوري المعاكس: أكثر من تطبيع

 الاتجاه السوري المعاكس: أكثر من تطبيع

وائل قنديل

"اتفق الطرفان على إنشاء آلية تنسيق مشتركة - خلية اتصالات مُخصّصة - لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة".

هذه فقرة من البيان الثلاثي المُشترك بين سورية أحمد الشرع والكيان الصهيوني والإدارة الأميركية، تتويجاً لمفاوضات مُعمّقة في العاصمة الفرنسية، وكما تُنبئ الصياغة فإنّنا بصدد زلزال سياسي يتجاوز فكرة التطبيع منعًا للصدام، إلى تعاون، وربّما تحالف، يشمل السياسة والاقتصاد والتنسيق الأمني، بين احتلال وعدو تاريخي من جانب وبين سلطة بلد واقع تحت هذا الاحتلال منذ أكثر من نصف قرن.

من المفترض أنّ السلطة السورية الراهنة ترى نفسها تعبيراً عن ثورة على نظام ترك الجولان السوري مُحتلًا من دون مشروع للتحرير وإنهاء الاحتلال، لكن المفارقة أنّ السلطة الجديدة التي وصلت إلى الحكم عبر ما اشتُهرت باسم "عملية ردع العدوان"، وأسقطت النظام على نحو أسهل وأسرع من إسقاط ثمرة فاكهة من شجرة منخفضة العلو، سكتت عن توّغل العدو في الأراضي السورية وضمّه مساحات جديدة في محيط العاصمة لرقعة احتلاله، في خضم الاحتفالات بسقوط نظام الأسد، بل وأسرعت تطلب التطبيع حثيثاً ردًاً على انفراد الكيان الصهيوني بمناطق الدروز وإعلان الوصاية عليها حماية لسكانها السوريين من حكومتهم.

في الليلة التي شهدت صدور البيان الثلاثي عن التنسيق والتعاون السوري الإسرائيلي برعاية أميركية، كانت قناة الجزيرة تستضيف وزيراً صهيونيّاً سابقاً في برنامج "الاتجاه المعاكس" ليُجيب عن سؤال الحلقة: هل تسعى إسرائيل إلى إحياء وثيقة "كيفونيم" وتفتيت الدول العربية؟ ويقدّم فاصلاً دعائيّاً عن "إسرائيل الطيّبة" التي لا توجد لديها نيّة لتقسيم الدول، بل تبحث عن الاستقرار والأمن، وأنّها لم تتحرّك في العمق السوري إلا بعد أن وجدت مكوّنات، بينها الدروز، في مواجهة تهديدٍ وجودي، مُعتبراً أنّ غياب الإدانة العربية لما جرى في السويداء دفع هذه المجموعات إلى البحث عن حماية بديلة، كما أنّ وجودها في مناطق مثل القرن الأفريقي مرتبط بمحاربة ما وصفه بالإرهاب وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

تقدّم القناة الكيان الصهيوني هنا بوصفه وجهة نظر مقابلة لوجهة نظر عربية مثّلها الدكتور أحمد الهواش، وهذا اندفاع غير مسبوق في مضمار التطبيع، إذ كانت مثل هذه القضايا تُناقش في السابق بين طرفين عربيين، أحدهما ضدّ التطبيع والآخر من باعة التطبيع الجائلين على الفضائيات، لتحضر إسرائيل بشحمها ولحمها طرفًا في نقاش قضايانا العربية.

عقب إعلان التفاهم السوري الإسرائيلي مباشرة، غطّت أدخنة القصف الصاروخي المُتبادل بين قوات الشرع وقوات "قسد" سماء حلب، واشتدّ دوي المدافع والانفجارات وانفتح الفضاء التلفزيوني ليمنح الاشتباكات نحو 95% من وقت النشرات والفترات الإخبارية، غير أنّ كلّ ذلك لن يكون كافيًا لتمرير اتفاق التعاون والتنسيق الأمني المُزلزل بين سلطة الأمر الواقع السورية، كما يسميها شركاؤها السابقون خصومها الحاليون، وبين الكيان الصهيوني، كما سيكون شكلًا من أشكال الفكاهة السياسية عندما تصبح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) متهمة بالتعاون مع إسرائيل، على نحو ما ذهب إليه وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بتصريحاته عن التصعيد في حلب من أنّ "قوات قسد تتعاون مع إسرائيل واختارت أن تلعب لصالح سياسة فرق تسد". فالحاصل أنّه يمكن الزعم أنّ الطرفين المتقاتلين بالأسلحة الثقيلة، واللذين يَنسب كلاهما لنفسه الدور الأكبر في إطاحة نظام بشار الأسد، سواء في مسألة التعاون مع إسرائيل، التي باتت في لحظة عبثية ملتقى رغبات كلّ خصوم النظام السابق، من السويداء حيث الدروز، إلى دمشق حيث النظام، إلى مناطق وجود قوات سوريا الديمقراطية.

مرّة أخرى هذا الذي يدور بين سورية الجديدة والكيان الصهيوني تحت المظلّة الأميركية أشدّ خطرًا على القضية الأولى والمركزية للشعب العربي "فلسطين" وعلى الأمن القومي العربي كلّه، من تمدّد إسرائيل سياسيًا وأمنيًا في أرض الصومال، ذلك أنّه بدخول سورية ولبنان إلى غرف السلام الصهيوني المُظلمة، تكون كلّ ما عُرفت بدول الطوق العربية التي تُحاصر العدو، قد تحوّلت إلى "أسوارة" فاخرة في معصم الكيان الصهيوني، أو مجموعة من الخواتم في أصابعه، الأمر الذي يجعل أيّة محاولة لتسويغه أو تبريره نوعًا من أنواع الإهانة لوعي الشعوب، لا يمكن تسميته إلا بمفردة تنتمي إلى عالم السمسرة على الشرف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق