الخميس، 19 مارس 2026

أزمة هرمز وامتحان أمريكا مع “المتطفلين”

 أزمة هرمز وامتحان أمريكا مع “المتطفلين”

قدير أوستون 

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

كانت نخب السياسة الخارجية الأمريكية، على مدى سنوات طويلة، تشتكي من “المتطفلين” الذين استفادوا من استقرار النظام الدولي. ووفقًا لهذا الطرح، فإن الولايات المتحدة دأبت على ضمان استقرار النظام الدولي عبر إبقاء طرق التجارة العالمية مفتوحة والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة. وفي المقابل، استفاد حلفاء أمريكا ومنافسوها وخصومها من مزايا هذا النظام وطوّروا اقتصاداتهم، لكنهم لم يتحملوا المخاطر التي تتحملها الولايات المتحدة. وقد تجلّى هذا النهج خلال فترة بوش في مطالبة حلفاء أمريكا بتقديم مساهمات أكبر في أفغانستان والعراق، وتحمل مسؤوليات أكبر في سياق الأمن الدولي ومكافحة الإرهاب. أما مشكلة “المتطفلين” التي كان بوش يطرحها غالبًا خلف الأبواب المغلقة، فقد أعاد أوباما طرحها علنًا في مقابلته الشهيرة مع مجلة “أتلانتيك” قرب نهاية ولايته الرئاسية.

إن الشكاوى المماثلة التي يوجهها ترامب ضد حلفائه في الناتو عادت إلى الواجهة اليوم في سياق إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران. إذ يرى ترامب أن إبقاء هرمز مفتوحًا ليس مسألة أمريكية فقط، ويعبر عن توقعه لمساهمة دول أخرى، مستخدمًا صراحة أطروحة “المتطفلين”. إن تعطل النظام الدولي الليبرالي الذي أسسته الولايات المتحدة وقادته لسنوات طويلة، أدى إلى تكثيف محاولات واشنطن تحميل تكاليف هذا النظام للآخرين. إلى درجة أن إدارة ترامب تشتكي من “المتطفلين” حتى في مسألة حل أزمة هرمز الناتجة عن الحرب التي خاضتها مع إسرائيل ضد إيران. وبهذا الموقف، تطالب الولايات المتحدة عمليًا بتجاهل حقيقة أنها، أثناء تحملها تكاليف النظام الدولي، تحتفظ بامتياز كونها القوة الحاسمة فيه.

تقاسم الأعباء

إن الحجة التي برزت مع ضغط إدارة ترامب على حلفائها في الناتو تحت شعار تقاسم الأعباء، والتي تقول بضرورة توزيع أعباء النظام الدولي بشكل أكثر عدالة بين الحلفاء، ليست جديدة. فقد وجّه بوش، في إطار أجندة “الحرب على الإرهاب”، إنذارًا إلى العالم قبل غزو أفغانستان قائلاً: “إما أن تكونوا معنا أو ضدنا”. ولم يقتصر هذا النهج على طلب الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، بل شكّل أيضًا اختبارًا للولاء السياسي. وعلى الرغم من انزعاج إدارة بوش من قيام دول “تحالف الراغبين” وحلفاء الناتو بجعل عدد الجنود موضوع مساومة وفرض قيود على مهامهم العسكرية، فإنها لم تطرح ذلك باستخدام خطاب “المتطفلين”.

بالنسبة لبوش، كانت قيادة الولايات المتحدة وكونها القوة الأولى نتيجة طبيعية لكونها قوة عظمى، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الشكوى كثيرًا. فقد كان يرى الفارق في القدرات بينها وبين حلفائها أمرًا طبيعيًا، ولم يستخدم خطاب “المتطفلين” حين طالب أوروبا بمساهمة أكبر في إعادة إعمار العراق أو عندما شجع الناتو على تنفيذ عمليات خارج أوروبا. وكانت إدارة بوش، التي تحدد سياساتها باعتبارها قوة عظمى مستقلة عن سياسات الحلفاء أو الخصوم، تستخدم خطاب تقاسم الأعباء في سياق إيجابي.

رد فعل أوباما

خاصة بعد أزمة 2008 الاقتصادية والصدمة التي خلّفتها حرب العراق، برزت أمامنا الولايات المتحدة وهي تشتكي من ثقل أعباء النظام الدولي. فقد انتقد أوباما حلفاء الناتو لعدم استثمارهم بما يكفي في أمنهم واعتمادهم المفرط على الولايات المتحدة. ولم يقتصر أوباما على التركيز على التكاليف وتقاسم الأعباء، بل تحدث عن بُعد آخر من “التطفل”. فقد اشتكى، خصوصًا في الشرق الأوسط، من أن دول المنطقة تحاول حل مشكلاتها في السياسة الخارجية عبر تدخل الولايات المتحدة. وقد تدخّل أوباما في ليبيا تحت ضغط جامعة الدول العربية وبعد عجز فرنسا عن إدارة العملية العسكرية، وكان منزعجًا جدًا من أن إسقاط النظام استغرق سبعة أشهر. كما رفض التدخل في سوريا، وواجه ضغوط إسرائيل والسعودية للدخول في حرب مع إيران، معتبراً أن الحلفاء يحمّلون الولايات المتحدة تكاليف عبر دفعها إلى مثل هذه الانخراطات. ودافع أوباما عن ضرورة أن تعتمد دول المنطقة على نفسها، وأن التوازن الإقليمي الجديد سيكون أكثر صحة، ساعيًا إلى خلق معادلة لا يمكن فيها للحلفاء التلاعب بالقرارات الأمريكية.

موقف ترامب الاتهامي

أما ترامب، فقد جادل بأن الولايات المتحدة، رغم تحملها أعباء النظام العالمي، لا تستفيد من مزاياه بما يكفي، بل أصبحت قوة يُخدعها حلفاؤها. واعتبر أن “المتطفلين” يعاملون أمريكا كأنها ساذجة ويحصلون على ما يريدونه من مساعدات، وأنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم. وفي أزمة هرمز، يرى ترامب أن الولايات المتحدة حققت استقلالها في مجال الطاقة، وأن تأمين مرور النفط هو في الواقع شأن يخص قوى مثل أوروبا والصين، ولذلك يطالب بمساعدتها. وإدراكًا منه أن الولايات المتحدة لا تستطيع فتح هرمز بمفردها، وأن محاولة ذلك ستكلفها كثيرًا، يدعو ترامب الآن “متطفلي” النظام الدولي إلى تحمل المسؤولية. وبالطبع، فإن كون ترامب هو من بدأ هذه الحرب وبالتالي المسؤول المباشر عن أزمة هرمز، لا يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لأطروحة “المتطفلين”، إذ يُنظر إلى إغلاق هرمز على أنه وضع يمكن للولايات المتحدة تحمّله بدرجة أكبر.

لقد انعكست شكوى راسخة منذ سنوات في واشنطن، يمكن تلخيصها بعبارة “نحن نحمي أمن مصادر النفط في الشرق الأوسط، لكن الصين هي المستفيد الأكبر”، في تصريحات ترامب ضمن سياق أزمة هرمز. وبطبيعة الحال، فإن تحديد أسعار النفط في الأسواق العالمية يرفع أيضًا تكاليف الطاقة على الولايات المتحدة، لكن ترامب يعتقد أنه لن يواجه مشكلة كبيرة من ناحية الإمدادات. 

كما أن تفعيل الاحتياطيات الطارئة العالمية يساعد في إبقاء سعر البرميل فوق مستوى 100 دولار بقليل. ولذلك، لا يرى ترامب أن التدخل الفوري لفتح هرمز أمام الملاحة الدولية، وتحمل تكاليف كبيرة، يمثل ضرورة عاجلة. وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط قد يدفع شعبية الحرب إلى أدنى مستوياتها في الرأي العام الأمريكي، فإن ترامب يعتقد أن هذا الوضع قابل للاستمرار على المدى القصير والمتوسط.

يمكن تلخيص امتحان الولايات المتحدة مع “المتطفلين” في ثلاث مراحل: 

مطالبة بوش بمساهمات أكبر، وأطروحة أوباما حول تقاسم الأعباء ورد فعله على التدخلات الخارجية، وأخيرًا موقف ترامب الحاد الذي يستهدف النظام الدولي مباشرة. 

ومن الممكن القول إن الولايات المتحدة بلورت استياءها من تكاليف مزايا قيادتها للنظام العالمي، ومن استفادة خصومها مثل الصين من النظام الليبرالي، عبر نقاش “التطفل”. كما يبدو من المرجح أن إدارة ترامب، التي لا تبدو وكأنها وضعت خطة واضحة لما ستفعله في حال إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، قد تكون اعتقدت أنها لن تتأثر كثيرًا بمثل هذا السيناريو. فباعتبارها مُصدّرًا صافيًا للطاقة، ربما فكرت الولايات المتحدة أيضًا في تحقيق أرباح من بيع النفط والغاز بأسعار مرتفعة في مثل هذا الوضع. ويُظهر هذا المشهد أن الولايات المتحدة فقدت إلى حد كبير قلقها بشأن الحفاظ على استقرار النظام العالمي، وأنها تحسب أن عدم الاستقرار الدولي سيلحق ضررًا أكبر بـ“المتطفلين”.

الأربعاء، 18 مارس 2026

ماذا تعرف عن سر التدنيس الإسرائيلي الذي قد يغير مسار الأقصى؟

ماذا تعرف عن سر التدنيس الإسرائيلي
الذي قد يغير مسار الأقصى؟

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.


في الوقت الذي ينشغل فيه الإقليم بأنباء الحرب الجارية، ويتابع فيه الفلسطينيون إغلاق المسجد الأقصى بالكامل ومنع المصلين من الوصول إليه منذ منتصف شهر رمضان بحجة الحالة الأمنية، وقمعهم أمام باب الساهرة بالقدس، تدور وراء الكواليس في الكنيست الإسرائيلي محاولات محمومة لتسريع إقرار وإنفاذ ما يسمى "قانون الحائط الغربي" (حائط البراق)، الذي سيكون له أثر بعيد المدى في السيطرة على المسجد الأقصى المبارك، دون إثارة أية ضجة، بحيث يصبح واقعا ربما حتى قبل إعلان نهاية الحرب الحالية.

قبل أن نشرع بتحليل ما وراء عملية إقرار هذا القانون ومستجداتها، لا بد من فهم أبعاده ومعناه؛ حيث إنه في جوهره يعتبر تعديلا على قانون الأماكن المقدسة لعام 1967، الذي كان يتضمن احترام الأماكن المقدسة وعدم تدنيسها، وهذا التعبير يشير بالطبع إلى التفسير الديني اليهودي لمعنى "التدنيس"الذي يركز على الأماكن المقدسة حسب العقيدة اليهودية.

الجديد في هذا المقترح هو أنه يعطي الحاخامية الرسمية الكبرى في إسرائيل الصلاحية الحصرية لتفسير معنى "التدنيس" للأماكن اليهودية المقدسة، ويجعل الحاخامية الكبرى المرجعية الوحيدة في هذا السياق.

وسبب ربط اسمه بحائط البراق هو أنه يأتي في خضم الصراع الداخلي بين الطوائف الدينية اليهودية التقليدية (التي تمثلها الأحزاب الحريدية اليمينية)، وأقطاب الحركات اليهودية الإصلاحية التي يميل بعضها لليسار ويسار الوسط، والتي ترغب في إعطاء النساء مساحة واسعة للصلاة في منطقة حائط البراق سواء من الناحية الجغرافية أو العملية، بدلا من المساحة الضيقة المخصصة لهنّ حاليا، وهو ما ترفضه المرجعيات اليهودية الحريدية التقليدية لأسباب دينية.

القانون الذي يعمل عليه الكنيست حاليا كان قد أُقر بالقراءة التمهيدية بتاريخ 25 فبراير/شباط الماضي، ودخل منذ ذلك الوقت مرحلة الفحص والمناقشة في لجنة الدستور والقانون والقضاء برئاسة عضو الكنيست سيمحا روتمان من حزب "الصهيونية الدينية" الذي يرأسه المتطرف بتسلئيل سموتريتش.
غير أن الجديد الذي تشير إليه بعض التقارير غير الرسمية الواردة من أروقة الكنيست هو أن التشريع قد أُقر بالفعل في لجنة الدستور والقانون والقضاء، وهو في طريقه للكنيست لإقراره بالقراءات الأخيرة وتحويله إلى قانون نافذ، ولا يمنع هذه العملية الآن سوى الانشغال بصفارات الإنذار في القدس، التي تعيق عمل الكنيست جزئيا.

ويبدو أن سير إجراءات الإقرار بهذه السرعة يعد طبيعيا باعتبار أنه يحظى بدعم واسع من الأحزاب الحريدية "يهدوت هتوراه" و"شاس" وأحزاب الصهيونية الدينية كحزب سموتريتش، وحزب "القوة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير.

ومن الواضح أن دراسة القانون وآلية إقراره لم تتأثرا كثيرا بالحرب الدائرة حاليا، وهما تجريان على قدم وساق لتقديمه للتصويت النهائي قريبا، خاصة أن لجنة الدستور تتكون من 17 عضوا من بينهم رئيسها، منهم 10 أعضاء ينتمون للائتلاف اليميني المتطرف الحاكم، و3 أعضاء من أحزاب المعارضة اليمينية، و4 أعضاء فقط يحسبون على اليسار.

بمعنى أن القانون يحظى أصلا بدعم 10 أعضاء على الأقل في اللجنة، مما يفسر سرعة حركته.

الذي قدم مقترح القانون هو آفي ماعوز؛ عضو الكنيست الوحيد عن حزب "نوعم" الديني، الذي يعد أحد أحزاب تيار الصهيونية الدينية.

وبالرغم من أن هذا الحزب ليس لديه سوى مقعد واحد في الكنيست، فإنه تمكن من الحصول على أغلبية مريحة في التصويت عليه بالقراءة التمهيدية، نظرا لالتقاء المصلحة في إقراره بين أقطاب اليمين الحريدي والصهيوني الديني.

ويبدو أن سرعة حركة القانون في لجنة الدستور هي نتيجة لما يحظى به ماعوز من نفوذ بين رفاقه من نفس التيار، ومنهم رئيس اللجنة سيمحا روتمان.

إذن فالجهة التي تتبنى هذا القانون من الألف إلى الياء هي في الواقع تيار الصهيونية الدينية، وليست التيارات الحريدية التقليدية.

وهذه مفارقة لافتة في الحقيقة! ذلك أن تيار الصهيونية الدينية معروف في أوساط اليمين الإسرائيلي بمعاندته قرارات الحاخامية الرسمية للدولة، وسعيه لإقرار مرجعية دينية خاصة به تتكون من حاخامات الضفة الغربية فيما بات يُعرفُ إسرائيليا باسم "مجلس السنهدرين الجديد"، أي مجلس كبار الحاخامات الجديد، وهو مجلس يتكون من عدد من حاخامات مستوطنات الضفة الغربية الذين لا تروق لهم قرارات الحاخامية الكبرى لإسرائيل، التي تتسم عادة بالمحافظة على الأسلوب التقليدي في إصدار الأحكام والفتاوى.

ولذلك فإن هذا المجلس يتبنى تفسيرات مختلفة للنصوص الدينية تعتبر أكثر راديكالية في إضفاء الطابع السياسي على الأحكام الدينية.

ولعل أوضح الأمثلة على الخلاف الجذري بين الطرفين هو مسألة اقتحام المسجد الأقصى المبارك، إذ لا تزال الحاخامية الرسمية الكبرى لإسرائيل تتبنى الرأي القائل بتحريم دخول اليهود لكافة مساحة المسجد الأقصى (الذي تسميه هذه المرجعيات "جبل المعبد") بسبب عدم تحقق شرط الطهارة مما يسمى "نجاسة الموتى"، والذي لا يتحقق إلا بحصول "معجزة" ظهور بقرة حمراء بشروط خاصة يتم ذبحها وحرقها في طقوس محددة لاستخدام رمادها في التطهير من هذه النجاسة.

بينما يتبنى مجلس السنهدرين الجديد التابع لتيار الصهيونية الدينية تفسيرا مختلفا يسمح لليهود على الإطلاق بدخول منطقة المسجد الأقصى، مع منع الصعود لساحة الصخرة المشرفة أو الاقتراب من الصخرة نفسها باعتبارها "قدس الأقداس" فقط، وذلك في مسعى لاستجلاب المعجزات الإلهية المنتظرة عبر تهيئة الظروف لحصولها حسب رؤيتهم.ولعل قصة البقرات الحمراء التي أحضرت إلى إسرائيل من تكساس عام 2022 تعد واحدة من أشهر أمثلة الخلاف العميق بين الطرفين كذلك؛ إذ لا تزال الحاخامية الكبرى ترفض الاعتراف بصلاحية هذه البقرات الحمراء لإجراء طقوس التطهير؛ لأنها لم تولد في "أرض إسرائيل" كما تؤكد النصوص الدينية التوراتية والتلمودية، بينما يصر بعض حاخامات الصهيونية الدينية على صلاحيتها باعتبارها استقدمت وهي صغيرة، وبالتالي فإنها "نشأت" في "أرض إسرائيل" وإن لم تولد فيها.

ولذلك وُضعت هذه البقرات في مستوطنة "شيلو" في الضفة الغربية تحت رعاية حاخامات تيار الصهيونية الدينية من المستوطنين.

مثل هذه الخلافات العميقة بين الأحزاب الحريدية وأحزاب الصهيونية الدينية كانت دائما كفيلة بأن تضع حواجز من عدم الثقة بينهم، خاصة بعد أن فشل تيار الصهيونية الدينية عام 2023 في مساعيه لإيصال أحد أفراده إلى منصب الحاخام الأكبر لإسرائيل.

لكن المفارقة فيما يسمى "قانون الحائط الغربي" هي أن الذي يتبناه منذ اللحظة الأولى تيار الصهيونية الدينية على الرغم من أن ما يظهر أوليا أن المستفيد الوحيد منه هو التيار الحريدي، لأنه يعتبر اعترافا ضمنيا من الصهيونية الدينية بكون الحاخامية الكبرى لإسرائيل هي المرجعية الدينية العليا لتفسير معنى تدنيس الأماكن المقدسة ومنعه، وهو ما يُضعف نظريا موقف حاخامات الصهيونية الدينية. وهذا يناقض الحماسة الكبيرة التي أظهرها إيتمار بن غفير عندما تم إقرار القانون بالقراءة التمهيدية.

هذا ما يبدو على السطح، ولكن ما وراء ذلك أعمق بكثير، كما يتبين من تعقيبات بن غفير وعدد من قادة الصهيونية الدينية على هذا القانون.

فبعد أن ظهر امتعاض لدى عدد من قيادات تيار الصهيونية الدينية من هذا القانون، وتحديدا من جماعات المعبد المتطرفة التي تتولى عمليات اقتحام المسجد الأقصى، وتخوفهم من أن يؤدي التشريع إلى قيام الحاخامية الكبرى بمنعهم من اقتحام المسجد الأقصى باعتبار ذلك يدخل في إطار "التدنيس" المخالف للشريعة اليهودية، خرج بن غفير ليصرح لأتباع هذا التيار بأن هذا القانون جاء لصالحهم بالكامل؛ لأنه يعطي الحاخامية الكبرى الحق في منع النشاطات التي يقوم بها المسلمون داخل المسجد الأقصى مثل وجود المدارس، وحلقات تعليم القرآن الكريم، ولعب الأطفال في باحات المسجد، وتجمعات العائلات، وغير ذلك من النشاطات الاجتماعية المعروفة للمقدسيين في المسجد الأقصى باعتباره مركز الحياة الاجتماعية في القدس.

وبذلك كشف بن غفير حقيقة ما يجري الإعداد له من خلال هذا القانون، وذلك على طريقة "عدو عدوي صديقي"، باستخدام المرجعية الحاخامية الرسمية لضرب الوجود الفلسطيني الإسلامي داخل المسجد الأقصى بالشكل الأساسي، ليأتي تيار الصهيونية الدينية لاحقا ويفرض أجندته على المكان، ومن الواضح أن هذا يأتي ضمن اتفاق ضمني بين الطرفين ضد عدو واحد هو الفلسطينيون.

تعريف "تدنيس" المكان المقدس حسب الشريعة اليهودية يشير إلى القيام بنشاطات دنيوية داخله، وذلك لأن الأماكن المقدسة في هذه الشريعة لا يسمح فيها بغير أداء الطقوس الدينية حصرا.

وبذلك فإن بن غفير يأمل أن يتمكن من خلال هذا القانون من استخدام الحاخامية الكبرى الرسمية للدولة لانتزاع قرارات حكومية إلزامية بإغلاق المدارس والمكاتب التابعة للأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى، ومنع التجمعات العائلية والنشاطات الاجتماعية المقدسية فيه بالكامل بحجة أن ذلك يعتبر "تدنيسا" لمكان مقدس يهودي.

وهو ما يعني حرفيا نقل الإدارة الدينية للمسجد الأقصى من دائرة الأوقاف الإسلامية إلى الحاخامية الكبرى لإسرائيل، تماما كما جرى نقل الإدارة الدينية للمسجد الإبراهيمي من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الفلسطينية إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع، وليس حتى لوزارة الأديان.

ما يجري في هذه المرحلة من إغلاق كامل للمسجد الأقصى في رمضان سيجعلنا نستفيق بعد انتهاء الحرب الحالية- أو ربما خلالها- على واقع جديد يطبق في المسجد الأقصى أمام أعيننا.

ولذلك، فإن الواجب ألا ينشغل العالم العربي والإسلامي عما يجري الإعداد له في المسجد الأقصى، وأن تبقى قضيته مفتوحة أمام العموم في الإعلام باعتبارها من ثوابت وسائل الإعلام العربية والإسلامية على حد سواء.

فمن الواضح أن الاحتلال الإسرائيلي بأذرعه العديدة لا يسمح لقضية أن تطغى على قضية أخرى في العمل والإنجاز، إذ بينما يعمل جيش الاحتلال على ضرب عدة جبهات خارجية، يعمل المستوطنون المتطرفون على تمهيد الأرض في الضفة الغربية لإجراء التطهير العرقي الذي يحلمون به، وفي نفس الوقت ينبري جسم آخر لتغيير واقع المسجد الأقصى نهائيا مع نهاية الحرب.

وهذه هي لعبة الاحتلال التي يجب فهمها ومتابعتها دائما لوقفها ومنع تمددها.


    اقرأ ايضا           
المزيد من آراء الكاتب

                     




قراءة في السنن القرآنية لسقوط الطغاة ونهوض الأمم

قراءة في السنن القرآنية لسقوط الطغاة ونهوض الأمم
بقلم أ.د. جمال عبد الستار(*)


ليس للظلم دين، ولا يكتسب شرعيةً من شعار يرفعه أو راية يتدثر بها؛ فالظلم في ميزان القرآن اعتداءٌ على النظام الأخلاقي الذي أقامه الله في الأرض، وخروجٌ على السنن التي تنتظم بها حياة البشر، ومن هنا فإن سنّة الله في الظالمين سنّة ماضية عبر التاريخ لا تتبدل ولا تتحول، وقد أعلنها القرآن بوضوح حتى لا يقع الإنسان في وهم القوة العابرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ﴾.

قد ينسى الناس الألم بعد حين، وقد تطمس الذاكرة آثار الجرائم مع تعاقب الزمن، لكن هناك سجلًا لا ينسى، وميزانًا لا يختل، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، ويقول سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. إنها قاعدة قرآنية عميقة في فهم التاريخ: أن حركة الأمم ليست فوضى، وأن صعود القوى وسقوطها لا يجري عبثًا، بل يخضع لقوانين أخلاقية وسنن إلهية ثابتة، فالكون في الرؤية القرآنية ليس ساحة صراع عشوائي، بل ميدان اختبار أخلاقي تتجلى فيه العدالة الإلهية، حيث يقرر القرآن قانونه الشامل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

وفي مقابل ذلك فإن المظلوم كذلك لا ينسى من انتهك حقه أو داس كرامته أو اغتصب أرضه؛ فهذه ليست حوادث عابرة في سجل الحياة، بل جراح غائرة في الضمير الإنساني لا تمحوها الأيام، غير أن القرآن لا يقف عند حدود توصيف الألم، بل يقرر قاعدة أخلاقية كبرى تحكم الاجتماع البشري، وهي أن الظلم محرّم في ذاته، لا يتغير حكمه بتغير الفاعلين أو الشعارات، ولهذا جاء التوجيه القرآني الحاسم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ﴾.

وقد يظن الواهمون أن قوى البغي الدولية ستمتلك الأرض تفعل فيها ما تشاء؛ فتغير الفطرة السوية، وتسعى لإطفاء نور الله، وتشويه الأديان، ومسخ ملامح الإنسان، وتغتصب الأعراض وتتجبر في البلاد، ظانةً أنها قادرة على الكون بما مكنها الله فيه من إمكانات ومعارف، لكن هؤلاء غاب عنهم إدراك سنن الله فيمن سبقوهم على هذا النهج؛ فهل ترك الله فرعون ذا الأوتاد؟ أم ترك ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ فقد ظنت ثمود أن قدرتها على نحت الجبال تمنحها حصانة من السقوط، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون؟ وقال قوم عاد في نشوة القوة: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ﴾ فكانت النتيجة الحتمية والقانونية الربانية القاطعة على مدار العصور: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾.

وهكذا ظل التاريخ يعيد المشهد ذاته في صور مختلفة؛ إمبراطوريات ترتفع حتى تلامس السماء، ثم تسقط فجأة حين تصطدم بقانون الله في الطغيان، فالتتار والمغول والفرس والروم، ثم في العصر الحديث قوى عظمى بدت وكأنها نهاية التاريخ، مثل الاتحاد السوفييتي الذي انهار رغم ترسانته النووية وجبروته السياسي، إنها ليست مجرد تحولات سياسية، بل تطبيقات متكررة لسنّة قرآنية عميقة: أن الطغيان يحمل في داخله بذور فنائه، فالملك في النهاية لله، والتاريخ – مهما بدا في ظاهره صراع قوى – محكوم في عمقه بقوانين أخلاقية لا تتخلف.

الصهيونية في ميزان القانون


وليس قانون الله ببعيد عن تلك الفئة التي لعنها الله في كتابه، ومسخ منهم قردة وخنازير، وجعل من بركة الأرض المقدسة أنها ستكون مسرحًا لتطهير الأرض من فسادهم وطغيانهم، لتتنفس البشرية الصعداء بعد زمن طويل من الظلم والرجس. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. وإنه لوعد قريب في ميزان اليقين، فالله قد وعد بهدم علوّهم، ولا يكون التتبير إلا بعد علو، ولا يقع السقوط إلا بعد استكبار.

الرافضة في ميزان القانون


وبالطبع فإن قانون ربي لن يحابي من تزيوا بزي الإسلام وتترسوا بادعاء محبة بعض آل البيت، وذهبوا باسم العمامات القذرة وألقاب البهتان ومعتقدات الشيطان يودعون في الأمة الفتنة، فتسلطوا على المسلمين والتهموا أربع عواصم وأذاقوا أهلها من ويلات الإذلال والقتل والاغتصاب والتعذيب الذي ربما لم يخطر للشيطان على بال، ناهيك عن تطاولهم على الصحب الكرام الذين أعلى الله في القرآن مقامهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ…﴾ الآية، هل تظن أن الله تعالى غفل عن كيدهم أم تخلى عن أهله وعباده المظلومين؟ وهل يظنون أنهم سيفرون من قوانين بأسه في الظالمين وبطشه بالطغاة المجرمين؟ حاشاه سبحانه القائل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

أنظمة الاستبداد في ميزان القانون

الأعجب من كل ما سبق أن نظن أن قوانين الله تعالى ستنجو منها تلك الأنظمة التي تحالفت مع قوى البغي والإجرام، ومن سخروا إمكاناتهم لحمايتهم ودعمهم، والتفتوا إلى علماء الصدق ودعاة الحق فساموهم سوء العذاب قتلاً وسجناً، طرداً وتشريداً!! هؤلاء الذين عبدوا الشيطان فأهدروا من أجله كرامة أمتهم، ونشروا فيها الفحش والفجور، وحاربوا العفة وضيعوا الثروات وفتتوا العباد، وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، هل تظن أن الله لن يصب عليهم سوط عذاب؟ هل تظن أنه تعالى ليس بالمرصاد؟ لأنهم يدعون الإسلام ويظهرون في بعض المناسبات تصنعاً، وهم والله أقرب للكفر يومئذ منه للإيمان؛ كلا والله إن الله بما يعملون محيط.

الأمة في ميزان القانون

والأعجب أن تظن الأمة التي لم تحمل رسالة ربها، ولم تتحقق بهدي نبيها، ولم تطبق شرع ربها، وعاشت في محراب الشهوات والشبهات والتطلعات والدعة والكسل والطمع، وبعضها يأكل حق إخوانه ثم يذهب للمسجد مصلياً أو للنسك حاجاً أو معتمراً؛ أتظن تلك الأمة أنها بمعزل عن قوانين القرآن، وفي حماية من عقوبته لمجرد الانتساب؟ لا والله، فالرسول حذر الأمة من هذا المصير من أن تكون أصفاراً لا قيمة لها: «يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكلةُ إلى قصعتِها»، فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غثاءٌ كغثاءِ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهنَ»، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوهنُ؟ قال: «حبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموتِ».

الصادقون في ميزان القانون


ومع كل هذا، فإن في الأمة رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه فأكمل عدته، وثبت على ثغره وأدى ما عليه، وبذل كل ما لديه، وأنفق من علمه وجهده وماله في سبيل ربه، وتحمل في سبيل ذلك أصناف الإيذاء فلم يرده ذلك عن دينه. وهناك من ينتظرون دون تبديل، بل هم على عهدهم مع الله والناس؛ فهناك من ثبتوا في الميدان رغم قلة الإمكانات، وهناك من ضحوا بكل غالٍ وثمين، وهناك من حملوا لواء القرآن يبشرون به أهل الإيمان وينذرون به أهل الطغيان. هناك الصابرون على ما أصابهم، والمحتسبون ما قدَّره الله عليهم. هناك من مرت عليهم السنوات الطوال في أقبية الظالمين يتطلعون إلى السماء، يقلبون وجوههم ينتظرون فرجه عليهم وفتحه لهم وانتقامه ممن بغوا عليهم.

هل تراهم يذهبون من الأرض ولم يشفِ الله الصدور؟ ولم يهتك على الظالمين الستور؟ ولم ينزل على أهل الإيمان نصره؟ ولم يمدَّهم بمدده؟ كلا والله، وإنا لنرى رايات دينه فوق كل الرايات عالية، ومنهجيات دينه على كل الأرض حاكمة لعباده، ونرى مصارع الظالمين فرادى وجماعات.

فكما أن للظلم سنّة في السقوط، فإن للحق سنّة في الظهور. وسيأتي اليوم الذي ترتفع فيه رايات العدل فوق الأرض، وتتهاوى فيه عروش الطغيان، وتعود الإنسانية إلى ميزانها الذي أقامه الله. وحينها سيدرك العالم كله الحقيقة التي أعلنها القرآن منذ قرون: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ويبقى على كل إنسان أن يحدد موقعه في هذا الصراع التاريخي بين العدل والظلم؛ أن يثبت على ثغره، وأن يتسلح باليقين، وأن يبشر الأرض بفتوحات السماء، وأن يردد في أعماقه: سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي .. وأموت مبتسمًا ليحيا ديني.

(*) الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟

هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟
د. جاسم الجزاع

وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج يقف على تخوم لحظة سياسية حازمة، حيث تقاطعت روحانية الشهر الكريم مع شدة التوتر في الإقليم نتيجة الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اعتادت المجتمعات الخليجية أن تستقبل رمضان بأجواء السكينة والطمأنينة، غير أن هذا العام جاء ليحمل معه ظلال معادلات عسكرية وسياسية تتردد أصداؤها في الإعلام والمجالس ووسائل التواصل، فالحروب حين تقترب من حياة أي مجتمع لا تبقى مجرد تحليلات في مراكز الدراسات أو بيانات في نشرات الأخبار، بل تتحول إلى حالة شعورية عامة تعيد تشكيل وعي الناس وتدفعهم إلى إعادة التفكير في معنى الاستقرار الذي يعيشونه وكذلك الأمن، ولهذا فإن رمضان هذا العام لم يكن موسماً للعبادة والتواصل الاجتماعي فحسب، بل بدا في جانب منه اختباراً نفسياً وسياسياً للمجتمع الخليجي وهو يراقب التوترات الكبرى تتصاعد حوله في منطقة لطالما كانت مركزاً لصراعات القوى الدولية والإقليمية. 

 فالحقيقة أنه عندما تشتد الأزمات الإقليمية فإن أول من يتأثر بها ليس الجيوش ولا الحكومات بقدر ما تتأثر الأسر والشعوب التي تعيش داخل المجتمع، فإن الحروب الكبرى تعيد ترتيب أولويات الناس، وتجعل مفاهيم الأمن والاستقرار تحتل موقعاً مركزياً في التفكير اليومي للأفراد، وفي الخليج تحديداً، حيث لا تزال الذاكرة الجمعية تحتفظ بتجربة الغزو العراقي للكويت وغزو العراق لاحقاً وقبلها الحرب الإيرانية العراقية وما تبعها من تحولات عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي وعلاقة الخليج بالامريكان والعراق وايران، فإن أي تصعيد جديد في المنطقة يعيد تذكير المجتمع بأن الاستقرار الذي ينعم به ليس أمراً بديهياً أو دائماً، ولهذا يمكن ملاحظة أن كثيراً من الأسر الخليجية بدأت تنظر إلى ما يحدث حولها بقدر أكبر من الجدية، فنرى ارتفاع قيمة التلاحم الوطني، وتعزز الشعور بأهمية وحدة الصف، وتنامت ثقافة الأمن المجتمعي بوصفها ضرورة لا ترفاً فكرياً، فقد أعادت التوترات الأخيرة تذكير الناس بأن الأمن ليس شعاراً سياسياً، بل هو شرط أساسي لاستمرار الحياة الطبيعية والازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب من دول الخليج قيادات وشعوبا قراءة أكثر عمقاً لطبيعة التحولات التي يشهدها الإقليم المضطرب، فالعالم يتغير بسرعة، والصراعات الكبرى لم تعد بعيدة عن حدود المنطقة كما كانت في عقود سابقة، ولهذا يصبح من الضروري تعزيز التكامل الخليجي في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد، لأن قوة الخليج الحقيقية لا تكمن في قدرات كل دولة على حدة، بل في قدرتها على بناء منظومة إقليمية متماسكة قادرة على حماية استقرارها في بيئة دولية مضطربة.

صراع النفوذ... نحن ضحيته

آخر كلام       

صراع النفوذ... نحن ضحيته 

د. محمد المقاطع 

حينما قرر الغرب وأميركا صناعة نظام الملالي في إيران كان السيناريو مدبراً! 

فإزاحة الشاه عن إيران عام 1979 كانت بتدبير منضبط، فقد استنفد دوره كونه شرطي المنطقة، والتي ارتهنت له خشية نفوذه، وحينما بدأ الشاه يعمل لمصلحته الشخصية ولمصلحة بلاده ويتوسّع بنفوذه الذاتي وخصوصاً في الخليج، وخرج عن المهمة التي صُنع لأجلها، قرر الغرب وأميركا التخلص منه! 

كان السيناريو المناسب بثورة شعبية من الداخل! 

فبدأ التحضير لها، ووجدوا ضالتهم في تنفيذ هذه الثورة بـ «الخميني» الهارب المطلوب للنظام! 

فلا بد من تأهيله لتحقيق رمزية تمنحه قدرة على تحريك الشارع! فاحتضنه الغرب في باريس، وبدأ التلميع اللازم بخطبه التي تسجل وتوزّع، وكانت معطيات تحقيق ذلك السخط المعيشي الداخلي، والخطاب والمشاعر الدينية، وتوفير الدعم والحماية والتسليح للمعارضة الخمينية التي تعاظمت ككرة الثلج، فتمت الإطاحة بالشاه، وتم تسليم إيران إلى نظام الملالي! 

وتوالت رعاية الغرب لنظام الملالي في حربه مع العراق وكان التحوّل تحديداً بعد نوفمبر 1984، فبعد أن كان الغرب إلى جانب العراق، تحوّل فجأة في غضون ستة أسابيع، بكل وسائل إعلامه، لدعم نظام الملالي تحت عنوان استخدام العراق للأسلحة الكيميائية وخصوصاً في حلبجة، فبدأت مرحلة تقوية النظام الجديد في إيران بشعار تصدير الثورة ليكون تهديداً مستمراً للمنطقة ودولها! ومنح نظام الملالي المجال للاستقرار والتوسع تدريجياً! 

وقد دخل الغرب مرحلة مراجعة إن كان سيسمح لإيران أن تفرض نفوذها في العراق وتسيطر عليه عند إسقاط صدام عام 1991! فقامت أميركا تحديداً بتأجيل إسقاط صدام 12 عاماً (2003) حتى تدبّر ترتيباتها لسيناريو تمكين إيران من العراق، بناء على اتفاق فيه قبول لنفوذ إيران وتقاسم فعلي لغنيمة الدولة العراقية بين إيران وأميركا تحديداً، وقد تم ذلك بسيناريو تدخل عسكري أميركي أسقط صدام وقام بتدمير المكوّن السني في العراق، وسمح لإيران بأن تبسط نفوذها وتتغلغل بلافتة دينية طائفية - وهي ركيزة التفجّر الدائم للمنطقة - وتم ذلك بتفاهم واضح، فتحصل أميركا على صناعة النفط العراقي وتواجد عسكري بقواعد عديدة، ويقوى سلطان إيران ونفوذها بالمنطقة، وسُمح لها بالتوسع في سورية على وَقْع، هذا التفاهم، بحجة محاربة «داعش»، على أن تكون في حالة تهادن مع الكيان الصهيوني، مع تقاسم النفوذ في سورية بين أميركا وروسيا وإيران والكيان الصهيوني. 

وقد تعمّدت إيران في هذه المرحلة مد نفوذها بشكل أكبر في العراق وسورية وإقامة ميليشيات مسلحة في العراق وسورية مع تواجد للحرس الثوري، مما جعل نفوذ إيران يتعاظم، ومع امتداد نفوذها لليمن، بدأ القلق لدى أميركا والكيان الصهيوني من تزايد النفوذ الإيراني وهواجس الخشية الأميركية والإسرائيلية منه في الاستئثار لنفسه بنفوذه الجديد بالعراق ولبنان وسورية واليمن مع صناعاته الحربية والنووية المتسارعة، ووكلائه وما يشكلونه من تهديد للغرب والكيان الصهيوني. فأصبح الصراع على النفوذ وتقاسم دول المنطقة وثرواتها بما فيه دولنا الخليجية غاية الصراع، مع تأمين الكيان الصهيوني من خطر إيران الإقليمي المتعاظم. فحدث الفراق بعد أن كان الوفاق والاتفاق. 

وهو فراق صراع نفوذ بالمنطقة، فكان القرار هو إنهاء نفوذ إيران بدلاً من اقتسامه معها! 

فبدأت الحرب لأجل ذلك مع التخلص من القدرات العسكرية لإيران واحتمالات تهديداتها للكيان الصهيوني الذي بدأ الحرب ودفع ترامب لخوضها، تمهيداً لسيناريو بسط النفوذ الصهيوني على كل دول المنطقة لتحقيق حلمه بشرق أوسط جديد!  وكان ضمن سياقاته توريطنا في الحرب، لكن حكمة حكام الخليج أفشلت هذا الجزء من المخطط! ومنعت وستمنع التمدد الصهيوني في المنطقة عموماً وفي دولنا خصوصاً. 

والحالة الدفاعية القسرية التي فرضت على دولنا وضعتنا أمام رؤية واضحة بشأن أهمية البناء الدفاعي الذاتي والاعتماد على تعزيز قدرات دولنا، تعزيزاً لمكوننا الخليجي الذي ينبغي تطويره لهذه المهمة، ومن ثم العربي والإسلامي! 

وقد أشرت في مقالة عام 1996 إلى ضرورة الاتحاد الفدرالي، تقوية لقدراتنا وحتى لا نكون ضحية تقاسم النفوذ في المنطقة، وهو مطلب أكثر إلحاحاً اليوم.



الثلاثاء، 17 مارس 2026

تجديد الخطاب الديني.. يريدون أن يبدلوا كلام الله!

 تجديد الخطاب الديني.. يريدون أن يبدلوا كلام الله!

 المصدر مجلة البيان

قضايا دعوية تجديد الخطاب الديني.. يريدون أن يبدلوا كلام الله! 

خالدأبوالفتوح 

abulfutoh@hotmail.com 

نشرت جريدة الأسبوع القاهرية في شهر يناير الماضي تفصيلات خطط أمريكية لما أطلقت عليه: (أمركة الخطاب الديني للمسلمين) ، وجاء فيما نشرته الصحيفة أن أمر تطوير الخطاب الديني كان جزءًا من الحملة الأمريكية الأولى على ما وصفته بالإرهاب ...
وفي تفصيلات الخطط الأمريكية التي أوردتها الصحيفة: أن وزارة الخارجية الأمريكية شكلت لجنة تعرف باسم: (لجنة تطوير الخطاب الديني في الدول العربية والإسلامية) وأن هذه اللجنة انتهت على حد قول الصحيفة من توصياتها فعلًا وأنه سوف يتم تبليغ الدول بها، مع توضيح أن استمرار المعونات الأمريكية مرهون بتنفيذ هذه الخطط. وتتمثل التوصيات الأمريكية في: - تهميش الدين في الحياة الاجتماعية للناس؛ وذلك عبر إغراق الشعوب العربية والإسلامية بأنماط مختلفة من الحياة العصرية الغربية وحيازة التكنولوجيا الحديثة (التكنولوجيا ذات الطابع الترفيهي) . - التقريب بين الديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام عن طريق تكوين لجنة عليا من المحمديين (أي المسلمين) والمسيحيين واليهود؛ لتبصير كل شعوب العالم بالتقارب بين الأديان الثلاثة - كما تتحدث الخطة - وتقترح ضمن ما تقترحه بشأن هذه اللجنة أن تعمم هذه اللجنة توصيات ملزمةً لكل الدعاة في العالم العربي والإسلامي بحيث لا يخرجون عن هذه التوصيات. - تحويل المسجد إلى مؤسسة اجتماعية تتضمن حدائق للأطفال والسيدات (فقدان المسجد لهيبته وخصوصيته) ، وأن تتولى الإشراف عليه شخصية غير دينية ناجحة. - خضوع خطبة الجمعة والخطباء تحت رقابة أجهزة الأمن في الدولة، وأن يتم البعد عن تسييس الخطبة، أو تعرضها للجانب الحياتي أو المجتمعي بمعنى (علمنة الخطبة) ، أي منع الحديث عن الأمريكان أو اليهود، أو الحديث عن الجهاد وبني إسرائيل. وتهدف الخطط الأمريكية إلى أن تصبح خطبة الجمعة حلقةً نقاشيةً للجميع لا ينفرد بها الخطيب وحده؛ حيث ستكون الخطبة بذلك أكثر ديمقراطيةً في نظرهم، كما تهدف أن تشارك المرأة في خطبة الجمعة، حيث رأوا أنه لا توجد نصوص دينية تمنع المرأة من ذلك. - وأن يكفل للمرأة سبل الاختلاط مع الرجال والمشاركة في التدريب على الانتخابات لتعليم المرأة الديمقراطية. - إلغاء مادة التربية الدينية الإسلامية، مع تخصيص يوم كامل للقيم الأخلاقية والمبادئ بدلًا منها، والعمل على اكتساب الطلاب مهارات التسامح، والتحرر من اعتقاد المسلمين أنهم خير أمة أخرجت للناس! ، وأن يعلم الجميع أن العقائد والأديان هي نتاج التنشئة الاجتماعية والأفكار المسبقة، وأن الانتماء للإنسانية هو الجامع لهم، أما المعتقدات فهم أحرار فيها. * ماذا وراء الجعجعة: الحديث عن ضرورة أن يراجع المسلمون قيمهم وتصوراتهم ويعدلونها بما يوافق التغيرات العالمية ليس جديدًا، فقد ظهر بعد انتهاء الحرب الغربية الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، ثم نشط بشدة بعد أحداث سبتمبر 2001م، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن ما نشرته الصحيفة جاء عقب مبادرة باول المسماه (مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط) وما تلاها من أنشطة وإجراءات على المستويات المحلية مست مناهج التعليم و (الخطاب الديني) . مبادرة باول أعلنت يوم 12/12/2002م أمام مؤسسة التراث بواشنطن (مؤسسة يمينية أمريكية) ، وتركز كما أوضح باول نفسه ونائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة على أربعة ميادين مختلفة: الإصلاحات الاقتصادية، الإصلاحات السياسية، الإصلاحات التعليمية، وتمكين المرأة..
وهذه الوصفة ليست إلا جزءًا من استراتيجية شاملة يراد تطبيقها في المنطقة، وكما يقول مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في مؤتمر (مركز دراسة الإسلام والديمقراطية) الذي انعقد في واشنطن يوم 16/5/2003م: «إن التحول إلى الديمقراطية يعني تغيرًا تدرجيًا وإن كان حقيقيًا شاملًا، وإن هذا التغير يتضمن أكثر من مجرد إجراء انتخابات، إنه يشمل عملية بناء المؤسسات السليمة وحكم القانون والمجتمعات المدنية النابضة بالحياة والنشاط برمتها، وهي عملية مؤلمة صعبة متدرجة متطورة، وأحيانًا محفوفة بالمخاطر» ، ثم يتابع: «..
ولا يمكننا أن ننظر إلى هذا وكأنه قائمة طعام في مطعم يمكننا اختيار بعض الأطباق فقط منها، فنسعى إلى تحقيق هدف ما ونهمل الأهداف الأخرى، فكما أوضح الرئيس بوش في خطابه المهم في جامعة ساوث كارولينا في التاسع من مايو: إن الولايات المتحدة مصممة على أن تقود بنشاط جهود السعي إلى تحقيق جميع هذه الأهداف، بمشاركة قيادات وزعامات المنطقة» . * شنشنة قديمة نعرفها: والآن لننظر نظرة متأنية إلى دوافع وأهداف هذه الحملة الجديدة على ثقافتنا وقيمنا، لنجد أن هناك دوافع مباشرة تجلت في الرغبة في: الحفاظ على الأمن الأمريكي القومي الذي تهدد بقوة بأحداث سبتمبر وتداعياتها، وتحقيق المطامع الأمريكية في منطقتنا، وهذا ما سنوضحه أكثر فيما بعد. وهناك أيضًا أهداف قديمة (استراتيجية وثابتة) لا يفتأ الغرب (النصراني) عن محاولة تحقيقها والوصول إلى أكبر قدر ممكن من المكاسب فيها على أرض المسلمين؛ ومن أبرز المحطات وأكثرها أثرًا في هذه المحاولات ما قام به الاحتلال الإنجليزي في مصر والهند من جهود لمسخ الإسلام في عقول المسلمين ونفوسهم، وتذويبهم في (حضارة عالمية) ؛ فقد لاحظ المعتمد الإنجليزي في مصر كرومر «وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى» . لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب، ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة. وقد اتخذت هذه الوسائل: طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين، الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الإنجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير؛ ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه مع مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر غثاء الحضارة الغربية. أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثمارًا من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثارًا … وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره، بحيث يبدو متفقًا مع الحضارة الغربية، أو قريبًا منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدوًا لها معارضًا لقيمها وأساليبها … « [1] . وهذا ما أكد عليه مؤتمر (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) المنعقد في برنستون عام 1953م حيث جاء في كتاب أبحاثه: أن» ..
هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام.
فلا بد إذن من أحد حلين: - إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر. - وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتسويغ القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب. وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم، ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد - ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية - سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص 192 « [2] . والوسيلتان اللتان استخدمهما كرومر والحلان اللذان اقترحهما المؤتمر أحدثوا بالفعل - وما زالوا - أثرًا لا يستهان به في عقول المسلمين وسلوكياتهم.
وهنا نستطيع وضع المخطط الذي ذُكر أول المقال في مكانه الطبيعي: حلقة غير منفصلة في جهود دؤوبة ومتواصلة أخبر عنها ربنا عز وجل: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَق] (البقرة: 109) ، [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: 217) . الوزير باول - في معرض ذكره لمسوغات مبادرته للمنطقة - أعلن أنه» قد جسد الرئيس بوش تطلعات الشعوب في كل مكان، عندما قال في خطابه في وست بوينت: إنه عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحاجات المشتركة للرجال والنساء، ليس هناك تصادم حضارات؛ فمتطلبات الحرية تنطبق كليًا على أفريقيا وأميركا اللاتينية وكامل العالم الإسلامي «، وهذا ما بلورته صراحة إليزابيث تشيني (ابنة نائب الرئيس الأمريكي) ، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة، حيث ذكرت أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي، المنعقد نهاية شهر سبتمبر الماضي أن: الولايات المتحدة لا تريد أن تفرض قيمها على دول المنطقة عبر هذه المبادرة بقدر ما تريد أن تساعد في ترسيخ هذه القيم التي قالت إنها قيم عالمية، وليست أمريكية ..
أي إن هذا هو الدين العالمي الجديد الذي ينبغي أن نذوب فيه؛ لأن على جميع الشعوب أن تدخل فيه أفواجًا، وهو الزعم الذي يذكرنا بطرح وثيقة المثقفين الأمريكيين التي سوغوا بها حرب أمريكا ضد ما أسمته الإرهاب [3] . ولكن التجارب أثبتت أن شعوب هذه المنطقة ليست من النوع سريع الذوبان؛ فما العمل؟ * عندما تتكلم المصالح: أما الدوافع المباشرة فقد ألمح إليها الوزير باول في خطابه أمام مؤسسة التراث، عندما قال:» ...
مزارعونا يزرعون القمح، وعمالنا يصنعون طائرات، وأجهزة كمبيوتر، ومنتجات أخرى عديدة نبيعها لدول المنطقة، بينما الأموال تتدفق من مستثمرين في الشرق الأوسط إلى بلدنا.
ومن المفجع أن آلافًا من رجالنا ونسائنا ماتوا في 11/9/2001م، على أيدي إرهابيين ولدوا وأصبحوا راديكاليين هناك.
واعترافًا منا بأهمية المنطقة، كرّسنا دمنا ومالنا لمساعدة (!!) شعوب وحكومات الشرق الأوسط على مدى نصف قرن من الزمن وأكثر «. » والحرب على الإرهاب لا تقتصر على الشرق الأوسط طبعًا، غير أن أصدقاءنا هناك لهم مصلحة مهمة بها بوجه خاص؛ فقد عانى كثيرون من بلاء الإرهاب مباشرة «. » وقد كانت هذه التحديات ولا تزال في مقدمة سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية، ولسبب وجيه؛ فكل منها يؤثر تأثيرًا عميقًًا على مصالحنا القومية، وعلى مصالح الشعوب التي تعتبر الشرق الأوسط وطنًا لها «. وهو الأمر نفسه الذي يؤكده مساعده لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في المؤتمر المشار إليه سابقًا:» إنه من مصلحتنا جدًا في الأمد الطويل أن ندعم التغير الديمقراطي، وينبغي علينا أن نبقي أعيننا مفتوحة بالنسبة للمقايضات الحتمية، وأن نسعى إلى المساعدة في صياغة العملية بشكل يخفض على الأقل بعض المخاطر في الأمد القصير إلى أقصى حد ممكن «.
وهو ما أكدته أيضًا إليزابيث تشيني بقولها:» من الواضح أن الأمر يتعلق بمصلحة الأمن القومي الأمريكي والمساعدة في نشر فرص الحرية، وفي الوقت نفسه نحن نعتقد أن هذه المثل هي الفضلى « (حديث مع جريدة الحياة 2/8/ 2003) . فالأمر بلا تعقيد أن لأمريكا مصالح في هذه المنطقة، وأن شعوبها بوضعها الحالي تعد معامل تفريخ لمن يهددون أمن أمريكا، وعلى وجه التحديد فإن » المدارس الدينية في العالم الإسلامي تجند المتشددين الشبان «بحسب تعبير وزير الحرب الأمريكي رامسفيلد في مذكرة منسوبة إليه (الحياة 25/10/2003) ، كما أن هذا الواقع يعرقل التعايش والتعاون بين هذه الشعوب وأصدقاء أمريكا وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم (إسرائيل) . * فما السبيل إلى التغيير المنشود؟ تعالوا نرتب الأوراق بالمنطق الأمريكاني: - الإسلام بقيمه ومبادئه يمثل خطرًا على أمريكا، وليس الأمر أمر (قوىً أصولية) يراد التخلص منها. - وهذه القيم والمبادئ هي التي تفرخ بعض من نشؤوا في المنطقة وتدفعهم للقيام بأعمال خطرة على أمريكا ومصالحها وأصدقائها وحلفائها. - وهؤلاء يتشربون هذه القيم والمبادئ الخطرة عبر منظومة معقدة من المفاهيم المبثوثة في مناهج التعليم والمواعظ الدينية، ويغذيها أحيانًا إعلام غير مسؤول، إضافة إلى عادات اجتماعية متوارثة ترسخ هذا النمط من القيم والمبادئ والسلوكيات. - فهناك ثلاثة عوامل رئيسة تساهم في تشكيل العقلية العربية والإسلامية: الإعلام، والتعليم، و (الخطاب الديني) ، والأخير هو أخطرها لما يحمله من احترام و (تقديس) لدى فئات كثيرة، ولكونه يصل إلى جميع الطبقات ويخاطب جميع المستويات. - و (الخطاب الديني) هو جزء من الهوية والتكوين الروحي والفكري والنفسي والاجتماعي لهذه الشعوب، فمن غير الممكن مصادمته وإسقاطه كلية بشكل فج ومباشر، خاصة إذا جاءت هذه المصادمة ممن هم خارج إطاره. - ومن الملاحظ أن هذا التكوين تشكل عبر سنين طويلة؛ فمن غير المتوقع إعادة تشكيله عبر الميكروويف من غير احتراق، ولكن أيضًا فإن المصالح الحيوية لأمريكا والإدارة القاطرة التي تقودها لا يحتملان الانتظار أمام النار الهادئة. ندخل بيانات هذه الأوراق في الكمبيوتر الأمريكاني لحل هذه الإشكالات، فنفاجأ أنه يطالبنا باسم المستخدم وكلمة المرور، وبعد استشارة قراصنة مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في شؤون العالم الإسلامي يكشفون لنا أن اسم المستخدم هو: اللورد كرومر، أما كلمة المرور فهي عبارة: (تجديد الخطاب الديني) ، وبعد إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور يخرج لنا الكمبيوتر الشيطاني برامج تنفيذية عديدة لحل المعضلة: * بوصلة التحرك: ولكن قبل أن نستعرض بعض جوانب من هذه البرامج يهمنا أولًا استكشاف مؤشرات عامة لها، منها: -» سنشترك مع قادة المجتمع لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني، وتوسيع المشاركة السياسية، ورفع أصوات النساء، وسنعمل مع المربين لسد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من الفرص للتعليم العالي « (من خطاب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مؤسسة التراث) . -» نحن نعتمد إلى حد كبير الآن على النساء في المنطقة، ونطرح عليهن الأسئلة لمعرفة كيف يمكننا المساعدة، وفي بعض الحالات تكون الأجوبة أنهن يرغبن في المساعدة في مجالات الشراكة في مشاريع تجارية أمريكية أو أوروبية لتلقي برامج تدريب أو تعليم، وفي بعض الحالات يرغبن في الاستفسار عن حقوقهن السياسية، وفي حالات أخرى يردن تعلم الإنجليزية وبرامج المعلوماتية « (من حديث إليزابيث تشيني مع جريدة الحياة، 2/8/2003م) . -» ..
إننا تعلمنا الكثير كنساء، تعلمنا أن هناك حاجة لا للتغيير السياسي فقط، بل لتغيير (الثقافة) في بلادنا، بحيث تتمكن المرأة في المرات المقبلة من النجاح والوصول إلى تبوُّؤ المناصب في بلادنا « (من خطاب سيدة الأعمال البحرينية فاطمة البلوشي أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي الذي عقد في مدينة ديترويت، ونوهت فيه بالتقدم الذي تحرزه المرأة البحرينية وترشحها للانتخابات رغم عدم نجاحها) . - وهنا تظهر ضرورة التعرف بدقة على ثقافة شعوب المنطقة وخصائصها وعاداتها لكي تكون البرامج الموجهة لها منطلقة من أساس سليم وواقعي؛ فلقد بيّنت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م» بصورة مؤسفة وواضحة، أن الأمريكيين وغيرهم من الغربيين يجهلون بشكل مفجع العادات، والثقافات، والمعتقدات السائدة لدى شريحة عريضة وهامة من سكان العالم، أكثر من مليار مسلم يقطنون رقعة جغرافية شاسعة تمتد من غرب إفريقيا إلى شرق آسيا ...
وفي حين نرى أن حيزًا كبيرًا من الاهتمام قد وجّه لدور الدين في إثارة النزاعات العنيفة، نرى أن هناك عددًا قليلًا من مؤسسات الفكر والرأي تعالج دور الدين في صنع السلام «.
(من مقال لريتشارد إيتش سولومون، رئيس المعهد الأمريكي للسلام، بعنوان: المنهج التطبيقي في حل النزاعات) . - فلابد من التأكيد على» أهمية هزيمة الإرهاب، ليس فقط بالقوة العسكرية ولكن أيضًا في حرب للأفكار « (الوزير رامسفيلد، جريدة الحياة، 25/10/ 2003م) . - فإذا علم ذلك فإن» الناس لا تتغير أفكارهم بمجرد دعوة يتلقونها من هذا المفكر أو ذاك، إنما هي نوع من التراكم المعرفي، وكثيرًا ما يأتي التراكم من الجدل الفكري والفني والسياسي واختلافات الأفكار والمواقع الاجتماعية المنطلقة منها؛ فالأفكار والمعتقدات والتقاليد والعادات كلها تحتاج إلى وقت حتى تصبح جزءًا من التركيب الفكري لإنسان المجتمع الذي تقتحمه هذه الثقافة أو قل الذي ينتج الثقافة « (الكاتب أحمد عباس صالح في شهادته عن مؤتمر الثقافة العربية، جريدة الشرق الأوسط 4/7/2003م) . - لذا:» ينبغي أن يكون التغير الديمقراطي مدفوعًا من داخل المجتمعات في المنطقة؛ ذلك أنه لا يمكن تحقيق بقائه واستدامته عن طريق الوصفات والمواعظ القادمة من الخارج « (من خطاب وليم بيرنز الذي ألقاه أمام مؤتمر مركز دراسة الإسلام والديمقراطية في واشنطن يوم 16/5/2003م) . أظن أن الرسالة وصلت!! * ملامح الحملة: تمخض عن مبادرة باول برنامج تنفيذي معلن يضم 47 برنامجًا تفصيليًا، تغطي 14 دولة عربية على الأقل، بميزانية إجمالية تبلغ 29 مليون دولار للعام المنصرم، ورغم ضآلة هذا المبلغ إلا أن تفصيلات البرامج تعطينا مؤشرات لاتجاهات أمريكا واهتماماتها في المنطقة، إذ يتضح أن هناك تركيزًا واضحًا على المستوى الجغرافي على اليمن والمغرب والجزائر ودول الخليج خاصة البحرين وقطر. أما على المستوى الموضوعي: فإن التعليم، والسياسة والانتخابات والبرلمانات، والاقتصاد، والمرأة والأسرة تقف على رأس سلم أولويات هذه المبادرة، ثم يأتي بعد ذلك: القضاء والقانون، والإعلام والاتصال، والاطلاع على الغرب، وتنمية المجتمع المدني والقطاع الأهلي. ولكن الذي يهمنا هنا أن الجانب غير المذكور في هذه المبادرة أو المكمل لها على أقل تقدير كان هو (إصلاح) أو (تجديد) الخطاب الديني، ومما يومئ بذلك أن إعلان هذه المبادرة كان بمثابة إشارة البدء لانطلاق حملة كبرى اشتملت على نشاط إعلامي محموم للترويج لما أسموه (تجديد الخطاب الديني) ، صاحبه برامج ومؤتمرات ودورات لتنفيذ المخطط المشار إليه، وقبل أن نستعرض بعض جوانب لهذا النشاط وهذه البرامج نشير إلى بعض الملامح التي لوحظت على هذه الحملة، وهي في نظري ما يأتي: - أن هذه الدعوة ظهرت في البلاد التي يقوى فيها النفوذ الأمريكي، مع وجود نشاط ملحوظ في البلدان التي تعد تاريخيًا مرجعيات العالم الإسلامي. - وأنها جاءت اتساقًا مع خطة تطوير مناهج التعليم التي أملتها وأوعزت بها قوى خارجية معينة، مستغلة أحداثًا وظروفًا معروفة، فجاءت هذه الحملة استكمالًا لمخطط إعادة تشكيل العقلية المسلمة. - الالتباس المتعمد في هذه الدعوة، فعلى عادة العلمانيين والتغريبيين في الإيهام والغموض عندما يتعلق الأمر بخطوة يصعب على الجماهير هضمها، جاءت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، فكلمة (الخطاب) تحتمل أن يكون المقصود بها (مضمون) الخطاب ومحتواه، وتحتمل أن يكون المقصود بها (شكل) الخطاب بما يتضمنه هذا الشكل من أساليب ووسائل عرض المضمون. ولا شك أن مقصود مروجي هذه الدعوة هو تجديد مضمون الخطاب الديني، أي (تجديد) القيم والتصورات والمبادئ التي يحتويها هذا الخطاب، ولا يخفى على القارئ ما تتضمنه كلمة (تجديد) من معانٍ تشمل كون هذه القيم والمبادئ والتصورات أصبحت بالية ولا تصلح لهذا العصر، ففي معرض إيضاحه للمقصود بكلمة (الخطاب) يذكر الكاتب أحمد عبد المعطي حجازي أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم الذي نرجع إليه في كل أمر من أمور حياتنا، أو أن هذا ما ينبغي أن نفعله، فنقرأ، ونفهم، نناقش، ونجرب، نحلل، ونقارن لنعرف الأسباب، ونتوقع النتائج، ونفسر ما يحدث في الطبيعة والنفس، والجسم، والمجتمع. نعرف الآن مثلًا أن الزلزال يقع نتيجة لتصدع طبقات الأرض وتحركها، وليس لأن المدن شريرة أو لأن الآلهة ثائرة غضبى، ونعرف أن الجنون مرض يصيب العقل وله أسباب مختلفة وصور شتى وطرق في العلاج تتعدد بتعدد أسبابه وأنواعه، وليس حلولًا لجن أو شيطان في جسد المريض كما كان يعتقد الناس من قبل، وكما يعتقد كثيرون منهم حتى اليوم، وهذا هو الخطاب الذي يتفق مع روح العصر، لأنه يتفق مع العلم، أي مع العقل والتجربة» ، «ونحن إذن أمام مصدرين للمعرفة: العقل الذي نفسر به الظواهر، ونتتبع التحولات، وننتقل من السبب إلى النتيجة، يبدو لنا العالم مفهومًا، ونشعر بقدرتنا على التحكم فيه والسيطرة عليه، والنص الذي يعتقد النصوصيون الحرفيون فئران الكتب وحفارو القبور أنه علم سابق على كل علم وأن كل معرفة جديدة صادرة عنه ومتضمنة فيه، فالأسلاف لم يتركوا شيئا للأخلاف، ولا جديد تحت الشمس!» (الأهرام المصرية 23/7/2003م) . ولكن غموض هذا العنوان (تجديد الخطاب الديني) لهذه الدعوة (هدم القيم والثوابت والتصورات الإسلامية واستبدالها) أفادهم فوق التعمية على مقصدهم الحقيقي تورط بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية من علماء أو دعاة في الترويج لها ظنًا منهم أن المقصود هو تجديد الوسائل والأساليب، وهذا التورط أعطى غطاءً مناسبًا لأصحاب الدعوة الأصليين من متبجحي العلمانيين، حتى وإن همش فيما بعد هؤلاء العلماء والدعاة. - تشابه مفردات هذا الخطاب عند الدعاة (البروتستانت) مع القضايا التي أثارها العلمانيون، التي تتفق بدورها مع أهداف مبادرة باول، وقد تمثلت هذه المفردات في: 1 - إعلاء قيمة العقل والمصلحة بمعناهما الوضعي والمادي على النص الشرعي. 2 - تغليب المادي والمشاهد على العاطفي والغيبي. 3 - مسايرة الأحداث والخضوع لها باسم التواكب مع العصر. 4 - غلبة الخطاب الدفاعي والانهزامي بدعوى دفع التهم وخاصة الإرهاب وهضم حقوق الإنسان عن الإسلام، مع التركيز في هذا الخطاب على تناول قضايا المرأة والأسرة، والمرتد وحرية العقيدة. 5 - التأكيد على أهمية الديمقراطية، والمشاركة الشعبية، وإظهار إشراك الفئات المهمشة، وإبراز مكانتها في الإسلام. 6 - (تلطيف) الموقف من الآخر، بإعادة تشكيل بعض المفاهيم ذات العلاقة به (بدءًا من التكفير، ومرورًا بالولاء والبراء، ووصولًا إلى الجهاد) ، مع التأكيد على ضرورة التواصل مع هذا الآخر، وخاصة الغرب. 7 - تحويل الخطاب الديني الإسلامي (الدعوة الإسلامية) إلى مجرد إحدى مفردات وسائل دعم سياسات الدولة المحلية ومواقفها الخارجية. - تشابه بعض الأساليب المتبعة في نشاطات تجديد الخطاب الديني مع الأساليب السياسية الأمريكية في تحويل الاتجاهات والميول، وذلك عن طريق المشاركة في أنشطة ودورات تعقد في أمريكا، والعمل على تذويب الفوارق النفسية والفكرية بين أصحاب الاتجاهات المختلفة خاصة العقائدية بالمخالطة والمعايشة اليومية فيما بينهم: فعلى سبيل المثال: كان أول برنامج ينفذ برعاية مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط برنامجًا بعنوان (النساء كقادة سياسيين: الانتخابات الأمريكية والحملات السياسية) ، وقد جلب البرنامج وفدًا من 55 زعيمة سياسية عربية، ما بين مسؤولات منتخبات ومعينات، ومرشحات لمناصب، وناشطات في الدفاع عن حقوق المرأة، وقادة مجتمعات مدنية، وصحفيات..
إلى الولايات المتحدة؛ لتوفير نظرة متعمقة إلى الانتخابات الأمريكية على المستوى الأساسي، وعرض البرنامج واجهات تنظيمية من الحملات الانتخابية، وفحص أهمية وأساليب تجنيد متطوعين للحملة، واستكشف استراتيجيات فعالة للعلاقات العامة والإعلامية، بالإضافة إلى حضور هذه الفعاليات السياسية النسائية مؤتمرات على مستوى رفيع في واشنطن وتلقيهن تدريبًا على مهارات في الحملات السياسية. ولعلنا لا ننسى أيضًا أسلوب التعايش اليومي بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي أثناء مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي السابق كلينتون. وفي المقابل: يتضمن مشروع خطة تطوير الخطاب الديني في مصر والدول العربية دورات تدريبية مكثفة في القاهرة وواشنطن..
حيث من المقرر أن يلتحق بدورات واشنطن ما بين 500 إلى 600 من الدعاة، وذلك بعد الانتهاء من الدورات التدريبية في مصر..
وفي هذا الإطار كانت وزارة الأوقاف قد انتهت من دورة أخرى لعدد من الدعاة بالاشتراك مع الهيئة الإنجيلية بالقاهرة..
كانت مدتها أكثر من 3 أشهر، حيث تم اختيار الدعاة بدقة متناهية للإقامة في أحد فنادق القاهرة بمشاركة عدد مماثل من القساوسة، وكان نظام الدورة يعتمد على ورش عمل بين الأئمة والقساوسة لإعداد أبحاث علمية في قضايا شتى ثم مناقشتها مع الخبراء والمفكرين الليبراليين؛ وذلك بهدف كسر الحاجز الديني وتغيير الفكرة الذهنية عن الآخر من خلال المشاركة بين القس والخطيب، ومن ثم فإن النتيجة من هذه المشاركة ستكون في صالح الإدارة الأمريكية..
على اعتبار أنها الموجه الرئيسي لهذه الأفكار. ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية فإن مثل هذه الدورات، ومن خلال مشاركة عدد من رجال الدين الكبار الذين يرفضون الإرهاب ولديهم تفسير عقلاني للدين، تسعى لترسيخ مفردات الخطاب الديني الجديد وليس موضوعاته فقط خاصة ما ورد في القرآن أو السنة؛ لأنه وفق رؤيتهم فإن هذه المفردات هي التي تشكل السلوك العام والتفصيلي الذي يلتزم به الأفراد..
(مصطفى سليمان، جريدة الأسبوع، 16/6/2003م) . وتشابه هذه الأساليب لم يأت إلا نتيجة تطبيق دراسات وأبحاث قامت بها مراكز متخصصة؛ بغية الوصول إلى أفضل النتائج حسب الأهداف التي رسموها، وهذا ما يوضحه ريتشارد إيتش سولومون، رئيس المعهد الأمريكي للسلام في مقاله المعنون بـ (المنهج التطبيقي في حل النزاعات) ، حيث يقول: «..
وفي حين نقارب رسالتنا بنفس بعض الطرق التي تتبعها مؤسسات الفكر والرأي التقليدية وغير الحكومية - عبر الأبحاث، والدراسات، وتقديم المنح، والمناسبات العامة، والنشر - إلا أن لدينا أيضًا برامج عملية أكثر تطبيقيةً من تلك التي تقوم بها مؤسسات الفكر والرأي التقليدية.
يحلو لنا كما قلت في البداية وصف أنفسنا بمؤسسة فكر وفعل؛ إذن: ما هو جزء (الفعل) من هذه المعادلة؟ : إنه - إلى حد كبير - التدريب والتعليم، إننا منخرطون في نشاط واسع لتدريب صانعي السلام اليوم ...
هناك مثال حديث عن عمل البرنامج يتمثل في مُقرر تعليمي متفاعل مُدته أسبوعان، قوامه بناء الثقة وتعزيز العمل ضمن فريق عمل أنشئ لما يقرب من 30 قياديًا شابًا في منظمات غير حكومية من صربيا وكوسوفو، وللبرنامج أربعة مكوّنات: مقرر تعليمي مدته نهار كامل يتكون من تحديات متنوعة تُجرى في الهواء الطلق، وتتطلب تخطيطًا مشتركًا وعملًا جماعيًا، ثم هناك يوم ثان للمناقشات والتمارين حول المفاوضات والوساطة، وثلاثة أيام تجري خلالها محاكاة مكثفة بواسطة الكومبيوتر تتعلق بالمفاوضات وصنع السياسة، ويوم حوار مع صانعي السياسة في واشنطن. خلال المحاكاة، يُحَثّ المشاركون في بيئة ضاغطة جدًا، على معالجة مشاكل بلد وهمي يصارع تحديات حقبة ما بعد النزاع، كالتوتر الإثني، والبطالة الواسعة، وتدهور البيئة، ووباء الإيدز ...
وتعمل مبادرة الدين وصنع السلام التابعة لمعهد السلام على تعزيز قدرات المجتمعات القائمة على الإيمان لكي تصبح قوة من أجل السلام، وتنظم المبادرة حوارات ما بين الأديان وورش عمل في البلقان، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة. - ويلاحظ أن هذه الدعوة (التجديدية) التي يلوكها بعض متبجحي العلمانيين لا تنتسب إلى الإسلام وأصوله، بل تدعو إلى طرحه كلية وهدم أسسه، بخلاف بعض الدعوات السابقة التي كانت تحاول أن تمد نسبها إلى أصول شرعية، كتأويل أهل البدع الذي كان وفق أسس تنتمي إلى المرجعية الإسلامية وإن كانت فاسدة، أو كاجتهادات المدرسة الإصلاحية في مطلع القرن الميلادي السابق. - كما أن من الملاحظ ظهور نشاط محموم في البلاد التي ظهرت فيها هذه الدعوة لمطاردة ومحاصرة من يجددون في أساليب (الخطاب الديني) ، مقابل إفساح المجال لمن (يجتهدون) في إعادة تشكيل مضامين هذا الخطاب. * ثم تتوالى السهام: أما أهم الأحداث المرتبطة بحملة (تجديد الخطاب الديني) فيمكن رصدها فيما يأتي، وعلى القارئ أن يقارن بين هذه الأحداث والمخطط المذكور في أول المقال وملامح الحملة المذكرة سابقًا، كما لا يفوته أن الأحداث المذكورة هي مما أمكن معرفته وأتيح ذكره: - أعلنت اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري عن وضع استراتيجية لتطوير الخطاب الديني من خلال دراسة المشكلات التي تواجه هذا الخطاب وتأهيل الدعاة وتطوير المناهج في المعاهد الدينية والكليات الشرعية حتى تواكب متطلبات العصر.
ومن ناحية أخرى شكل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لجنة لوضع أسس وضوابط معاصرة للخطاب الديني يلتزم بها الدعاة داخل مصر وخارجها (البيان الإماراتية، 1/3/2001م) . - وفي صباح الاثنين 5/4/2003م عقد مجلس الشعب المصري جلسة لمناقشة تطوير الخطاب الديني. - وفي يوم الخميس 24/4/2003م أكد وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق في لقائه مع أكثر من 1600 إمام وداعية في محافظة قنا جنوب مصر أهمية تجديد الخطاب الديني، واعتبره حقيقة أصبحت ملحة في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم حاليًا، وأمام حملات التشويه المستمرة على الإسلام، رافضًا ما يتردد حول وجود ضغوط خارجية لتحقيق ذلك الهدف. - وفي يوم 11/6/2003م انتهت أول دورة راقية للأئمة والخطباء في المساجد بحسب وصف وزارة الأوقاف المصرية شارك فيها نحو 50 إمامًا وخطيبًا معظمهم من حملة الماجستير والدكتوراه؛ ليكونوا نواة لجيل جديد من الأئمة المتميزين المتحدثين بلغة الخطاب الديني الجديد، وقد استمرت الدورة 3 أشهر في الإسكندرية بنظام الإعاشة الكاملة للمتدربين. - وفي يوم الخميس 3/7/2003م، عقد بالقاهرة مؤتمر (نحو خطاب ثقافي جديد) ، شارك فيه 150مثقفًا ومفكرًا عربيًا، وقد طالب المثقفون المجتمعون بـ » أفق مجتمعي جديد يضمن حرية الاجتهاد الفكري المسؤول ( ...
)
 الذي يرفض الوصايات التي تحتكر المقدسات القومية والدينية «، واعتبروا أن ذلك» يمر عبر الوصول إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تنتج خطابًا دينيًا متطورًا منفتحًا على العصر يتجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة التي أساءت إلى الإسلام والعرب والمسلمين «، وطالبوا» الدول العربية أن تأخذ موقفًا محايدًا في صراع الأفكار والاجتهادات دون توظيف ديني للسياسة أو توظيف سياسي للدين!! «. وقد برز في مناقشات المؤتمر المطالبة بالتصدي للمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية؛ حتى يمكن إعادة صياغة الخطاب الثقافي ومن ثم المشروع الثقافي المستقبلي، وأهم من عبر عن هذا الاتجاه حلمي شعراوي الذي طالب صراحة بإلغاء مؤسسة الأزهر. كما أجمل وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق سلبيات الخطاب الديني المعاصر بـ:» انفصال عن الواقع، تركيز على الشكليات، تركيز على أمور الآخرة وإغفال أمور الدنيا، التخويف والترهيب، النظرة الدونية إلى المرأة، الانتقاد الداحض لحضارة الغرب مع أننا من صنّاعها، اعتبار التضامن الإسلامي كأنه رفض للآخر «. ولا يسع المقام هنا اقتباس مقتطفات مما باح به بعض متبجحي العلمانيين العرب في هذا المؤتمر الذي نال فيه (تجديد الخطاب الديني) اهتمامًا ملحوظًا، ولكن يمكن القول عمومًا إن ما قاله هؤلاء كان من الخطورة بحيث رفضه واستنكره مثقفون علمانيون آخرون حضروا المؤتمر. - وفي يوم 23/9/2003م نظمت كازاخستان مؤتمرًا للحوار بين الحضارات وأتباع الأديان السماوية، حضرته وفود من معظم دول العالم الإسلامي، وفيه اقترح الدكتور حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري عقد مؤتمر لزعماء الأديان في العالم، يهدف إلى دعم الحوار بين الثقافات، وتأكيد التكامل بين الأديان، والتقارب بين الشعوب، وقد حظي الاقتراح بتأييد دولي، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة من رؤساء الوفود المشاركين في المؤتمر لتنفيذه (الأهرام 15/10/2003م) . * هل ينجحون؟ لا شك أن تحقق ذلك أو عدم تحققه يتوقف على عوامل كثيرة خارجية وداخلية، ولكن ما يعنينا أن في قلوب القوم أماني ساردة تبدو على ألسنتهم وفي كتاباتهم من حين لآخر، كما أن في أذهانهم أهدافًا محددة تشير إليها مخططاتهم وأنشطتهم، ومن غير المبالغ فيه القول إن من أماني أئمتهم: محو القرآن من الوجود، ولعلمهم باستحالة ذلك فإنهم يعملون على تحقيق أهداف يظنون تحقيقها ممكنة، وعلى رأس هذه الأهداف: تحريف المعاني القرآنية، وتفريغ القرآن من أهدافه ورسالته، وإبعاد المسلمين عن تدبر القرآن والعمل به، أي إنهم يريدون أن يتحول القرآن إلى حبر على ورق كما يقولون، والله من ورائهم محيط. وحتى لا نخدع أنفسنا فإنه يجب التنبه إلى أن تحقيقهم لهذه الأهداف أو بعضها في عالم الواقع ليس مستحيلًا شرعًا أو عقلًا؛ فالله عز وجل تعهد بحفظ الذكر، ولكنه لم يتعهد بحفظ معانيه في عقول المسلمين وقلوبهم، ومسيرة الانحراف في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما مسيرة قديمة، حقق فيها أعداء الإسلام نجاحات لا يستهان بها، ومن هنا يمكن القول: إن المعوَّل عليه في الحفاظ على هذه المعاني من التحريف والتبديل وتطبيقها في واقع المسلمين في أي وقت وأي مكان: هو ما يقوم به أهل الحق أنفسهم بحسب جهدهم ووفق سنن التغيير التي تسير بها حركة المجتمعات، وليس وفق الأماني والنيات. وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عندما قال: » ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر: أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه: وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به. وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب والسنة، بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأماني التي هي مجرد التلاوة، ومعرفة ظاهر من القول هو غاية الدين، ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار مع علم أولئك [المحرفين] بما لم يعلمه الأميون، فإما أن تضل الطائفتان ويصير كلام هؤلاء [الأميين] فتنة على أولئك [المحرفين] ؛ حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين ويصيرون في طرفي النقيض، وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل، إلا أن هذا الدين محفوظ؛ كما قال تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: 9) ، ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق، فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقًا؛ لما ينطق الله به القائمين بحجة الله وبيناته الذين يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنوره أهل العمى؛ فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته « [4] . فالفيصل في المحافظة على المعاني والقيم والتصورات الإسلامية صحيحة في عقول المسلمين وقلوبهم وحياتهم هو مدى تحقيق أهل الحق لسنة التدافع مع الأطراف الأخرى، وهذا يتطلب يقظة وجهدًا ونشاطًا وعملًا دؤوبًا ومنظمًا من جميع الأفراد. والذي أراه أن الظرف الذي تمر به الأمة يتطلب فوق اليقظة والنشاط حلولًا غير تقليدية لاستنفار جموع الأمة واستخراج القوى الكامنة في قطاعاتها الشعبية، بعد أن رفعت معظم الأنظمة جميع الرايات البيضاء التي في حوزتها، حتى إنهم رفعوا أخيرًا ما كانوا يسترون به عوراتهم أمام شعوبهم. نسأل الله عز وجل أن ينصر دينه ويعلي كلمته. __________ 

(1) د / محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، ص 45 - 46. 

(2) السابق، ص 133 - 134. 

(3) راجع إن شئت مداخلة الكاتب على هذه الوثيقة، في مجلة البيان، العددين: 175 - 176. 

(4) مجموع الفتاوى، ج 25، ص 130 - 131، وانظر: ج 17، ص 442 - 444.