الثلاثاء، 3 فبراير 2026

عقيدتنا في الصراع العالمي

عقيدتنا في الصراع العالمي

  
كاتب وباحث في الشئون الإسلامية

أطول الحروب على ممر التاريخ هي الحرب على فهم المفردات اللغوية باعتبارها الوعاء المعبر عن الألوهية والربوبية والرسالة والاصطفاء والمهمة الحصرية بكل رسول أو نبي أو اتباع له في محيط الرسالة أو المحيط العالمي كما جاء في الرسالة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

إن مواطن تنزيل المفردات على الأعيان على ممر التاريخ وما نتج عنها من الانتقال الى مفردة الولاء وما فيه من تعاون ونصرة أو العداء وما فيه من خصومة ونزاع أو تعايش وفقا لمحددات الإدراك لحقيقة الدين كمفردة جامعة فيصل بين الحق كغاية أو الباطل كقاعدة بناء الخصومة الدينية وفقا لمفردات العقيدة التي نزلت من السماء ومفردات الفهم الذي تربت عليه العقول على الأرض.

الذين ينشدون السلام في الواقع العالمي قبل تحرير مفردات التوحيد الذي هو مراد الله من الخلق كافة إنما ينشدون وهما لم ولن يصلوا إليه مهما امتلكت أبواق التدليس منصات إعلامية فإن قدر التدافع بين الحق الشامل والباطل الجامع قائم فإن لم يرفع المسلمون له راية كانت السنن الربانية الحاكمة دافعة للجميع نحو متوالية الانقسام والتدافع الداخلي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا باصطفاف الجماهير إلى فسطاطين أحدهما ايمان لا شك فيه واخر جاهلية لا حق فيها.

إن غربان البيت الأبيض ووكلاء الجاهلية الصينية والأوروبية والروسية والإيرانية ما هم إلا ادوات في جاهلية إبليس التي وضع عرشها على الماء في صبيحة كل يوم من أجل غاية محددة وهي الحرب العالمية على اربعه اهداف حصرية الاسلام والسنة والصحابة والأمة وجعلوا لكل مفردة منها جيوش من الخصوم خارج الأمة أو من داخلها عن طريق عملاء الطابور الخامس المدمر للعقل والفطرة.

الساعون نحو السلام العالمي واهمون ويزداد وهمهم حسب طبيعة تغيير معالم الحق في نفوسهم لذا وجب على نخب الحركة الإسلامية وعموم الأمة العربية والإسلامية أن تعيد ترتيب أولويات العمل في الواقع بعيدا عن المعارك الاستهلاكية مع النظم القائمة فإن المحافظة على المكتسبات ولو قليلة درب من دروب الإصلاح التي تنشده الأمة من قرون لأن محاولة جعل المعركة صفرية مع من نختلف معهم خلاف تنوع لن تكون إلا إعادة إنتاج من نختلف معهم خلاف تضاد نقطة ومن اول السطر.

إن محاولة التفريق بين الجاهلية الأمريكية والجاهلية الإيرانية الوثنية درب من دروب حروب المكر على تغيير معالم الحق والإسلام لأن الكيان الإيراني ليس مجرد كيان بدعي مخالف للإسلام بل هو كيان شيطاني يجمع كل صور الكفر والإلحاد والضلال الذي جاء به ابن سبأ اليهودي وإسماعيل الصفوي الرافضي والخميني المجوسي والخامنئي شيطان قم المدنسة وما نتج عنهم من عصابات إرهابية قتلت ملايين المسلمين في العراق والشام ولبنان واليمن وكل بلاد المسلمين.

لسنا مضطرين أن نختار أو نسقط بين سكاكين حروب الطغاة والبغاة المجرمين.

غاية أهل الإسلام صيانة الإسلام والسنة والصحابة رضوان الله عليهم والأمة بجغرافياتها الشاملة من عصابات التفكيك لخدمة بني صهيون او الرافضة اليهود في أصل ملتهم وفروع جاهليتهم..

إن حراسة دول العالم العربي والإسلامي السنية وفي القلب منها مصر والشام والعراق السني المختل وبلاد الحرمين واليمن وتركيا والباكستان وعموم الأقطار من فاشية التدمير الصهيوني والصليبي والايراني الرافضي أمر لا خيار فيه عند عاقل أو مدرك لحقيقة الصراع ودوافعه المدمرة لابتلاع فلسطين المقدسة والتي تعتبر بوصلة الولاء والبراء للأمة العربية والإسلامية.

القاديانية الخليجية ‏وتوحيد الحاكمية (١٧ - ٢٠)

القاديانية الخليجية ‏وتوحيد الحاكمية (١٧ - ٢٠)

بقلم: أ.د. حاكم المطيري


‏نعى القرآن على أهل الكتاب من اليهود والنصارى تركهم الحكم بما أنزل الله واستبدال غيره به، وحكم الله عليهم لذلك بأنهم كافرون ظالمون فاسقون فقال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ۝ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس… ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ۝ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم.. وآتيناه الإنجيل.. ۝ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٤-٤٧]

‏ثم خاطب الله رسوله ﷺ فقال: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق … ۝ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون ۝ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٤٨-٥٠]

‏وجعل الله من توحيده وعدم الإشراك به الحكم بوحيه وشرعه ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠]، ﴿ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا﴾ [الكهف: ٢٦].

‏وجعل طاعة غيره من دونه شركا به، فقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١].

‏وعدّ طاعة اليهود والنصارى لأحبارهم ورهبانهم في غير طاعة الله من اتخاذهم أربابا وآلهة من دون الله ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: ٣١].

‏قال عدي بن حاتم الطائي حين سمع هذه الآية وكان نصرانيا فأسلم (قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى! قال: فتلك عبادتهم).

‏وجعل الله الغاية من إرسال رسله وإنزال كتبه طاعته وطاعة رسله ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ [النساء: ٦٤].

‏ومع وضوح قضية الحاكمية في القرآن وضوح الشمس في رائعة النهار، ووجوب توحيد الله في حكمه، وعدم الإشراك به في طاعته، كوجوب توحيده في عبادته، إلا أن "القاديانية الخليجية" -وقبلها المصرية والهندية- قد جعلت منها قضية فرعية! وزادت الخليجية أن جعلت من التوحيد والسنة طاعة من وصفهم الله بنص هذه الآيات بأنهم "مشركون" "كافرون" "ظالمون" "فاسقون" وجعلتهم ولاة أمر تجب طاعتهم!

‏واتخذت من يدعو إلى طاعتهم ويوجبها أئمة في الدين كما اتخذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله!

‏ورمت من أنكر عليهم بالبدعة!

‏وقد قال ابن تيمية فيهم: (وكل من اتخذ شيخا أو عالما متبوعا في كل ما يقوله ويفعله، يوالي على موافقته ويعادي على مخالفته غير رسول الله ﷺ فهو مبتدع ضال خارج عن الكتاب والسنة، سواء كان من أهل العلم والدين، كالمشايخ والعلماء، أو كان من أهل الحرب والديوان كالملوك والوزراء. بل الواجب على جميع الأمة طاعة الله ورسوله، وموالاة المؤمنين على قدر إيمانهم، ومعاداة الكافرين على قدر كفرهم، كما قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.}.. فإن أهل السنة والجماعة يجعلون رسول الله ﷺ هو الإمام المطلق، الذي يتبعونه في كل شيء، ويوالون من والاه ويعادون من عاداه. ويجعلون كتاب الله هو الكلام الذي يتبعونه كله ويصدقون خبره كله، ويطيعون أمره كله. ويجعلون خير الهدي والطريق والسنن والمناهج هي سنة رسول اللهﷺ . وأما أهل البدعة فينصبون لهم إماما يتبعونه، أو طريقا يسلكونه، يوالون عليه ويعادون عليه، وإن كان فيه ما يخالف السنة، حتى يوالوا من وافقهم مع بعده عن السنة، ويعادون من خالفهم مع قربه من السنة).

‏فتأثرت القاديانية الخليجية خاصة، والعربية عامة، خطى اليهود والنصارى، وحذت حذوهما، واتبعت سننهما، كما أخبر النبي ﷺ وحذر: (لتتبعن سنن من قبلكم - اليهود والنصارى - شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)!

‏فلم تترك القاديانية سنة من سنن اليهود والنصارى وأمم الجاهلية إلا وأخذت بها، ودعت إليها، ونبذت وراءها قطعيات الكتاب ظهريا بالإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه تارة، بالتأويل تارة، والتعطيل تارة، كما نعاه القرآن على أهل الكتاب ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾، وتأويل القرآن واتباع ما تشابه، ورد محكماته ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾!


المصدر أ.د. حاكم المطيري

إبستين ونهاية أمريكا

 إبستين ونهاية أمريكا

د. خليل العناني

أستاذ العلوم السياسية

تكشف وثائق إبستين أننا لسنا أمام شخص منحرف أخلاقيا وإنسانيا فحسب، بل أمام بنية نفوذ عميقة على المستوى العالمي، جرى بناؤها بعناية ودهاء على مدى أكثر من ثلاثة عقود. حجم الشبكة التي كُشفت، وتشابك علاقاتها، وطبيعة أدوارها، تجعل كثيرا مما وصف سابقا بـ«نظريات المؤامرة» يبدو أقرب إلى التبسيط الساذج إذا ما قورن بالوقائع الموثقة.



لم يكن إبستين سوى واجهة قذرة لواحدة من أخطر عمليات اختراق الأمن القومي في تاريخ الولايات المتحدة، وربما العالم. لم يكن منحرفا معزولا، بل عقدة مركزية في شبكة معقدة من النفوذ والابتزاز وتشابك المصالح، تلتقي عندها خيوط المال والسياسة والاستخبارات، وتدار بمنطق يتجاوز حدود الدول والقوانين.

لو وجدت عدالة حقيقية، لخضع للمساءلة هو وكل من تواطأ معه، أو استفاد من شبكته، أو وفر له الحماية بالصمت أو النفوذ، وفي مقدمتهم شخصيات سياسية بارزة ارتبط اسمها بهذا الملف، وعلى رأسهم دونالد ترامب ولوجهت لهم تهمة الخيانة العظمي.

لكن ما جرى فعليا حتى الان عكس ذلك: حماية للمتورطين، وطمس للحقائق، وتفريغ متعمد للقضايا من مضمونها، وتحويل أخطر فضيحة معاصرة إلى ضجيج إعلامي بلا تبعات قانونية أو سياسية.

ولو مرت هذه القضية دون حساب أو عقاب فستكتب نهاية أمريكا ونموذجها السياسي.

مجتمعات الصمت

آخر كلام       

مجتمعات الصمت 


حسن العيسى 

تخيل أن تشاهد حريقاً يلتهم منزل جارك، ولا يحق لك أن تستغيث أو تحذّر ساكنيه. بل إن مجرد الصراخ قد يعرّضك للمساءلة والعقاب. 

في هذا المشهد العبثي تتجسد ملامح واقع عربي مألوف: 

الكلام جريمة ما لم يُمنح الإذن من السلطة، والتحذير خطر، والرأي المستقل تهمة. 

في هذا الواقع، تغيب حريات الضمير بالكامل، وتُختزل علاقة الشعوب بالأنظمة في واجب الطاعة. السلطة تقرر وتدبّر وتحتكر تعريف الصالح والطالح، في وقت يُطلب من المجتمع أن يصفّق أو يصمت. 

ليست حرية التعبير هنا ترفاً سياسياً أو شعاراً ديموقراطياً، بل هي حجر الأساس لكل الحريات، وشرط لا غنى عنه للنمو والتقدم، فالناس لا يكونون أحراراً ما لم يُسمح لهم بأن يقولوا ما في ضمائرهم، والعقول تضيق وتذبل حين تُغلق في وجهها أبواب التعبير. 

في عالم عربي مختنق بتصريحات المسؤولين 

واستعراضاتهم، وبصورهم التي تقفز في وجوه الناس مع كل نشرة خبر وكل صفحة صحيفة، يعيش الواعون من البشر - من مثقفين وكتّاب ومفكرين - على الهامش. هؤلاء الذين يرفضون لعب دور «ترزية الأنظمة» إما يقبعون في سجون حقيقية لأنهم خالفوا تعليمات السلطة، أو يُزَجّ بهم في زنازين فكرية لا تقل قسوة، حيث يُسمح لهم بالحياة دون صوت. 

يبقى السؤال معلقاً: لماذا هذا الخوف المرضي من الرأي الآخر؟ ولماذا يُلاحق كلام عادي لا يحرض ولا يشتم ولا يقذف، فقط لأنه مختلف؟ لماذا لا يُسمع الرأي المخالف، ولا يُترك ليكتب ويتحدث دون أن تُسلَّط عليه سيوف القوانين والسجون؟ 

تلك القوانين التي لا تمثل إرادة الشعوب، بل تُصاغ كأدوات عبودية، يفرضها نظام يتعامل مع شعبه بصفته وصياً عليه. إن العبودية العقلية أخطر ما يمكن أن يواجه مستقبل أي دولة، فهي حين تُشيَّد على أسس مجتمعات الطاعة، تمحو الذات الإنسانية، وتزرع الخوف الدائم من الأجهزة الأمنية والرقابية. 

في مثل هذا المناخ، لا تزدهر الأفكار ولا تتقدم المجتمعات. 

وقد كتب جورج أورويل عن عوالم القمع في 1984 ومزرعة الحيوان، لكن من المفارقة أنه لم يعش واقعنا العربي المختنق، ولو كان عربياً ربما لم يُتح له أن يكتب أصلاً، وربما عُرف باسم آخر: أورويل الأخرس.


 المصدر

محمد جلال كشك: مسار التحوّل الفكري وإسهاماته في الدفاع عن الهوية الإسلامية

   محمد جلال كشك: مسار التحوّل الفكري           وإسهاماته في الدفاع عن الهوية الإسلامية 

 أسامةعبد الرحيم  

 محمد جلال كشك


 كان مشروع كشك هو الخروج من “التبعية الفكرية” التي تجذّرت في العقل العربي، ورأى أن الأزمة ليست في الاحتلال العسكري فقط، بل في الاحتلال الثقافي الذي يتجلى في المناهج والتعليم      والصحافة. لذلك جاءت كتاباته أشبه بمشاريع تحرير معرفي      

تحلّ ذكرى وفاة المفكر الإسلامي الكبير محمد جلال كشك لتعيد إلى المشهد الفكري العربي واحدًا من أكثر العقول إثارة للجدل والتأثير في النصف الثاني من القرن العشرين. كاتبٌ بدأ رحلته شيوعيًا، ثم ما لبث أن خاض رحلة عقلية شاقة انتهت به واقفًا على الهواء مباشرة يدافع عن النبي ﷺ في مناظرة شهيرة أمام نصر حامد أبو زيد؛ فكانت تلك اللحظة آخر أنفاسه في الدنيا. 


وفي عالمٍ سيطرت عليه النخب الرسمية الموجّهة، بقي جلال كشك صوتًا خارج السرب؛ موسوعيًا في تحليله، ساخرًا في أسلوبه، وصاحب قدرة نادرة على تفكيك الروايات المزيّفة التي سادت التاريخ والسياسة والهوية.


لم يشفع له جهده الهائل ولا موسوعيته الواسعة في أن يتبوأ مكانة إعلامية تليق به؛ فالرجل – كما يقول بعض تلامذته – “لو لم يكن عدوًا للطغيان، لكان في المقام الذي جلس فيه هيكل نفسه”. لكن جلال كشك اختار طريقًا آخر: الكلمة الحرة.


إن استعادة سيرته ليست مجرد احتفاءٍ بمفكرٍ راحل، بل هي عودة لقراءة مشروع فكري كامل ما زال يضيء الوعي العربي، وما زالت كتبه – رغم مرور العقود – تحفر أثرها في طلبة العلوم الشرعية والباحثين في قضايا الهوية والنهضة.


التحوّل الفكري الكبير – من الشيوعية إلى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم :


بدأ محمد جلال كشك حياته شابًا يساريًا، بل ومنخرطًا في تأسيس التيار الماركسي المصري الذي ازدهر في الأربعينيات والخمسينيات. كانت تلك مرحلة تشكّل عقلي وفكري، اجتهد فيها في قراءة الأدبيات الشيوعية وتحليل الواقع الاجتماعي، وظل لسنوات جزءًا من البيئة اليسارية التي حملت شعارات العدالة الاجتماعية والصراع الطبقي. لكن تجربة كشك اليسارية لم تكن إيمانًا أعمى، بل كانت محطة أسئلة، وقطار شكّ توقف أكثر مما اندفع. ومع احتكاكه بالواقع وبالنصوص، ومع تكرار الصدام بين المثاليات الماركسية والحقائق التاريخية، بدأ الشرخ داخل وجدانه يتسع، وبدأت رحلته في مراجعة الأفكار التي تربّى عليها.


مع منتصف الستينيات، انفجرت تلك المراجعات في سلسلة مقالات نقدية عنيفة وجريئة، أثارت غضب الاتحاد السوفيتي نفسه، حتى ردت عليه صحيفة “البرافدا” متهمة الدولة المصرية بالإساءة إلى موسكو لأنها سمحت لكاتبٍ مثله بالنشر. 

كان الرد السوفيتي كافيًا ليُغضب السلطة في مصر؛ فأصدر جمال عبد الناصر قرارًا بإيقافه عن الكتابة والعمل نهائيًا لثلاث سنوات كاملة. 


ذلك الإبعاد القسري كان منعطفًا مهمًا؛ إذ وجد كشك نفسه – لأول مرة – أمام مساحة واسعة لمراجعة كل شيء: 

التاريخ، الفلسفة، الأيديولوجيا، والإنسان ذاته.


امتاز كشك بأسلوب شديد الحيوية، يجمع بين العمق والسخرية والغضب الشريف، ويمتلك قدرة نادرة على تحويل القضايا المعقدة إلى نصّ جذاب يفتح أسئلة لا تنتهي. ولذلك كان تأثير كتبه – بشهادة قرّائه – تحولًا في حياة الكثيرين


بعد النكسة، عاد إلى الصحافة لفترة، لكنه ما لبث أن هاجر إلى بيروت، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته تخلّلها البحث المكثّف في التراث والهوية. 

ومع مطلع الثمانينيات، اكتملت الرحلة: تحوّل كشك بالكامل إلى المشروع الإسلامي، لا كعاطفة، بل كقناعة معرفية وفلسفية بأن الإسلام هو الإطار الحضاري الوحيد القادر على نهضة الأمة. 


ومن هنا صار أحد أبرز الأصوات المدافعة عن الإسلام أمام حملات التغريب، حتى كانت وفاته نفسها – في مناظرة علنية – وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتكتمل الرحلة التي بدأت بالشيوعية وتنتهي على مشارف الجنة.

الصدام مع الطغيان وتجاهل المؤسسة الرسمية:

من يتأمل مسيرة محمد جلال كشك يدرك أن الرجل لم يكن مجرد كاتب؛ بل كان منافحا عن الحرية، ما جعله دائمًا في حالة صدام مفتوح مع النخب الرسمية. 

لم يكن يقبل الترويض، ولم يخضع لإغراءات الإعلام، ولم ينحنِ لسطوة الخطاب الرسمي. 


وكان صدامه الأول مع نظام عبد الناصر الذي حظر كتاباته وأوقفه عن العمل بالكامل ثلاث سنوات بسبب نقده العنيف للماركسية والسوفييت في وقت كانت فيه القاهرة حليفًا لموسكو. ثم عاد الصدام في عصر السادات، حيث اضطر إلى الهجرة إلى بيروت بسبب التضييق والملاحقة.


أما المؤسسة الثقافية العربية، فقد تجاهلته عمدًا؛ لأن مشروعه كان يقوّض الأساطير المؤسسة التي بُنيت عليها شرعيات سياسية وإعلامية كاملة. 

كان يفضح الأكاذيب ويدحض الروايات الرسمية عن “ثورة يوليو”، ويكشف تناقضات محمد حسنين هيكل، ويعرّي الأساطير القومية التي احتكرت المشهد الثقافي لسنوات. 


ولذلك كان مكروهًا من القوميين والناصريين، ومطارَدًا من المتأمركين، ومرفوضًا من التيار الطائفي الذي رأى في كتابه “ودخلت الخيل الأزهر” فضحًا تاريخيًا غير مرغوب فيه.


لم يكن محمد جلال كشك جزءًا من “نظام الجوائز” ولا من “منظومة الصفقات” التي تصنع نجومية كتّاب بعينهم. ولذلك بقي خارج المشهد الإعلامي الرسمي، رغم أنه – باعتراف خصومه – كان أحد أكثر الكتاب إحاطة بالتاريخ السياسي الحديث، وأشدهم جرأة، وأكثرهم صدقًا في المواجهة.


إن تجاهل المؤسسة الرسمية له لا يعبّر عن قيمته، بل يعكس حجم ما كان يمثله من تهديد لنظام كامل تأسس على التزييف. وربما لهذا قال أحد الباحثين: “لو لم يكن كشك عدوًا للطغيان، لزُحزح هيكل، ووُضع جلال كشك مكانه”.


مشروعه الفكري وموسوعته النقدية:

ترك محمد جلال كشك أحد أعظم المشاريع النقدية في الفكر العربي المعاصر. فقد امتاز بجرأة التحقيق وسعة الاطلاع، وبقدرته على ربط التاريخ بالسياسة، والواقع بالهوية. ومن بين أهم كتبه التي أحدثت أثرًا بالغًا:

ودخلت الخيل الأزهر

أهم موسوعة حديثة في توثيق الغزو الفرنسي لمصر، كشف فيها الدور الحقيقي لـ"المعلم يعقوب" والفيلق القبطي الذي حارب مع الاحتلال الفرنسي، وفضح تزييف بعض المستشرقين والمثقفين المصريين لهذا الحدث. هذا الكتاب وحده كان كفيلًا بأن يضعه في صدام دائم مع الطائفيين والمتغربين وخصوم الهوية الإسلامية.


. كلمتي للمغفلين وثورة يوليو الأمريكية


في هذين الكتابين قدّم أقوى نقد تاريخي موثّق لعبد الناصر، مستندًا إلى وثائق الـCIA واللقاءات السرية، وكشف حجم التدخل الأمريكي في انقلاب الضباط. هذه الكتب كانت بمثابة “زلزال فكري” هدم الرواية القومية التي غذّتها ماكينة الدعاية الناصرية.

. أعماله في “الغزو الفكري”

قدّم رؤية تحليلية غير مسبوقة عن تغلغل التيارات التغريبية، فجاءت كتبه:


القومية والغزو الفكري – النكسة والغزو الفكري – الناصريون قادمون – جهالات عصر التنوير – ألا في الفتنة سقطوا…

هذه الكتب شكّلت منظومة فكرية متكاملة في نقد التبعية والاستلاب الثقافي.

امتاز كشك بأسلوب شديد الحيوية، يجمع بين العمق والسخرية والغضب الشريف، ويمتلك قدرة نادرة على تحويل القضايا المعقدة إلى نصّ جذاب يفتح أسئلة لا تنتهي. ولذلك كان تأثير كتبه – بشهادة قرّائه – تحولًا في حياة الكثيرين، لا مجرد قراءة عابرة.


قراءته للتاريخ المصري والعثماني:

تميزت قراءة جلال كشك للتاريخ بخصيصة جوهرية: إعادة الاعتبار للحقيقة بعد عقود من التزييف السياسي والأيديولوجي. كان يرى أن التاريخ – كما قُدّم للأجيال – “مطبخٌ من الأكاذيب” صاغه القوميون والمستشرقون واليسار المتغرب. ولذلك بنى مشروعه على إعادة قراءة التاريخ المصري والعثماني من منظورٍ تحليلي لا يخضع للدعاية ولا للعاطفة.

في التاريخ المصري، كشف في كتبه ومقالاته كيف أُعيد إنتاج صورة الاحتلال الفرنسي باعتباره “ثورة حضارية”، بينما هو في الحقيقة حملة عسكرية مدمّرة حظيت بدعم داخلي من وكلاء محليين. وفي التاريخ العثماني، رفض الرواية التي تقدّم الدولة العثمانية كقيدٍ على مصر، وأعاد تقييم دورها في حماية المنطقة من الاستعمار الأوروبي.


كما درس كشك ظاهرة “التبعية الفكرية” التي تجذّرت في العقل العربي، ورأى أن الأزمة ليست في الاحتلال العسكري فقط، بل في الاحتلال الثقافي الذي يتجلى في المناهج والتعليم والصحافة. لذلك جاءت كتاباته أشبه بمشاريع تحرير معرفي، تفكك الرواية الغربية وتعيد العقل العربي إلى جذوره الحضارية.

كانت قدرته على المقارنة بين النصوص العربية والإنجليزية – كما فعل مع محمد حسنين هيكل – مثالًا لصرامته العلمية. كان يقارن بدقة مذهلة بين طبعتين من الكتاب الواحد ليفضح التناقضات والأكاذيب، في جهد يدل على صبرٍ نادر وعقل تحليلي حاد.

بهذه المنهجية، وضع جلال كشك نفسه في مرتبة الفيلسوف المؤرخ، لا مجرد الكاتب الصحفي؛ لأنه أعاد تأسيس الوعي التاريخي على أسس موضوعية وإسلامية في آن.

إرثه في الوعي العربي وسبب حضوره المتجدد:

رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، ما زال محمد جلال كشك حاضرًا بقوة في الوعي العربي؛ ليس فقط بسبب كتبه الجريئة، بل لأن مشروعه الفكري ما زال يناسب الأسئلة التي تطرحها الأمة اليوم: الهوية، التاريخ، التغريب، والسيادة الفكرية.

كتبُه تُقرأ اليوم أكثر مما قُرئت في حياته، لأن كثيرًا من القضايا التي حذّر منها – مثل التبعية الثقافية، وتزييف التاريخ، وسيطرة النخب المتغربة – أصبحت ظواهر مكشوفة لا يمكن تجاهلها. 

كما أن ظاهرة “العودة للهوية” التي يشهدها جيل الشباب أعادت إحياء رموز فكرية امتلكت رؤية نقدية صارمة وهوية صلبة، وجلال كشك كان رأس هؤلاء جميعًا.

إضافة إلى ذلك، فإن رحلته التحولية – من اليسار إلى الإسلام – تمثل نموذجًا ملهمًا لآلاف الباحثين الذين رأوا في تجربته مثالًا على قدرة الإنسان على تجاوز الأيديولوجيات نحو الحقيقة. ولعل لحظة وفاته نفسها – وهو يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم – صارت رمزًا ومشهدًا خالداً في الذاكرة الإسلامية؛ إذ ختم حياته على أكمل ما يحب المؤمن ويُشتهى.

إن استعادة إرث جلال كشك اليوم ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة معرفية. فالرجل ترك مشروعًا يحتاج إلى باحثين يجمعونه ويفهرسونه وينشرونه للأجيال. وقد قال عنه بعض المفكرين: “لم يظهر في القرن العشرين قلم إسلامي مثل قلم محمد جلال كشك؛ موسوعي، جريء، ساخر، لا يساوم، ولا يخشى في الحق لومة لائم”.


كلمتي للمغفلين
ثلاثون سنة على رحيل ضيفي على الهواء
ألا في الفتنة سقطوا
ثورة يوليو الأمريكية




 

الاثنين، 2 فبراير 2026

استخرج الفاعل من حرب السودان إلى تقسيم الصومال

 استخرج الفاعل من حرب السودان إلى تقسيم الصومال

د. محمد الصغير

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


مشاريع التقسيم أصبحت واقعاً على الأرض، وبدأت ملامحها تتشكل في بعض الأقطار، بل أغرى نجاح بعضها إلى استنساخ صورة منها في بلاد أخرى، كما في حالة اللواء خليفة حفتر في ليبيا، الذي أصبح شريكاً وطريقاً لاستنساخ تجربته في السودان، ولعلنا نتفهم ولع كبار الضباط بالسلطة، وحرصهم على الوصول إلى سدة الحكم، لا سيما وهم يرون أن مجرد الخلفية العسكرية يكفي كمؤهل سائغ للرئاسة، ولكن في حالة حميدتي الذي بلا خلفية، إلا ما لبسه من بزة عسكرية مزورة، لا يسندها تعليم أو تدريب، إلا ما كان في بيع الإبل وقطع الطريق، فمن الذي فتح عينه ومناه بسلخ دارفور وحكمها؟

ينبغي أن تكون نظرتنا إلى مشاريع التمرد والانفصال نظرة واحدة، وأن نجاحها في مكان سيصب حتماً في مصلحة بقية المشاريع، ولا نحتاج في إثبات ذلك إلى إقناع أو تدليل، لأن الهدف من وراء التقسيم جلي واضح، كما أن الجهات الداعمة تجاوزت مرحلة التخفي والإدارة من وراء ستار، إلى الظهور العلني والوضوح إلى درجة الفضوح.

أصبح من المسلمات الواضحات أن حرب السودان تسعرها الإمارات، وأن حميدتي وإخوانه ليس لهم من الأمر إلا تنفيذ التعليمات، والحفاظ على صورة أن الخلاف اقتتال داخلي بين السودانيين، والواقع أن طبيعة الشعب السوداني وتركيبة مجتمعه، لا يمكن أن تقبل بصورة هذا النموذج، لذا كانت عامة المليشيات من فيالق المرتزقة، التي تؤجرها الدول، أو تستثمر فيها شركات المافيا العابرة للقارات، وقد أعلن رئيس كولومبيا على وسائل الإعلام أسفه على استخدام بعض أبناء شعبه كمرتزقة في حرب السودان، وإلا فمن أين لحميدتي بتكلفة هذه الحرب المستعرة على مدار عامين كاملين، ورواتب قوافل المرتزقة المتدفقة من كل صوب وحدب، وإذا كان لديه من مخزون بيع الذهب المسروق ما يؤمن له ذلك، فمن أين جاء بطواقم تسيير المسيرات وإدارة الرادارات، وقد فشل قبل الحرب في إتمام الشهادة الابتدائية !

إن الدعم السخي الذي تقدمه أبوظبي لعصابة حميدتي جعلت من مليشياته اسماً على مسمى: “الدعم السريع”، ورأيناها تمثله في الرباعية الدولية وتتحدث نيابة عنه، واكتملت صورة المشروع بصورة متسارعة وخطوات متتابعة، من خلال زعزعة استقرار حضرموت في اليمن، ودعم مشاريع الانفصال هناك، ثم جاء القرار الذي قطع جهيزة كل خطيب، وأزاح ورقة التوت عن سوأة التخادم مع إسرائيل وأنها تلعب دور الكفيل، بإعلانها الاعتراف بانفصال إقليم صومالاند عن دولة الصومال، وهو أول اعتراف من نوعه، وكان القشة التي ألهبت ظهر البعير، وكشفت اللثام عن بشاعة المخطط الحقير، وسارعت الدول العربية بإصدار بيان موحد، تستنكر فيه هذه الخطوة الصهيونية، وكذلك فعلت بعض الدول الإسلامية، ولم يخرق الإجماع العربي إلا أبوظبي ومن يدور في فلكها من الدول التي يصدق فيها قول الشاعر :

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ** ولا يستأمرون وهم شهود

وليس بعيداً عن هذا كله ما يحدث من حديث الصهاينة العلني باسم الدروز في سوريا، وإمدادهم بما يساعدهم على دعوى الانفصال التي يقودها الهجري، وأصبح من توضيح الواضحات بيان أن هذه المشاريع خطوات ممهدة لما يسعى “نتن ياهو” إلى تحقيقه فيما يسمونه: “إسرائيل الكبرى”، ولو نظرت إلى هذه النقاط على الخريطة ستجد أنها بعيداً عن مقصد التقسيم والتفتيت، ستجد فيها صورة الحصار والتضييق على نقاط القوة الكبرى في الأمة: مصر والسعودية وتركيا، واستهداف مصر مضاعف وأكثر من غيرها، فهي الجائزة الكبرى ومن نيلها يبدأ حلم الصهاينة المزعوم، حيث أصبحت بين تمرد حفتر في ليبيا، ومليشيات حميدتي في السودان، وعصابة أبو شباب عملاء الاحتلال في غزة، ثم جاءت الضربة الأخيرة في عمقها الأفريقي حيث أرض الصومال.

ومما يحسب لرجال المقاومة في غزة أنهم طبقوا سنة غزوة الأحزاب، وكروا مبكراً لاستئصال خيانة بني قريظة، بقطع رأس الفتنة واستهداف ياسر أبو شباب، مما ألقى الرعب في نفوس بقية الشباب!

ظهرت في الأيام الأخيرة تصريحات مصرية تدل على استفاقة متأخرة بشأن حرب السودان، وهي لا شك خير من استمرار الغيبوبة، فإن نار الحرب ليست في دولة جوار، وإنما في عمق داري، ووصلت إلى أكمامي وذيل أثوابي.

حجم الجرائم التي وقعت في السودان في العامين الماضيين، أكبر من جرائم حقبة الاحتلال والاستعمار، فلم يكتب تاريخ بلادنا عن قتل مليون شخص وتهجير عشرة ملايين إلا في حقبة بشار وحلفائه، ويبدو أن حميدتي وحلفائه يتطلعون إلى تحطيم أرقام جزار الشام، وتصدر قائمة جرائم الحرب والإبادة الجماعية، التي لم تتخذ الدول العربية أي خطوات جادة لإيقافها، حتى أصبحت السودان على أبواب أندلس جديد، يقال بعدها: كان هنا سودان.

فهل تتسع دائرة الإفاقة العربية، وتتلاقى الجهود لاستنقاذ البلد الكبير من شبح التقسيم، ويحدث الدعم اللائق من الأشقاء لجيش السودان وحكومته.