‏إظهار الرسائل ذات التسميات بروتوكولات حكماء العرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بروتوكولات حكماء العرب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2015

بروتوكولات حكماء العرب 12

بروتوكولات حكماء العرب
-12-
لبيك اللهم لبيك.."1"


دكتور محمد عباس

في الكعبة

لبيك اللهم لبيك..لا شريك لك..

***
كنا قد أحرمنا من الميقات..
كانت ركبتي ما تزال تؤلمني.. وكان الإخوة يساعدونني..

وفي أحد الاستراحات في الطريق كنا نتناول طعامنا.. هش لنا صاحب المطعم.. كان مضيافا..اهتم بنا كثيرا.. والغريب أنه اهتم بي على وجه الخصوص.. أما أنا فقد كنت مترقبا.. ففي أي لحظة يمكن أن يرسل لي المرسل المجهول أو أحد أعوانه أمرا أو خبرا.. رحت أتفرس في صاحب المطعم.. أستنطقه.. أتوسل إليه.. وبعد أن دفعنا ثمن الطعام فوجئنا بالرجل يرسل لنا تحياته مصحوبة بأطباق من حلوى مختلفة.. ويناول كل واحد منا طبقا.. والغريب أننا اكتشفنا بعد ذلك أنه أعطى لكل واحد منا نوع الحلوى التي يحبها ويشتهيها.. وأسررتها في نفسي.. وقلت أن هذا التصرف يدل على أنه على علاقة بالمرسل المجهول وأن لهذا الرجل شأن.. قد أكتشفه وقد لا أكتشفه.

بعد الطعام غفوت.. وجاءني المرسل المجهول.. كانت عيناه تدمعان ووجهه يضحك.. نظر نحوي في إشفاق ثم ربت عليّ ومسح على ركبتي ومضى فقمت أجرى خلفه ولم أفق إلا بعد أن أدركني إخواني وأجلسوني فقد كنت أجري نائما.. وسألوني في دهشة:
- هل ذهب ألم ركبتك؟
والغريب أنه ذهب كأن لم يكن.

***
وواصلنا المسير..
حتى وصلنا..

لبيك اللهم لبيك..لا شريك لك..
لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد .. والنعمة لك والملك.. لا شريك لك..


و أنا أسير على الأرض يحملني الموج البشري نحو الكعبة المشرفة خشيت ألا أشعر بالجلال..
خفت أن أكون ممن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؟..
خشيت أن أكون ممن طَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ؟..
كيف امتلكت كل هذه الجرأة لآتي و أنا أحمل على كاهلي هذا التقصير كله..
كيف أتيت بل كيف لم أهرب وأنا في المدينة المنورة..
في المدينة توجد الرحمة كلها وهنا يوجد الجلال كله..
لكن الرحمة هناك مغموسة بالجلال والجلال هنا مغموس بالرحمة..

لبيك اللهم لبيك..

***
ههنا تسكب العبرات..
ههنا..
ههنا..
الويل لك إن جفت دموعك..
الويل لك..


***

هل كانت دموع الشوق؟..
هل كانت التحنان؟..
هل كانت الخوف؟..
هل كانت الرعب؟..
هل كانت خجلا لأننا لم نلذ ببيت الله الحرام كما كان ينبغي لنا أن نلوذ ولم ندافع عنه كما كان ينبغي له؟ ..
هل كنت طفلا غاب وتاه وابتعد فلما آب جاشت مشاعره وفاضت عواطفه فارتد الطرف وعجز الحرف فلم يبق إلا الدموع..
طفلا تداعت عليه الدنيا كما تتداعى الأكلة على قصعتها وطاردته الوحوش، فما أن آب حتى بكى..
هل كنت عبدا اقترب ذراعا ففوجئ بسيده ومولاه يقترب باعا فراح يشكو لمولاه هوانه على الناس..

***
هل كانت..
هل كنت..
هل كان..
أم كانت قبسا من الرحمة تهاطل بالمشيئة كي يطفئ بعض النار المشبوبة فيّ ؟!..
بيت الله الحرام..
أعز مكان في الدنيا و أقدسه..
قلب القلب وروح الروح ورمز الهداية والنور..

***

كم تكون قسوة من يدعوك إلى نسيان أبيك و أمك..
كم يكون إجرام من يدعوك إلى نسيان أبنائك و أهلك..
كم يكون فجور من يدعوك إلى أن تهجر ماضيك كله ومستقبلك كله و أن تعيش أسير اللحظة مجرد حيوان ينتشي باللذة ويزدهي بالقوة..
لماذا يغيظهم إيماننا بالله..
نحن ندعو إلى مكارم الأخلاق فإلام يدعون هم..؟؟..
إلى الحيوانية والوحشية وعبادة الشيطان..؟!..

***
لماذا يدعوننا إلى الكفر..
لماذا..
لماذا..
***

لماذا تحالفت حكوماتنا و نخبتنا الخائنة معهم..
لماذا استعملت كل آليات الكذب الفاجر للمستشرقين والمستغربين لتشكيك الناس في دينهم..
لماذا سلطوا كلابهم لينهشونا.. فمن زنديق يتحدث عن التأسلم إلى خنزير يتحدث عن النص إلى حية رقطاء تنفث السم في العقيدة..
لماذا انتشر مفهوم البروتوكولات بينهم ليهدموا به الدين..
فاسقة منهم، ادعت أن الحج والطواف والسعي كلها عادات وثنية..
اعتمدت الفاسقة على جهود سلطة لا تقل فجرا تعمدت نشر الجهل بالدين، وصرخت الجاهلة أنها اكتشفت أن الطواف والسعي كانا من الشعائر التي تمارس في الجاهلية وقبل نزول الإسلام.. نسيت الجاهلة أو تعمدت أن تنسي أن الإسلام نفسه هو ملة إبراهيم عليه السلام.. و أن ما تدعي أنها قد فوجئت به هو من المعلوم بالضرورة.

***

لابد أن أكتب ملحقا للبروتوكولات أذكر الناس فيه بما نسوه ومنه أن الحج يتعلق بمشروع إلهي عظيم، فهو يذكرنا بالمشروع الذي بدأ بإبراهيم عليه السلام واكتمل بمحمد صلى الله عليه وسلم.

ومناسك الحج المختلفة هي مراحل هذا المشروع الإلهي التي يعيدها الحاج بصورة رمزية.
فالحاج يفارق موطنه متجهًا إلى الحجاز كما كان إبراهيم عليه السلام قد خرج من العراق متجهًا إلى الحجاز.
ويتخلى الحاج عن ملابسه العادية ويلفّ حول جسده رداءين، مماثلين للباس البسيط الذي كان إبراهيم وإسماعيل يرتديانه.
وعندما يصل الحاج مكة ويطوف حول الكعبة فهو يقلد الطواف الذي قام به إبراهيم وإسماعيل توثيقًا للعهد الإلهي.
وعندما يسعى الحاج سبع مرات بين الصفا والمروة فهو يقلّد سعي هاجر بحثًا عن الماء في الصحراء.
وعندما يذهب الحاج إلى منى وينحر قربانه فهو يعيد بصورة رمزية ما فعله إبراهيم حين استعد لنحر ابنه ثم نحر كبشًا بأمر ربه.
وعندما يتوجه الحاج إلى الجمرات فيرمي الشيطان بالجمار فهو يكرر عمل إسماعيل عليه السلام الذي رمي الشيطان بالجمرات عندما حاول أن يغويه.
ثم يجتمع كل الحجاج بميدان عرفات..
وهذا هو الشكل النهائي للكلمات "لبيك اللهم لبيك" التي يردّدها كل حاج. وهنا يجتمع كل الحجاج في ميدان واحد مفتوح فيعاهدون ربهم عهدًا جماعيًا بأنهم سيظلون ينفذّون في حياتهم القادمة ما تعلموه خلال الحج وأنهم سيعيشون مقلّدين حياة أولئك الأبرار الذين يؤدي الحج تذكارًا لهم.
وقد وصف القرآن مناسك الحج بالشعائر أي العلامات.. وهي كلها الوقائع التي وقعت لإبراهيم وأسرته خلال تنفيذ الخطة الإلهية التي سبق ذكرها. ويقلد الحاج هذه الوقائع بصورة رمزية ويعاهد ربه بأنه – هو الآخر – سيصبح جزءًا من هذا التاريخ بعد أن يعيد إليه حيويته.. فنحن نريده تاريخا حيا وهم يريدونه ميتا.

***
كنت قد قرأت كل هذا وراجعته عشرات المرات مستعينا بالخرائط والقواميس فالمرسل المجهول ضنين بكلماته مقتضب في إشاراته حيث يمكن أن يكون الأمر كلمة ويمكن أن تكون الكلمة حرفا.
قرأت وعاهدت ربي بأنني سوف أحطم حياتي القائمة لأتقدم نحو الحق لا ألوي على شيء، وأنني سأدور حول معنى الألوهية وأوامرها فحيث أمرت أكون.. و لو اقتضت الضرورة لأجل حماية الدين من بروتوكولات حكماء العرب فإنني مستعد لكي أذهب إلى منتهى ما يمكن أن يذهب إليه أحد من البشر وهو أن "يذبح" ابنه ابتغاء مرضاة الله.

***

نعم.. لقد استدار الزمان اليوم مرة أخرى ليعود إلى سيرته التي كان عليها أيام إبراهيم عليه السلام عندما كان الشرك والوثنية يسيطران على فكر البشر ، والحقيقة أن قضية العصر الحاضر هي عين قضية العصر القديم. إما إيمان و إما كفر.
قلت لنفسي: يجب أن يستعد البعض مرة أخرى للذبح، ويجب مرة أخرى أن يُسكِن البعض أولاده في "الصحراء" لإحياء تاريخ الدين من جديد ولمقاومة بروتوكولات حكماء العرب. وكان القضاء على عصر الشرك يتطلب التضحية بنسل بشرى، واليوم نحتاج إلى تضحية مماثلة للقضاء على عصر الإلحاد. وهذا هو أكبر درس للحج، و"الحج المبرور" هو حج من يعود من الأراضي المقدسة بهذا العزم..
وأنا أشهدك يا رب أنني عزمت على هذا[7].
وكما كان الشرك يتمتع بالغلبة العالمية في عهد إبراهيم عليه السلام، فالإلحاد يتمتع بالغلبة العالمية اليوم. وواجب العائدين من الحج اليوم أن ينضموا جميعا إلىّ في مواجهة بروتوكولات حكماء العرب. ويجب عليهم أن يضحّوا في هذا السبيل بكل ما تقتضيه الأحوال منهم، فيجب عليهم أن يحوّلوا التضحية الرمزية إلى تضحية حقيقية.

هل كان المرسل المجهول يعني هذا عندما أمرني بالحج ؟ أن الحج عزم على إعادة هذا التاريخ بصورة رمزية في أيام الحج، وبصورة عمل مخطط في الحياة الحقيقية بعد انقضاء أيام الحج.

***

لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..
إن الحمد والنعمة لك والملك..
لا شريك لك..


***

أتوقع اللقاء مع مرسل المخطوط في كل لحظة وفي كل خطوة لأنه لم يحدد زمانا ولا مكانا بل إنه لم يعد باللقاء وعدا صريحا..
توقعته في الطريق.. وتوقعته في المدينة.. وها أنذا أتوقعه هنا.. وإن كان يغلب على ظني أنه سيكون في عرفات.. لقد قال لي اذهب إلى الحج.. والحج عرفة..

***

أطوف مع الطائفين..
سبحانك..
سنة الوجود كله هي الطواف..
أتأمل ذلك النظام الكوني المعجز الذي تعتمد الحركة فيه على الدوران حول مركز معين إن الأرض التي نعيش عليها تدور في فلك خاص بها حول الشمس مرة كل عام. والقمر يدور في فلك خاص به حول الأرض مرة كل شهر عربي، كما أن الكواكب الأخرى تدور في أفلاك خاصة بها حول الشمس، ومعظم هذه الكواكب لها أقمار تدور حولها.فنحن إذن نعيش في كون لانهائي تعتمد الحركة فيه على الدوران الذي هو أشبه بالطواف، وكأننا بهذا نلفت الأنظار إلى ناموس كوني وسنة عامة تتجلى في الخلق كله. وإذا انتقلنا إلى عالم الذرة، فإنها تتكون من أجزاء أصغر تطوف حول المركز..

سبحانك..
لبيك اللهم لبيك..

لا يتخلف عالم الأحياء عن هذه السنة الكونية التي تدل على وحدة الكون ووحدانية الخالق، فقد كشف العلم الحديث من خلال تقنية المجاهر (الميكروسكوبات) أن "السيتوبلازم" في الخلية الحية يدور أو يطوف حول نواتها.[8]

وهكذا يتعدد الطائفون، سواء في حالة الإلكترونات حول نواة الذرة أو الكواكب حول الشمس أو الأقمار حول الكواكب مراكز المجرات، أو المجرات حول مركز كوني لا نعرفه، فالكل يسبح ويطوف مصداقًا لقوله تعالى: "كل في فلك يسبحون".

***
ليس من بقايا الوثنية إذن يا حصب جهنم يا جنود البروتوكولات والشيطان .. إنما هو يرمز إلى سر عظيم من أسرار الكون فكأن الكعبة المشرفة مركز للجاذبية الروحية التي ينبغي أن تكون بين العبد المؤمن وبيت الله العتيق، هذا البيت الذي يستقبله المسلمون ويتجهون إليه في صلاتهم خمس مرات على الأقل كل يوم وهم بعيدون عنه. وهذه الجاذبية الروحية هي القوة الخفية التي تجعل كل قادم يطوف حول الكعبة بمجرد الوصول إليها، تمامًا مثلما يطوف أي جِرم سماوي بمجرد وقوعه في أسر جاذبية جِرم آخر أكبر منه.

ولطالما بكيت خشوعا وانبهارا وحنانا عندما عرفت أن حركة الطواف واللف والدوران حول الكعبة هي انسجام مع حركة الكون؛ ذلك لأن الحركة المنضبطة هي الحركة جهة اليمين - عكس الحركة اليسارية لعقارب الساعة - وهذا هو عين ما يفعله الطائف بالبيت.. وهو ما تفعله الكواكب والنجوم والمجرات.

***
لبيك اللهم لبيك.
أطوف مع الطائفين..
أبحث بينهم عن المرسل المجهول..
أقارن طوافي بطواف الإليكترون حول البروتون و بطواف الشمس حول الأرض وبطواف الشمس حول المجرة بطواف المجرة حول الكون..

أهتف : لا إله إلا أنت سبحانك..
أقارن طوافي بطواف السيتوبلازم حول النواة في الخلية فلا أملك إلا أن أهتف: لا إله إلا أنت سبحانك..
لا إله إلا الله .. واحد أحد.. وحدة المنهج والنظام.. سبحانه.. تركيب الذرة ونظامها هو نفسه تركيب المجموعة الشمسية ونظامها.. والطواف هو ذات الطواف.. لكنني أشارك فيه.. فلا إله إلا أنت سبحانك..

وأصرخ: كيف جرؤا على الكفر..
كيف جعلوا بينهم وبين الله حمقهم.

***
لبيك اللهم لبيك..أطوف مع الطائفين..
أتذكر مراحل الجنين في الرحم حيث يلخص في دورته دورة الكائن الحي كله..
الحج أيضا يلخص في مناسكه الوجود البشري كله..
وما أشبه الطائفين في هذين الإزارين البسيطين بيوم النشور.

***
لبيك اللهم لبيك..ما من واحد من هؤلاء الطائفين إلا وهو مستعد أن يبذل ما يملكه كله حتى يصل إلى الحجر الأسود ليقبله..
ولكن ينادى للصلاة، فيتوقف الطواف فجأة، ويصطف الناس حول الكعبة، وترى الحجر الأسود وقد نسيه الجميع فكأنه لا يوجد.
أنت يا من كرمك الله تستطيع التوقف عن الطواف لأنك حملت الأمانة..
أنت يا من كرمك الله تستطيع أن تجعل من هذا التوقف مزيدا من الإيمان..
ليس الطواف إذن، وليس تقبيل الحجر الأسود سوى تنفيذ لأمر ..
فإن صدر أمر آخر له الأولوية نفذ على الفور..
تماما كما تصرف الصلاة الطائفين عن الطواف والمقبلين عن التقبيل.

لا إله إلا الله..
لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الجبار.
قمة التوحيد.
وكنت أطوف مع الطائفين..
وقلت لنفسي أن هذه القدرة المذهلة على التحكم في النفس والشعور هي عين ما يرعب أعداءنا.
نعم.. عشرات الآلاف.. بل مئات الآلاف يطوفون فما أن تقام الصلاة حتى يتوقف الطواف على الفور..
أي قدرة مذهلة على التحكم في الحركة وفي الشعور..
وعشرات بل مئات الآلاف يتنافسون تنافسا لا يمكن وصفه ولا تصوره على الوصول إلى الحجر الأسود.. فما أن تقام الصلاة حتى يتوقف كل ذلك على الفور..
أي قدرة هائلة مذهلة..
أي انتماء هائل مذهل.. ليس إلى الكعبة بل إلى رب الكعبة.. وليس إلى الحجر الأسود بل إلى خالق الحجر الأسود..
أي قوة هائلة سأملكها لو تمكنت من إقناع هؤلاء أن يقفوا معي للانتصار على بروتوكولات حكماء العرب.

***

لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..
إن الحمد والنعمة لك والملك..
لا شريك لك..


أي قدرة مذهلة عند العالم والجاهل على حد سواء، عند الصبي والشيخ، الرجل والمرأة، قدرة مذهلة على استقبال الأمر وفهمه وتنفيذه على الفور.

أي جيش مذهل يمكننا أن نملكه لو قام على نفس هذا الأساس: الإيمان والتوحيد.. أي جيش مذهل يملك مثل تلك القدرة الهائلة على التحكم في كل هذه الجموع على مستوى الحركة ومستوى المشاعر في نفس الوقت..

وكيف أمكن أن يهزمنا أحد..

***

لبيك اللهم لبيك..

كانت أول دعوة دعوت الله بها أن ينصر الإسلام والمسلمين..

***
أطوف مع الطائفين..
أبحث عنه..أنتظره..
تخيلت لوهلة أن أجد أن من يطوف إلى جواري هو هو..
يا رب..
يا رب..
يا رب..

***
أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تنصر الإسلام والمسلمين..

يا رب.. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.. فاجعل أمر الكافرين علينا من حكام أعدائنا وحكامنا سهلا..

يا رب.. أعوذ بك أن نضل، أو نُضل، أو نزل، أو نُزل أو نظلم أو نُظلم، أو نجهل، أو يجهل علينا..

يا رب..

جاءنا ابتلاء الأولين وليس لدينا إيمانهم..
وما أشبه حال المسلمين اليوم بالحال التي وصفها الله عز وجل في محكم كتابه إذ قال: {إِذْ جاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 33/10-11].

تلك هي حال المسلمين اليوم تماماً كما وصفها الله سبحانه وتعالى بالأمس، مع فارق كبير، هذا الفارق يشكل الكارثة الكبرى؛ ألا وهي أن المؤمنين الذين أصابهم ذلك البلاء الذي وصفه الله عز وجل كانوا صادقين مع الله، أما المسلمون اليوم فأكثرهم خونة لإسلامهم، معرضون عن مولاهم وخالقهم سبحانه وتعالى، يوالون أعداءهم وأعداء مولاهم وخالقهم عز وجل.
تلك هي المصيبة التي ينفرد بها المسلمون الآن. هذه المحنة التي تدور رحاها على إخوة لنا هم بِضْعَة من جسد هذه الأمة الإسلامية الواحدة، هذا البلاء الماحق الذي كاد أن يَجْتَثَّهُم، هذا الذي ترونه مما لا يستطيع القلب أن يتصوره وأن يتمثله. ما هو موقف قادة الأمة العربية، ولا أتحدث عن الأمة الإسلامية كلها، ما موقفهم من هذا الذي يجري صباح مساء؟ لاشيء، لا يزال كل منهم منصرفاً إلى شأنه، إلى لهوه، لا يزال كل منهم منصرفاً إلى النهج الأمثل الذي ينبغي أن يحافظ به على عرشه أو على كرسيه يدرس ويستذكر ويطبق البروتوكولات التي تمكنه منا.

يا رب..


يا أرحم الراحمين ارحمنا وإلى غيرك لا تكلنا وعن بابك لا تطردنا ومن نعمائك لا تحرمنا ومن شرور أنفسنا ومن شرور خلقك سلِّمْنا.

اللهم يا من لا يرد سائله ولا يـُخيِّب للعبد رجاءه إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة متوسلين إليك بأسمائك الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم.

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً . اللهم ردنا إليك وأنت راضٍ عنا .

اللهم اقذف رجاءك في قلوبنا واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحداً غيرك فأنت مولانا وَ وَلِيِّنا في الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم يا عظيم نسألك باسمك العظيم أن تَكْفِنَا كل أمر عظيم.

يا مُفَرِّجاً فَرِّجْ يا مُفَرِّجاً فَرِّجْ يا مُفَرِّجاً فَرِّجْ..
اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك بذل عبوديتنا لك وبعظيم افتقارنا إليك، نسألك ونتوسل إليك بدموع الثكالى، بدموع الأطفال الذين يُتِّموا، بدموع الأُسَر التي شُرِّدت، نتوسل إليك يا مولانا برحمتك التي وسعت كل شيء، يا أرحم من سُئِل، ويا أكرم من أعطى، نتوسل إليك يا رب بعبادك الشُّعْث الغُبْر الذين لو أقسم عليك أحد منهم لأبررت قَسَمَه، نتوسل إليك يا رب بوعدك الذي قطعته على نفسك {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} نتوسل إليك بذلك كله بين يدي دعائنا وبين يدي أكفنا الـمُقْبِلة إليك نسألك اللهم أن تنتصر لإخواننا عبادك المستضعفين المؤمنين المظلومين.

يا رب :
ارفع مقتك وغضبك عنـا ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، ولا بما يفعل حكامنا..

يا كاشف كل ضر وبلية . يا عالم كل سر وخفية.

اللهم انقطع الرجاء إلا منك وأُغلقت الأبواب إلا بابك فلا تكلنا إلى أحدٍ سواك في أمور ديننا ودنيانا طرفة عين ولا أقل من ذلك وأعذنا من الشر كله واجمع لنا الخير كله يا أكرم من سئل وأجود من أعطى.

يا حي يا قيوم، برحمتك نستغيث..

اللهم إنا ببابك نقف فلا تطردنا وإياك نسأل فلا تخيبنا 
اللهم إنك تعلم أننا لا نملك من الجهاد الذي أمرتنا به في هذه الساعة إلا هذا الالتجاء، إلا هذا الرجاء، إلا أن نطرق بابك العالي يا رب العالمين، فنسألك بإيماننا بك، وبتوحيدنا لك، نسألك بأنك ولينا الأوحد الذي لا ولي من دونك، أن تستجيب الساعة دعاءنا فتنصر عبادك المؤمنين المستضْعَفين في فلسطين و أفغانستان والعراق والشيشان وكشمير وسائر بلاد المسلمين، وأن تردَّ عنهم كيد الكائدين بما شئت وكيف شئت يا رب العالمين.


اللهم انتقم من أعدائك وأعدائنا، اللهم انتقم منهم، اللهم انتقم من أعدائك وأعدائنا انتقاماً يشفي غليل صدور قوم مؤمنين يا رب العالمين يا أكرم الأكرمين.

اللهم انتقم من حكامنا الذين أذلونا هذه المذلة و أوصلونا إلى هذا الحال..

انتقم ممن يعلم البروتوكولات ومن يتعلمها ومن عرف بها فسكت عنها..

إلهي أنت القائل: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 11/102] أَرِنَا اللهم كيف يكون أخذك الأليم الشديد لهؤلاء المستكبرين عليك الطغاة على عبادك.

يا رب إن عبادك المؤمنين الذين يُسْحَقون ويُمْحَقون وإن كانوا قِلَّةً ولكنهم مؤمنون ولكنهم صادقون، اللهم إنهم قد رَخَّصُوا أرواحهم واستهانوا بحياتهم في سبيل مرضاتك، فنسألك اللهم بصدق إيمانهم بك وبصدق التجائهم إليك أن تستجيب الساعة دعاءنا. اِرفع اللهم هذا الكرب عن إخوتنا وجيراننا يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك بحبك لرسولك محمد صلى الله عليه وسلّم الذي دعاك ليلة بدر قائلاً: ((اللهم إن تخذل هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض)) ندعوك بما دعاك به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم، ونستمطر التلبية التي لبيت بها رسولك محمداً صلى الله عليه وسلّم، ننتظر النصر الذي أكرمت به رسولك محمداً صلى الله عليه وسلّم. نسألك اللهم بانتسابنا إليه، نسألك اللهم بأننا من أمته، نسألك اللهم بأننا صادقون على العهد سائرون على الدرب أن لا تخيّب آمالنا يا رب العالمين.

***

اللهم إنك قلت وقولك الحق ادعوني أستجب لكم ، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التِّكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***

جلست في صحن الكعبة أتلو ما تيسر من القرآن الكريم..

في زمني الأول –قبل وصول المخطوط إليّ- كنت أقرأ القرآن بعقلي معظم الأحيان، وبقلبي أحيانا، لكنني في تلك السويعات التي لا أنسى حلاوتها أبدا رحت أقرأ القرآن بوجودي كله، والكعبة المشرفة أمامي، وكل شيء قد اختلف حتى شكل الحروف وصوتي، و أنا لا أكف عن القراءة مذهولا وثملا بنشوة لم أحسها قبل ذلك قط، وكنت إذ أقرأ مرعوبا من دخول وقت الصلاة لأنها ستقطعني عن قراءة القرآن وكأنني بالانقطاع عن التلاوة ولو بالصلاة سأنقطع عن الهواء الذي أتنفسه فإذا بدأت الصلاة أصبحت مرعوبا لأنها سرعان ما ستنتهي وكأنما بنهايتها سيتوقف تدفق الدماء في عروقي، أحسست ساعتها بقبس من الرحمة يشملني، قبس؟ بل طوفان، يغسلني، ويطهرني من درن الدنيا ونجاستها لأعود إلى براءة الخلق الأول وطهارته، وراح جزء من نفسي يخاطب جزءها الآخر في لوعة: يا أحمق يا مسكين، قضيت عمرك في الصحراء، شوتك الشمس، وجمدك صقيع الليل، وأدمت قدميك صخور كالحراب، و روعتك وحوش الفلاة، وغرقت فيما لم يكن لك به ضرورة لأن الطريق مقطوع مقطوع، بك أو بدونك، ذلك أن أمر الله نافذ و إن جلت على الأفهام حكمته، لكنك اخترت الطريق الوعر وغفلت أحمق يا مسكين عن طريق آخر كان بجوارك دائما، طريق يحفه الأمن والجلال والروعة والنشوة، طريق مرصوف بالجوهر مصفوف بالياقوت محوط بالملائكة، طريق القرآن، وتلك السويعات الفريدة التي أحاول منذ ذقت حلاوتها أن أستعيدها دون جدوى.

في تلك السويعات كنت أكاد أصرخ:
- هل أريد من الدنيا شيئا آخر؟، هل توجد في الدنيا سعادة أكثر من هذه؟
ثم ما ألبث حتى أستدرك:
- بل هل أطمع في الآخرة في نشوة أكثر من تلك.؟ يكفيني هذا، يكفيني ويزيد، تهبط على قلبي السكينة ويغرقني الحب، فالبشر جميعا ليسوا إخوة فقط، بل إن تلك الشمس بكل ما فيها من نار هي أختي في الخلق، وهذا القمر بكل ما فيه من ضياء هو أخي، خلقنا نفس الخالق البارئ المصور جلت قدرته وحكمته فهو البديع. وجميعهم يسبح مثلي ويسجد.

تذكرت أنه عندما تقدم العمر بسيدنا خالد بن الوليد أخذ المصحف وبكى .
وقال: أشغلنا عنك الجهاد .
بكيت بكيت بكيت بكيت..
يا سيدنا خالد، أشغلك عنه الجهاد فتبكي.
فماذا لو كنت مثلنا و أشغلتك عنه الدنيا.
بل تشغل الدنيا أهل الكعبة عنها.. فيستحلونها..
نعم.. يستحلونها ..فلا يستحلُّ البيت الحرام إلا أهلُه، فإذا استحلوه يصيبهم الهلاك ثم يخرج رجل من أرض الحبشة يقال له ذو السويقتين فيستحل البيت الحرام ويخرب الكعبة وينقضها حجراً حجراً ويسلب حليتها ويجرِّدها من كسوتها وذلك في آخر الزمان ولا يُعمر البيتُ بعد هدمه أبداً.
وأبكي.. لا أتصور مكة بغير الكعبة.. ولا أتصور الدنيا بغير مكة..
....


كنت ساعتها جالسا أمام الكعبة لا يشغلني عن القرآن شيء، وجاءتني الإشارة والبشارة، كنت أجلس على حافة ممر، وجاء الجندي ليخلي الممر وجذب الكثيرين جدا ممن أمامي ومن خلفي كي يخلي الممر للمصلين، لكنه تركني، قلت لنفسي لعلى لم أتجاوز المسموح ولعله لم يرني، لكنه بعد حين تصنع أنه يسلم علي ليهمس في أذني:

- لقد تركتك متعمدا.
وتهاطلت دموعي تسبح:
- لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لك الحمد.
شككت للحظة أنه من أنتظر: المرسل المجهول..
لكن سرعات ما شغلني القرآن عنه..
وساعتها كنت أحس كما لو أن خواصا جديدة أضيفت إلى سمعي وبصري وقلبي وعقلي فأصبحت أسمع ما لم أكن أسمع و أرى ما لم أكن أر و أحس بما كان لا يمكنني الإحساس به فأفهم ما لم أكن أفهم، بل حتى صوتي قد تغير وأصبح لنبراته في ترتيل القرآن رنين لم أسمعه قبل ذلك أبدا. كان الصوت طوفانا ملموسا ومحسوسا من النور ولم تكن الحنجرة مصدره بل من القلب كان يأتي، ولم أكن-ساعتها- أسمع بأذني وحدها.كان القلب أيضا هو الذي يسمع وكانت نياطه هي التي تهتز، من أجل ذلك كنت أسمع هدير صوت النجم الثاقب، هل تخيل أحدكم يوما، وهو الذي تعود أن يزعج مسامعه صوت طائرة تحلق، هل تصور كيف يكون صوت هدير دوران الأرض حول الشمس، بل صوت دوران الشمس نفسها، هل تخيل أحدكم أن يرى أبعد من فرسخ أو فرسخين، فكيف بمن يرى سرعة الضوء التي يتسع بها الكون ويتمدد، هل أطعنا القرآن هل تدبرنا هل أحسسنا هل عقلنا؟؟؟؟.

كنت جالسا أقرأ القرآن، أخشى أن يفرط القلم فيفرّط، فلم أكن أقرأ بقدر ما كنت أذوب، وكنت أتعبد بالنظر إلى الكعبة، وكان إخوتي من الناس يطوفون حولها تسبيحا وعبادة، فاض الحب فطغى، أصبح الإخوان إخوة و أصبح الإخوة أشقاء، وفي نفس الوقت، كانت النجوم أمة يطفن في السماء تسبيحا لله وعبادة، كن يسابقنني، وكان القمر أمة يدور طوافا وعبادة.

وكان اتجاه الدوران كله هو اتجاه الطواف حول الكعبة..

***
وكنت أبحر في بحر القرآن ذلك الإبحار الممتع الذي يجعلني لا أريد أن أعود إلى الشاطئ أبدا، تمنيت أن أظل كذلك حتى أموت، وطاف بخاطري أنه لو تحققت أمنيتي فإنني لن أحس بالموت، سوف يكون مجرد انتقال ما أبسطه وما أهونه، مجرد جلباب رثَّ واتسخ فآن أوان استبداله، أما من داخل الجلباب القارئ للقرآن فسيظل يقرأه لا يشعر حتى باستبدال ثوبه.

هل كانت تلك السويعات هي اكتشاف سر اسم الله الأعظم الذي يذهب بعض العلماء إلى كونه حالة وجدانية يكون أي اسم من أسماء الله فيها هو اسمه الأعظم.؟.
ربما..
لكنني أعترف، أنني أبدو أمام نفسي كمن أضاع أثمن شيء في حياته التي لا يبقيه عليها إلا الأمل في العثور ذات يوم على ما فقد.
أبدو أمام نفسي كشخص دخل الجنة ثم أخرج منها.
هل يوجد ثمن في الدنيا ينكص هذا الشخص عن دفعه حتى يعود إليها؟!.
تضاءلت الدنيا. . وحتى اهتمامي بالمرسل المجهول قد تضاءل..!!



لبيك اللهم لبيك.."2"
في عرفات




كنت على مشارف عرفات ألبى..

وكان قلبي مشغولا بالمرسل المجهول للمخطوط..

هل ألقاه حقا؟.. كيف ألقاه؟.. أين ألقاه؟؟..
هذه هي المحطة الأخيرة..
لا.. لا .. ليست الأخيرة.. بقيت المزدلفة وبقيت منى..

لبيك اللهم لبيك..

كان الرهط الذي تعرفت عليه قد وثق بى.. اشتدت الثقة حتى اضطررت لأن أقسم لهم أنني لست المرسل المجهول للمخطوط.. وأنني لست سوى حافظ ناقل ناشر.. ما يميزني عن سواي أنني أحتفظ بالنسخة الأصلية للمخطوط.. بينما ما يتداول بين الناس نسخ مصورة أو منقولة كي يزيد فيها من يزيد وينقص من ينقص.. بل ويحرف من يحرف.. فلقد لاحظت والنار تحرق قلبي أن بعض الناس ممن زعموا أنهم سيتبعونها زادوا عليها ما ليس منها خدمة لمصالحهم.

وأنا أحدثهم انفجر سؤال في قلبي كالنزيف وكالنار..

كيف لم أفطن..

لقد اشتد تركيزي طيلة الوقت على حكامنا وولاة أمورنا.. مدركا أن السمكة حين تفسد فيها الرأس تفسد.. لكن.. لماذا لم أمد بصري كي أرى أكثر.. لماذا لم أر إلا جلالة الجلالات وفخامة الفخامات وسمو السموات.. لماذا وقر بخاطري أن الأمر قد اقتصر على ذلك الحكيم الشيطاني الذي يعلمهم حكمة الرؤساء والملوك.. لماذا لم أتصور أن لذلك الحكيم الشيطان أتباعا وتلاميذ ومساعدين.. وأن هؤلاء الأتباع والتلاميذ والمساعدون أقل قدرا من أن يحاضروا بين الملوك.. لكنهم يذهبون إلى الآخرين.. لماذا لم أضع بين احتمالاتي أن واحدا منهم يذهب إلى علمائنا كي يمسخ من يستطيع أن يمسخه منهم خنازير وقردة.. لماذا لم أضع في حسباني أن واحدا منهم يذهب ليعلم الصحفيين كيف يكذبون وكيف ينافقون.. وأن آخر يذهب إلى القضاة يدربهم كيف يكونوا من قضاة النار.. كيف يتعلمون القانون لا ليطبقوه بل ليهدروه.. لماذا لم أتصور أن واحدا منهم يذهب إلى جهاز العسس.. فيعلمهم كيف يكونون أشد ضراوة من الوحوش وأكثر شراسة من كلاب الصيد.. لماذا لم أتخيل أن آخر يذهب إلى الوزراء.. وآخر لوكلائهم.. وآخر للشعراء وآخر للكتاب وآخر.. وآخر .. وآخر.. كيف عميت بصيرتي وانطمس عقلي.. بل كيف جاز لي أن أتصور أن الرجل الشيطاني الذي يعلم الملوك كيف يكونون ملوكا والرؤساء كيف يكونون رؤساء والأمراء كيف يكونون أمراء .. كيف جاز لي أن أتصور أنه فرد لا هيئة أخطبوطية تحيط بنا كما تحيط خيوط العنكبوت بذبابة.. كيف انطلى على عقلي الكليل أن يحسب ولو للحظة أنه واحد وليس مؤسسة هائلة.. وأنني إذا انتويت الجهاد والتصدي لن أواجه فردا.. بل جيشا عرمرما..

لبيك اللهم لبيك..

اقترب منى الرجل الحادي عشر.. رجل بلد الـ"بدون".. همس لي..:
- هناك سر يثقل على قلبي أريد أن أفضى إليك به.. ففي بلدنا كما تعلم جاوز عمر حاكمنا تسعين عاما.. ولقد انقلب على ملكنا السابق وقتله.. ظل ستين عاما يعدد عيوب النظام الملكي ويمن علينا أنه قد قضى عليه.. فرحنا به في البداية وتبادلنا التهاني ولكننا بعد ذلك بكينا على أيام بكينا حينها منها.. في منتصف سنته الخامسة والثلاثين في الحكم أمسك هو عن التنديد بالملك.. كان هو أسوأ من الملك ألف مرة.. وكان أكثر شرا حتى من كل ما قيل عنه.. اتفق مع الأعداء ونحن نعلم أن يبيعنا ويبيع الدين مقابل الحكم.. وباع .. وباع .. وباع.. ولم يعد لدى الناس أمل في أي تغيير قبل أن يأتيه عزرائيل.. ستون عاما من الأمل.. ستون عاما من الصبر.. ستون عاما من الترقب.. ستون عاما من الانتظار.. ستون عاما من اليأس.. ستون عاما من التعذيب.. ستون عاما من التزوير.. ستون عاما من الكذب.. ستون عاما من مطاردة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله..

نظرت إليه في دهشة فليس في كل ما قال أي سر.. فواصل:
- مات معظمنا قبل أن يحمله مركب الصبر إلى مبتغاه.. لكن بقى الأمل في أن حاكمنا لا يمكن أن يعيش أكثر مما عاش.. كنا كمن أشرف على الغرق.. فجاهد وجاهد وجاهد وقاوم وقاوم وقاوم حتى أعماه الإعياء لكنه أحس باقتراب الشاطئ .. ثم فجأة إذا بموجة هائلة تدفعه إلى أبعد مما كان..
نظرت إليه مستزيدا كي أفهم فواصل:
- لم أفهم كيف يصنعون الرؤساء والملوك إلا بعد أن قرأت ما وصلني من "بروتوكولات حكماء العرب" هي التي كشفت لي السر..

فنظرت إليه مستزيدا كي أفهم.. فقال :
- هل رأيت كيف صنعوا بوتن ملك الروس ؟..
فأومأت فواصل:
- حاكمنا العجوز يدبر ويخطط.. يعلم كم يبغضه الناس.. ويعلم أن اللحظة التي ينتقل الحكم فيها إلى من سواه فإن الناس قد تنبش قبره لتفعل في رمسه ما عجزت أن تفعله به..

نظرت إليه مستزيدا فقال:
- يخطط الذئب العجوز للانتخابات المزورة القادمة.. سوف يدفع ابنه للترشيح في واحة بعيدة عن العاصمة.. وبالتزوير سوف ينجح.. وفى جلسات مجلس الشيوخ الأولى سوف يهاجم نظام حكم أبيه.. سوف يهاجم الفساد والظلم والقهر والطغيان والكذب والرشوة والمحسوبية وجميع ما تعرف.. سوف تكون تمثيلية مدبرة.. فما من عضو في مجلس شيوخنا إلا وهو خصي باع رجولته كي يتاح له شرف الاطلاع على عورة سيده.. سوف يقوم كل خصي بما أسند له.. وسوف تتم التمثيلية الكبرى بل المهزلة.. سوف تؤيد الأغلبية الخصية الابن ضد أبيه.. وسوف تحشد المظاهرات لتأييد الابن ضد أبيه.. وسوف يتظاهر الذئب العجوز أنه لا يملك سوى الاستسلام أمام رغبة رعيته .. سوف يسألهم عما يريدون .. وسوف ينفجر الناس بالنشوة للنصر الكاذب.. فيدسون بينهم من يقودهم للمظاهرات التي تطالب بالإبن خلفا لأبيه.. ويتصنع الذئب أنه ينزل على أمر الجماهير.. وهكذا.. سوف يصل الابن إلى منصب الحاكم كمطلب جماهيري.. لنبدأ ستين عاما أخرى ننتظر فيها عزرائيل..[9]

***

لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..

***

كنا قد وصلنا إلى جبل الرحمة..
أسترجع خطى حبيبي..
أتذكر خطبة الوداع..
وأبكي..
هل ها هنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي؟..

يا شفيعي يوم القيامة..
يا من برسالته خرجت من ظلمة الظلمات إلى النور..
يا من أدى إلينا أمانة ربه.. وبلغنا رسالته.. ليضيعها ولاة أمورنا .. ولنضيعها.. فكيف وقد ضيعناها نأمل في نجاة..

كنت أواجه الصخرات من جبل الرحمة..
وكان قلبي بين ضلوعي يسجد.. وكان الجبل يسجد وكانت الشمس تسجد..

وكنت أقول لنفسي كيف نواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حين يأتي الله به علينا شهيدا..
وقلت لنفسي أننا وحق جلال الله الذي ما قدروه حق قدره نؤمن.. لكن ولاة أمورنا لا يصدقونك يا حبيبي..
إنهم على دين ذلك الفاجر الذي أجابك إذ تدعوه :

" والله لا أكلمك كلمة أبدا، إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك"..

يقولون ذلك يا حبيبي ثم يغرون بنا سفهاءهم وعبيدهم وعسسهم ورؤساء تحريرهم وقضاتهم يسبوننا ويسخرون بنا ويطاردوننا ويعتقلوننا ويقتلوننا ..

كنت أواجه الصخرات..
ولم يكن هناك إمام أعظم.. فما من إمام أعظم اليوم في أمتك يا حبيبي إلا منفىُّ أو مأسور أو معتقل أو مقتول أو هارب..
كنت أواجه الصخرات من جبل الرحمة..
وكانت عيني تدمع وقلبي يسجد ولساني يدعو.. فيشكو إلى الله ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على أعدائنا وأعداء الله بعد أن تحالف ملوكنا مع أعداء الله علينا..

كنت أصرخ:

يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا ، لمن تكلنا؟.. إلى عدو ملكته أمرنا؟ .. أم إلى ملوك جعلوا همهم في الدنيا أن يجففوا منابع دينك.. وأن يطاردوا أولياءك في أربعة أركان الأرض .. إلى من تكلنا ؟!.. إلى أمير خان ورئيس هان فمالئوا يا رب علينا عدونا وعدوك.. أم إلى عسس كان عليهم أن يسعوا في الأرض كي ينفذوا يا رب أمرك فإذا بهم لا يسعون في الأرض إلا ليبطشوا بمن يقوم بأمرك.. أم إلى قضاة كان عليهم أن يحكموا بيننا بشرعك .. فإذا بهم يا رب يبيعونه بعرض الدنيا الزائل فيبلغ بهم الفجور أن يحكموا على من ينادى بشريعتك وشرعك..

يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا ، لمن تكلنا؟.. إلى أبى جهل يسوسنا؟؟.. –نعم..أبو جهل.. فقد أعادته البروتوكولات هو وإخوانه إلى الساحة حية فتية- أم إلى أبى لهب وقد مالأ علينا عدونا وعدوك.. وإلى الملك الضليل.. والحافظ لدين الله فما حفظ والمنتصر بدين الله وما انتصر.. والمستعين بالله ولم يستعن إلا بالشيطان.. والمعتصم بالله ولم يعتصم إلا بالغرب.. والمتوكل على الله ولم يتوكل إلا على التعذيب والتزوير.. .. هؤلاء يا رب هم أمراؤنا وملوكنا وحكامنا وقوادنا ووزراؤنا ورؤساء هيئاتنا وعسسنا وقضاتنا ورؤساء تحريرنا وكتابنا الذين تنشر مقالاتهم في أكبر الصحف بأضخم الأبناط.. ثأرنا منهم يوم القيامة عندك..

إلى من تكلنا..
أنت الحق لا حق إلاك..
وقد ابتليتنا.. فخفف علينا ابتلاءك.. نحن عبيدك.. نحن الضعفاء لكننا لا نؤمن بسواك..
ابتليتنا بهم يا رب.. فعلمنا كيف نواجه الابتلاء لننتصر على البلاء..
خارت قوانا يا رب..
من يحصى من قتل منا يقول لم يسجن ولم يعتقل أحد..
ومن يحصى من سُجن أو اعتقل يقول لم يقتل أحد..
من يحصى من قاوم منا واعترض يقول لم يوافق ولم يستسلم أحد..
ومن يحصى من وافق واستسلم يقول لم يعترض ولم يقاوم أحد..
ولقد حاولنا وعزتك وجلالك..
حاولنا..
حاولنا حتى بلغت القلوب منا الحناجر .. فاستيأسنا..
نعرف أننا لم نحاول كما ينبغي أن تكون المحاولة..
ولم نحبك كما كان ينبغي أن نحبك..
ولم نستشهد في سبيلك كما كان يجب أن نستشهد..
نعرف يا رب أنك أخذت علينا العهد والميثاق فنسينا الميثاق وخُنّا العهد..
نعرف فنستغفر فنتوب ..
ونعرف أن الأولى بنا أن نستغفر عن استغفارنا لأننا لم نعرف كيف يكون الاستغفار وأن نتوب عن توبتنا التي لم تعرف كيف تكون التوبة..

خطاءون يا رب نحن لكننا عبادك التوابون فألهمنا كيف نواجه الابتلاء.. أعنا وأرنا فيهم يا رب آية..
خطاءون نحن يا رب.. لكننا توابون..

ضعفاء نحن يا رب .. ولم يعد لها من دونك كاشفة فلو خرجنا عليهم هلكنا.. ولو أطعناهم هلكنا.. ولو دخلنا إلى دورنا هلكنا..

حاصرونا يا رب.. ملكوا علينا أقطار الأرض.. خاننا أمراؤنا وشيوخنا فانحازوا إليهم.. وأمية بن خلف يقود جيشا من ألف ألف لا همّ لهم إلا اقتناص من يقدس اسمك ويطالب بتنفيذ شرعك.. وليس لنا من ناصر سواك.. فانصرنا..
خذلنا أنفسنا ونبينا يا رب فلا تغضب علينا .. نعوذ بنور وجهك من أن ينزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك..

نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة

أحبنا يا رب واجعلنا نحبك وامنحنا نصرك..
تب علينا..رحمتك بنا لا عدلك فينا.. فلو لم تدركنا رحمتك نخسر الدنيا والآخرة..
أحبنا.. نعوذ بك أن تذهب بنا لتأتى بقوم تحبهم ويحبونك فتنصرهم.. أحبنا نحن يا رب .. وأرنا من بريق النصر ومضة..
اغفر لنا واحمنا وتب علينا وانصرنا..
إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لنا، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

***
هل ها هنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي..
وها هنا يا حبيبي كنت تقول :
" أيها الناس ، اسمعوا قولي ، فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ..
أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم "..


هل ها هنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي.. فليتني كنت منها شعرة أو حتى بعرة وليتني كنت تحتها ذرة رمل عسى الله أن يعتقني لكنني خلقت بشرا وحملت أمانة لم أؤدها ..


هل هاهنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي إذ رحت تبلغنا الرسالة:
" أيها الناس ، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم.."..
حتى هذا لم نحافظ عليه ..
فلكأنك قصدت قوما سوانا يا حبيبي.. صدقت وكذبنا .. فالشيطان يرتع الآن في أرضنا ويُعبد.. وليس بيننا وبين ولاة أمورنا يا حبيبي شأن من شئون الدنيا لكنه إما إيمان وإما كفر .. وقد اخترنا فسطاط الإيمان يا حبيبي.. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .. ولسنا ندرى والله ما نفعل.
هل ها هنا كانت ناقتك القصواء يا حبيبي..
وهل ها هنا كنت تقول:
" أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه ، تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمن أنفسكم"..

لكننا ظلمنا أنفسنا يا حبيبي..

***

لبيك الله لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..


***
بعد الزوال كان إمام يخطب.. لم أكن أتابع ما يقول.. كانت عيناي تبحثان عن المرسل المجهول .. كيف سيظهر أين سيظهر متى سيظهر.. والإمام يخطب.. وأنا أبحث.. وبرق البصر في عين التقت بعيني ..
خفق القلب..
خفق القلب..
خفق القلب..
قلت لنفسي هذا هو..
كانت ملامحه أليفة على عيني..
لست أدري كيف..
قلت أكلمه..
قلت لا تكشف سرك إن كان هو سيكلمك..
ارتفع صوت الإمام الذي يخطب:
- "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"..
فرجع الرجل القهقرى وهو يقول:
- بلى والله.. آن يا رب..
وأنا أسمعه وأراه وأتابعه..

بدأت أتذكر..
لقد رأيت هذه الملامح مرة في المنام..
لكنني رأيتها مرة أخرى..
أين ؟ لا أتذكر..
وبغض النظر عن رؤية البصر فقد رأيته بالبصيرة..
هذا هو المرسل المجهول وليس لدي شك في ذلك.. وشبح البسمة الذي رأيته على وجهه منذ لحظات رأيتها قبل ذلك..
أنا واثق أنني رأيتها قبل ذلك..
أين..أين..أين ..أين..
آآآآآآه..
هل هذا معقول ..

هذا الرجل هو من ظننته رئيس الجند في الحرم النبوي.. بجوار القبر الشريف.. عند الروضة..
بلغ بي الانفعال أقصاه..

تخلى عني عقلي فضاع حرصي.. صرخت فيه:
- أنت المرسل المجهول.. أنت المرسل المجهول.. أنت المرسل المجهول..
واجهني بنفس الابتسامة..
ابتسامة غامضة لم أفهم معناها أبدا..
سرى في جسدي ما يشبه الكهرباء..
اندفعت نحوه كي أصافحه.. كي أعانقه.. كي ألثم وجهه ويديه.. كي أشكره..


ولكن قبل أن أصل إليه إذا به يصرخ صرخة هائلة فيسقط على الأرض فأنكب عليه فيسرُّ لي بكلمات فأنكبُّ على يديه .. فتهولني برودتهما فأكتشف أنه قد قبض فأصرخ صرخة عظيمة وأسقط مغشيا على فيحملني الرهط إلى الخيمة تصرعني الحمى فأفيق على الثلج على رأسي وقدمي فيغشى على فأفيق فأسمع من يقول منهم: أنت إذن؟! فأقول : أنا ماذا؟.. فيقولون: قلت كل ششيء تحت وطأة الحمى فغشى علىّ.. فأفقت فسمعتهم يقولون: انتشرت البروتوكولات جميعها بين الحجاج جميعهم.. فغشى علىّ فأفقت.. فسمعت من يقول لن يستطيعوا حبسها عنا بعد اليوم .. فجزاك الله عنا خيرا .. فالآن فهمنا ما التبس علينا فغشى علىّ فرأيت الرجل.. كان حيا.. وكان يطير في الهواء ويحلق في السماء فنظر إلىّ باسما.. قال : أولم تفهم.. قلت بلى.. فأفقت فنسيت ما كنت قد فهمت أو أنسيت فغشى علىّ فرأيت أبى.. وكانت قدماه في الأرض ورأسه في السماء.. وكنت أراه.. وكانت أمامي مخاضة لم أعرف إن كانت ماء أم كانت زيتا أم كانت شمعا .. فسرت على الماء فغرقت في الهواء فعلمت أنني أنتقل من حال إلى حال فصرخت : واكرباه.. فنظر أبى إلىّ مواسيا ومشجعا وهو يقول : لا كرب عليك بعد اليوم.. كان كبيرا جدا أكبر من أي إنسان على وجه الأرض وكنت صغيرا جدا أصغر من أي طفل على وجه الأرض وكنت أبحث عن يده أقبض عليها كي أشعر بالأمان.. فنظر نحو إصبعي قدمي الصغيرين وقال لا تحتاج مزيدا.. ثم وجدته يعاتبني بمرارة: ألم أعلمك ألا تأخذ الحلوى من الغرباء ؟ فصرخت فيه: هل كانت مسمومة؟ وجاوبني الصمت فسألته : وذلك الرجل هل كان من فريق البروتوكولات؟ وساد الظلام فسألته: هل اتبعوني إلى هنا ولم يكن ثمة إجابة فقلت: قتلني الكلب.. قتلني الكلب.. قتلني الكلب.. ثم أردفت : كنت أريد السيف لا السم ودما مهراقا يضعه الله في ميزاني يوم القيامة ثم صرخت فيه يا أبي سيبتّكون الجينوم فأجابني باستهانة فهل يستطيعون أن يبتّكوا الأرواح. فأفقت فوجدت بعضهم يرعاني ويغير الثلج على رأسي وعلى قدمي.. وقلت لهم.. احذروا فالعسس يتبعونا ورجال الشلطان يحاصروننا.. سيستولون على أصل المخطوط.. الغوث الغوث والنجدة النجدة.. ساعدوني يا حجاج بيت الله.. ساعدوني يا حجاج عرفات.. في يدكم أن تغيروا التاريخ لكن افهموا واجتمعوا واتحدوا.. النجدة.. يكادون يصلون إلينا.. أشم رائحة.. رائحة الذئاب والكلاب والثعالب.. أشمهم.. أسمعهم.. احملوني إلى جبل الرحمة.. وكان البعض الآخر يقرأ


المصدر


السبت، 4 يوليو 2015

بروتوكولات حكماء العرب -11-

بروتوكولات حكماء العرب
-11-
في جوار الرسول صلى الله عليه وسلم

دكتور محمد عباس

المدينة المنورة..

السلام عليك يا حبيبي..

السلام عليك..

السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، وجزاك الله عن أمتك خيراً، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته.

السلام عليك..

أشهد أنك رسول الله صلى الله عليك وسلم..

يا حبيبي .. يا سيدي.. يا مولاي..

السلام عليك يا سيدنا أبا بكر ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً.

السلام عليك يا سيدنا عمر الفاروق ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً.

السلام عليك يا حبيبي..

جئتك جريحا يا حبيبي.. بل مذبوحا..

ذبحني عشيرتي وإخوتي وأهلي..

لم يفت في عضدي هجوم عدوي لكن انقلاب أخي عليّ هد كياني..

هل يمكن أن يكون الإنسان عدو نفسه؟

هل يمكن أن تتواطأ الفريسة مع الصياد كي يذبحها..

صرخت فيهم يا حبيبي: نحن قطيع يساق نحو المجزرة وهو فرح بها نشوان.. فاتهموني.. وطاردوني..

يطاردني من كان يجب أن يحميني..

وهم يحاربون الرسالة التي أرسلك الله بها إلينا.. بل إلى البشرية جمعاء..



كنت أزور حبيبي صلى الله عليه وسلم.. وصلت عند الفجر لكنني لم أذهب إلى الحرم المدني إلا في صلاة المغرب..

ولم تكن وعثاء السفر هي التي منعتني من الذهاب فورا إلى حضرته..

ما منعني كان الرعب والهيبة..

كنت مرعوبا وخائفا..

كانت الهيبة كاملة.. لكن الخوف كان مني.. من ذنوبي.. من تقصيري.. من آثامي.. ذلك أنني فخور بأنه نبيي.. فهل يفخر هو بي.. هل يباهي بي الأمم يوم القيامة أم يعرض عني فيتساقط لحم وجهي خجلا منه.. وهل يرويني يوم العطش عند الحوض أم يتركني وقد تشقق حلقي..

فقدت السيطرة على نفسي فرحت أبكي وأنتحب..

استخفيت كي لا يراني أحد وكتمت صوتي كي لا يسمعني الناس..

أشتاق إليك.. أشتاق إليك.. يا حبيبي..

حتى قبل وصول المخطوط إليّ عن طريق المرسل المجهول كنت أشتاق إليك.. لكن شوقي بعده ازداد عندما أضيف إلى شوق الحب شوق الحاجة وشوق النجاة..

ليس شوق عام ولا شوق عامين ولا شوق عشرة أعوام ولا شوق مائة عام ولا حتى شوق ألف عام..

أكثر أكثرأكثر أكثر..

أشتاق إليك منذ قبل مولدي.. وأشتاق إليك بعد أن أموت.. ذات مرة خطر لي أنني قد أمكث في البرزخ مليار عام لا أراك فيها فبكيت حتى انصدع كبدي..

في زياراتي السابقة كنت أقول لنفسي لو بكيت نجوت.. كنت أعد البكاء دليلا على وجود بقايا خشوع وعلى أن القلب لم يصدأ كله بعد.. ولكنني الآن أقل أملا في النجاة رغم أنني لا أكاد أستطيع السيطرة على نفسي وبكائي ونحيبي ونشيجي.. لا أكف عن البكاء.. والنجاة تبتعد.. وأنا أرتعد..

وقفت بعيدا عن المسجد..

يا للرعب يا للرعب يا للرعب.. ليت أمي لم تلدني.. أو ليتني كنت حجرا مجبورا على الطاعة لا يحمل أمانة ولا يختار.. حجر يحن إليك كجذع النخلة فيبكي..

زاد الأمر عليّ.. أحسست أنني سأتفتت وأتلاشى أو سأجن.. أو سأنطلق نحو الجبال والصحراء صارخا في البرية مجنونا لا يلوي على شيء.. كي أهرب فيها وأتوه وأضيع وأتلاشى..

صرخت في نفسي مثبتا لها:

- لماذا الخوف لماذا الفزع لماذا الجزع.. إنس كل شيء.. أليس يكفيك أن الله ربك وأنك عبده وأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبيك ورسولك.. ماذا تريد أكثر من ذلك.. ماذا تريد من الوجود أكثر..ألا يكفيك هذا.. ألا يكفيك..

ورحت أصرخ دون صوت:

- الله ربك وأنت عبده ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيك ورسولك....ماذا تريد أكثر.. تهون الدنيا بعد ذلك.. تهون الدنيا.. كل ما عدا هذا لا يهم..

قسرت نفسي واستجمعت شجاعتي وقهرت جبني فدخلت..

كان الزحام شديدا شديدا شديدا..

في ساحات المسجد الخارجية كان الزحام شديدا.. لكن بعد دخول المسجد ستدرك معنى الزحام حقا وأن ما خارج المسجد لم يكن زحاما..

في جزء ما.. لا أدركه فوجئت بمن يمسك يدي.. كاد قلبي يقفز خارج صدري.. هل هو المرسل المجهول.. نظرت في وجه الرجل.. بدا أنه يتوسل إليّ من أجل شيء ما.. لم أفهمه وبسبب الزحام لم أسمع ما يقول.. بدا عليه الرعب من ألا أجيب طلبه..ترى.. هل يطلب مالا.. هل يطلب صدقة.. هل يطلب مساعدة.. بدا لي أنه سيعاني خذلانا فظيعا لو لم أستجب له.. ربما سقط من هول الصدمة.. وهو يلح وأنا لا أسمع ولا أستطيع أن أحدس ما يريد.. أدرك أنني لا أسمع ولا أفهم فأشار.. كان بجانب الجدار ثمة مائدة على الأرض تمتد -كما عرفت في الأيام التالية- بمحيط المسجد وبممراته ..وجبة الإفطار للصائمين.. وكان يتوسل إليّ أن أكون ضيفه وبدا مرعوبا من رفضي كأن رفضي سيكون دليلا على غضب الله عليه وأنه سيدخله النار.. كانت عيناه تنضحان بالتوسل بل تطفحان بتسول رضائي..

بكيت بكيت بكيت بكيت..

أباهي الدنيا والعالم والتاريخ بديني..

باه بنا الأمم يوم القيامة يا رسول الله..

باه بنا الأمم..

نحن خير أمة أخرجت للناس..

يا رب.. اشهد لأمة محمد أنه ما من مكان في الأرض عُبدت فيه كهذا المكان.. والمسجد الحرام.. إشهد ..

مليون مصل في الحرم يفطرون بهذه الطريقة..

بكيت يا حبيبي..

مليون من البشر يفطرون على مائدتك في يوم واحد وأنت كنت تجوع..

كنت فقيرا..

خيرك الله أن يجعل لك الجبال ذهبا فآثرت هداية أمتك..

وخيرك المشركون أن يجمعوا لك حتى تكون أغناهم فأبيت وآثرت هدايتهم..

كان يجوع..

نعم.. كان حبيبي وحبيبكم صلى الله عليه وسلم يجوع فيربط الحجر على بطنه.

وما شبع سيدي وحبيبي ومولاي صلى الله عليه وسلم من خبز القمح ثلاثة أيام متتالية حتى فارق الدنيا، ويمر عليه الشهر والشهران فلا يوقد في بيته نار .. وكان يحب أكل اللحم لكنه لم يكن يأكله إلا ثلاث أو أربع مرات.... كل... عام..!! ..

لو أنه شاء لكان..

لو أنه شاء لبزّ الأكاسرة والقياصرة..

لكنه أبى..

***

أذوب في الزحام..

يشتبك ثوبي بثوب أحدهم فيتمزق ثوبي.. لكنني لا أستطيع الآن العودة لاستبداله بثوب آخر..

لم يكن لحبيبي صلى الله عليه وسلم قط قميصان معاً ، ولا رداءان معاً ، ولا إزاران ولا نعلان وكان يلبس الصوف حيث الصوف أرخص نسيج آنذاك ، ويرتق ثوبه ، ويرقع قميصه ، ويخصف نعله ، ويركب الحمارة ويحلب شاته ولم يستمتع بدنياه وكان طعامه الشعير ومات ودرعه مرهونة عند يهودي ولا ميراث لأهله مما ترك عقار وهو قليل .

***

أمس.. أو اليوم.. فلم أعد أدري أمسي من غدي.. كان أحد رفاق الرحلة يشكو من خشونة الفراش.. قال لي أنه لم يستطع النوم.. ثم واصل:

- أنت أيضا لم تكن مستقرا في نومك.. كان نومك أشبه بالكوابيس وأنت تشكو من المطاردة وتتحدث عن شيء اسمه البروتوكولات..

- سألني: ما هذه البروتوكولات؟

- أجبته:

- أضغاث أحلام..

***

كان الفراش خشنا

اضطجع حبيبي وسيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه فلما استيقظ عرضوا عليه أن يبسطوا له على الحصير شيئا فقال: ما لي وللدنيا.. وما أنا والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها ..

***

أذوب في الزحام..

مئات وربما آلاف من الجند يحاولون تنظيم الناس..

في حياته لم يكن له حرس..

صرفهم

هل كان يمكن أن يحدث ذلك يا حبيبي ما لم يكن ذلك وحياً من الله الذي يعلم الغيب وبيده الموت والحياة .قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).

آمنت مبشرة ونطقت الشهادتين عندما قرأت هذه الآية فالإنسان لا يتآمر على نفسه ولا يقامر بحياته.. ولو لا قدر الله قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية لضاعت حياته وضاعت رسالته.

***

آمن آخر عندما رفض أن يكون كسوف الشمس حزنا لموت ابنه إبراهيم..

طواني الموج..مئات بل آلاف بل ملايين..ذبت وسط الملايين.. انعدمت القدرة على الحركة المستقلة.. أصبحت والناس جسدا هائلا يتحرك جملة.. كجسد واحد.. فقدت القدرة على الحركة المستقلة.. تماما كما يعجز قلبك أو كبدك أو مخك عن التجول بحرية داخل جسدك.. طواني الموج.. الكتلة الهائلة تتحرك كجسد واحد..لم أعد أسمع شيئا مستقلا ولا أرى شيئا.. كيف يمكن أن أقابل المرسل المجهول في وضع كهذا؟ كيف؟.. لو أنه كان لصيقا لما سمعته ولو سمعته ما استطعت الالتفات إليه.. لا شيء إلا الزحام.. يهولني الأمر.. إن كان هذا زحام الدنيا فكيف يكون يوم الحشر.. أريد أن أنفصل.. أريد أن أقترب من الروضة الشريفة.. وكل ذلك مستحيل.. لم أكن أعرف حتى في أي مكان من المسجد أنا.. رأيت ضوءا.. أدركت أننا نقترب من باب يؤدي إلى الخارج.. انخلع بالرعب قلبي.. هل يلفظني المسجد النبوي.. المدينة كالكير يخرج الخبيث .. حبيبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد.. يا رب.. ليس لي سواك ولا أحتمل أن أطرد من مسجد رسولك.. يا رب.. يا رب.. وحق جلال وجهك الكريم أنت تعلم أن بي ضعفا لكنني غير منافق ولست خبثا .. يقول حبيبي صلى الله عليه وسلم : ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله إليه كل كافر ومنافق .. سأموت لو خرجت.. جد لي مكانا يا رب.. جد لي مكانا.. بكل ما أستطيع من خضوع وتوسل وزلة كنت أدعو.. والزحام أمواج كالجبال.. وفجأة وجدت نفسي على حافة الموج.. وفي ثانية وربما أقل..كان أحدهم في الصف الثالث أمامي قد قام كي يضع المصحف الذي كان يتلو منه في مكانه فقفز من خلفه واحتل مكانه.. ربما ظنه سيغادر.. وكان المكان الذي خلا إلى جواري مباشرة.. لم أهرع إليه بل دعّني الزحام فيه.. لا أنا ولا من أمامي ولا رجل الصف الثالث كنا نستطيع تبديل ما حدث أو النكوص عنه .. وعلى الفور نويت الصلاة ورحت أبكي.. هل قلت رحت أبكي؟ .. لكنني قبلها كنت أيضا أبكي.. لكن البكاء عن البكاء يختلف..رحت أصلي.. وأصلي.. وأصلي.. وأدعو.. وأدعو..وأدعو.. أذن للمغرب فصلينا.. ثم العشاء.. ومضى وقت طويل فخف الزحام قليلا.. وتلفت حولي لأعلم أين أنا..

يا اللـــــــــــــــه..

يا اللـــــــــــــــه..

ما أرحمك ما أكرمك..

فوجئت أنني أمام المقصورة النبوية مباشرة.. بيني وبينها مترين أو ثلاثة.. وبجوارها مباشرة الروضة الشريفة..

أقف مشدوها عاجزا عن النطق زمنا لا أدريه..

خامرني إحساسان متناقضان.. أولاهما أن أهرب.. والثاني أن أخترق الوجود والزمن فأصل إلى الجنة أراه وألمسه وأشمه وأغسل بدمعي يديه وقدميه..

ثم كمن يفيق فجأة بعد إغماءة رحت أصرخ:

- السلام عليك يا حبيبي وسيدي ومولاي.. السلام عليك..

كنت قد أنسيت الصيغة التي حفظتها.. فرحت أكرر: يا حبيبي يا حبيبي يا حبيبي..... وبعد أن استدركت رحت أقول:

- السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، وجزاك الله عن أمتك خيراً، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته.

السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً.

السلام عليك يا سيدنا عمر الفاروق ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً.

السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته..

يرتج كياني..

أصرخ فيمن حولي.. فيمن لا أعرف..لكنهم أعز عليّ من أعز أهلي..يربطني بهم نسبتنا لرسول الله..

أصرخ:

- لقد رد عليّ السلام.. لقد رد عليّ السلام.. لقد رد عليّ السلام..

وراح من حولي يتبادلون النظرات كما لو كانوا يشكون في عقلي.. فرحت أصرخ مرة أخرى أنني أقسم لهم أنه رد السلام عليّ وسألني أحدهم في دهشة:

- هل سمعته بأذنيك..

فأجبته:

- بل سمعته بقلبي.. فجأة ارتج قلبي وامتلأ نورا وسرت الكهرباء فيه فعرفت أنه رد عليّ.

وكان ثمة جندي واقف في الممر المجاور للحجرة النبوية مباشرة والمخصص للجند.. لمحته ينظر إلىّ بحب وإشفاق.. صرخت فيه:

- أنت سمعت؟!

فلم يرد وإن اختفت نظرته الحانية بسرعة.. فصرخت فيه:

- هل أرسلك المرسل المجهول لي؟..

مع صرختي تجمع الجنود حوله.. بدا لي أنه رئيسهم.. وربما بدا لهم أنني سأعتدي عليه.. بل أريد أن أقبل قدميه.. حاولت الوصول إليه..

ولكن موجة من البشر دفعتني أمامها كقشة يدفعها طوفان..

بعد ذلك عدت مرارا محاولا لقاءه مرة أخرى.. ولم أجده أبدا..

حاولت أن أسأل عنه زملاءه.. فأبكروا وجوده أصلا.. وقلت لنفسي ربما يخشون عليه مني..

***

كنت أحب لقاء حبيبي قبل الفجر..

في تلك اللحظات يكون الزحام أقل وأستطيع أن أحادثه وأشكو له .. وأبكي..

في تلك اللحظات يكون رواد المغرب والعشاء قد ذهبوا ليناموا قليلا تأهبا للفجر.. لم أكن أنام.. كنت أذهب لأبكي..

ذات فجر رحت أبكي..

كنت مرعوبا وحزينا وخجلا وخائفا..

رحت أناجيه بلا صوت.. كانت العبرات حروفي..

سيدي ومولاي وحبيبي أنا خجل من نفسي، فنحن لم نطعك.. لم نأتمر بأمرك.. ولهذا ذللنا وانهزمنا.. ونحن من جنس أولئك الذين قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.

أنا خجل من كل شيء..

لكن أقسى الخجل كان من الله.. ومنك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم

أخجل حتى من أن أدعوه ليغفر لي خطيئتي وتقصيري.

أخجل .. و أنا أفكر كم مرة سأعاني ما هو أشد من الموت و أقسى عندما يسألني الله يوم القيامة: ماذا فعلت.. ولماذا لم تستشهد مع الشهداء.. لماذا لم تجاهد أعداء الله..

خجلت.. حتى طغى الخزي و الخجل على الرعب والفزع والخوف والجزع..

خجلت وقلت لنفسي:

- حتى لو غفر لي الله يوم القيامة فلن ينقطع خجلي بل لعله يزيد.. ولعلي قبلها وحينها وبعدها أصرخ واسوأتاه ..وا سوأتاه و إن غفرت..

خجلت.. أغرقني الخزي وشلني الخجل .. تمزق قلبي، وانجرح، وكان الجرح طويلا وكان الطول طويلا: كطول المسافة بين مؤتة وبغداد، وكان الجرح عميقا وكان العمق عميقا ، عمق المسافة ما بين المسجد الأقصى وما بين الكعبة، وكان الجرح عريضا وكان العرض عريضا عرض الهوة التي صنعها – عليهم اللعنة – ملوك ورؤساء يتبعون بروتوكولات ما أدري من وضعها لهم..

سيدي.. حبيبي .. مولاي من أجل مواجهة هذه البروتوكولات جئت.. لأن ما تطرحه البروتوكولات الآن واحد من ثلاثة:

إما أن يبيدونا كعاد وثمود وكالهنود الحمر..

و إما أن يروضونا كما روضوا العبيد بعد أن يخرجونا من الملة..

و إما أن نجاهدهم..

والمخطوط الذي لم يكتمل قد يرسم لنا الطريق.. وهو لن يخرج عن القرآن وسنتك.. لكن القرآن وسنتك معنا منذ انتقلت إلى الرفيق الأعلى.. ونحن على أبصارنا غشاوة..المرسل المجهول ربما يعطينا مفتاح البداية وما يزيل الغشاوة.. ربما يعطينا دعاء أو سرا يقصر الطريق علينا به.

***

ليس أمامنا سبيل آخر..

فإذا أردنا الدنيا فإن علينا أن نهزم هذه البروتوكولات..

و إذا أردنا الآخرة فإن علينا أن نهزمها..

و إذا أردنا الدنيا و الآخرة فإن علينا أن نهزمها..

***

سيدي وحبيبي ومولاي:

وا إسلاماه..

أصرخ بها دون صوت ودونما أمل في الاستجابة والغوث من المخلوق فتتمزق نياط قلبي.. وأتوجه للخالق..

وا إسلاماه..

سيدي وحبيبي ومولاي:

إنني أشكو لرب السماوات والأرض الذي لم أعرف أسماءه وصفاته إلا منك.. أشكو وأصرخ وأستغيث: أينما توجهت رأيت مسلمين يذبحون وإسلاما يعتدي عليه وبلادا تتفكك وأمة تتآكل..

كي يرضى العالم القاسي المجرم المتوحش عنا لا بد أن نترك ملتنا ونتبع ملته وأن نوالي عدونا ونبرأ من أخينا وأن يكون عدونا الاستراتيجي هو حليفنا الاستراتيجي..

فوا إسلاماه..

أقولها دونما صوت.. أو أن صوتي يصم البرية .. لكن البرية بآذانها صمم..

أقولها بين الواقع والخيال.. وبين الحلم والكابوس

وا إسلاماه..

أقولها مذهولا وأنا أتأمل أتباعك -يا سيدي وحبيبي ومولاي صلى الله عليك وسلم كالمصعوق- متسائلا: هل ماتت قلوبكم؟.. إلى هذا الحد هان عليكم دينكم؟ هل يئستم من الخلد في الجنة؟ أم أنكم لم تؤمنوا بها أبدا؟!..

في بلادي كنت أحمل نسخا من مخطوط المرسل المجهول وأسير في الشوارع كالمجنون وأنا أتمنى أن أحمل درة أهوي بها على الناس صارخا أفيقوا.. أنهم يذبحون الإسلام بعد أن ذبحوا المسلمين..

أصرخ في كل من ركع لله ركعة أو صام يوما أو نطق بالشهادتين:

قم واجه معي بروتوكولات حكام العرب..

أقولها معذبا ممزقا نازفا لكنني لا أفقد الأمل في النصر الموعود أبدا..

قم واجه معي بروتوكولات حكام العرب..

تصرخ بها كل نبضة من نبضات قلبي.. كل شهقة وكل زفرة.. مع كل صحيفة أو مجلة.. كل مشهد.. كل خبر أطالعه..أو تعليق أسمعه.. أو واقع في الشارع أراه..

قم واجه معي بروتوكولات حكام العرب..

أقولها وأنا أرى الدين يستباح.. والحرمات تنتهك.. والأمة تمزق.. وولاة الأمر يخونون.. والنخبة المجرمة المنحطة تنافق..

أقولها وأنا أنظر في عيون الأبناء والأحفاد فأرى فيها حيرة من غسلوا مخه فأضلوه السبيل..

أقولها وأنا أنظر في عيون من حولي فأكاد أسمع صراخهم في يوم سيكون عليهم عَسِيراً ..

وَيَوْمَ يعض أصحاب البروتوكولات عَلَى أيديهم يَقُولُ الواحد منهم يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ..

يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ الشيطان خَلِيلاً ..

يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ الرئيس خَلِيلاً ..

يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ الملك خَلِيلاً ..

يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ الأمير خَلِيلاً ..

لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ..

يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا.. يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا..

***

يدوخني الألم فأقولها..

يذهلني الألم فأقولها..

يدميني الألم فأقولها..

وها أنذا أعيدها أمامك يا سيدي وحبيبي ومولاي..

ويدوخني ويذهلني ويدميني يا حبيبي أنني أقولها فلا يستجيبون ولا يتحركون..

أسمع صمت صوتهم وصوت صمتهم إذ يسمعون أوامرك بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا خائفون..

اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا جبناء منافقون..

اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا لصوص سارقون..

اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا سفلة منحطون..

اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا في الأسواق والمعيشة مشغولون..

أقولها فتختلط الأمور فلا أكاد أعلم هل ما أراه ورأيته وما أحسسته وأحسه كان حلما أم كابوسا أم خيالا أم حلم يقظة أم واقعا مريرا موازيا

أراه في المنام كما أراه في اليقظة:

أراني في صحراء واسعة شاسعة مترامية هائلة وثمة خطر هائل محدق لكنني لا أصرخ ولا أستغيث لأنني أعلم أن لا يوجد أحد يستطيع إنقاذي إلا هو.. هو الباقي.. وأنه يسمع صمتي كما يسمع صوتي فلذلك أفقد الرغبة في الصراخ رغم الكارثة المحدقة..

هل يئست ممن حولي..

لكنني لن أكف أبدا عن الصراخ فيهم:

قوموا واجهوا معي بروتوكولات حكام العرب..

أقولها دونما صدى..

أقولها وليس ثمة أمل إلا أن يكشف الله البلاء عنا..

ولكنني-حتى – لا أعلم إن كان الإذن الإلهي برفع الضر قد حان أوانه

***

قوموا واجهوا معي بروتوكولات حكام العرب..

أقولها وقد استنسر البغاث علينا..

أقولها وقد باض الحمام على الوتد وبال الحمار على الأسد..

***

كنت ما أزال أبكي..

وكنت أسأل نفسي في دهشة:

من أين أتت كل هذه الدموع..أم هي مخزونة منذ ألف وأربعمائة عام!

كان لابد- تحت وطأة الزحام- أن أبتعد خارجا من المسجد مرغما مع الموج كي أعود من باب آخر لأعود إلى المسجد..

المسجد الذي تشد الرحال إليه

كنت لم أعد أنا.. كنت أطوف في الزمان والمكان.. جاهدت للوصول للروضة الشريفة.. مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ..تختلف التفاسير.. هل هو بيت السيدة عائشة وحدها –رضي الله عنها- فتكون أضيق بكثير من المساحة المعروفة الآن أم بيوت نسائه جميعا فتكون هي المساحة المعروفة.. واختلفوا في فضلها.. تقول بعض التفاسير أن هذا المكان يشبه روضات الجنات في حصول السعادة والطمأنينة لمن يجلس فيه .وتقول أخرى أن العبادة في هذا المكان سبب لدخول الجنة وتقول تفسيرات أخرى-ويالعظمة هذا الدين- أن ليس لها فضل على بقية المسجد.. الحرية وتعدد الآراء والجهر بها أمر عظيم جدا لكنني لم أستسغ هذا الرأي.. الروضة؟ إنها سويداء قلبي. . أحشر جسدي بين الناس..أتسلل وسط الزحام.. تمنيت أن ينحف جسدي حتى يصبح في سمك الشعرة فأستطيع المرور وسط الزحام كي أصل لروضة حبيبي.. تمنيت أن أكون روحا فقط حتى أجول كما أشاء.. وتمنيت أن أكون عصفورا أو حمامة أطير و أحط أني شئت دون أن يمنعني مانع.. اقتربت.. اقتربت.. اقتربت..تذكرت كابوسي القديم عندما تجمد الشمع حولي فجمدني.. الآن أعوم وسط بحر ذراته بشر.. بحر انضغط حتى أصبح في كثافة الحديد.. لو كنت في سمك حد الموسى ربما استطعت المرور..أقول ربما.. كنت حيث لا أتحرك إنما يحركني الموج.. موجة وراء موجة.. بعد دهور استطعت رؤية البساط الأخضر الذي يغطي الروضة الشريفة.. حذرني البعض من أن الروضة الحقيقية لا تتطابق مع البساط.. وكنت قد أعددت الخرائط في قلبي واثقا أن ما لن تدركه عيني سيراه قلبي.. اقتربت.. اقتربت..أخيرا..أخيرا.. دسست قدمي بين الناس وكان إصبعا قدمي الصغيرين على البساط الأخضر.. يا الله.. يا للسعادة والسكون والطمأنينة.. نظر إلىّ من كانت قدمي بجواره بل تلامسه بعنف .. خفت أن ينهرني.. كانت عيناي خلف طوفان الدموع تتوسل إليه: لم يعد بقلبي متسع لجرح فسامحني..تحملني.. ألا يكفي أنك نلت مجد الجلوس فيها فصدق عليّ ببعضها.. كنت أتوسل.. وكان أقصى ما أتمناه أن يسمح لإصبعي قدمي أن يبقيا إلى جواره.. فجأة رأيته ينهض ويدفعني إلى مكانه..بكيت بكيت بكيت بكيت..أشرقت الأرض بنور ربها.. لا تيأس إذن يا مسكين.. إن كانت هذه رحمة العبد بالعبد فكيف تكون رحمة الرب.. طفقت أصلي وأدعو..كنت أصلي واقفا وأركع واقفا وأسجد على كتف من أمامي..

و..

و..

و..

وفي الأيام التالية وبنصائح إخواني كنت قد استطعت معرفة الأوقات التي تكون فيها الروضة أقل ازدحاما.. فاستطعت أن أنال مجد تعفير وجهي بالسجود وأنفي في البساط الأخضر.. هل يمكن للإنسان أن يتذكر الزمن التي كان فيه جنينا في بطن أمه؟.. ولو أن الجنين خير فهل كان يختار أن يغادر رحابة رحم أمه إلى ضيق الدنيا؟؟ هكذا كنت.

رحت أدعو.. لو أمكن تلخيص الزمن في دقيقة والعمر في لحظة لاستطعت أن أسرد ما دعوت به.. قلت كل شيء كل شيء كل شيء عن الماضي والحاضر والمستقبل وعن الألم والأمل والرجاء.. قلت كل شيء.. لكن شفتي لم تتحركا.. كان قلبي هو الذي يدعو.. وكان آخر دعائه أن يقبضني الله وأنا ساجد في الروضة.. كنت كجندي خارت قواه يطلب من سيده ويرجوه أن يسحبه من المعركة لعجزه عن المواصلة.

***

في يوم آخر.. كنت في الروضة الشريفة.. وازداد الزحام وحانت الصلاة فوجدت نفسي خارج الصفوف.. وبدءوا يدفعونني للخروج من الروضة.. لو كنت أستطيع تحويل كل خلية من خلاياي إلى نظرة توسل لفعلت.. لكنني لا أستطيع.. شملني دوار وشمل ساقي خدر فكدت أتعثر.. كان يمكنني التحامل على نفسي.. وكان يمكنني أن أخفي ما حدث عن الناس.. لكنني تركتهم يرونه كاملا.. بل ربما بالغت فيه قليلا.. ربما تصنعت أن ركبتي عاجزة عن حملي وأنها تؤلمني.. استغرق الأمر ثانية أو أقل فلم ألم بالتفاصيل.. لكن الحركة آتت أكلها فأشفقوا عليّ.. أشاروا إلى فتى صغير فخرج ووقفت مكانه..

هل كذبت؟

كم ألف عام يمكن أن أهوي بها في النار من أجل ذلك..

لن أنسى أبدا ملامح وجه الفتى.. كان كمن يطرد من الجنة.. كمن ظن أنه حصل على جائزة بالمليارات ثم اكتشف في اللحظة الأخيرة أنها لم تكن له.

***

في الليل..رأيت المرسل المجهول.. لست واثقا إن كنت قد رأيته في الحقيقة أو المنام.. لكنه كان ينظر معاتبا نحوي ويشير إلى ركبتي ويحرك وجهه يمنة ويسرة بما يعني الرفض أو التحذير أو العتاب أو الغضب.. حاولت أن أكلمه فانحبس صوتي.. ومضى.. حاولت أن أجري خلفه.. لكنني فوجئت بنفسي عاجزا عن الحركة.. وكان ثمة ألم كالنار في ركبتي..

بكيت بكيت بكيت بكيت بكيت...

ونمت..

فرحت.. وجدت نفسي قد تحولت إلى عصفور.. طرت بأقصى سرعة.. قلت لنفسي الآن سأستمتع بالروضة كيف أشاء.. طرت فوق رؤوس الناس.. ها هي.. ها هي.. وها أنذا على وشك الوصول.. لكن جدارا غير مرئي منعني.. اصطدمت به صدمة كادت تهلكني.. فانكسر جناحي واشتعل فيه الألم كالنار.. هل أدركت يا مسكين.. كانت المشكلة في الدعاء لا في الإجابة .. لكنك لم تتخيل –يا مسكين- أن الاستجابة لدعاء العقول لا يعني القبول ثم أن القبول لا يعني المثول..

بكيت بكيت بكيت بكيت بكيت...

في المنام بكيت.. وعندما استيقظت بكيت ونمت فرأيت أنني أركب سفينة تغرق.. تعلقت فيها بيديّ.. كنا وسط الماء.. مئات وآلاف يتصارعون على النجاة.. وكان البحر غريبا.. كان الماء يتجمد حول بعضنا يغلي حول بعضنا الآخر.. أفلتت يدي السفينة الغارقة.. انقلبت في الماء فتعلقت بحرف السفينة بإصبعي قدمي الصغيرين..

وبكيت بكيت بكيت بكيت بكيت...

في المنام بكيت.. وعندما استيقظت بكيت ونمت فرأيت أننا يوم القيامة.. كنت أسير على الصراط في أمان لكن ثقبا انفتح فيه فجأة بطريقة لم أدرك كنهها أبدا.. انقلبت على وجهي وسقطت رأسي نحو الأسفل تحتها جبال من النار لا آخر لها.. في آخر لحظة تعلقت في حرف الصراط بإصبع قدمي الصغيرين.

***

الغريب.. أنني في الأيام التالية.. كنت أذهب إلى الروضة الشريفة محمولا أو مسنودا.. لأن النار التي اشتعلت في ركبتي لم تنطفئ. والحركة التي بالغت فيها أصبحت أفعل أضعافها مجبورا..

***

مع الرحيل انخلع قلبي..

لم أجرؤ على وداع حبيبي..

لعل الزمن فتق يرتق فأجدني معك في الجنة..

لم أجرؤ على وداعه..

فالوداع يا أحب بلاد الله إليه..

الوداع..

فلكل بداية نهاية ولكل أول آخر..إلا الأول والآخر..

حتى أنت.. يا أحب بلاد حبيبي تخربين وتهجرين حتى تدخل وحوش الفلاة إلى الحرم..

لا يعزيني إلا أنك آخر مدن الإسلام خرابا قبل الساعة

لا يعزيني إلا أنني أموت إن شاء الله قبلك..

لا يعزيني إلا أن خراب المدينة يكون بعد موت من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان

الجمعة، 3 يوليو 2015

بروتوكولات حكماء العرب -10-


البروتوكول الثامن
بروتوكولات حكماء العرب
-10-
فسد الملح .. فسد..


دكتور محمد عباس

هل قلت لكم يا ناس أن المرسل المجهول للمخطوط قد بشرني..؟!..

هل قلت لكم أنه بشرني.. لا بالنصر بل بالشهادة.. إحدى الحسنيين..؟!

هل قلت لكم أنني أنتظر الاستشهاد كما ينتظر العريس حفل عرسه أو كما ينتظر الأسير يوم عتقه؟!..

هل قلت لكم أنه واعدني؟!!..

وأنني أذوب شوقا إلى لقائه..

لم يصرح لي أنه سيلقاني.. لكنه قال – بعد أن ألححت عليه بالسؤال تلو السؤال- :

- اذهب إلى الحج..

أفعمتني النشوة فكأني شربت من خمر الجنة..

سألته : هل أراك هناك..
 قال: اذهب..
قلت هل ألقاك هناك..
قال: اذهب..
قلت هل أسمعك هناك..
قال : اذهب..
قلت هل تفسر لي هناك ما لم أستطع عليه صبرا؟..
قال: اذهب..
 قلت هل تعلمني كيف نواجه مخطط الشيطان ..
 قال: اذهب..
قلت هل تبصرني كيف أنقذ أمتي مما ورد في البروتوكولات .. قال: اذهب..
قلت : هل تنير لي بصيرتي؟..
قال: اذهب..
قلت هل تمنحني قلما لا يكتب إلا الحق؟..
 قال : اذهب..
قلت: هل تعطيني تعويذة تجعل لساني لا يقول إلا الصدق؟!..
 قال: اذهب..
قلت: هل تدعو لي دعاءً يجعل لي أذنا لا تسمع إلا ما يمكث في الأرض أما الزبد فتتركه جفاءً؟! ..
قال اذهب..
 قلت : هل تعطيني سيفا لا يضرب إلا الظالم..؟! ..
قال: اذهب....
قلت هل تعطيني قلبا لا يغضب إلا للحق..
 قال : اذهب..
قلت : هل تنير ظلمات قلبي حتى يبصر ..
قال اذهب؟!..
قلت هل تأخذ بيدي حتى يصبح بصري حديدا فقد تعبت من مراوغة الشيطان والسلطان والكتبة ؟!..
قال : اذهب..
شكوت له شيخي.. فقال: اذهب.. قلت له أنا شريد سرقوا بيته فآوني..
قال اذهب..
قلت له : لم يسرقوا البيت فقط بل والوطن أيضا..
قال: اذهب..
 قلت له: لم يسرقوا الوطن وحده بل الأمة كلها..
 قال: اذهب..
قلت: أخذوا النساء سبايا والرجال عبيدا.. وكل طفل لنا يولد يعولمونه أو يذبحونه ..
 قال : اذهب..
 قلت له: أنا يتيم باعه إخوته فَضُمّنى ..
قال اذهب..
قلت له لا تودعني ولا تهجرني ولا تقلني ولا تدعني ..
قال : اذهب..
قلت له : أنا ضال فاهدني..
قال اذهب..
قلت له : أنا عائل فأغنني..
قال : اذهب..
قلت له : أنا جاهل فعلمني..
قال: تعلم.. 
قلت: تكلم..!! .. 
قال: تألّم..!!!..

هل قلت ذلك لكم يا ناس؟!..

هل قلت لكم أيضا أنني قلت له:

- كنا نصلح بالملح.. لكن فسد الملح.. فسد الملح.. فمن يصلح الملح إذا فسد..

وأنه لم يزد على قوله:

- اذهب..

وكان يعنى : " اذهب إلى الحج"..

هل قلت لكم ذلك في رسائلي السابقة إليكم.. ؟؟ لا أتذكر..

لكنني حريص من يومها ألا أكتفي بنسخ البروتوكولات لكم.. بل أنقل لكم أيضا كل ما يحدث لي.. فقد أنال الشهادة في أي وقت.. والمرسل المجهول لم يعدني بشيء ولم يكشف لي شيئا.. لكنني واثق أنه حين أمرني أن أذهب لم يكن الأمر عبثا ولا سدى.. ولست أدرى أين وضع سره.. هل في كشف هذه البروتوكولات وأمري بأن أنسخها لكم يا ناس؟.. هل سيكتفي بكشفها كي تبحثوا أنتم عن ترياق لها؟.. أم أنه سيمنحني الترياق.. أم أن الترياق سيأتي في ومضة كشف مذهلة قد تومض في رأسي بغتة و أنا واقف في عرفات .. أو وأنا أطوف وأسعى.. أو أرمى الجمرات.. هل يأتي رأيا أم يأتي رؤيا ؟.. أم أرى آياته في الآفاق..

لا أعرف يا ناس..


منذ بدأت طريق الذهاب إلى الحج عقدت العزم على أن أرهف سمعي.. أرهف بصري.. أرهف جلدي .. وأرهف عقلي.. فقد يومض الحل كما يومض الشهاب.. قد يومض في لمعة عين أو خلجة ملمح أو همسة شفة أو هبة ريح أو خطرة فكرة أو برعم زهرة..

لو غفلت لحظة هلكت..


***

كنا ما نزال في الطريق إلى الحج حين عرفت القوم.. في استراحة للحافلات كانوا يجلسون إلى جواري.. و كانوا يتحاورون:

- لقد ورد هذا في البروتوكول الرابع..

- بل في الثالث..

اقتربت منهم.. تسللت .. اختلست النظر فيما يقرءون.. قرأت:
".. أن يحال إلى المحاكمة على أن يوضع سيناريو المحاكمة كاملا للقضاة.. و هذه أيضا نقطة هامة جدا.. فلو أن القضاة تصرفوا كقضاة فسوف تسوء الأمور أكثر.. سوف تثبت مسئوليتكم المباشرة عما حدث.. أنتم لا تحتاجون لقاض حقيقي بل لمن يمثل دور القاضي.. خطورة القاضي الحقيقي عليكم كخطورة رجل الدين الحقيقي الذي لم يروض ولم يستأنس.. "..

استخفنى الفرح حتى تخليت عن دواعي الحذر فهتفت بلا روية:

- من أي البلاد أنتم .. وكيف وصلت هذه البروتوكولات إليكم..؟..
تجمدوا من الرعب حتى غشى البعض منهم.. فقد ظنوني من العسس الذين تزج بهم الحكومات العميلة كي ترصد مشاريع الشهداء .. حاولت أن أقول لهم أنني منهم لا عليهم.. لم يصدقوني في البداية.. هل كان علىّ أن أقول لهم أنني أنا الذي أنقل هذه البروتوكولات إليهم؟.. هل كان علىّ أن أكشف سرى وأفضح أمري؟.. فإن لم يكن لي ذلك فما أصعب أن أحملهم على الاقتناع بالنتيجة دون أن أحدثهم عن الوسيلة والسبب.. رحت أحاول وأحاول.. قلت لهم أنهم غير مخلصين.. لأن الرجل المجهول الذي ينقل إلينا المخطوط الذي أرسله المرسل المجهول قد أوصانا ألا نحتفظ بهذه البروتوكولات في أيدينا بل في قلوبنا..
قل رعبهم قليلا لكنهم لم يطمئنوا.. فرحت في مراحل الطريق إلى الحج مرحلة بعد مرحلة أتواعد معهم لنلتقي بعد كل مرحلة.. أكسب ودهم وطمأنينتهم.. ألقيت على مسامعهم البروتوكولات كلها فقد كنت أحفظها.. وعندما وجدت بقايا شك خاطرت.. قلت لهم سأتلو عليكم ما لم تحيطوا به خبرا.. ورحت أتلو عليهم ما لم يصل إليهم بعد.. البروتوكول الثامن..
***
البروتوكول الثامن

سوف أحدثكم يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات اليوم عن موضوع بالغ الأهمية –.. وأرجو أن تدركوا أن كل البروتوكولات بالغة الأهمية- لكن أهمية هذا الموضوع في أنه يعطى لكم مفاتيح في الرد على بعض الأسئلة المحرجة التي قد تتعرضون لها في مؤتمر صحفي أو حديث تليفزيوني أو أي مناسبة من تلك المناسبات التي يفرضها اصطناع الشكل الديموقراطي الذي يفرضه النظام العالمي الجديد عليكم..

إن الأمر ليس أمر ذكاء ولا علم ولا سرعة بديهة.. الأمر إعداد متقن.. وفى سبيلكم لهذا الإعداد عليكم أن تغيروا من تركيبة المجتمع في بلادكم.. لقد درج الأمر في المجتمعات الأخرى أن تكون نخبة المجتمع والشريحة العليا فيه ممثلة لأقل من 1% من المجتمع.. وتمثل الحثالة والغوغاء نسبة 20 أو حتى 25% من الشعب.. الباقي من هذا وذاك تمثله الطبقة المتوسطة.. وهذه التركيبة للمجتمع غير صالحة بالنسبة لكم..بل إنها أخطر ما يكون.. ذلك أن النخبة لن تصدقكم – -ولن تكف في نفس الوقت عن تأييدكم - مهما قلتم أو فعلتم.. أما الحثالة فلن تكذبكم – كما لن تعارضكم – مهما قلتم أو فعلتم.. المصائب كلها تأتى من الفئة المتوسطة .. الطبقة المتوسطة.. فهي وعاء دين المجتمع وقيمه وفلسفته وثقافته وذاكرته ووعيه وتاريخه.. منها العلماء والمفكرون والشيوخ والفلاسفة والكتاب والصحافيون والفنيون والمهنيون والجيش والنيابة والقضاء والمعلمون إلى نهاية هذه السلسلة التي تشكل العمود الفقري للمجتمع.. ولكي تأمنوا على عروشكم فإن عليكم القيام بتحطيم هذه الطبقة تحطيما..لأنها هي التي تستطيع أن تفكر وتؤيد وتعارض.. وهى التي تستطيع أن تزلزل عروشكم عندما تكتشف خياناتكم –.. - إنني هنا أستعمل مصطلحاتهم الإرهابية المريضة- .. لكن كيف تحطمونهم.. ليت الظروف كانت تسمح أن نسحقهم بالدبابات أو نبيدهم بالطائرات أو أن نلقى بهم جميعا في غياهب السجون.. لكن الظروف لا تسمح أبدا بمثل هذا.. كما أن نشر السموم في الغذاء عن طريق المبيدات والمخصبات قد يستغرق أجيالا حتى يؤتى أكله.. لذلك أقدم لكم الحل البديل.. انتقوا من الطبقة المتوسطة 2 أو 3 أو حتى 5% وضموهم إلى النخبة.. أما الباقي منهم فاسحقوهم كي يكونوا من الحثالة والغوغاء.. إن توسيع طبقة النخبة سوف يثير في الطبقة المتوسطة حمى كحمى الذهب.. سوف يحاول معظمهم أن يفوز بالغنيمة.. وفى محاولتهم تلك لن ينكصوا عن جريمة.. تريدون قائدا يعتمد صفقة أسلحة فاسدة.. سيتنافس على الاعتماد مائة قائد.. تريدون قاضيا يحكم لكم بالباطل.. قاضيا تكتبون له الحكم قبل أن تبدأ المحاكمة ويكون كل جهده في إتقان التمثيلية لا أمام الغوغاء والرعاع بل أمام العالم الخارجي الذي ينظر ويرصد ويتحفز.. ستجدون ألف قاض.. تريدون محاميا للشعب أو مدعٍ عامٍ يتلقى التعليمات من أصغر خادم في الحاشية ويخشى أن يعارض أصغر شرطي .. ستجدون.. تريدون رجل دين يبيع دينه بأبخس ثمن .. ستجدون.. تريدون رئيسا لنادي العدالة يسحق العدالة بحذائه ويمزقها بزنده.. ستجدون.. تريدون مربيا يربى على الضلالة والفسوق .. ستجدون.. لن تجدوا فقط.. بل سيتنافسون تحت أقدامكم كي ينضموا للنخبة.. إنكم بهذه الطريقة تصطادون ألف عصفور بحجر واحد.. لأن توسيع قاعدة النخبة سينقل بأسهم ليكون بينهم.. وفى أتون التنافس والصراع سوف يحاول كل منهم أن يثبت ولاءه لجلالاتكم وفخاماتكم أكثر وأكثر كي يستمد منكم العون على خصومه.. وكلما اشتدت ضراوة التنافس بينهم كلما ارتفعت قيمتكم.. ليس على النحو المباشر المتمثل في الربح منهم.. بل على النحو الأهم.. ذلك أن توسعة قاعدة ومساحة النخبة تهبط بقيمة كل فرد فيها.. ليظل الملك أو الرئيس هو وحده الأعلى.. هو الإله..

على الجانب الآخر.. فسوف ينسحق أولئك الذين لم يفوزوا في الصراع.. أولئك الذين لم يستطيعوا الانضمام للنخبة.. إما عن رفض وإما عن عجز.. سوف يهبطون إلى الحثالة عن طريق برمجة دقيقة للاقتصاد والاستنزاف والسرقات والضرائب والرسوم وجداول الأجور ونفقات التعليم..سوف ينسحقون وينحدرون رويدا رويدا إلى طبقة الحثالة والغوغاء التي تشغلها هموم حياتها اليومية عن أي تأثير في مجريات الأمور..

يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات..

عندما تصلون إلى إعادة تشكيل شعوبكم على هذا النحو لن يوجد من بين شعوبكم من يوجه إليكم أي سؤال محرج.. سوف يكون الكل مجروحا.. الفرد والمجتمع.. الأحزاب والهيئات والمؤسسات والنقابات.. لكنكم ستواجهون هذه الأسئلة المحرجة من الخارج.

سوف تواجهون مثلا بسؤال يقول:

- جلالة الملك.. أنت تحكم من أكثر من عشرين عاما.. بدأت والصادرات خمسة مليارات انخفضت الآن إلى ثلاثة .. وبدأت والواردات مليارا ارتفعت الآن إلى عشرين.. وفى فترة أقل من فترة حكمك حققت دولة كسنغافورة معجزتها الاقتصادية الكبرى.. نعم.. ارتفعت وارداتها من أقل من مليار إلى أكثر من عشرة مليارات.. ولكن صادراتها ارتفعت من ثلاثة مليارات إلى مائة وثمانين مليارا.. ألا يعد هذا دليلا على فشل جلالتكم مهما كانت مبررات آلتكم الإعلامية..

قد تواجهون أيضا سؤالا يقول:


- فخامة الرئيس.. إن فخامتكم لم تنجحوا طيلة حكمكم في أي من مشروعات التنمية.. نجحتم فقط في تنمية جهاز الأمن..

أو سؤالا يلقيه مسلم تحميه جنسيته الأجنبية :

- أنتم تتهمون الدين بأنه سبب تخلف شعوبكم.. بينما الواقع يقول : لم ينهزم دين البسطاء الصحيح وإنما دين السادة العلمانى الوضيع هو الذي انهزم .. دينك يا سمو الأمير..

يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات.. عندما تواجهون مثل هذه الأسئلة فليس أمامكم سوى طريقين..

الطريق الأول تسلكونه إذا كانت العلاقات الظاهرية بينكم وبين الغرب ليست على ما يرام.. ( أرجوكم الانتباه لكلمة : الظاهرية).. وفى هذه الحالة ستمنون على شعوبكم ودولكم بأنه لولاكم لكان الانهيار التام..إن هزائمكم ليت هزائم بل نكسات.. وأن نجاحكم في أم المعارك أو أخواتها هو قدرتكم على المحافظة على البنيان وشكل الدولة متمثلة في رأسها.... ثم أن فداحة النكسات ترجع لضخامة الهجمة الإمبريالية وعنفها وشمولها وعنف المؤامرات والخدع التي لم يفطن إليها الشعب في الداخل ولا الأشقاء في الخارج.. أما أنتم فقد فعلتم كل ما عليكم.. بل ويزيد.. وبحديثكم يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات عن شراسة هجمة الأعداء فإن ذلك يستدعى على الفور أن أي تخل عن القيادة في هذه الفترة المصيرية من حياة الشعب هو خيانة للأمة وتحالف مع العدو. .. ثم أن تركيزنا على ضخامة الهجمة تتيح لنا أن نقول أن عبقريتنا هي التي لم تجعل الهزيمة كاملة.

الطريق الثاني
تسلكونه عندما تتحسن العلاقات مع الغرب.. سوف تتحدثون عندها عن تحجر وتخلف الشعب.. عن جهله.. عن قلة إنتاجيته وزيادة استهلاكه.. عن غبائه وعدم قدرته على الفهم.. عن خيانة المعارضة.. وكل هذا مجرد تمهيد للبطش والقمع لشعب لم يربّ ويجب أن يساس بالحديد والنار... نعم .. عليكم أن تدفعوا شعوبكم للشعور بالإثم والعار لأنهم سبب كل هزيمة وتخلف.. وأنه لولاكم لساءت الأمور إلى غير حد.. عليكم أن تزرعوا في أذهان الناس أن العار يجللهم والخطيئة تحيط بهم وأنهم هم المسئولون عن كل ما حدث.. وأنكم تعالجون المصائب التي تسببوا فيها والكوارث إلى قادوا البلاد إليها بحكمة الفلاسفة وصبر أيوب.. نعم .. يجب – والحال ذاك - على الشعب الجاحد أن يقوم بالتكفير الدائم عن تخلفه لمحرريه ومنقذيه..وأن يكون هذا التكفير لكم يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات ويا سمو السماوات.. إنها فكرة الخطيئة الأبدية تلبس لباسا آخر.. انقلوها من مجال الدين إلى مجال السياسة .. وبيعوا صكوك الغفران .. وامنحوا صكوك الوطنية لمن تشاءون وادمغوا بالخيانة من تريدون..

إن هذه الطريقة في التفكير لن تساعدكم في الرد على الأسئلة المحرجة فقط.. فالأهم أنها سوف تخرس الشعب وتحاصره .. ليس ذلك فقط ..فإنها تؤثر على المثقفين المعارضين من بقايا الطبقة المتوسطة تأثيرا مزدوجا.. لأنهم والوضع ذاك.. وقد استسلم الشعب وراح يكفّر ويتوب .. دون أن يأمل أبدا في أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.. هذا الشعب المحكوم عليه بالذنب الدائم لن يعارض ولن ينتقد ولن يطمع في الكثير .. فإن أقصى ما يطمح أن يصل إليه هو التوقف عن ارتكاب ذنوب جديدة أما ما حدث فقد حدث ولا غفران له.. إن الملك أو الرئيس يقوم هنا بدور المخلص.. بدور من يحمل خطايا شعبه على كاهله ويقوم هو بدفع ثمن أخطاء غيره.. فطوبى لمن يفعل ذلك..

هذا الشعب الذي لا يكف ضميره عن تأنيبه سينظر بعدائية مضاعفة إلى المعارضين.. الذين مازالوا مصرين على الخطيئة التي كادت تورد الأمة موارد التهلكة لولا عبقرية الزعماء.

إنكم بهذه الطريقة في التفكير تغرقون شعوبكم في فشل مزدوج: الفشل الأول هو فشلكم في مواجهة أعداء الأمة.. لأنكم تتنصلون من هذا الفشل وتحملونه لشعوبكم.. أما الفشل الثاني الذي ستحيطون به شعوبكم.. فهو فشل هذه الشعوب في مواجهتكم.. فشلها في تغييركم أو توجيهكم أو السيطرة عليكم..

وبين هذين الفشلين ستصبح شعوبكم جثة هامدة.. أو سائمة.. تأكل وتشرب وتتناسل.. أما غير هذا فغير مسموح به.


استغرق الأمر أياما حتى تغلبت على توجس رفاق الحج وحذرهم منى.. راحوا يسألونني في البروتوكولات.. ورحت أعجب ويعجبون كيف انتشرت بهذه السرعة في بلاد المسلمين رغم جهود العسس..

همس لي رجل – بعد أن وثق بي-:

- أنا من بلاد الشرق .. حالكم أفضل من حالنا.. فحاكمنا ليس جاهلا فقط.. بل عميل..

قال الرجل الثاني:

- أنا من بلاد شرق الشرق ..حالكما أفضل من أحوالنا.. فملكنا خائن.. وجميع أسرته خونة..

قال الثالث:

- أنا من بلاد الغرب .. أحوالكم أفضل من أحوالنا.. فأميرنا وجميع عائلته وجميع حاشيته .. وجميع أصهاره.. وجميع أصحابه .. وجميع أنصاره خونة..

قال الرابع:

- أنا من بلاد غرب الغرب .. بل حالنا نحن الأشد.. فعاهلنا خائن لا شك في خيانته.. وحاشيته عميلة لا شك في عمالتها.. وعسسنا لم يعودوا مجرد حماة لصوص.. بل لصوص.. لصوص لا يكفون عن الإفساد في الأرض.. لم يعد لدينا قانون.. خدعونا أولاد الكلب.. قالوا لنا شريعتكم بالية وقديمة.. سنستورد لكم قانونا متحضرا يحافظ على حقوقكم.. ثم أتوا بقانون.. ليس قانون الله.. أتوا به لا لينصبوه بل لينتهكوه .. ونحن شهود ..

انضم خامس ليقول:


- أنا من بلاد الوسط.. وحالنا أسوأ من أحوالكم جميعا .. فجميع ما ذكرتم عندنا .. لكننا نزيد أن أجهزة العدالة في بلادنا قد تحولت إلى شيطان لم يعد أخرس.. بل شيطان متحدث ذرب اللسان.. أما قضاتنا فهم شر البرية.. لم يعد لدينا قضاة.. أصبحوا موظفين يأتمرون بأمر السلطان كشيخنا.. تكتب لهم الأحكام وهم كالمشاهد الديوث لمغتصب امرأته لا يغار.. لا يغار .. لا يغار.. بل يساعده.. كبّل يديها.. يكبّل.. أمسك ساقيها.. يمسك.. اكتم صرخاتها .. يكتم.. امنع شكواها.. يمنع..

قال السادس :
- أنا من بلاد وسط الوسط.. الأمر عندنا أسوأ من ذلك كله.. فالمناصب تباع وتشترى.. وليست المناصب فقط .. بل والمشروعات والقرارات والقضايا وكل ششيء.. ثمن عقيد في السياحة يفوق ثمن لواء في الأمن العام.. وثمن رقيب في مباحث أمن الإمارة يفوق ثمن عقيد في السياحة.. وثمن منصب مدير في الجمرك أو عضو في مجلس الشيوخ أغلى من ثمن منصب الوزير الأول..

قال السابع:

- أنا من بلاد الشمال.. أغلى شيء في بلادنا هو القضايا.. قضايا المخدرات غالية .. لكن قضايا السياسة أغلى بكثير.. بقضية سياسية واحدة يمكن للقاضي أن يكون أميرا أو وزيرا أو حائزا على مئات الملايين.. ولولا كثرة القضايا لقتل القضاة بعضهم البعض في المحاكم وهم يتنافسون من يفوز بالقضية..

قال الثامن:

- أنا من بلاد الجنوب.. أرخص ششيء في بلادنا الإنسان..

قال التاسع:

- بل الإنسان في بلادنا أرخص..

فعارضه الجميع:

- الإنسان رخيص في كل بلادنا ..

فقال العاشر:

- أرخص من الإنسان في بلادنا دم المسلم.. أو على الأحرى فإنه بلا ثمن..

- قال الحادي عشر:


- أنا من بلاد الـ"بدون".. في بلادنا يشترون حَكَمَ المباراة قبل المباراة.. مليونا.. مليونين.. عشرة ملايين.. يختلف الأمر باختلاف أهمية المباراة.. وتبدأ المباراة والنتيجة مكتوبة قبل البدء.. تسكن الكرة الشباك لكن الحكم يحكم أنها غير صحيحة.. أو تصل إلى مدرجات الجمهور فيحكم الحكم أنها هدف صحيح.. يقضى الحكم بالباطل.. فيعترض المظلوم.. فيطرد من الحلبة.. لأنه لا تعقيب على قرار الحكم في الملعب.. بعد المباراة يلجأ الفريق المظلوم إلى رؤساء الحكم.. يعاقبونه بخصم شهر من راتبه.. ألفا أو حتى عشرة آلاف.. ماذا يهم إن كان قد حصل على عشرة ملايين..

قال الثاني عشر:

- يا لك من رجل طيب لولا الحج لأسأت إليه.. نحن نتحدث عن الدين والحكم والملوك والقضاة وأنت تتحدث عن ملاعب الكرة..

فتلفت الحادي عشر حوله في رعب وهو يهمس:

- ظننتكم ستفهمون دون أن أبوح.. في بلادنا عقد الرعب ألسنتنا.. لم نعد نسمى الأشياء بأسمائها..

ثم ازداد رعبه وتلفته وهو يهمس:

- أنا لا أقصد الكرة فافهموا الرمز.. هل تعرفون لماذا يفلت الحَكَمُ من العقاب.. لأنه يستخلص لنفسه خمسة ملايين فقط.. أما الملايين الأخرى فيعطيها لرؤسائه.. الفساد شامل وكلى.. ولست أعرف كيف نتصرف..

هتف الثالث عشر:

- لا فسوق في الحج..

فقلت:

- الفسوق ألا تحارب الفسوق..

ثم أردفت:


- كان الحَكَمُ هو الأمل.. هو الملح الذي نصلح به ما فسد.. فكيف نفعل إذا فسد الملح.. نعم.. فسد الملح.. فسد الملح.. فسد الملح.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم..