الجمعة، 2 نوفمبر 2018

سلخ الإسلام وتقطيعه

سلخ الإسلام وتقطيعه
أ. د. زينب عبد العزيز 
أستاذة الحضارة الفرنسية


نعم، سلخ الإسلام كالذبيحة وتقطيعه، بل وتفتيته لجعله مقبولا ومباحا في الغرب! وخاصة: أن يتم عمل الجزارين الشائن هذا بأيدي المسلمين، أي ان يقوموا بذبح دينهم بأيديهم.. 
تلك هي المطالب الرئيسية التي يفرضها من يديرون اللعبة السياسية القذرة، وكل من يتواطأ معهم، سواء أكانوا فاتيكانيين وسياسيين أو غيرهم. فالكتابات واللقاءات أو حتى الندوات التي تفترش أخبارها الساحة الإعلامية العالمية الأوروبية يتزايد إيقاعها حتى الغثيان من القرف والأكاذيب.

أن يتم فرض مثل هذه الخيانة الفاضحة على المسلمين، فذلك يعني أن يُفرض عليهم كل الطريق السلبي الذي سلكته الرسالتان التوحيديتان السابقتان: اليهودية والمسيحية. كما يعني خاصة أن يُفرض على المسلمين تلك المحنة الشديدة الدامية المسيرة، التي سلكتها المسيحية، بما فيها من نسج وترقيع، مع تناسي أنه من بين الرسالات التوحيدية الثلاث الحالية، الإسلام وحده هو المنزّل، ونص القرآن الكريم هو الوحيد الذي لم تطوله أيادي التحريف منذ أن أنزله المولى عز وجل حتى يومنا هذا.

وهل لي تكرار أن محاولة اقتلاع الإسلام تتم بوحشية منذ 11/9، وهي أحد قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، وذلك بإصدار قرار تنصير العالم، في نفس الوقت الذي قام فيه المجمع بتبرأة اليهود من دم المسيح، رغم وضوح النصوص الحالية التي تؤكد قتلهم للسيد المسيح، وخاصة تحديد "أن اليهود ليسوا بحاجة الى التبشير"!! وهو ما يعني تحديدا: حرب شرسة ضد الإسلام وحده. كما أن باباوات ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني متورطون بدناءة في هذه المذبحة الدائرة. 
ولا أذكر منهم سوى الأخير: فأثناء زيارته الخاطفة لمصر يوم 28ـ29 إبريل 2017، التقى برجوليو على انفراد بالقيادات الثلاث السياسية والدينية، ونفث فيهم سمومه وفر عائدا. ويوم 3 مايو، أثناء أول قداس يعقده مع أتباعه، قال وهو يقص عليهم موجز رحلته في القاهرة، أنه قد اقترح على هؤلاء المسؤولين الثلاثة تنفيذ "العلمانية الصحية"، أي فصل الدين عن الدولة. وهو ما يعني المجزرة التي تدور حاليا في تزايد مقزز، بأيدي بعض المسلمين وبعض الكنسيين العملاء.

نشأة المسيحية البشرية الصنع

نشأت اول جماعة مسيحية وتكونت في الصراعات والتنازلات وتحريف الوصايا اليهودية التي انبثقت منها. وتم اختلاق كلمة "مسيحي" سنة 50، وكلمة المسيحية ظهرت في أواخر القرن الأول. وتطورت بين الصراعات واللعنات المتبادلة الهرطقات في أوج الإمبراطورية الرومانية. وتم محاربتها ولم يُسمح للمسيحيين بممارسة عقيدتهم إلا بفضل مرسوم ميلانو الصادر في إبريل 312، وتم فرضها لأسباب سياسية على كل الإمبراطورية بفضل قرار تيودوز الأول سنة 391. وتم تكوين العقائد وفقا للأغراض السياسية بالنهل من عدة حضارات قديمة أو سائدة آنذاك، مع العمل على إبادة كافة النصوص التي تكشف مراحل هذا التكوين الآدمي الصنع أو يمكنها إثبات النقل والتزوير والمتناقضات.

وكانت المشكلة الأساسية التي واجهت آباء الكنيسة هي كيفية إقحام يسوع وفقا لوجهة نظرهم، ثم إقحام الروح القدس في ثالوث غير مفهوم التكوين، بينما تزايد عدد المدارس والمذاهب التي تتناحر حول طبيعة يسوع، وإرادته، وأفعاله وأقواله، ولا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر سوى الأريوسية والنسطورية اللتان قامتا بتمزيق المسيحية في مرحلة تكوينها! والثلاث وسبعون هرطقة الثابت تاريخها وتفاصيلها، والتي اعترت المسيحية الحالية، تكشف ما فيه الكفاية حول التكوين البشري لها، وأنها أبعد ما تكون عن ديانة منزلة من عند الله. وكل ذلك لا يمنع أن يسوع قد تم تأليهه في مجمع نيقية الأول سنة 325، وأن الثالوث قد تم اختراعه وفرضه في مجمع القسطنطينية سنة 381.
وهو ما يوضح أنه حتى القرن الرابع لم يكن للمسيحيين إله أو لم يكونوا على دراية بمن سيعبدون !!

قرون من الأكاذيب باسم المسيحية توالت وتم فرضها وتطويرها دائما خلال الصراعات والجرائم والحروب الصليبية ومحاكم التفتيش. ثم يتم اكتشاف أن أصحاب الأناجيل ليست تلك الأسماء التي هي معروفة بها. ولا يوجد أي نص أصلي لها على الإطلاق، والنصوص المنقولة الموجودة تختلف عن بعضها البعض. والأدهى من ذلك أن مجمع الفاتيكان الثاني أوضح "أنها تحتوي على القديم والبالي، وإن مؤلفوها أشخاص أخرى غير التي هي معروفة بها، لكن الروح القدس قد ألهمهم"!

لقد انبثقت الكنيسة من كهنوت الديانات الوثنية، وبعض بقايا اليهودية، إضافة إلى نتيجة تدرجها وفقا للنمط الروماني. وهي وسيلة فعالة للسيطرة على الأتباع بصورة أفضل. 
إن كهنوت الكنيسة الرومية أصله غرور رجال يطمعون في الصعود والعلو للسيطرة على أمثالهم. والغريب أن يسوع كان دائم الثورة على لؤم وتجاوزات الكهنة في عصره، ولا أقول شيئا عن بذخ الثياب الكهنوتية الحالية وزركشتها الداعية للسخرية لبعدها عن بساطة زي يسوع أو جلبابه.. إن مؤسسي المسيحية كانوا يحلمون بحكم بلا شراكة أو منافس، فاختلقوا الكلمات اللازمة. ولم يدرك أحدا أن الأمر لا يعني أكثر من صراع على السلطة مثل الآخرين..

الكتاب المقدس
على حد قول العالم اللاهوتي العالمي بارت إيهرمان والعديد غيره: "إن الكتاب المقدس لا يحتوي فحسب على أخطاء وعدم دقة، وإنما يتضمن أيضا ما يطلق عليه العالم بأسره اليوم كلمة "الأكاذيب"، وإن معظم إصحاحات العهد الجديد كلها عبارة عن تزوير وتحريف".. وهو ما يضاف إليه حقيقة ان قلة من المسيحيين سيفهمون معني التناقض التالي: لو كان على يسوع أن يعود بالسرعة التي تنبأ بها، لما كانت الكنيسة بحاجة الى كتابة "العهد الجديد"! وهذه الجملة لا تزال موجودة في النص: "الحق أقول لكم من بين الموجودين هاهنا لن يذوقوا الموت قبل أن يروا ملكوت الله قد تحقق بقوة"! كما ان الاثني عشر جملة الأخيرة الواردة في انجيل متّى، التي تتحدث عن الثالوث لتبشير العالم باسمه، فالثالوث تم اختراعه وفرضه في أواخر القرن الرابع، فكيف يوجد في نص يقولون انه كُتب في القرن الأول إن لم يكن يشهد بصوت جهوري على التحريف، الذي تغص به هذه النصوص.

إن الحرب التي قادتها الكنيسة ضد العلماء ولا تزال، معروفة ومثبتة في التاريخ، ولا أذكر منها إلا ميشيل سرڤيه في القرن السادس عشر، وكان ينكر بدعة الثالوث وينتقد تكوين المسيحية بالإثباتات. فتم حرقه حيا بمعرفة الكنيستين، الكاثوليكية والبروتستنتية، رغم كونهما في حرب عاتية، لكنها اتحدتا لحماية عقيدة منقولة يصعب هضمها! كما ان الحروب الضارية تعتري مسيرة هذا الاختراع البائس المسمى مسيحية.

إن الإرهاب الحق يفترش الكتاب المقدس بأسره، خاصة العهد القديم الغارق في دماء القتلى وأشلائهم. أما العهد الجديد فيحتوي على نصوص لا يمكن للفاتيكان إنكارها. إذ نطالع في إنجيل لوقا الذي يقول على لسان يسوع: "أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي" (19: 27). ولم لم يتخلف مرقس عن تلك الأدلة الكاشفة إذ يضع على لسان يسوع: "لا تظنوا إني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا" (10: 94).. وقد أحصي فولتير، الفيلسوف الفرنسي الشهير، عدد خمسة عشر مليونا عدد ضحايا محاكم التفتيش من القرن الحادي عشر حتى عصره، وذلك في أوروبا وحدها. لذلك كان عصر التنوير ضرورة تفرض نفسها لتزيح الصمت عن كل هذه الجرائم وفضحها.

عصر التنوير
في محاولة للإطاحة بعصور الظلمات التي فرضتها الكنيسة منذ بداية تكوينها، ونشر المعارف التي تحاربها، تضافرت جهود الفلاسفة والمثقفين لنشر نور العلم الذي كانت تحاربه وتعتم عليه. فبدأت محاربة الخرافات وعدم التسامح ومبالغة سوء استغلال السلطة الكنسية، ومحاكم التفتيش، والمحارق، ومطاردة العلماء، ومنع الأتباع من قراءة الأناجيل، والحروب الداخلية وفي الشرق الأوسط وفي الأمريكيتين، وتطول القائمة الوحشية الدامية حين يتعدى الرقم الأربعين مليونا من الضحايا الذين راحوا ضحية الظلمات الكنسية.. ان الصفحات السوداء للكنيسة محفورة بعمق في التاريخ.

والظلمات هي موقف مناهض للمعرفة في كافة المجالات وتضع حاجزا وموانع متعددة لعدم نشر المعرفة. وهو ما لم يعرفه الإسلام على الإطلاق. فلم يكن من المباح معارضة الكنيسة وعقائدها الرسمية، إذ كانت تفرضها بالحديد والنار والصراعات الدفينة أو المعلنة، من أجل الاستحواذ على السلطة الدينية والمدنية. بل لقد أصدر البابا جريجوار السابع، في القرن الحادي عشر، خطابا رسوليا يحدد فيه علو السلطة الباباوية على كافة الملوك والرؤساء. بل والأدهى من ذلك ان الحاجة الى ضرورة استتباب السلطة الكنسية أدت بالكنسيين الى تزوير أجزاء من العهد الجديد..

كما أدى سوء استخدام السلطة الكنسية إلى النقد والتعرض لها مواجهةً. وقد سمح بكشف كل هذه الفضائح والمخالفات وجود محاضر الجلسات وقرارات المجامع ووثائق المعارك الدفينة او المعلنة، وعمليات التزوير وأخطاء الترجمة عمدا.. كلها وثائق موجودة رغم كل ما تم التخلص منه في القرون الأولى. وقد تطور هذا النقد الفاضح بفضل تأثير عصر التنوير الذي كشف عن انحرافات الكنيسة وجرائمها، التي تزايدت خاصة بعد مجمع الفاتيكان الثاني وتبرئة اليهود من دم المسيح. وهو ما أدى الى فقدان مصداقيتها والى الفراغ الروحي الساحق الذي يعيشه الغرب حاليا وتجاهد الكنيسة قلفطته بعملية التبشير الجديد، او بأيام الشبيبة العالمي، المدفوعة الأجر لمن يساهم فيها..

إن التحدث عن الظلمات بالنسبة للإسلام، الذي كانت أول كلمة اُنزلت لتبليغ رسالته: "اقرأ، اقرأ باسم ربك الذي خلق" (96: 1)، والذي يعتبر من يكتم العلم ظالم جاحد، فذلك يكشف لا عن جهل مدقع فحسب وإنما عن تعنت غير أمين لمحاربته.

فالإسلام لا يتضمن إحباطا أو خيبة أمل كالمسيحية ولا يعرف العدمية. كما لا توجد عدة إسلامات، كما يزعم الغرب الصليبي المتعصب، وإنما هو إسلام واحد. فكل هذه المؤامرات التي تحاك بجبروت لذبحه وتقطيعه غير مجدية، لأنه الدين الوحيد المنزّل من عند الله الذي سيظل محفوظا الى أبد الدهر.. كما أنه يكشف الهلع الحقيقي الذي تعيشه الكنيسة من مجرد المقارنة بين دين ثابت أنه من صناعة البشر، ودين ثابت أنه منزّل من عند الله ولم يتبدل فيه حرفا واحدا..

إن الإسلام دين من نور، لا يفرض نفسه على أحد، لكنه يطالب، من ضمن ما يطالب به، أن يتبع اليهود والنصارى ما أنزله الله لهم وأضاعوه.. ألم يحن الوقت، بدلا من محاولة سحق الإسلام، الكف عن كل تلك الحروب والمؤامرات المقززة لاقتلاع الإسلام والمسلمين، والرجوع الى الحق واتباع النصوص التي أنزلها الله وأخفيتموها ؟
بدلا من محاربة الإسلام بتلك الوحشية العمياء، اقرأوا القرآن بأمانة، لا لتصفيته، وإنما لتدركوا إلى أي درجة هذا النص المنزّل من عند الله، هو إرشاد إلهي حقيقي لكل البشر، إرشاد للحياة الدنيا وللآخرة. أي أنه لا يمكن تقسيمه. نعم، لا يمكن سلخ الإسلام وتقطيعه.

زينب عبد العزيز
21 أغسطس 2017

رجب طيب أردوغان: لا يزال لدى السعودية العديد من الأسئلة للإجابة عن مقتل جمال خاشقجي

قتل خاشقجي تم بأوامر عليا في الحكومة السعودية


 الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

القصة باتت معروفة: دخل جمال خاشقجي، الصحافي السعودي ورجل العائلة، القنصلية السعودية في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر، لأمور تتعلق بالزواج، ولم يره أحد -حتى خطيبته التي كانت تنتظره أمام مجمع القنصلية- مرة أخرى.

وعلى مدى الشهر الماضي، فتشت تركيا السماء والأرض للكشف عن ملامح القضية كلها، ونتيجة لجهودنا، علم العالم أن خاشقجي قتل بدم بارد على يد فرقة موت، وتم إثبات أن القتل كان مخططا له بشكل متعمد. 

ومع ذلك، فإن هناك أسئلة ليست أقل أهمية بحاجة للإجابة عليها ستسهم في فهمنا لهذا العمل البائس، أين جثة خاشقجي؟ من هو "المتعاون المحلي" الذي سلمه السعوديون جثة خاشقجي؟ من أصدر الأمر لقتل هذه الروح الطيبة؟ ولسوء الحظ فقد رفضت السلطات السعودية الإجابة على هذه الأسئلة.

نعلم أن الجناة هم من بين 18 شخصا اعتقلوا في السعودية، ونعلم أن هؤلاء الأفراد جاؤوا لتنفيذ الأوامر: اقتلوا خاشقجي ثم غادروا، ونعلم أخيرا أن الأمر لقتل خاشقجي صدر من جهات عليا في الحكومة السعودية.

ويأمل البعض أن تنتهي هذه "المشكلة" مع مرور الوقت، لكننا سنواصل طرح الأسئلة، التي تعد مهمة للتحقيق في تركيا، وكذلك لعائلة خاشقجي ومن أحبوه، فبعد شهر من مقتله لا نزال لا نعلم أين هي جثته، وهو يستحق، على الأقل، جنازة مناسبة بحسب الشعائر الإسلامية، ونحن مدينون لعائلته وأصدقائه، بمن فيهم زملاؤه السابقون في "واشنطن بوست"، ومنحهم الفرصة ليودعوه ولتقديم الاحترام لرجل شريف، ومن أجل التأكيد على استمرار العالم في طرح الأسئلة ذاتها فإننا قمنا بمشاركة الأدلة التي نملكها مع أصدقائنا وحلفائنا، بمن فيهم الولايات المتحدة.

ومع استمرارنا في طرح الأسئلة، أود التأكيد على أن تركيا والسعودية تقيمان علاقات صداقة، ولا أعتقد، ولو لثانية، أن يكون الملك سلمان، خادم الحرمين الشريفين هو من أمر بقتل خاشقجي، ولهذا لا سبب لدي للاعتقاد بأن الجريمة تعكس السياسة الخارجية السعودية، وانطلاقا من هذا الفهم فإنه من الخطأ النظر إلى أن مقتل خاشقجي هو "مشكلة" بين البلدين، ومع ذلك، علي أن أضيف أن صداقتنا مع الرياض، التي تعود إلى زمن طويل، لا تعني أننا سنغض الطرف عن عملية قتل مقصودة وتكشفت أمام أعيننا، فمقتل خاشقجي لا يمكن تفسيره، فلو حدثت هذه الجريمة في الولايات المتحدة، أو أي مكان آخر، لاستطاعت السلطات التوصل إلى معرفة ما حدث، وسيكون من غير الممكن بالنسبة لنا التصرف بأي طريقة أخرى.

ويجب ألا يتجرأ أحد على ارتكاب فعل كهذا على أرض دولة عضو في الناتو مرة أخرى، وأي شخص اختار تجاهل هذا التحذير فإنه سيواجه تداعيات خطيرة، وجريمة قتل خاشقجي هي انتهاك واضح وصارخ لميثاق فيينا بشأن العلاقات الدبلوماسية، والفشل في معاقبة الجناة سيؤكد سابقة خطيرة جدا.

وهناك سبب آخر يجعلنا نشعر بالصدمة والحزن من جهود بعض المسؤولين السعوديين للتستر على جريمة قتل خاشقجي المدبرة، بدلا من خدمة مسار العدالة، كما تقتضي صداقتنا، ورغم أن السعودية اعتقلت 18 شخصا، إلا أن ما يثير القلق هو أن لا عمل اتخذ ضد القنصل العام الذي كذب بشكل واضح على الإعلام، وهرب من تركيا بعد ذلك بفترة قصيرة، بالإضافة إلى أن المدعي العام السعودي الذي زار نظيره التركي في اسطنبول رفض التعاون في التحقيق، وحتى الجواب على سؤال بسيط بشكل يثير الإحباط، كما أن دعوته للمحقيين الأتراك إلى زيارة السعودية لمحادثات إضافية بشأن القضية ليست إلا محاولة يائسة وأساليب عرقلة.

إن جريمة قتل جمال خاشقجي لا تتعلق بمجرد مجموعة من المسؤولين الأمنيين، تماما كما لم تكن فضيحة ووتر غيبت مجرد تنصت، وهجمات 11/ 9 هي أبعد من الخاطفين، وكوننا أعضاء مسؤولين في المجتمع الدولي فإنه يجب أن نكشف عن هويات الدمى الذين يقفون خلف مقتل خاشقجي، واكتشاف من يعول السعوديون -ويحاولون التستر على الجريمة- عليهم ويثقون فيهم.
 ترجمة عربي 21


مترجم عن صحيفة واشنطن بوست
رجب طيب أردوغان: لا يزال لدى السعودية العديد من الأسئلة للإجابة عن مقتل جمال خاشقجي
Recep Tayyip Erdogan: Saudi Arabia still has many questions to answer about Jamal Khashoggi’s killing

 الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
القصة مألوفة للغاية: دخل جمال خاشقجي ، الصحفي السعودي ورجل العائلة ، قنصلية المملكة العربية السعودية في اسطنبول في 2 أكتوبر / تشرين الأول من أجل إجراءات الزواج. لا أحد - ولا حتى خطيبته ، التي كانت تنتظر خارج المجمع - رآه مرة أخرى.
على مدار الشهر الماضي ، نقلت تركيا السماء والأرض لإلقاء الضوء على جميع جوانب هذه القضية. نتيجة لجهودنا ، علم العالم أن  خاشقجي قتل بدم بارد من قبل فرقة الموت ، وقد ثبت أن قتله كان مع سبق الإصرار.
ومع ذلك ، هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية ستساهم إجاباتها في فهمنا لهذا العمل المؤسف. أين جثة خاشقجي؟ من هو "المتعاون المحلي " الذي زعم المسؤولون السعوديون أنه سلمهم رفات خاشقجي؟ من أعطى الأمر بقتل هذه الروح الرقيقة؟لسوء الحظ ، رفضت السلطات السعودية الإجابة عن هذه الأسئلة.
هؤلاء الأفراد جاءوا لتنفيذ أوامرهم: قتل Khashoggi وترك. أخيراً ، نعرف أن الأمر بقتل خاشقجي جاء من أعلى مستويات الحكومة السعودية.
يبدو أن البعض يأملون أن تختفي هذه "المشكلة" في الوقت المناسب. لكننا سنستمر في طرح تلك الأسئلة ، التي تعتبر حاسمة بالنسبة للتحقيقات الجنائية في تركيا ، ولكن أيضًا لأسرة خاشقجي وأحبائها. بعد شهر من مقتله ، ما زلنا لا نعرف أين هو جسده. على أقل تقدير ، يستحق دفنًا مناسبًا يتماشى مع العادات الإسلامية. نحن مدينون به لعائلته وأصدقائه ، بما في ذلك زملائه السابقين في صحيفة The Post ، لإعطائهم فرصة لقول وداعهم وإحترامهم لهذا الرجل المشرف. لضمان استمرار العالم في طرح الأسئلة نفسها ، قمنا بمشاركة الأدلة مع أصدقائنا وحلفائنا ، بما في ذلك الولايات المتحدة.

بينما نواصل البحث عن إجابات ، أود التأكيد على أن تركيا والمملكة العربية السعودية تتمتعان بعلاقات ودية. لا أعتقد لثانية أن الملك سلمان ، خادم الحرمين الشريفين ، أمر بالضرب على خاشقجي. لذلك ، ليس لدي أي سبب للاعتقاد بأن قتله يعكس سياسة المملكة العربية السعودية الرسمية. وبهذا المعنى ، سيكون من الخطأ اعتبار قتل خاشقجي "مشكلة" بين البلدين. ومع ذلك ، يجب أن أضيف أن صداقتنا مع الرياض ، والتي تعود إلى وقت طويل ، لا تعني أننا سنغض الطرف عن القتل العمد الذي تم كشفه أمام أعيننا. قتل خاشقجي لا يمكن تفسيره. لو حدثت هذه الفظائع في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر ، لكانت السلطات في تلك البلدان قد وصلت إلى قاع ما حدث.

لا ينبغي لأحد أن يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الأفعال على أرض حليف للناتو مرة أخرى. إذا اختار أحدهم تجاهل هذا التحذير ، فسوف يواجه عواقب وخيمة. كان اغتيال خاشقجي انتهاكا واضحا وسوء استخدام صارخ لاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية . إن الإخفاق في معاقبة الجناة يمكن أن يشكل سابقة خطيرة للغاية.
وهذا سبب آخر لأننا شعرنا بالصدمة والحزن بسبب جهود بعض المسؤولين السعوديين للتغطية على قتل خاشقجي المتعمد بدلاً من خدمة قضية العدالة ، كما تتطلب صداقتنا. على الرغم من أن الرياض احتجزت 18 مشتبهاً ، فإنه من الأمور المثيرة للقلق بشدة أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء ضد القنصل العام السعودي ، الذي كذب من خلال أسنانه لوسائل الإعلام وفر من تركيا بعد ذلك بقليل. وبالمثل ، فإن رفض المدعي العام السعودي - الذي زار مؤخراً نظيره في اسطنبول - للتعاون مع التحقيق والإجابة على أسئلة بسيطة أمر محبط للغاية. بدت دعوته من المحققين الأتراك إلى المملكة العربية السعودية لإجراء مزيد من المحادثات حول القضية بمثابة تكتيك يائس ومتعمد.
إن قتل جمال خاشقجي ينطوي على أكثر بكثير من مجموعة من المسؤولين الأمنيين ، تماماً كما كانت فضيحة ووترغيت أكبر من أي اقتحام ، والهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر تجاوزت الخاطفين. وبوصفنا أعضاء مسؤولين في المجتمع الدولي ، يجب أن نكشف عن هوية عرائس الدمى وراء قتل خاشقجي وأن نكتشف أولئك الذين وضع المسؤولون السعوديون - الذين ما زالوا يحاولون التغطية على القتل - ثقتهم.

"الدب الداعش"

"الدب الداعش"

هل سيتدارك العقلاء والحكماء السفينة قبل الغرق، صيانة لبلاد الحرمين مما يحاك لها، ومن العبث الذي أوصلها إلى هذا الدرك ؟

د. محمد الصغير 
داعش تنظيم جمع شرورا تفرقت في غيره من أهل الزيغ والضلال، فأخذ من الخوارج المسارعة إلى التكفير بالشبهة متبوعة باستحلال الدماء المعصومة والأموال المصونة، ووافق الروافض في استغلال عاطفة التدين في سوق الطغام والعوام تحت رايات براقة كالدفاع عن حقوق آل البيت، أو إقامة الخلافة، وذلك من قبل قيادات مخترقة ومحترقة.
لكن تميزت داعش بالوحشية في الفتك بالخصوم، وابتكار وسائل القتل التي لم يسبقهم إليها مجرم أو أثيم. أما الجناية الكبرى ففي ربط ذلك كله بالإسلام وارتكابه تحت راية الخلافة!
حتى جاء من تفوق على إجرامهم، وزاد على طريقتهم فاستدرج الصحفي جمال خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول ثم قتله وقطع أوصاله وأخفاها، وفق خطة أعدت سلفا، كما ذكر بيان المدعي العام التركي.!
ولم يظهر حتى الآن هل دفنوها في أماكن متفرقة أم أذابوها بحمض الكبريت (الأسيد)؟ وإلا فأين الجثة بعدما أقر المدعي العام السعودي أن خاشقجي قتل داخل القنصلية عمدا؟ وبدلا من أن يكشف لنا عن سر الصناديق التي خرجت فيها عظام خاشقجي مكسرات، إذا به يخرج علينا بصناديق الحلويات والمكسرات!
فهل يلتحق ولي العهد بتنظيم داعش بعد أن ضاق عليه الخناق، واتفقوا في الوسائل والغايات؟ هل يصبح وليا لعهد البغدادي وأميرا في التنظيم، وسجله في اليمن وسوابق أعماله يؤهلانه لذلك؟ هل سيتغير اسم التنظيم إلى "الدب الداعش"، أم أنه سيكون سببا في وقوع الخراب والدمار واستباحة البيضة والحرمة، كما تفعل داعش في كل بقعة حلت فيها، أو تمددت في أراضيها؟
قبل الغرق
هل سيتدارك العقلاء والحكماء السفينة قبل الغرق، صيانة لبلاد الحرمين مما يحاك لها، ومن العبث الذي أوصلها إلى هذا الدرك؟
فقد بدا واضحا أن الأتراك يملكون الأدلة التي تدين محمد بن سلمان شخصيا في جريمة اغتيال خاشقجي، وأن بلادهم كانت مقصودة بعمل الجريمة فيها وانتقاص سيادتها، والنيل من سمعتها، وليس الترك ممن يغض الطرف، أو يتنازل عن الرد بالمثل، لكن أنى لأحداث الأسنان وسفهاء الأحلام إدراك ذلك؟
روى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" وحسنه الألباني في "صحيح أبي داوود"
قال السندي في شرح الحديث: " أَيْ اُتْرُكُوا الْحَبَشَة وَالتُّرْك مَا دَامُوا تَارِكِينَ لَكُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ بِلَاد الْحَبَشَة وَعِرَة وَبَيْن الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنهمْ مَفَاوِز وَقِفَار وَبِحَار، وَأَمَّا التُّرْك فَبَأْسهمْ شَدِيد".
فريق الاغتيال
أبى فريق الاغتيال السعودي المكلف بقتل جمال خاشقجي إلا أن يعيد للأذهان أبشع صفحات التاريخ، ويذكر بالملوك المتجبرين وحاشيتهم من السفاحين الذين يكرعون من نفس المستنقع الآسن، فقد سبقهم إلى نشر المؤمنين بالمناشير ملك ذكر لنا القرآن الكريم قصته في سورة البروج وهي قصة أصحاب الأخدود: حيث آمن جليس للملك كان قد ذهب بصره، فذهب إلى غلام أصحاب الأخدود يسأله الشفاء، فقال له إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله تعالى، ودعاه للإيمان ثم دعا الله له فشفي، فلما دخل على الملك سأله: من رد إليك بصرك؟ فقال: الله.
قال الملك: وهل لك من رب سواي؟ قال: نعم ربي وربك الله.
قال الملك: إما أن ترجع عن دينك وإلا قتلتك، فأبى الرجل، فأمر بمنشار فنشره من مفرق رأسه، حتى شقه نصفين! ثم كرر ذلك مع الراهب معلم الغلام
قال الله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)
هذا شأن الطواغيت يضيقون بالمخالف، ويرون المعارضة انتقاصا لهيمنتهم، وخصما من رصيدهم، حتى لو ارتدى المعارض قفازات من حرير، كحال الشهيد المغدور.

يستحق جمال خاشقجي العدالة وعلى العالم أن يتحد ليلاحق قتلته

يستحق جمال خاشقجي العدالة 
وعلى العالم أن يتحد ليلاحق قتلته
خديجة جنكيز

لا يجوز بحال أن يفلت من المساءلة أولئك الذين يتحملون المسؤولية عن إزهاق روح خطيبي الطيب والكريم والرؤوف.

مضى شهر بالضبط على دخول خطيبي، الصحفي المعروف جمال خاشقجي، إلى قنصلية المملكة العربية السعودية في اسطنبول، ولم يخرج منها أبدا. كما يصادف اليوم ذكرى اليوم العالمي لوضع حد للإفلات من المحاسبة على الجرائم التي ترتكب ضد الصحفيين، الذي تحتفي به الأمم المتحدة. إنها لمصادفة مأساوية ومؤلمة، فحتى شهر مضى كان جمال يبعث إلي بالمقالات التي كان يكتبها، وكنت أقرؤها بحماسة شديدة ثم أتصل به لأوافيه بما لدي من أفكار، وكان ينصت إلي باهتمام بالغ، ثم نتحاور بشأنها. وها أنا ذا الآن أكتب عنه وعن مشاعري بعد أن غادرنا. 

أجد صعوبة بالغة، في واقع الأمر، في فهم ما إذا كان قد مضى شهر واحد أو العمر كله منذ أن فقدت جمال. بينما كنت أنتظر رجاء أن يخرج من القنصلية كنت أشعر أن كل ساعة، وكل يوم، يمر علي، كما لو كان عاما بأسره، وكان مغمورا بالألم. ولكن مهما انتظرت، لم يعد إلي جمال، ذلك الإنسان السمح الحبور. وكل ما ورد من أخبار كان يتحدث عن وفاته. 

بينما جلست أخط هذه الكلمات، صدر عن مكتب المدعي العام في اسطنبول تصريح رسمي يفيد بأن جمال خنق وقطعت أوصاله وأتلف جسده. كم كان ذلك وحشيا وهمجيا وبلا رحمة. ما الجرم الذي ارتكبه حتى يستحق منهم ذلك؟ ما الذي دفعهم إلى قتله بهذا الشكل البشع؟ لا يوجد تفسير لهذه الكراهية. 

من المهم تذكر جمال الإنسان، اللطيف الصبور الكريم الرؤوف والمحب. كل ما كان يريده هو بداية حياة جديدة ليهون عليه الغربة والحنين إلى وطنه، حتى يضفي على وحدته بعض السعادة. كان من المفروض أن أكون معه في رحلته تلك، فأكون رفيقة دربه وصديقته. أتمنى لو علم كم كان ثمينا بالنسبة لي أنا أيضا أن أبدأ معه حياة جديدة. 

لقد هزت جريمة قتل جمال العالم، وما ذلك إلا لأننا فقدنا صوتا عالميا مهما، كان قبل كل شيء بطلا يتصدر لنشر الخير والنبل، ساعدنا على فهم العلاقات المعقدة في الشرق الأوسط، مانحا الأولوية دوما لحياة الشعوب التي تعيش فيه وحقوقها. أما وقد قضى نحبه، فقد تسلطت الأضواء على المبادئ التي عاش يناضل من أجلها: الديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، والاعتقاد المبدئي بأن من حق الشعوب اختيار من يحكمها عبر صناديق الاقتراع. وكما شهدنا من موجة الغضب التي اجتاحت العالم بسبب مقتله، ينبغي أن يعلم الجناة أنهم لن يتمكنوا أبدا من محو رؤيته لوطنه الحبيب، وأنهم بقتله إنما عززوا هذه الرؤية. 

والآن، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية ملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة. وينبغي على الولايات المتحدة، من بين جميع الدول، التصدر لهذه المهمة، وهي التي أقيمت على أساس المثل التي ترى أن الحرية والعدالة حق للجميع، وكذلك على أساس التعديل الدستوري الأول الذي يعلي من قدر القيم التي تمثلت في شخص جمال، إلا أن إدارة ترامب، للأسف، اتخذت إزاء هذه المأساة موقفا عاريا من القيم الأخلاقية. وكان موقف البعض الآخر إزاء ذلك منطلقا من مصالح ذاتية وأنانية، وصدرت في هذا المجال تصريحات جبانة ورعديدة، تخشى الإضرار بالصفقات والعلاقات التجارية بين الدول. يرجو البعض في واشنطن أن يتم نسيان هذه القضية من خلال التعطيل والتسويف، ولكننا سنستمر في دفع إدارة ترامب حتى تساهم في إحقاق الحق وإقامة العدل وفاء لجمال. ولن نسمح بأي تستر أو لفلفة. 

أدعو اليوم المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات جادة وعملية للكشف عن الحقيقة ومحاسبة المتورطين أمام القضاء، وتسليم جثمان جمال، الذي ما يزال مفقودا، إلى ذويه وأحبائه.

لست ساذجة؛ فأنا أعلم أن الحكومات لا تتصرف بناء على المشاعر والأحاسيس، وإنما انطلاقا من المصالح المشتركة. ولكن عليها جميعا أن تطرح على نفسها سؤالا أساسيا: إذا لم تتخذ النظم الديمقراطية في العالم خطوات حقيقية لملاحقة الجناة، وتقديمهم للمحاكمة على ما ارتكبوه من عمل شنيع وجبان – أثار حفيظة الناس حول العالم وبشكل خاص بين مواطنيها – فأي سلطة أخلاقية تبقى لها؟ وأي حريات وأي حقوق إنسان يمكن أن يستمروا في الدفاع عنها دون أن يفقدوا مصداقيتهم؟

نمر الآن في اختبار للإنسانية، وذلك، بلا ريب، يتطلب قيادة على أرقى المستويات، وتتحمل الحكومات جل المسؤولية في ذلك. وهذا هو رئيس بلادي، رجب طيب أردوغان، ومعه جميع المسؤولين في سلطات الدولة السياسية والقانونية والقضائية داخل تركيا، يديرون الأمر على أحسن وجه. 

وبناء عليه، فإنني أدعو زعماء البلدان الأوروبية وزعماء الولايات المتحدة إلى عبور هذا الاختبار بنجاح. لابد من إقامة العدل. أطالب بمحاكمة الجناة الذين ارتكبوا هذا الاغتيال الوحشي عن سبق إصرار وترصد، كما ينبغي محاكمة أولئك الذين أمروا بارتكاب جريمة القتل، حتى لو كانوا في رأس هرم السلطة السياسية. أطالب بالقصاص لحبيبي جمال، وعلينا جميعا أن نوجه رسالة إلى الأنظمة السلطوية بأنهم لن يتمكنوا بعد اليوم من قتل الصحفيين. 

كان جمال قد اشترى لتوه بيتا، وكان لديه حلم بأن يقيم عائلة، وكان يتخير أثاث البيت وهو في غاية السعادة والحبور، وبمجرد عودته من لندن أرسل قمصانه إلى المصبغة. 

ولكني الآن أقف وحيدة بباب البيت، فأنا القصة التي بدأها جمال ولم يكملها، وينبغي على الجميع الآن العمل على إتمامها معا، وحمل مشكاة روح جمال إلى أن يتحقق حلمه.

كيف يحدث التغيير؟


كيف يحدث التغيير؟



خديجة جنكيز

كل تغيير اجتماعي ضخم يجب أن يسبقه عدد كبير مما يسميه أستاذنا كليم صديقي؛ بالحركات الوقتية والثورات الجزئية، أي الحركات المجهَضة التي تُكوِّن التراكم التاريخي المطلوب للخبرة. 
وتشحن الحركة الاجتماعية بطاقة دفع إنسانية ومعرفية باتجاه تغيير أكبر وأكثر أهمية، ذلك أن التغييرات الكُبرى في تاريخ الإنسانية لا تحدث فجأة - بين عشية وضُحاها - وإنما تتحقَّق عمليّا وبالتدريج عبر مسيرة طويلة من الإخفاقات المتكررة، التي تُضيف إلى رصيد الخبرة الإنسانية وتُغير التركيبة النفسية والبنية الاجتماعية، ولو بالسلب؛ فتُعدهما للمرحلة الجديدة.

ومهما بلغ حجم التغيير المنشود ومهما كانت راديكاليته، فإنه لن يكون أبدا تغييرا "كاملا" ولا "نهائيّا". ذلك أن القطيعة الطوباوية الكاملة مع الماضي أمر مستحيل عمليّا، لهذا كان مفهوم الثورة "الشاملة "أو "الدائمة"مفهوم غير تاريخي، وغير واقعي، وغير إنساني على الإطلاق. وكان الأدق هو الحديث عن اللحظات الثوريَّة النماذجية القصيرة، بوصفها محفزات للتغيير الاجتماعي.

وقد شَهِدَت مصر عدة محفِّزات من هذا النوع ابتداء من كانون الثاني/ يناير 2011م، وانتهاء بمذبحتي رابعة والنهضة في آب/ أغسطس 2013م. 

لكن إدراك نمط الحركة التاريخية، ومكابدة التاريخ، واحتمال منحنياته، ارتفاعا وانخفاضا، وصولا إلى فعل تاريخي أكبر يقود إلى تغيير اجتماعي أكبر؛ يقتضي الكثير من الصبر والتبصُّر، وسلامة الوجهة القلبية، وكفاية العدَّة المعرفية. ذلك أن التغيير الأكبر في كل حلقة تاريخية لا يصل إليه الجميع. 

إنها عملية أشبه بـ"الانتخاب الطبيعي"، لا لأنها تخلف ضحاياها من القتلى والجرحى والمقعَدين والمأسورين فحسب، بل لأنها تخلف ضحايا أكثر بكثير ممن في قلوبهم مرض والقاعدين والمثبِّطين والمرتزقة وباعة المبادئ. 

إن هؤلاء الضعفاء يسقطون بكثرة، للأسف؛ بما أن الفردوس الأرضي مستحيل تاريخيّا وإنسانيّا. لكن لا يشترط أن يكون السقوط مُخزيا مُخلّا بالشرف في كل مرة، بل قد يكون محض ضعف إنساني طبيعي يعوق عن مواصلة الطريق، ولوذ بحمى "أكل العيش"في الموطن أو في المهجر. إنه بالأصل افتقادٌ للوجهة الشخصية وللحافِز الروحي، وللصحبة التي تتواصى بالحق وتتواصى بالصبر. إن هؤلاء الضعفاء يفتقِدون القدرة على المكابدة، حتى في خلخلة الأسس المعرفية والضلالات الروحيَّة التي يرفضونها؛ قبل أن يفقدوا أنفسهم في غمار الطريق.

* * *

لقد دامت الثورة الفرنسية عشر سنوات (1789- 1799م)، وبدأت الثورة الروسية عام 1905م، ولم يصل البلاشفة إلى الحكم إلا في 1917م، بعد حرب أهليَّةٍ طويلة؛ وقد ظلوا لوقت طويل في صراع مع خصومهم من"الثورة المضادة"، ولم تستَتِب لهم السلطة إلا في منتصف العشرينيات تقريبا. 

أما الثورة الإيرانية، فهي مثال مُتميز أقرب تاريخيّا وسوسيو- معرفيّا وروحيّا لحالة شعوب ما سُمي بـ"الربيع العربي". فإذا كانت الثورة الإسلاميَّة في إيران قد أعلنت انتصارها بعودة الإمام الخميني إلى طهران في مطلع عام 1979م، فإن الإعداد الحقيقي للثورة قد بدأ بنفيه رحمه الله عام 1963م (أو بالأحرى بدأ بالحوادث التي أدَّت لنفيه، أو ما يُعرف في التاريخ الإيراني الحديث بـ"انتفاضة خرداد"). بل يمكن رد الثورة الإيرانية لجذور أقدم من الحركات الوقتية والثورات الجزئية؛ يمكن ردَّها لإجهاض حركة مصدق وإعادة بهلوي إلى عرشه على رأس انقلاب أمريكي مطلع الخمسينيات، بل ويمكن ردها لجذور معرفية أقدم؛ جذور قد تتجاوز ما عُرِفَ بـ"ثورة التبغ" أواخر القرن التاسع عشر. إن حلقات التاريخ الإنساني تتصل ببعضها البعض بأسباب أكثر من دواعي انقطاعها، وهو ما يغفل عنه "الثوريون الطفوليون" الذي يريدون الحياة في طوبيا ثوريَّة دائمة لا تتحقَّق في التاريخ أبدا.

ويمكن أن يقال مثل ذلك عن انقلاب 1952م العسكري في مصر، الذي أجهض الثورة الشعبية التي كانت تعتمِل في أحشاء البلاد (ومثله انقلاب 2013م). إذ يمكن رد نمطه إلى جذور تاريخية أعمق؛ إلى "هوجة" أحمد عرابي - مثلا - بوصفها أول "حركة"عسكرية في التاريخ المصري الحديث، وإلى الجهود السياسية لمصطفى كامل وحزبه مطلع القرن العشرين، كما يُمكن تتبُّع الجذور المباشرة للانقلاب في معاهدة عام 1936م على وجه التحديد، إذ سمحت بنود المعاهدة لجمهرة جيل الضباط الانقلابيين بالالتحاق بالكلية الحربية رغم خلفياتهم الطبقية المتواضِعة. وكذا يمكن رد أسباب نجاح انقلاب عام 1952م إلى تبدُّل الظروف العالميَّة والإقليمية عقب الحرب العالمية الثانية، وتغيُّر ميزان القوى (صعود الأمريكان وإفلاس البريطانيين) وإلغاء المعاهدة وحريق القاهرة. لقد كانت الثورة تعتمِلُ في الأفق حتى أن كثيرا من النقاد يعتبرون رواية توفيق الحكيم "عودة الروح"، التي نشرت في الثلاثينيات؛ تنبؤا بالثورة المنظورة؛ الثورة التي أجهضها الانقلاب وامتص الزخم الشعبي الذي كان يفور في قِدرها.

* * *

إن التراكم التاريخي الفعال، الذي يُشكِّل التغيير التدريجي؛ لا يتكون من طبقات من الحوادث الفعَّالة والتجارب الناجحة، بل هو بالضرورة مكون في أكثره من تراكم للثورات الجزئية نصف الناجحة والحركات الوقتية المجهضة والفاشلة. إن تكرار صور الفشل الإنساني والاجتماعي قبل بلوغ اللحظة النماذجية لا يعني سوى أن الاستعداد الإنساني والاجتماعي للتغيير المنشود لم يكتمِل بعد، وهو استعداد لا يشمل كل "الجماهير"بطبيعة الحال، بل يُطلَب من كتلة حرجة تستطيع قيادة الجماهير التي أخلَدَت إلى الأرض، فتحملها بغير أدنى محاولة لإساءة استغلالها اقتصاديّا أو سياسيّا.

وإذا كانت اللحظة النماذجية المنتَظَرة مجرد غيب، وإذا كان طولها المرتَقَب غير معلوم، وإذا كان الوصول لها يعني حتميَّة تقوّضها بعد استنفادها لطاقتها، لتُعيد الجماعة الإنسانية المحاولة والمكابدة داخل التاريخ الذي لا نعلم نهايته؛ فإن الشرط الأهم الذي قد يدفع بنا للاقتراب من اللحظة النماذجية هو الانتباه لطبيعة المسئولية التي يتعين على تلك الكتلة الحرجة (الجماعة المؤمنة) الاضطلاع بها. إن هذه المسؤولية لا تقتضي الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي فحسب، ولا تُغني فيها الشعارات والترهات والجماعات والأحزاب، ومدى صلابتها التنظيمية أو حجم جماهيريتها الآنية أو قدرتها الدعائية على إشباع الحاجات الديماغوغية للجماهير. إن هذه المسؤولية أخلاقية في المقام الأول؛ مسؤولية أخلاقية تجاه الله ثم الناس. 

وهذا حديث تال.

قطار حمدي قنديل و"توك توك"الآخرين

قطار حمدي قنديل و"توك توك"الآخرين

 وائل قنديل

كانت عودة حمدي قنديل إلى التلفزيون، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ثورة إعلامية على الركود والتكلس والبلادة، حيث أسّس لنمط جديد من الصحافة المرئية عبر برنامجه "رئيس التحرير" الذي لم تحتمله دولة حسني مبارك، فبحث له عن نافذة أخرى، سرعان ما أغلقت، فكانت ثالثة، فرض عليها الإغلاق أيضًا.

وحين جاءت ثورة يناير في 2011، وجد حمدي قنديل غرسه مثمرًا في الميادين التي لم يغب عنهاً، وبقي فاعلًا في المشهد الثوري، ثم كان الاختبار الأخلاقي الأكبر الذي وجد نفسه أمامه في انتخابات الرئاسة 2012، وهو معبأ بالهوى الناصري المعتق، فأعلن تأييده المرشح الإخواني الصريح، وكان في طليعة الجبهة الوطنية التي تمخض عنها "اجتماع فيرمونت" الشهير، وهي الجبهة التي تصدّت لرغبة المجلس العسكري في التلاعب بنتيجة الاقتراع لصالح مرشّح الثورة المضادة ونظام مبارك.

كان حمدي قنديل أول من عُرِضَ عليه منصب وزير الإعلام مع الرئيس محمد مرسي، غير أنه رفض استجابةً للمبدأ الذي توافقت عليه الجبهة الوطنية، وهو أنها جبهة ضمير وطني ومراقبة ومحاسبة، فلن يكون المشاركون فيها جزءًا من مؤسسة الرئاسة، سواء في مواقع تنفيذية أو مناصب استشارية، فيما سال لعاب آخرون كانت الجبهة بالنسبة لهم، للأسف، قاربًا للعبور إلى المناصب الرئاسية.
وتبقى قيمة حمدي قنديل المهنية محل إجماع، لا يشكّك فيها أحد، حتى أشد المختلفين معه، والرافضين بعض مواقفه السياسية، وفي ذلك كتبت في مارس/ آذار 2009، بعد أن أغلقت كل المنافذ الإعلامية في وجه برنامجه الذي كان ينتظره المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، سطورًا لا أجد مناصًا من إعادة نشرها، بعد رحيله أول من أمس، إثر معاناة مع المرض.

قبل عشر سنوات من الآن، كان المشاهدون المصريون يستقلون قطارا تليفزيونيا واحدا اسمه "قطار حمدى قنديل"، كانوا ينتظرون "رئيس التحرير" كل جمعة، على الرصيف المواجه لمبنى ماسبيرو، لينطلقوا معه وبه، مدة تزيد على الساعة، فى براح الكلمة المتلفزة النقية. 
ومع الوقت، أصبح حمدى قنديل المتحدث الرسمى باسم ملايين المشاهدين الباحثين عن بقعة صغيرة هادئة فى المسافة بين حرائق مجنونة تندلع على صفحات جرائد المعارضة وبركة مياه آسنة، تنبعث منها روائح التخمر والتجمد فى جرائد الحكومة المسماة تلطفا "القومية"، غير أن الأمور لم تمض كما أراد لها الجمهور، فقد ضجّ أصحاب ماسبيرو بما اعتبروه خروجا على النص، أو تجاوزا للسقف من "رئيس التحرير"، وبعد سلسلة من التحرّشات والمضايقات، خبا البرنامج رويدا رويدا: يُذاع أسبوعا، ويُحجب أسبوعا آخر، وفى ضربةٍ خاطفةٍ تشبه عمليات الاغتيال بالسيارات المفخّخة فى بيروت السبعينيات، اختفى "رئيس التحرير" من التليفزيون المصرى بلا رجعة. 

وقد قيل ما قيل فى أسباب اختطاف برنامج حمدى قنديل من مشاهدى ماسبيرو، إلا أن صاحب الشأن لم يتحدّث حتى الآن عن أسباب تهجيره قسرا من تليفزيون بلاده، حتى بعد أن ظهر مغرّدا فوق أشجار أخرى، لم يشأ أن يكشف المستور في قصة خروجه ببرنامجه من مصر. 
والغريب أنه فور تكهين قطار "رئيس التحرير" انقض الجميع على التركة، مثل الجوارح الجائعة، كلٌّ يختطف قطعة، أو يسطو على جزءٍ من الفكرة. 
وهكذا تحول القطار الفاخر إلى مجموعة من الميكروباصات و"التوك توك" من دون أن يضع أحد من الذين "قرصنوا" على فكرة البرنامج فى عينه حصوة ملح، وينسب الفضل لصاحبه، أو يقول إن ما يقدّمه هو امتداد لما حفره حمدى قنديل في صحراء الإعلام المصري. 

وبمرور الأيام، انتشرت البرامج التى تتغذّى على حليب الصحافة المكتوبة انتشار "التوك توك" في المناطق العشوائية، فيما بقى حمدي قنديل وحيدا مطاردا هناك فى البعيد البعيد، يبتسم ساخرا من الصغار الذين انقضوا على زرع يديه، وأعادوا تغليفه وطرحه فى الأسواق بأسماء مشابهة، على طريقة البضاعة الصينية والتايوانية التى تحاول محاكاة المنتج الأصلى. 
حمدى قنديل يواصل ترحاله الإجباري، وهم لا يتورّعون عن الحديث عن الريادة والتطوير، و"التوك توك" يتسيد الساحة. 
أخيرًا، وصل قطار حمدي قنديل إلى محطة النهاية، فيما بقيت "التكاتك" تعربد في دروب الإعلام.

الخميس، 1 نوفمبر 2018

جمال خاشقجي.. العدو الوجودي للطغاة العرب


جمال خاشقجي.. 
العدو الوجودي للطغاة العرب
كان اعتدال خاشقجي ومصداقيته وشرعيته هو الذي أزعج الحكام غير الشرعيين

ديفيد هيرست

عشنا الشهر الماضي جميعاً وكأننا جزء من أحداث فيلم سينمائي مروع يجسد قصة من النوع الذي درج على كتابته كوينتين تارانتينو. قصة درامية تراوح في منطقتين. 


أما الأولى فهي القرن الحادي والعشرين، الذي شهد صعود أمير سعودي، فصيح معسول اللسان، يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً إلى صدارة الساحة العالمية في صورة الإصلاحي الواثق من نفسه، الحارق للمراحل، الحامل لراية "الإسلام المعتدل" كما يقولون لنا. ذات مرة، أخبرني جمال خاشقجي بأن ذلك الأمير "المعتدل" كان يبني لنفسه يختاً رابعاً. 



توحش القرون الوسطى



إلا أن تلك القصة لها قدم واحد في القرن الحادي والعشرين. أما القدم الأخرى فتقف في القرن العاشر، حينما كان السادة يمرون بزنازين التعذيب ليستمعوا إلى عويل أسراهم. نعم، لقد قتل جمال خاشقجي بوحشية القرون الوسطى، وسجل القتلة عويله طوال سبع دقائق من العذاب فاضت بعدها روحه إلى بارئها. 



عند هذه النقطة لا تختلف سلوكيات الأمير السعودي عن تلك التي تنسب إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لقد تحول المعتدل إلى وحش. 



إلى أن وقعت جريمة قتل خاشقجي في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول داخل القنصلية السعودية في إسطنبول لم يكن ثمة تماس بين القرن الحادي والعشرين والقرن العاشر.



تخيل ماذا كان سيحدث لو أن خاشقجي لم يدخل إلى القنصلية. حينها لم يكن شيء ليحول دون ورود العظماء والنبلاء من كل حدب وصوب على دافوس الصحراء، ذلك المؤتمر الاستثماري الذي نظمته المملكة العربية السعودية في الرياض الأسبوع الماضي. 



لكان مدير أوبر، وريتشارد برانسون، وكريستين لاغارد، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كلهم يتزلفون عند أقدام الملك الصبي، بينما يتضور أهل الحديدة جوعاً بسبب الحصار المفروض عليهم. فطالما جثا هؤلاء العظماء والنبلاء على ركبهم أمام معسول الكلام المغازل لليبرالية. 



وبعد أربعة أسابيع من الكذب والرشاوى، باتت لدينا قناطير من الأدلة التي تشير بأصابع الاتهام إلى فرقة النمر، وهي وحدة سرية من المغاوير اختار أعضاءها بنفسه ولي العهد السعودي، رغم أنه يدعي جهله التام بما أقدموا عليه في إسطنبول. كما يزعم ولي العهد بألا علم له أيضاً بالمكالمات الهاتفية الأربع التي أجراها رئيس فرقة الموت ماهر مطرب مع سكرتيره الخاص في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول، نفس اليوم الذي وقعت فيه جريمة القتل. 



لقد تمكن ولي العهد إذن من إخماد صوت. ولكنه حول نفسه جراء ذلك إلى صنف شديد السمية، فقد بات الآن آخر شخص يرغب المرء في أن يراه الناس في معيته. إلا إذا كان ذلك المرء هو جون فلينت، المدير التنفيذي لمصرف إتش إس بي سي. اعترف فلينت يوم الاثنين بأن "الأسابيع القليلة الماضية كانت صعبة على المملكة." وقال إنه يتفهم "المشاعر" المحيطة بالقصة، ولكن "من الصعب أن يقطع المرء صلته بالمملكة."



عدو الطغاة



كم هو مثير للاهتمام أن جريمة تحقق وقوعها، وارتكبت من قبل مسؤولين في دولة على أرض مملوكة للدولة، أمكن أن تصبح قضية مشاعر بدلاً من أن تصبح قضية قانون دولي. لربما تصور المرء أن مصرفياً عالمياً مثل فلينت سيكون أكثر حرصاً على مكانة القانون الدولي. 



لقد التهمت ألسنة النيران التي أشعلتها جريمة قتل خاشقجي كل الملايين من الدولارات التي أنفقت لعرض صور وجه الأمير على لوحات الإعلان في شوارع لندن وفي شراء ذمم مراكز البحث والتفكير واستمالة حفنة من الأكاديميين والإعلاميين. 



ما الذي جعل جريمة قتل رجل واحد تفضي إلى مثل هذا التفاعل؟ لماذا احتاج الأمر إلى ارتكاب هذه الجريمة حتى تتوقف مبيعات الأسلحة الألمانية – (ولكن ليس البريطانية ولا الأمريكية ولا الفرنسية) – بينما عجز عن ذلك قصف السعوديين لحافلة مدرسية في اليمن في شهر أغسطس/ آب الماضي؟ ثمة حاجة ماسة إلى طبيب نفسي، لا لصحفي، حتى يشرح ذلك. 



لقد مس جمال خاشقجي عصباً مذنباً فينا جميعاً. لم يكن ذلك الذي قاله بقدر ما كان ذلك الذي لم يقله هو الذي حوله إلى عدو وجودي للطغاة. اعتداله، صدقيته ومشروعيته هي التي بثت الذعر والفزع في حكام تنقصهم الشرعية. رفض أن يحابي وأن يساير، رفض أن يطبق فاه ويمسك لسانه، ورفض مد يده لريالات الملك. لربما لو فعل لأثرى ولكان اليوم حياً يرزق. 



لكن خاشقجى أبى أن يشارك في اللعبة. أخبرني ذات مرة كم شعر بالمهانة بعد عام من الصمت. جلست أنصت إليه وأهز رأسي موافقاً بينما كان يقول: "ما معنى أن تكون صحفياً ولا تتمكن من الكتابة عما تراه يجري أمام ناظريك؟ ليست تلك مهنتي فحسب، بل إنه واجبي." لكني لا أعتقد أن أحداً منا استشعر ما كان يحيق به من خطر.


هل تغير شيء بعد مرور أربعة أسابيع؟


نقطة تحول



لقد أثبتت لنا جريمة قتل خاشقجي أن الحلفاء الأقرب للغرب ليسوا فقط مزعزعين، وإنما هم مصدر الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة. لابد أن كبير حواريي الواقعية السياسية، وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس، يسأل نفسه الآن، من أكثر إضراراً بالمصالح الأمريكية: أعداؤها أم حلفاؤها؟



لا يسأم الطغاة من إخبارنا بأن العرب ليسوا ناضجين بما فيه الكفاية حتى تقام فيهم الديمقراطية. والواقع أن الأمر معكوس، فهؤلاء الطغاة لا يعرفون بتاتاً متى تنتهي صلاحيتهم ويحين أجلهم. ها هي الدولة العربية تلفظ أنفاسها في أيديهم. والكل يعرف ذلك، من القوميين إلى الإسلاميين، ومن العلمانيين إلى المتدينين، ومن اللبراليين إلى المحافظين. 



لقد علم جمال خاشقجي هذه الحقيقة ودفع حياته ثمناً لذلك، ولعل وفاته تشكل نقطة تحول تاريخية. 



والمأساة هي أن خاشقجي احتاج لأن يموت حتى يزول ذلك القناع، وحتى يتصادم العالمان. ما من شك في أنه لو قدر لصفحة التاريخ أن تطوى، فإنها لن تطوى إلا وأمثال خاشقجي قد مكنوا لأن المنطقة لن تفلح في بناء مستقبل واعد ومستقر إلا بهم. 



سأفتقده، وستفتقده جزيرة العرب، وسيفقده العالم العربي بأسره، إنه البطل الحقيقي لأزماننا هذه. 


(أعد هذا المقال بناء على الكلمة التي ألقاها ديفيد هيرست في حفل تأبين جمال خاشقجي في لندن يوم التاسع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول). 


ترجمة  "عربي21"
 نقلا عن موقع ميديل إيست آي البريطاني