الأحد، 29 يوليو 2018

التشيع والمرجعية…والسقوط الأخير!!

التشيع والمرجعية…والسقوط الأخير!!


سيف الهاجري
في إحدى الرحلات قابلت صديقا شيعيا أصوله من الإحساء وتحدثنا طويلا حول الأحداث التي تمر بها المنطقة وخاصة ما يجري في العراق وسوريا فسألته عن رأيه في الموقف الشيعي الإيراني والعراقي في دعم نظام الأسد وعن الجرائم التي ارتكبتها المليشيات الطائفية وحزب الله فإذا هو يؤكد لي أن هؤلاء سيفشلون ولن تنجح سياستهم في العراق وسوريا وأضاف مفسرا (هؤلاء استعجلوا فهناك أحاديث تدل على وقوع أحداث قبل ظهور الإمام كالسفياني ولهذا فهؤلاء لن ينجحوا وسيسقطون) لقد ظننت أنه سيعزو الفشل إلى كون هذا الموقف الشيعي يتناقض مع مبادئ ثورة الحسين أو مبادئ الثورة الإيرانية أو أصول الإسلام نفسه حينها أدركت ان التشيع بهذا التبرير الغيبي للجرائم الطائفية في العراق وسوريا قد دخل نفق الانهيار وعاد للصدام مع الأمة تحت حراب الاحتلال الأمريكي في العراق والاحتلال الروسي في سوريا.

واليوم ومع مرور أسابيع على الحراك الشعبي في جنوب العراق في المعقل الشيعي التقليدي بدأت تتكشف حقيقة الأوضاع السياسية القائمة للحاضنة الشيعية مما اضطر الأحزاب الشيعية الحاكمة إلى الاستعانة بالمرجعية الشيعية لاحتواء هذا الحراك باعلانها عن دعم مطالب الحراك الشعبي لتكون المرجعية حاضرة في أي تغيير سياسي قادم خاصة بعد الطعن في الانتخابات الأخيرة وفي نفس الوقت تحافظ على نفوذها المعنوي والديني عند أتباعها من شيعة العراق.

لقد أحدث الحراك الشعبي في جنوب العراق هزة سياسية في العراق والمنطقة وهو ما جعل أمريكا والنظام العربي يسارعون لتوظيف هذا الحراك لترتيب البيت العراقي بما يتناسب مع الترتيبات الأمريكية للمنطقة في ظل صفقة القرن والمتابع لقنوات الثورة المضادة يدرك هذه الحقيقة.

إن أزمة العراق الحقيقية ليست في الفساد ذاته الذي تحذر منه المرجعية الشيعية إنما الأزمة في الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق والنظام السياسي الطائفي الذي هندسه بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق ونصب الأحزاب والجماعات الطائفية والوظيفية حكاما للعراق بمباركة من المرجعية نفسها الذي تحذر اليوم من خطر الفساد بدون مواجهة الحقيقة بأن الاحتلال هو راعي الفساد وحامي أحزابه (انظر مذكرات بول بريمر “عام قضيته في العراق”)، لذا ستستمر الأزمة في العراق وستطال الجميع سنة وشيعة وأكرادا ما دام الاحتلال وأدواته الوظيفية هم من يحكمون بغداد المنصور بمباركة من المرجعية التي أجازت للأحزاب الشيعية التعامل مع الاحتلال.

إن هذه المواقف السياسية لإيران وللمرجعية الشيعية في النجف وقم وجرائم الحرب التي ارتكبها حزب الله والمليشيات الشيعية الطائفية تحت شعار يا لثارات الحسين وبتحالف وتفاهم مع الاحتلال الأمريكي في العراق والاحتلال الروسي في سوريا ستلقي بظلالها على مستقبل التشيع وسيدفع ثمنها كمذهب وفكر والتي جعلت من الشيعة طائفة وظيفية في خدمة أعداء الأمة الإسلامية بالرغم من تحذير أصوات شيعية حرة كالشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في وصاياه الذي دعى فيها الشيعة إلى (أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تميز خاص، وان لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم، لأن المبدأ الأساس في الإسلام هو وحدة الأمة…. لعل الله يجعل لنا فرجاً ومخرجاً مما نعانيه، ويفرج عن العراق وشعبه ويحرر العراق من هذه الوصاية ومن هذه الهيمنة الأجنبية الأمريكية التي دمرته

ووقع ما حذر منه الشيخ شمس الدين فهذه المواقف السياسية وأحداث الثورة العربية وخاصة في سوريا أعادت إلى ذاكرة الأمة الموقف الشيعي الشنيع في فتح أبواب بغداد عاصمة الخلافة العباسية أمام المغول ليقتل خليفة الإسلام وترتكب المجازر الوحشية عام 656 هـ، وجاءت الجرائم الطائفية في العراق وسوريا اليوم بعد قرون من محاولة الأمة وشعوبها تجاوز مثل هذه المواقف للم شمل الأمة ووحدتها لكن يأبى الله عز وجل بحكمته وسننه إلا أن تتمايز الصفوف.

‏﴿ما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

الأحد 16 ذو القعدة 1439هـ 29 / 7 / 2018م

شيخ الأزهر محمد الخضر حسين

شيخ الأزهر محمد الخضر حسين 
د. محمد موسى الشريف – موقع التاريخ
04 رمضان, 1432
ولي الأزهر في العصر الحديث شيوخ كثيرون كانوا ملء السمع والبصر، لكن قليلاً منهم كان مثل الشيخ محمد الخضر حسين علمًا وعملاً وحرصًا على المسلمين، هذا ولم يَلِ الأزهر غير مصري في العصر الحديث إلا الشيخ محمد الخضر حسين فيما أعلم.
وقد عاش الرجل في مدة مليئة بالأحداث منذ بدايات القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي.
مولده ونشأته:
ولد -رحمه الله تعالى- في مدينة نَفْطة بتونس في 26 رجب سنة 1293هـ/ 16 أغسطس 1876م، وأصل أسرته من الجزائر، من عائلة العمري، من قرية طولقة، وهي واحة من واحات الجنوب الجزائري، وأصل أمه من وادي سوف بالجزائر أيضًا وأبوها هو الشيخ المشهور مصطفى بن عزوز وخاله الشيخ المشهور محمد المكي بن عزوز.
واسم الشيخ هو محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر، فلما جاء إلى الشرق حذف "بن" من اسمه على الطريقة المشرقية، وغلب عليه الخضر عوضًا عن الأخضر، ونشأ الشيخ في أسرة علم وأدب من جهتي الأب والأم، وكانت بلدة نَفْطة التي ولد فيها موطن العلم والعلماء، حتى إنها كانت تلقب بالكوفة الصغرى، وبها جوامع ومساجد كثيرة، وهي واحة بها زرع وفيها فلاحون.
ونشأ الشيخ في هذه البيئة طالبًا للعلم فحفظ القرآن، ودرس العلوم الدينية واللغوية على يد عدد من العلماء منهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز الذي كان يرعاه ويهتم به، وحاول الشيخ منذ سن الثانية عشرة أن يقرض الشعر، ثم برع فيه بعد ذلك.
ولما بلغ الشيخ سن الثالثة عشرة انتقل إلى تونس مع أسرته ودرس في جامع الزيتونة -فك الله أسره وأعاد مجده- وهناك درس على خاله محمد المكي بن عزوز الذي كان له شهرة كبيرة بالجامع ويدرس فيه مجانًا، ودرس على يد مشايخ آخرين أبرزهم الشيخ سالم بوحاجب الذي كان من أعمدة الإصلاح في تونس، درس على يديه صحيح البخاري، وقد تخرج الشيخ في الزيتونة سنة 1316هـ/1898م، وألقى دروسًا في الجامع في فنون مختلفة متطوعًا، وبقي كذلك مع حضور مجالس العلم والأدب المختلفة.
وفي شهر محرم سنة 1322م/ إبريل 1904م أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية ظهرت في تونس، وكانت تصدر كل نصف شهر، ولم يصدر منها سوى 21 عددًا ثم انقطع صدورها، وقد كان الشيخ يكتب أغلب مقالاتها.
وقد وُجهت بنقد من قبل بعض الجامدين؛ لأن الشيخ أيّد فيها بقاء باب الاجتهاد مفتوحًا، وكانت المجلة تتسم بالنقد الهادف واحترام التفكير الجيد.
رحلتاه إلى الجزائر:
وفي سنة 1321هـ/1903م ارتحل إلى الجزائر، وفي السنة التي تليها ارتحل إليها أيضًا، وزار معظم المدن الجزائرية، وقصد العاصمة الجزائر فزار المساجد والمكتبات، وحضر بعض الدروس الدينية واللغوية، كما شارك في بعض المجالس الأدبية وألقى بعض الدروس الشرعية.
مناصب الشيخ الخضر حسين في تونس:
1- توليه منصب القضاءتولى منصب القضاء في بلدة بنزرت، ولم يكن يريده لكن الشيخ الإمام العلامة محمد الطاهر بن عاشور أقنعه بالقبول واشتد عليه فيه، لكنه بقي أشهرًا قليلة ثم استقال، وعاد إلى تونس ليعاود التدريس في الزيتونة، وكان أثناء بقائه في بنزرت مباشرًا الخطابة والتدريس في جامعها الكبير، وكان له فيها دروس شرعية وأدبية.
2- عضوية الجمعية الزيتونية: كان عضوًا في الجمعية الزيتونية التي يرأسها الإمام العلامة محمد الطاهر بن عاشور، وهي خاصة بمشايخ جامع الزيتونة، فك الله أسره وأعاد مجده.
3- التدريس في جامع الزيتونة، والقيام على خزانة كتبه.
4- التدريس بمدرسة الصادقية، وكانت الثانوية الوحيدة في تونس.
رحلته إلى بلاد الشام:
للشيخ ثلاثة إخوة أدباء فضلاء تركوا تونس واستقروا في الشام، وكان منهم زين العابدين أخوه العالم الذي كان يلقي الدروس في الجامع الأموي فأراد الشيخ زيارتهم، فغادر الشيخ تونس إلى الشام سنة 1330هـ/1912م عن طريق البحر، ومر بمالطة والإسكندرية ثم القاهرة وألقى درسًا في الأزهر، ثم ترك القاهرة إلى بورسعيد فيافا وحيفا، وفي كل مدينة من المدن كان يزور الأدباء والعلماء ويطلع على الكتب.
ثم دخل الشام فاستقبل استقبالاً حافلاً، وألقى دروسًا في الجامع الأموي في الحديث، واتصل بالعلماء والأدباء، وبقي شهرًا ونصفًا فيها ثم غادرها إلى بيروت في شوال سنة 1330هـ/1912م، ثم غادرها إلى إسطنبول ليزور خاله الشهير محمد المكي بن عزوز الذي اتخذها موطنًا له، ولم يلقه منذ خمس عشرة سنة، وبقي فيها شهرين ثم غادرها إلى تونس.
انتقاله إلى الشام:
بقي في تونس أسابيع قليلة ثم خرج منها -إلى غير رجعة- لما ضيق الاستخراب الفرنسي عليه تاركًا زوجه التي رفض أهلها أن يأخذها معه، وكان ذلك في سنة 1331هـ/ ديسمبر 1912م، فوصل دمشق ثم غادرها إلى الحجاز بالسكة الحديد للحج، وزار ألبانيا ودار في البلقان، ثم ذهب إلى الأستانة (إسطنبول)، ثم وصل دمشق واستقر فيها بحي الميدان ببيت إخوته الذين سبقوه إلى هنالك.
ودرّس في دمشق بالمدرسة السلطانية، واستمر كذلك حتى سجنه جمال باشا السفّاح والي الشام العثماني سنة 1335هـ/1916م، متهمًا إياه بالتآمر على السلطة الحاكمة، وبقي في السجن ستة أشهر -وقيل أكثر من ذلك- فلما خرج منه عاد إلى التدريس بالمدرسة السلطانية والجامع الأموي.
ثم طلبته وزارة الحربية العثمانية -أثناء الحرب العالمية الأولى- للعمل فيها مُنشئًا للرسائل العربية، فغادر دمشق إلى إسطنبول، ومن هنالك أرسلته الدولة العثمانية إلى ألمانيا مع مجموعة من المشايخ في مهمة سياسية تتمثل في تحريض المغاربة هنالك ضد الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا وضد الإيطاليين في ليبيا، فبقي 9 أشهر تعلم فيها اللغة الألمانية واطّلع على عادات المجتمع الألماني، ثم عاد إلى إسطنبول فبقي فيها قليلاً، ثم عاد إلى برلين ليقيم فيها سبعة أشهر أخرى إلى أن انتهت الحرب العالمية الأولى وسقطت إسطنبول بأيدي الحلفاء.
وقد شارك أثناء إقامته في ألمانيا بكتابة تقرير مفصل عن مطالب الشعب الجزائري والتونسي، وقد رُفع هذا التقرير إلى مؤتمر الصلح المنعقد في فرنسا.
وحضر سنة 1336هـ/1917م فتح مسجد للجنود المسلمين في برلين، وألقى فيه محاضرة عن الحرية. ولم يأكل أثناء إقامته في ألمانيا اللحم؛ لأن الألمان لا يذبحون بالطريقة الشرعية، وإنما يضربون الحيوان على رأسه حتى يموت أو يخنقونه. وقد أُعجب بحب الألمان للعمل، وإقبالهم عليه حتى عَجَزتُهم.
عودته إلى دمشق:
لما سقطت إسطنبول بأيدي الحلفاء عاد من هامبورج بألمانيا إلى إسطنبول بباخرة أقلّته ومن معه من العثمانيين، ومنها عاد إلى دمشق التي كانت قد خضعت للحكم العربي -بعد زوال العثمانيين- بقيادة فيصل بن الشريف حسين. وفي دمشق انضم إلى المجمع العلمي العربي عضوًا عاملاً، ثم لما استقر بمصر بقي عضوًا مراسلاً.
الشيخ محمد الخضر حسين في مصر:
لما سقطت الشام في أيدي الفرنسيين 1339هـ/1920م ما وسعه المقام فيها؛ وذلك لأن الفرنسيين كانوا قد حكموا عليه غيابيًا في تونس بالإعدام لاتهامه بالمشاركة في تحريض المغاربة بألمانيا وتركيا على الثورة ضد الفرنسيين في شمال إفريقيا، فهرب إلى مصر، وبقي فيها إلى نهاية حياته المباركة.
وعمل في مصر مصححًا بدار الكتب المصرية بشفاعة أحمد تيمور باشا الذي عرف قدره، وكان يلقي المحاضرات والدروس في مساجدها، ويكتب المقالات المتنوعة الكثيرة.
وفي القاهرة أنشأ "جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية" التي تهتم بالمغاربة من الناحيتين الثقافية والاجتماعية، وذلك سنة 1342هـ/1924م، وبعد عشرين سنة ألف جمعية "جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية".
وفي تلك المدة أسقط الهالك أتاتورك الخلافة الإسلامية، ومن ثم تطلع الناس إلى بلد آخر ليكون مهدًا للخلافة، فاتجهت الأنظار إلى مصر، وآنذاك كتب الشيخ علي عبد الرازق كتابه المشئوم "الإسلام وأصول الحكم"، أنكر فيه أن يكون للإسلام سلطة ودولة إنما هو سلطة روحية فقط، فقامت عليه قيامة العلماء والمفكرين بمصر، وفصل من هيئة كبار العلماء في محرم سنة 1344هـ/1925م، واتهم بالزندقة والإلحاد، وحينئذ ألف الشيخ محمد الخضر حسين كتابه الشهير الذائع الصيت "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ونال به حظوة عند الملك فؤاد -الذي كان يطمع بالخلافة- وجَمْعٍ من العلماء والأدباء والمفكرين والمثقفين، وعظمت به شهرته، وطار به صيته، وقد أهدى الكتاب لخزانة الملك فؤاد.
- وفي مصر اختلف مع طه حسين عندما ألف كتابه "في الشعر الجاهلي"، وكان في الكتاب انحراف خطير واتباع لأقوال المستشرق الإنجليزي مرجليوث وطعن في القرآن، فاشتد غضب علماء الأزهر حين صدر هذا الكتاب، وحاكموا صاحبه إلى محاكم مصر التي كانت تحت التأثير الإنجليزي فبرأته، وهنا ألف الشيخ محمد الخضر كتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، الذي كان باعتراف طه حسين من أهم الردود عليه وأشدها حجة.
وفي سنة 1346هـ/1928م شارك في تأسيس "جمعية الشبان المسلمين"، ووضع لائحتها مع صديقه محب الدين الخطيب.
- وفي مصر أنشأ "جمعية الهداية الإسلامية" مع بعض المشايخ منهم شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي، وذلك في سنة 1346هـ/1928م لمّا رأى التفسخ الخلقي آخذًا في الانتشار بين كثير من شباب مصر آنذاك، وكان من أهداف الجمعية محاربة الفساد والإلحاد، والتعريف بالإسلام، والسعي لتمتين الصلات بين الشعوب الإسلامية والسعي؛ لإصلاح شأن اللغة العربية وإحياء آدابها، وأصدر مجلة "الهداية الإسلامية" لتكون لسان حال الجمعية، وأُلقيت المحاضرات في المساجد والنوادي خاصة التي تتبع هذه الجمعية، وقد رَأَس الجمعية الشيخ محمد الخضر حسين، وفيها بعض الأعضاء البارزين مثل الشيخ علي محفوظ، والشيخ عبد الوهاب النجار، وفتحت الجمعية فروعًا في مصر وسوريا والعراق.
وقد توقف صدور المجلة بعد ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية.
مناصب الشيخ محمد الخضر في مصر:
- التدريس في الأزهر: اختير الشيخ محمد الخضر حسين للتدريس في قسم التخصص بالأزهر، وهذا دال على مدى علمه؛ إذ لا يدرس في الأزهر آنذاك إلا كبار العلماء.
- رئاسة تحرير مجلة الأزهر: اختير الشيخ محمد الخضر لتولي رئاسة تحرير مجلة الأزهر التي صدرت في بداياتها باسم "نور الإسلام" وذلك سنة 1349هـ/1931م، ثم تحولت إلى مجلة الأزهر، وما زالت تصدر إلى يومنا هذا، وبقي الشيخ فيها إلى أن عزل عنها بعد أربع سنوات.
- وتولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام" سنة 1366هـ/1946م.
- وفي القاهرة اختير عضوًا بـ"مجمع اللغة العربية الملكي" عند إنشائه سنة 1351هـ/1932م.
- واختير عضوًا لهيئة كبار العلماء سنة 1370هـ/1950م.
ثم اختير شيخًا للأزهر بعد ثورة يوليو في سنة 1371هـ/1952م، وفي عهده أرسل وعاظًا أزهريين إلى السودان، ثم استقال منه بعد أقل من سنتين، وفي ولايته للأزهر دلالة على رفعة شأنه عند العلماء والساسة، فقد كان الأزهر أعظم مؤسسة إسلامية في العالم الإسلامي، وقد قال الشيخ العلامة الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور التونسي عند اختيار الشيخ محمد الخضر شيخًا للأزهر: "ليحق لهذه الحقبة من التاريخ التي تُظِلُّنا أن تفخر بأنها بلغت فيها الصلات بين الأزهر والزيتونة أوْجها؛ فقد احتضن الأزهر إمامًا من أئمة الأعلام، كان أحد شيوخ الزيتونة العظام".
وقد أحسنت مصر وفادته منذ نزل إليها سنة 1339هـ/1920م، وتجنس بجنسيتها وبقي فيها إلى وفاته، ودفن فيها.
الشيخ الخضر حسين وعلاقته بالسياسة:
كان للشيخ -رحمه الله تعالى- بعض الأفكار في باب السياسة، وخاض في شيء منها فقد كان مهتمًّا بالاتحاد الإسلامي، حريصًا على تفقد أحوال المسلمين، متألمًا مما نزل بهم، وكان -رحمه الله تعالى- حسن الصلة بوطنه تونس، حريصًا على تتبع أحواله، وإعانة أبنائه في كل الميادين، وكان بيته قبلة للتونسيين القادمين إلى القاهرة، وسخر مكانته العلمية والدينية من أجل مساعدة المدافعين عن قضية تونس خصوصًا، والمغرب العربي الكبير عمومًا، فعرف بهم السلطات والهيئات والمسئولين في مصر، وأنشأ جمعيتين لهذا الغرض كما ذكرت آنفًا.
وقد ذكرت من قبل أن الدولة العثمانية ابتعثته إلى ألمانيا في مهمة سياسية، حكمت عليه فرنسا من أجلها بالإعدام.
لكن الشيخ لم يكن يحب الحديث في المجالات السياسية في مجلته "الهداية الإسلامية"، ولا في مجلة "نور الإسلام" التي أصبحت الأزهر فيما بعد، حتى إنه قد جرت أحداث مهمة في تونس والمغرب في ذلك الوقت لكن الشيخ لم يكن يذكرها، ولعل مرد ذلك إلى تخوفه من الدخول في غمار شيء لا يدري ما عواقبه في مصر. وهذا السبب غير مقنع لي، والسبب الأقوى -عندي- هو أن الشيخ كان مهتمًّا بالإصلاح التربوي والاجتماعي والديني أكثر بكثير من اهتمامه بالسياسة التي أكد على البعد عنها في افتتاحية العدد الأول من مجلة "الهداية الإسلامية" ومجلة "نور الإسلام" في عددها الأول أيضًا، وهي التي أصبحت مجلة "الأزهر" فيما بعد، وهذا مما أثار عليه حفيظة الشيخ محمد رشيد رضا فجرى بينهما ما لا أحب ذكره -عفا الله عنهما وغفر لهما- وعلى كل حال فلا يعني عدم تعرضه للسياسة في المجلتين أنه بعيد في حياته العملية عنها، بل قد كان بها ذا صلة كما بينت آنفًا، لكنه آثر لسبب لا أدريه -على وجه القطع واليقين- أن يبتعد عنها في المجلتين، والله أعلم.
صفات الشيخ محمد الخضر حسين:
كان الشيخ -رحمه الله تعالى وإيانا- مؤثرًا للهدوء في النقاش والحديث، عَفّ اللسان، جريء الجنان، محبًّا للإصلاح، عاملاً على جمع الكلمة، ومن أبرز صفاته الزهد فقد كان ظاهرًا فيه طوال حياته، وكان يردد كثيرًا: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العَفاء".
وهو -بلا شك ولا ريب- صاحب همة عالية، أهّلته للوصول إلى ما وصل إليه، رحمه الله وإيانا.
مواقف من حياة الشيخ الخضر حسين:
- عندما كان في ألمانيا حضر عند مدير الاستخبارات الألمانية وكان معه سكرتيره، وذلك أثناء سفرهم إلى قرية ألمانية، وفي نهاية الحديث سأله المدير: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟
فقال له: وماذا يقرر؟
قال: إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكمًا للأمم.
فقال له: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام، وقد بيّن ذلك غاية البيان في فصل عقده في مقدمته.
وهذا يدل على أن مدير الاستخبارات الألماني كان متابعًا لأحوال العرب، وأن الشيخ محمد الخضر كان قارئًا جيدًا واعيًا حاضر الذهن.
- ومن مواقفه الجيدة أن السلطات الفرنسية الاستخرابية في تونس دعته ليكون عضوًا في المحكمة المختلطة التي يكون فيها قضاة مسلمون وأجانب، فرفض؛ لأن المحكمة تحكم بغير ما أنزل الله، ولأن المحكمة قائمة في ظل الاحتلال وستخدم مصالحه.
- ومن مواقفه الجريئة أنه حاضر في تونس عن الحرية في الإسلام أثناء وجود الاستخراب الفرنسي فيها، وذلك في نادي قدماء مدرسة الصادقية الثانوية، قال فيها: "إن الأمة التي بُليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية".
 ثم بيّن الآثار السيئة للاستبداد في شجاعة وجرأة، وقد تناقل الناس مضمون المحاضرة ووصلت أخبارها إلى الشام وغيرها.
- وفي مصر كان له موقف مشرف حين طلب أحد أعضاء مجلس الثورة مساواة الجنسين في الميراث، ولما علم الشيخ بذلك أنذرهم إن لم يتراجعوا عن هذا فسيلبس كفنه، ويدعو الشعب إلى زلزلة الحكومة والقيام عليها لاعتدائها على حكم من أحكام الله، فكف ذلك العضو عما نواه من تغيير حكم الله تعالى، فما أحوجنا اليوم لمثله.
- وقد استقال من الأزهر عندما حدثت الحادثة العظمى بضم القضاء الشرعي إلى القضاء الأهلي الذي اخترعه الاستخراب الإنجليزي، وكان يرى -كما يرى كل مسلم- بوجوب حدوث العكس وهو إلغاء القضاء الأهلي وتثبيت الشرعي، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان يقول عن وظيفته في الأزهر قولاً لا بد أن يسمعه شيخ الأزهر اليوم: "إن الأزهر أمانة في عنقي أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأتّ أن يحصل للأزهر مزيد الازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص". وهي مقولة جليلة.
ومن شعر الشيخ الخضر حسين:
للشيخ شعر جيد كثير ضمن بعضه في ديوان منشور، سماه "خواطر الحياة"، فمنه في ذم الكماليين الذين ألغوا الخلافة:
ما خَطْبُ قومٍ طالما وصـــلوكِ *** واعتز باسمكِ عرشُهم هجروكِ
حرسوك أحقابًا وحَلّق صيتهم *** في الخافقيـن لأنهم حرســـــوكِ
ومنه حين نصحه بعض أصحابه بالرجوع إلى الشام وترك مصر:
يقول: تقيم فــي مصــــر وحيدًا *** وفقد الأُنس إحدى الموتتين
ألا تَحْدو المطيــة نحــــو أرض *** تعيـــــد إليك أنس الأُسرتين
وعيشًا ناعمًــا يــــدع البقــــايا *** من الأعمار بِيضًا كاللُجيـــن
فقلت له: أيحلـــــو لـي إيــــاب *** وتلك الأرض طافحة بغَيْنِ[1]
وما غينُ البلاد سوى اعتساف *** يدنسها بـــه خُــــــرْق اليدين
وقال يمدح الأمير محمد عبد الكريم الخطابي يوم جاءت السفينة به من منفاه، واستطاع بعض المخلصين تخليصه في السويس وهو في طريقه إلى سجنه بفرنسا، فقال على الباخرة مرحبًا به:
قلت للشـرق وقد قـام على *** قــــدم يَعِرض أرباب المزايــــــا
أرنـي طلعـة شهم ينتضـي *** سيفه العَضْب ولا يخشى المنايا
أَرِنيـها إننـي ـمـن أمــــــة *** تركب الهول ولا ترضــى الدنايـا
فأراني بطـل الريـف الـذي *** دحـر الأعـــــــداء فارتدوا خزايا
أقوال في مدح الشيخ الخضر حسين:
- قال فيه العلامة عبد المجيد اللبان رئيس لجنة امتحان شهادة العالمية بالأزهر يوم تقدم إليها للاختبار: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج".
- وقال عنه الشيخ العلامة محمد علي النجار: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره، إلا في النُّدْرَى؛ فقد كان عالمًا ضليعًا بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شئونهم، حفيظًا على العروبة والدين، يردّ ما يوجه إليهما وما يصدر من الأفكار، منابذًا لهما، قوي الحجة، حسن الجدال، عف اللسان والقلم".
- وقال عنه العلامة الضخم الجليل الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور: "إنه من أفذاذ علماء الإسلام، وقد كان قليل النظير في مصر".
زواج الشيخ محمد الخضر:
تزوج الشيخ أربع مرات، مرة بتونس وقد ترك زوجه عند خروجه من تونس لرفض أهلها أن يصحبها معه، وتزوج في سوريا ثم طلق، ثم تزوج في مصر امرأة عاشت معه ثلاثين سنة ثم ماتت، فتزوج من امرأة من أهل زوجه المصرية.
ولم يرزق الشيخ بأولاد من أي من زوجاته.
مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين:
للشيخ عدة كتب؛ منها: "وسائل الإصلاح" ثلاثة أجزاء. وفي الكتاب نقد للأوضاع القائمة، وتقويم لها، وفيه ردٌّ على بعض الضلال الفكري الذي كان سمة من سمات ذلك العصر، وفيه تركيز على أثر العلماء والعناية بهم وحثهم على القيام بوظائفهم.
ومن كتبه أيضًا: بلاغة القرآن - أديان العرب قبل الإسلام - تونس وجامع الزيتونة - حياة ابن خلدون - دراسات في العربية وتاريخها - "تونس.. 67 عامًا تحت الاحتلال الفرنساوي" أصدره سنة 1948م - أدب الرحلات - الحرية في الإسلام - آداب الحرب في الإسلام – "تعليقات على كتاب الموافقات" للشاطبي - إضافة إلى مئات المقالات والمحاضرات.
وفاة الشيخ محمد الخضر:
توفي -رحمه الله تعالى وغفر لنا وله- في رجب مضر سنة 1377هـ/1958م عن أربع وثمانين سنة، ودفن في القاهرة في مقبرة أصدقائه آل تيمور، وأهدى مكتبته العلمية النادرة الضخمة لزوجه الأخيرة.
وقد احتفلت تونس رسميًّا بالذكرى الخمسين لوفاته وأبرزت أعماله، وهذا منهم عجيب؛ إذ يحتفلون بالشيخ الذي يناقضون عمله وسعيه واتجاهه في كل نواحي الحياة في تونس اليوم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المصدر: موقع التاريخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] والغين هو الغيم، والمقصود به الاستخراب الفرنسي الذي خرب الشام آنذاك.

فوق السلطة- إرحل يا كيكي

فوق السلطة 
إرحل يا كيكي



من بين الشائعات الواقعية، تصدّر فيمصر الأسبوع الماضي وسم "ارحل يا سيسي"، احتجاجا على الأزمة المعيشية، لكن على شاشات القاهرة الأزمة الوحيدة في مصر اليوم هي ظاهرة رقصة الكيكي.
بعد "عشر سنين مية في التلاجة"، واستعداده لبيع نفسه لأجل بلاده، السيسي يضرب الأمثولة للعالم، ويعلن استعداده لإكمال مشوار الحياة بوجبة طعام واحدة في اليوم، فماذا أنتم آكلون؟

السبت، 28 يوليو 2018

فجائية الدعوة.. أكثر ما يؤرق المخالفين


فجائية الدعوة.. أكثر ما يؤرق المخالفين
محمد جلال القصاص
باحث دكتوراة علوم سياسية
قبل عقد ونصف تقريبًا كنت مهتمًا بالرد على شبهات زكريا بطرس، وجرني الرد عليه إلى نقد عباس العقاد والدعاة الجدد وغيرهم. مكثت أكثر من خمسة أعوام بين بطرس والعقاد والدعاة الجدد وما قاربهم؛ لاحظت أن قضيةً ما تبرز بوضوح عند الجميع. هي إنكار الوحي. أو إنكار الرسالة!

بطرس يتحدث بما توحيه الشياطين للكافرين في كل زمانٍ ومكان. يقول: ساحر، ويقول: مجنون، ويقول: علمه بشر. ويقول: يطلب الرئاسة في قومه..كالذي قاله أبو جهل ورفاقه من قبل. لا تكاد تجد فرقًا بين كفار قريش وكفار اليوم، (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون. أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)، (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)، فالعلة هي تشابه القلوب وإن اختلف الزمان والمكان، والعلة هي تسلط الشياطين على هؤلاء (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).

وبعض المنتسبين للإسلام تبنى أطروحات النصارى كاملةً كما فعل خليل عبد الكريم حين نسخ كتب القس جوزيف قزى (أبو موسى الحريري) ووضع عليها اسمه بعد تعديلات لا تكاد تذكر في العنوان والصياغة، وكما فعل سيد القمني في عددٍ من كتبه. وبعض المسلمين تبنى الفكرة من طريق آخر، هو طريق التطور الفكري، أو تأثير البيئة، مثل: عباس العقاد وعلي الوردي (انظر مقال: قنطرة الإلحاد: عباس العقاد وعلي الوردي نموذجًا) وزاد العقاد طريقًا مستقلًا هو طريق العبقريات. وإن شاء الله نأتي العقاد ونناقش أفكاره.

كلما جمعوا فكرةً وجاءوا يتحدثون يأتيهم شهاب ثاقب يحرقهم وما في أيديهم. هذا الشهاب الثاقب الذي يقضي على أكاذيب الكافرين وأراجيف المنافقين وأحاديث الغافلين هو فجائية الدعوة
وورط الكافرُ والمنافقُ نفرًا من المسلمين من خلال التواصل الثقافي والمنافع والمصالح المشتركة، فحديثًا ظهرت أطروحات تزعم أن السيرة النبوية تجربة بشرية قامت على التخطيط والثقافة العامة للنبي، وأن الوحي محدود الأثر ولم يتدخل في الأحداث!!، ويدعون أنهم (على خطى الحبيب)، والله يقول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ).

وكلما جمعوا فكرةً وجاءوا يتحدثون يأتيهم شهاب ثاقب يحرقهم وما في أيديهم. هذا الشهاب الثاقب الذي يقضي على أكاذيب الكافرين وأراجيف المنافقين وأحاديث الغافلين هو فجائية الدعوة في ثلاثة مستوايات: شخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته- رضوان الله عليهم-ـ والبيئة التي عاشوا فيها، والقضايا التي أثارتها البعثة (العقيدة).

لم يتلق شخص الرسول، صلى الله عليه وسلم، أيَّ معارفٍ ممن حوله، فلم يكن يقرأ أو يكتب (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) وعاش بين قومه أربعين سنة لم يفارقهم، وخلال هذه العقود الأربعة لم يجلس لأحد ويتعلم منه حرفًا واحدًا، بمعنى أنه لم يتعرض لتطور معرفي انتهى بالرسالة. وكذلك لم تؤثر فيه البيئة فقد كان مخالفًا لقريشٍ في دينها، لا يقف بمزدلفه ولا يلتزم بشعائرهم في الأعياد والمواسم دون أن يكون له موجه أو مثيل من بينهم؛ حتى التأهليل الخلقي كان من الله كليةً (شق الصدر، وفي الحديث: أدبني ربي فأحسن تأديبي). وفجأة بدأ يتحدث بحديثٍ آخر (القرآن الكريم) من جنس كلامهم ويخالفه في ذات الوقت تلاوةً وتركيبًا ويخبر عن السابقين واللاحقين.

وقل مثل هذا مع الصحابة فالذين وحدوا الجزيرة العربية تحت راية الإسلام وكسروا كسرى وأرغموا قيصر على ترك الشام وشمال أفريقيا.. لم يتصلوا بغيرهم، ولم يطوروا شيئًا من علوم الأرض هؤلاء الذين هم أهم حدثٍ في تاريخ البشرية نبتوا من نص مسموع ومقروء (كتاب وسنة). وحين ننظر للمحتوى، نجد أن الدعوة لم تتفاعل مع أسئلة مطروحة في البيئة التي بعث فيها رسول الله بل أثيرت قضايا جديدة: عن الخالق سبحانه وعز وجل، وعن الخلق، وماذا يراد منهم وماذا ينتظرهم إن آمنوا أو كفروا.
الاتصال بالأمم الأخرى
يحلوا لبعضهم التحدث عن أن الحضارة الإسلامية دخل في تكوينها الحضارات الأخرى. وكأن المسلمون عكفوا على دراسة ما عند غيرهم ثم أكملوا المسير. يقولون: العلم إنساني.. تراكمي، والمسلمون حلقة فيه؛ والمتحدثون بهذا القول من أبناء نظرية التطور المعرفي أو ممن يخافون أبناء التطور المعرفي، أو لهم مصالح يخافون عليها إن خالفوا التطور وأهله.

وقد جاءوا ظلمًا وزورًا!
البشرية لا تسير في خط مستقيم صاعد، بل في دوائر: تولد الأمم وتشب وتشتد ثم تهرم وتشيخ وتموت، والمسلمون الأوائل الذين أسسوا الدولة الإسلامية (الخلافاء والتابعين وتابعيهم إلى بداية القرن الثاني، وهو ذروة التسوع الحضاري للمسلمين) لم يتصلوا بغيرهم. فالاتصال بالحضارات الأخرى جاء متأخرًا (في نهاية القرن الثاني وبداية الثالث)، بمعنى أنه جاء بعد التأسيس. والملاحظة الأهم أن الأمم الأخرى كانت متخلفة حين اتصل بهم المسلمون، وما أخذه علماء المسلمين منهم عبارة عن أوراق مهملة وعكفوا عليها ودرسوا ما فيها وصوَّبوا بعضه وطوروا كله ضمن قواعد الشريعة ولم يأخذوه كما هو بنماذجه التطبيقية، وعلى سبيل المثال: هندسة المعمار- وهو أكثر ما يستشهد به- خرجت عندنا في صيغة خاصة جدًا عبارة عن أقواس ودوائر تترجم قيمة عليا عندنا هي محورية المسجد في قلب المدينة كمحورية الكعبة.

يؤرقهم أننا سماوييون. 
أن النص الشرعي المقروء (الكتاب والسنة) يصلح تمامًا لإتمام عملية إصلاح شاملة وسريعة في حياة الناس

ومن يتتبع سيرة أوائل علماء الطبيعة المسلمين، كالخوارزمي والبيروني وابن سيناء وابن الهيثم.. يرى بوضوح أنهم متأخرين عن فترة التأسيس والازدهار وأنهم أخذو كتابات نقحوها وطوروها، وأنهم لم يخالطوا أمما متقدمة تتلمذوا على أيدي علمائها. وأما علوم الفلسفة فكانت- ولا زالت- هدمًا في الشريعة. فالفلسفة بالمعنى الواضح لها إجابة مختلفة للأسئلة الرئيسية التي يجيب عليها القرآن الكريم والسنة النبوية: الخالق والخلق والمآل. والذين تأثروا بالفلسفة كلية من المسلمين عدوا زنادقة واختلف الناس فيمن تأثر جزئيًا. كمن أخذ أداة العقل كمصدر للمعرفة وكحكم على الأشياء يسبق الوحيين (الدليل النقلي)؛ وحتى هؤلاء-المتأثرين جزئيًا- كانوا منبوذين في الحضارة الإسلامية كابن رشد الحفيد. وعند التدقيق نجد أنهم كانوا ضمن سياق المخالف.. شكَّلوا قنطرة بين ماضي أوروبا وحاضرها الذي قطعه الإسلام وكاد يقضي عليه، ولذا يفاخر بهم الغرب وتلاميذ الغرب!

ماذا يؤرقهم في فجائية الدعوة؟!
يؤرقهم أننا سماوييون. أن النص الشرعي المقروء (الكتاب والسنة) يصلح تمامًا لإتمام عملية إصلاح شاملة وسريعة في حياة الناس. وعلى صفحات التاريخ نموذج عملي أضاء حياة الناس وعطرها قرونًا من الزمان، وعاد مرة بعد مرة في بعض جنبات المعمورة. ويؤرقهم أن نرفع سيرة الرسول-صلى الله عليه وسلم- وصحابته كنموذج عملي نفهم من خلاله النص الشرعي، فلم نتلق نصًا في فراغ. بل تلقينا نصًا وتطبيقًا عمليًا لهذا النص في شخص الرسول، صلى الله عليه وسلم، والصحابة من بعده في المستوى الاجتماعي والمستوى السياسي (الخلفاء الراشدين). وهذا يقطع الطريق على محاولات مصادرة النص من خلال التأويلات المطلقة.

ويؤرقهم حضور الوحي كمصدر للإجابة على الأسئلة الرئيسية التي تدور حولها المعرفة: الخلق والخالق والمآل؛ وبالتالي كموجه للناس وضابط لحركتهم. ويؤرقهم أن فجائية الدعوة تقطع الطريق على فكرة التطور المعرفي والتي هي اليوم تمكين للمناهج الغربية الملحدة، والتي هي اليوم تحويل للمجتمعات في اتجاه الجنسانية والكفر بكل دين باعتبار أنه تطور طبيعي لحياة الناس! نعم منهجان يتدافعان: منهج من الله ومنهج من الأرض.

لمن أرسل أردوغان طائرة إسعاف إلى الخرطوم؟

لمن أرسل أردوغان طائرة إسعاف إلى الخرطوم؟   

هبطت طائرة إسعاف تركية عصر الجمعة في مطار العاصمة السودانية الخرطوم، وعلى متنها طاقم طبي على أعلى مستوى بأمر من الرئيسرجب طيب أردوغان.
وبعد قليل من هبوطها، غادرت الطائرة وعلى متنها الطبيب والداعية ورئيس جمعية الصداقة السودانية التركية الفاتح ﻋﻠﻲ ﺣﺴﻨﻴﻦ، وهو أحد أقرب أصدقاء الرئيس التركي الذي سارع بإرسال الطائرة بعد أن بلغه نبأ الوعكة الصحية التي أصابت رفيقه السوداني.
وعلمت الجزيرة نت من مصادر في أسرة حسنين أن الطائرة حطت في مدينة إسطنبول، حيث أدخل الرجل إلى أحد المستشفيات للعلاج منآلام في الظهر عاودته بعد عملية غضروف في وقت سابق.
وأشاد سودانيون بما أسموه وفاء الرئيس التركي تجاه صديقه، وحرصه على متابعة حالته الصحية رغم أنه في زيارة رسمية إلى جنوب أفريقيالحضور قمة بريكس.
وفي 24 ديسمبر/كانون الأول 2017، حرص أردوغان أثناء زيارته الرسمية للخرطوم على زيارة شيخه وصديقه للاطمئنان على صحته وطلب الدعاء منه.
وتناول الرئيس أردوغان العشاء في بيت الداعية السوداني رفقة آخرين دعاهم حسنين على عجل. ولاحقا جلس الصديقان على انفراد وتحدثا حول آفاق تطوير العلاقات السودانية التركية.
أردوغان سبق أن زار حسنين في بيته وفاء لصداقة تعود لعقود

ولم تكن هذه هي الزيارة الأولى التي يقوم بها أردوغان لصديقه، فقد كررها من قبل حين كان رئيس وزراء تركيا.
وعمل ﺣﺴﻨﻴﻦ ﻣﺴﺘﺸﺎﺭا لرئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيغوفيتش، وتولى رئاسة ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻷﻣﻨﺎﺀ ﺑﺠﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﻤﻐﺎﺭﺑﺔ في النمسا، وأسس ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﺸﺮﻕ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ واﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺑﺈﻗﻠﻴﻢ ﺑﻴﻬﺎﺝ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻮﺳﻨﺔ، وترأس ﻭﻛﺎﻟﺔ ﺇﻏﺎﺛﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ.
كما نسج الطبيب السوداني علاقات مع قادة العمل الخيري والدعوي في تركيا، وأسس ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻐﺎﺯﻱ "ﻋﻠﻲ ﻋﺰﺕ ﺑﻚ" في إسطنبول.
ويرتبط حسنين بعلاقات وثيقة مع الرئيس تعود إلى سبعينيات القرن العشرين، ويصف أردوغان صديقه بأنه شيخه ومعلمه.

ذات صلة
ﺍﻟﻔﺎﺗﺢ ﺣﺴﻨﻴﻦ.. شيخ أردوغان ومستشار بيغوفيتش

الجمعة، 27 يوليو 2018

البيت الأبيض والرجل القوي

قال الكاتب، دافيد دي كيركباتريك، إن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيال الشرق الأوسط ليس سوى امتداد لموقف الادارة السابقة بقيادة باراك أوباما الذي تبين بأنه تواطأ مع الانقلاب الذي نفذه عبد الفتاح السيسي في مصر ضد الرئيس المدني المنتخب.
وأشار الكاتب إلى الانقلاب العسكري الذي حصل في مصر وأيده حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وكيف أن إدارة أوباما مكنت أولئك الذين دعموا الانقلاب، كما أن المؤيدين للانقلاب حصلوا على أعلى المناصب داخل إدارة ترامب، بما في ذلك وزير الدفاع، جيمس ماتيس، وأول مستشار للأمن القومي لترامب، مايكل فيلين.
وتابع المدير السابق لمكتب نيويورك تايمز في القاهرة، في مقال له بالصحيفة ذاتها، أن البنتاغون تباهى عام 2011 بعد مساعداته التي يقدمها لمصر، وهي الأعلى في العالم باستثناء إسرائيل، أقنعت العسكر بالتحول نحو الديموقراطية، لكن بعد عام 2013، أصبحت الحوارات بين ضباط الجيش المصري، ونظرائهم الأمريكيين عبارة عن "بث للهموم المتبادلة حول الرئيس مرسي".
وأشار الكاتب في المقال إلى الطريقة التي ينظر بها ترامب وإدارته إلى السيسي، وكيف أنهم يرون فيه نموذجا في منطقة الشرق الأوسط.
وعرج الكاتب على الموقف من انقلاب مصر الذي بدأ في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، ونصائحه لمرسي والمصريين، وكيف تغير الموقف بعد الانقلاب وتبدلت مواقف الإدارة السابقة، الأمر الذي أكمله ترامب بعد وصوله إلى البيت الأبيض.



البيت الأبيض والرجل القوي
كيف تابعت إدارة أوباما زوال الديمقراطية العربية ومهدت الطريق أمام احتضان ترامب للديكتاتوريين.
يلوح بعلم مصري في ميدان التحرير بالقاهرة في عام 2013
 بعد أن أطاح الجيش بالرئيس محمد مرسي.

الكاتب، دافيد دي كيركباتريك
هو رئيس سابق لمكتب القاهرة في صحيفة التايمز 
ومؤلف كتاب جديد عن مصر والشرق الأوسط.


يتباهى الرئيس ترامب بأنه قلب السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط رأساً على عقب. بينما كان سلفه يأمل في أن يكسب القلوب والعقول، يرفع الرئيس ترامب راية شعارها القوة هي الرد الوحيد على التطرف سواء كان ذلك في إيران أم في سوريا أم في اليمن أم في المناطق الفلسطينية. وذهب يتولى صقور المنطقة، في إسرائيل وفي الخليج الفارسي، ليكونوا مرشديه وحلفاءه الرئيسيين. 

لكن في واقع الأمر، بدأت هذه المقاربة المتشددة، وبأشكال متعددة، في عهد الرئيس باراك أوباما، عندما قام نفس هؤلاء الحلفاء الإقليميين بمساندة الانقلاب العسكري الذي أطاح في عام 2013 بأول رئيس منتخب في مصر، محمد مرسي الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. 

شكل الانقلاب لحظة فاصلة في المنطقة قضت على أحلام الديمقراطية بينما شدت من عزائم الطغاة والجهاديين على حد سواء. كما تمحورت السياسة الأمريكية بحيث مكنت أولئك النفر داخل الإدارة "الذين يقولون عليك فقط أن تسحق هؤلاء الأشخاص"، كما يقول أندرو ميلر، الذي كان مسؤولاً عن ملف مصر داخل مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس أوباما والذي يعمل الآن في مشروع يتعلق بالديمقراطية في الشرق الأوسط. بل إن بعض أكثر المؤيدين الأمريكيين للانقلاب العسكري انتهى بهم المطاف يحتلون أعلى المناصب داخل إدارة ترامب بما في ذلك وزير الدفاع جيمس ماتيس ومايكل فلين، أول مستشار للأمن القومي اتخذه ترامب. 


كنت مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة حينما وقع الانقلاب، ولقد عدت بالذاكرة إلى الأحداث بعد سنوات جزئياً في محاولة للتوصل لفهم أفضل لدور واشنطن. علمت أن دعم إدارة أوباما لانتفاضات الربيع العربي كان مكبلاً منذ البداية بسبب الخلافات الداخلية حول نفس القضايا التي تحدد الآن معالم سياسة ترامب – حول طبيعة التهديد الذي يشكله الإسلام السياسي، حول الوفاء للحلفاء الطغاة مثل حكام الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وحول صعوبة تحقيق تغير ديمقراطي في مصر وفي المنطقة. 

كان الرئيس أوباما ومستشاروه المقربون يقفون في العادة في واحد من طرفي ذلك الجدل. كانوا يتمنون إحداث تغيير في السياسة الأمريكية القائمة والتأسيس لعلاقة جديدة مع العالم العربي بهدف مواجهة التطرف المعادي للغرب وقطع الطريق عليه. ويذكر للرئيس أوباما أنه حتى الأيام الأخيرة قبل استيلاء العسكر على السلطة كان يحث الجميع على ضرورة احترام نتائج الانتخابات الحرة في مصر. وفي اتصال هاتفي في اللحظات الأخيرة مع الرئيس مرسي، ناشده أوباما بأن يتخذ مبادرات شجاعة وجريئة لكي يحافظ على منصبه. 

إلا أن معظم المسؤولين في حكومته وقفوا في الأجانب الآخر، إذ ذهبوا يعبرون عن مخاوف قديمة متجددة حول الخطر الكامن في الإسلامي السياسي وحول العقبات التي تحول دون نجاح الديمقراطية في مصر. 

ثم بعد يوم واحد من الإطاحة بالرئيس مرسي، وبعد يومين من تلك المكالمة الهاتفية، كان الرئيس أوباما في اجتماع داخل البيت الأبيض انتهى باستسلامه لوجهات النظر الأخرى عندما قبل باستيلاء العسكر على السلطة. وبقراره ذلك يكون قد اتخذ الخطوة الأولى باتجاه ترسيخ السياسات التي أصبحت فيما بعد مبادئ ملزمة لإدارة الرئيس ترامب. 
استلم الرئيس مرسي، وهو واحد من زعماء جماعة الإخوان المسلمين، مهام عمله في الثلاثين من يونيو / حزيران 2012، واستنفد معظم طاقته في نضال ضد المقاومة التي كانت تمارسها ضده الدولة العميقة – العسكر والمخابرات والشرطة والقضاة والجهاز الإداري – التي ترسخت وبقيت في موقعها على مدى ستة عقود من الطغيان. 

ولكنه كان سياسياً تنقصه الكفاءة، وكانت له أخطاؤه أيضاً. ففي نوفمبر / تشرين الثاني من عام 2012، وكجزء من المعركة مع القضاء للدفع باتجاه إجراء استفتاء على الدستور الجديد، أصدر الرئيس مرسي مراسيمه الخاصة التي كانت فوق المراجعة القضائية. وكان كثير من المصريين، وخاصة في القاهرة، ساخطين على الرئيس الجديد لأنه أخفق في الوفاء بالوعود التي صدرت عن انتفاضة ميدان التحرير. 

ولقد مارست كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، اللتان خشي حكامهما من الانتخابات بل وانتابهم الذعر من فكرة اعتبارها إسلامية، الضغوط الشديدة لإقناع واشنطن بأن الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين يشكلون خطراً على المصالح الأمريكية. كما وجد المسؤولون الأمريكيون فيما بعد بأن الإمارات العربية المتحدة كانت توفر دعماً مالياً سرياً لتنظيم الاحتجاجات ضد الرئيس مرسي. 

تقدم الولايات المتحدة مساعدة عسكرية لمصر قيمتها 1.3 مليار دولار سنوياً، وهذا يتجاوز أي مساعدة تقدمها الولايات المتحدة لأي بلد باستثناء إسرائيل. وبعد انتفاضة عام 2011 تباهي البنتاغون بأن المساعدات التي يقدمها ساهمت في إقناع العسكر في مصر بقبول التحول نحو الديمقراطية. ولكن بحلول ربيع عام 2013، أصبحت الحوارات بين ضباط الجيش المصريين ونظرائهم الأمريكيين عبارة عن بث للهموم المتبادلة حول الرئيس مرسي، كما أخبرني عدد من الأمريكيين الذين كانت لهم علاقة بالأمر. 

"إنه أغبى شخص قابلته في حياتي"

كغيره من المسؤولين في وزارة الدفاع، كثيراً ما زعم السيد ماتيس، الذي كان حينها قائداً في قوات البحرية مكلفاً بشؤون القيادة المركزية، بأن الإخوان المسلمين ما هم سوى لون آخر من ألوان القاعدة – وذلك على الرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين طالما أعلنت وعلى مدى عقود بأنها تعارض العنف وتفضل الانتخابات، بينما القاعدة، بدورها، تندد بجماعة الإخوان المسلمين وتعتبرها مجموعة من السذج الذين يستغلهم الغرب ويوقعهم في حبائله. ومما قاله الجنرال ماتيس في خطاب ألقاه بعد ذلك تناول فيه أحداث المرحلة الفائتة: "كلهم يسبحون في نفس البحر." بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين حمل الرئيس مرسي المسؤولية عن إسقاطه بسبب ما قال إنه "قيادته المتعجرفة". 

أما الجنرال فلين، والذي اعترف فيما بعد بأنه مذنب بالكذب على المحققين الفيدراليين، وذلك بموجب صفقة أبرمها مع المحقق الخاص، فكان في ذلك الوقت يرأس وكالة الاستخبارات العسكرية. 
وقد زار القاهرة في الشهور الأخيرة التي سبقت الانقلاب العسكري لكي يتحدث مع القادة العسكريين في مصر حول الرئيس مرسي. 
وقد أخبرني في حديث لي معه في عام 2016 بأنه سواء تعلق الأمر بالإخوان أو بالقاعدة "فكلهم يحملون نفس الأيديولوجيا."

لم يكن المدنيون في الحكومة أقل ارتياباً. خذ على سبيل المثال وزير الخارجية جون كيري الذي أصبحت له علاقات وطيدة ببعض أشد الناس عداوة للإسلاميين داخل العائلات الحاكمة في الخليج الفارسي على مدى عقود قضاها داخل مجلس الشيوخ، حتى أنه كان في بعض الأوقات يرافقهم في رحلاتهم البحرية. 
كان باستمرار يرتاب من الإخوان المسلمين ويقول إنه لا يثق بهم كما أخبرني فيما بعد. 
وعندما زار القاهرة لأول مرة كوزير للخارجية في مارس / أذار من عام 2013، لم يعجبه الرئيس مرسي وشكل عنه انطباعاً سلبياً. 


مباشرة بعد مغادرته القصر الرئاسي في القاهرة، قال السيد كيري مخاطباً كبير الموظفين لديه: "إنه أغبى شخص قابلته في حياتي. لا يمكن لهذا الأمر أن ينجح. هؤلاء الناس مخبولون."

شعر السيد كيري بارتياح أكبر عندما التقى على انفراد بالجنرال عبدالفتاح السيسي، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية، والذي قفز إلى منصب وزير الدفاع في تعديل حكومي قبل شهور قليلة من الانقلاب. 

أخبرني السيد كيري فيما بعد أن الجنرال السيسي أخبره في ذلك اللقاء "أنا لن أسمح لبلدي بأن تنساب في المجاري." وحينها أدرك أن "الطبخة قد أعدت لمرسي." وقال لي السيد كيري بأنه شعر جزئياً بالارتياح لأنه خلص إلى أن الجنرال السيسي على استعداد للتدخل. 

وقال السيد كيري: "كان دافعاً على الاطمئنان أن مصر لم تكن لتنزلق نحو حرب أهلية أو في مجزرة تامة للشعب أو إلى انهيار من الداخل." ولكنه استدرك قائلاً: "ولكني لم أجلس في أريكتي لأقول لنفسي: عظيم، مشاكلنا توشك أن تحل جميعاً."

وكان بعض كبار الدبلوماسيين الأمريكيين في القاهرة قد أخبروني في نفس شهر مارس / آذار ذاك بأن التدخل العسكري "غير محتمل على الإطلاق". ولكن في الشهر التالي كانت السفيرة آن باترسون تتلقى إشارات أخرى من كبار القادة العسكريين. فما كان منها إلا أن وجهت رسالة إيميل مشفرة لتحذر على الأقل البعض داخل البيت الأبيض بأنه "إن لم يكن وشيكاً، فإن من المحتمل جداً أن يقع انقلاب خلال شهور قليلة." وذلك حسب ما أخبرني أحد المسؤولين. وتنبأت بأن أي تدخل عسكري سيكون بالتأكيد وحشياً. 

وكان البيت الأبيض يرسل إلى وزير الدفاع تشاك هيغل بعض الأفكار التي يقصد منها تحذير الجنرال السيسي من أن واشنطن ستعاقب على الانقلاب، مذكراً إياه بأشياء من ضمنها أن قانون الولايات المتحدة يفرض قطع المعونة عن أي جيش ينقلب على زعيم منتخب. 

"أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. وعليك أن تصون أمنك وتصون بلدك"

إلا أن الرسالة التي أوصلها السيد هيغل "كانت مختلفة تماماً، تماماً." كما أخبرني فيما بعد مسؤول كبير في مجلس الأمن القومي كان قد اطلع على نصوص ما تم بين الرجلين من مكالمات: "كان البيت الأبيض يريد للرسالة أن تقول بأن الديمقراطية مهمة ولكن هيغل أراد لها أن تقول نرغب في أن يكون لنا معكم علاقة جيدة. ولم نفلح في إقناعه بإيصال الأفكار التحذيرية المطلوبة."

وفي مقابلة جرت في وقت مبكر من عام 2016، أخبرني السيد هيغل بأنه كان محاصراً بالشكاوى الموجهة ضد الرئيس مرسي من إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقال السيد هيغل إن ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، الحاكم الفعلي للإمارات ورئيس قواتها المسلحة، وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها "باتت اليوم العنصر الأخطر على الأرض في الشرق الأوسط".



وكان الزعماء الإسرائيليون قد قالوا إنهم يعولون على الجنرال السيسي لأنهم كانوا قلقين – بالرغم من تعهدات الرئيس مرسي المتكررة – من أن يقوم الإخوان المسلمون بتهديد الحدود أو بمساعدة حماس. بينما كان الجنرال السيسي نفسه قد أخبر السيد هيغل بأنه "توجد بعض القوى الشريرة جداً على الأرض – أنتم لا تستطيعون فهمها كما نفهمها نحن هنا."

قال السيد هيغل إنه اتفق معهم جميعاً وأنه سعى إلى طمأنتهم قائلاً للإماراتيين: "إن الإخوان المسلمين خطرون – ونحن ندرك ذلك." بينما خاطب السيسي قائلاً: "أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. عليك أن تصون أمنك وأن تصون بلادك."

"في جزيرة داخل حكومتنا نحن"

في الثلاثين من يونيو / حزيران، خرج ملايين المتظاهرين إلى الشوارع في كافة أنحاء مصر للمطالبة بالإطاحة بالرئيس مرسي. وفي اليوم التالي، حلقت طائرات إف 16 تابعة لسلاح الجو المصري تنطلق منها سحابات دخان ملونة شكلت منها قلوباً في سماء القاهرة. كان واضحاً من ذلك أن العسكر يساندون الاحتجاجات. 

كان الرئيس أوباما حينها يقوم بجولة في أفريقيا، وفي الأول من يوليو / تموز تحدث للمرة الأخيرة مع الرئيس مرسي. وبحسب ما يقوله أحد مسؤولي البيت الأبيض بحوزته سجل مفصل للمحادثة التي جرت بين الرئيسين، حذر الرئيس أوباما من أن العسكر في مصر لا يتلقون التوجيهات من الولايات المتحدة. ولكنه بشكل أساسي حث الرئيس مرسي على التوصل إلى تسوية مع معارضيه المدنيين بحيث تتحول رئاسته إلى حكومة وحدة وطنية تقريباً.

وقال له الرئيس أوباما: "سر على نهج نيلسون مانديلا". وكان قد زار للتو السيد مانديلا ليعوده في مرضه وذكر حكومته التي شكلها ما بعد نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، قائلاً للرئيس مرسي: "حتى حارس سجنه – ذلك الرجل الذي كان يحرس زنزانته التي كان محتجزاً فيها – عينه مسؤولاً عن الأجهزة الأمنية. وكانت تلك المبادرات التي اتخذها هي التي حافظت على وحدة البلاد. كن شجاعاً. التاريخ ينتظرك."

أجابه الرئيس مرسي: "إنها نصيحة جيدة من صديق مخلص." ولكنها جاءت متأخرة جداً. كان الحرس الرئاسي التابع للعسكر قد نقل الرئيس مرسي إلى قاعدة خاصة بهم، بحجة الحفاظ على سلامته. وبعد يومين فقط، في الثالث من يوليو / تموز 2013، أعلن الجنرال السيسي عزل الرئيس مرسي. 

أخبرني السيد كيري بأنه عبر عن رأيه في لقاء داخل البيت الأبيض بأن عزل الرئيس مرسي لم يكن في واقع الأمر انقلاباً. كل ما هنالك هو أن الجنرال السيسي انصاع للإرادة الشعبية لكي ينقذ مصر، كما قال السيد كيري، مشيراً إلى أن الجنرال كان قد أعلن عن خطة لإجراء انتخابات جديدة. (في العام التالي انتخب السيد السيسي رئيساً ثم أعيد انتخابه تارة أخرى في 2018، وفي كل مرة كان يحصل على أكثر من 95 بالمائة من الأصوات.)

قال لي السيد كيري: "في مصر، ما هو البديل؟ لم تكن تلك ديمقراطية على نهج جيفرسون. على مدى كم من سنة وضعنا في مصر ما يقرب من ثمانين مليار دولار. ومعظم الوقت، كان ذلك هو شكل الحكومة التي وجدت لديهم – تقريباً معظم الوقت. والواقع هو أنه مهما تمنيت أن يكون الوضع مختلفاً إلا أنه لن يكون مختلفاً في الغد."

وقال السيد كيري إن الولايات المتحدة كانت بحاجة إلى السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين من أجل أولويات أخرى، وهو لم يكن يرغب "في الدخول معهم في مشاكسة حول أمر يتضح من التاريخ أنه الطريقة التي تعمل بها مصر."

قرر الرئيس أوباما عدم الحسم فيما إذا كانت الإطاحة بالرئيس مرسي انقلاباً أم لا، الأمر الذي يعني فعلياً أنه قبل بالانقلاب. 

فيما بعد قال لي بن رودس، نائب مستشار الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي: "الناس الذين كانوا يرغبون في نوع مختلف من العلاقة مع الشعب المصري، بما في ذلك الرئيس، كانوا على أرض جزيرة داخل حكومتنا. كان هناك إحساس بأن العسكر سوف يستعيد السيطرة لا محالة."

لم يتورع الجيش المصري عن سحق المعارضين لانقلابه فأطلق النار على جموعهم في أكثر من مناسبة، ووصل الأمر إلى ذروته في الرابع عشر من أغسطس / آب 2013 حينما قتل العسكر عدة آلاف من الناس.    
ولقد خلصت منظمة هيومان رايتس واتش إلى أن تلك كانت أكبر مذبحة تقع في يوم واحد في التاريخ المعاصر، حيث تجاوز عدد ضحاياها عدد من سقطوا في مجزرة ميدان تيانانمان في 1989.  
ثم ما لبثت الشرطة المصرية أن وسعت دائرة القمع ليشمل الليبراليين المستقلين واليساريين والمدافعين عن حقوق المرأة وحتى المسيحيين. وكان من تداعيات الانقلاب انطلاق شرارة تمرد متطرف يتركز في شمال سيناء ومازال مستمراً حتى اليوم. 

أما الرئيس ترامب ومستشاروه فقد أشادوا بالسيسي معتبرين إياه نموذجاً للزعيم العربي المعتدل.
قال الرئيس ترامب حينما قابل السيسي للمرة الأولى: "إنه شخص رائع، لقد سيطر على مصر، وسيطر عليها فعلاً."

ولم يعد السيد ماتيس يرى بأن "القيادة المتعجرفة" تسبب مشكلة في مصر. وفي محاضرة عامة ألقاها قبل أن يعينه الرئيس ترامب وزيراً للدفاع، احتفى ماتيس بالسيسي وأشاد به لأنه يسعى "لتقليص كم الأمور السلبية التي تحيط بالدين الإسلامي"، وخلص إلى القول: "حان الوقت لأن ندعمه ونلتزم جانبنا في ذلك."

ومضى يقول: "إن الطريقة الوحيدة لدعم نضج مصر كبلد فيه مجتمع مدني وفيه ديمقراطية هو دعم الرئيس السيسي."