الثلاثاء، 3 أبريل 2018

لماذا "إسرائيل" ليست مشكلة، والإخوان مشكلة؟!

لماذا "إسرائيل" ليست مشكلة، والإخوان مشكلة؟!

ساري عرابي

(1)
"في محادثة واسعة وشاملة، اعترف الأمير محمد بن سلمان أيضا بحق اليهود في أرضهم"، مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية هي التي وضعت ذلك السطر عنوانا فرعيا لمحاورتها مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. 

على الأقل هذا هو الانطباع الذي خرج به جيفري جولدبيرغ محاور الأمير محمد بن سلمان، وارتضته هيئة تحرير المجلة عنوانا لتلك المحادثة.

لم نعد بحاجة طبعا للاعتذار المسبق بالقول، إن المجلة وحدها المسؤولة عن عناوينها، أو استنتاجاتها من محاورتها مع الأمير، بل نحن الآن، نسلم أن هذا المعنى هو الذي قصده الأمير حرفيّا، سواء من قوله: "أعتقد عموما أن كل شعب، في أي مكان، له الحق في العيش في بلده المسالم. أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة"، أو من مجرد انطباع هيئة تحرير المجلة، التي على الأغلب بَنَتْ استنتاجاتها من جملة محاورتها مع الأمير المنشورة وغير المنشورة.

لماذا علينا أن نسلّم بأن هذا هو المعنى الذي قصده الأمير، أي أنّ قبول الأمير لـ"إسرائيل" لا يتعلق فحسب بحكم الأمر الواقع، وموازين القوى، وممكنات العرب، وما يفرضه النظام الدولي، إنما يتبنى بالإضافة إلى ذلك الرواية الاستعمارية الصهيونية التي تدعي حقا تاريخيا لليهود في فلسطين؟! 

لماذا نسلّم بذلك، دون أي تقييد، بأن هذا هو قول المجلة واستنتاجها؟! ببساطة لأن الإعلام السعودي الذي يتبع الأمير، ويتولى مهمة الترويج للأمير، وإعادة صياغة أقواله ومواقفه بما يناسب السعوديين والعرب، هذا الإعلام قد تبنى تماما وحرفيا نص المجلة المرقوم في العنوان الفرعي المشار إليه أعلاه!

صحيفة "سبق" السعودية، المقربة من الأمير وسياساته، نشرت في مفتتح خبر صاغه الصحفي محمد حضاض، ما يلي: "أجاب سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الحوار الذي أجرته معه مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية، عن حق الشعب اليهودي في أن يكون له دولة قومية في جزء من موطن أجداده"، دون أيّ محاولة لإعادة تقديم إجابة الأمير بما ينفي عنوان المجلة واستنتاجها. والطرافة هنا من جانبين.

أولا، أن الصياغة الإعلامية السعودية خطيرة لأنها اختارت لا العنوان الفرعي المشار إليه في "ذا أتلانتيك"، وإنما صيغة السؤال في نصّ المحاورة. 

وطالما أنّها لم تقيّد النص بتعقيب أو استدراك منها على فهم المجلة الأمريكية، فإنّها لا تتبنى الرواية الاستعمارية الصهيونية عن الحقّ التاريخي لليهود في فلسطين فحسب، ولكنها بالإضافة إلى ذلك، تجعلنا نحن الفلسطينيين ضيوفًا عند الصهاينة، يمنّ علينا الصهاينة بجزء من "أرض أجدادهم" كي نعيش عليه، تفضلاً منهم، ونقيم عليه دولتنا، كرمًا منهم!

ثانيًا، أن الخبر الذي جعلته صحيفة "سبق" موضوعا لتصريحات الأمير هذه، وضعت له هذا العنوان "كيف علّق الأمير محمد بن سلمان عن مخاوفه على المسجد الأقصى؟". 

وكان الأمير قد صاغ مخاوفه على النحو التالي: "أؤكد أن لدينا مخاوف دينية حول مصير المسجد الأقصى في القدس، وحول حقوق الشعب الفلسطيني". 

المشكلة أن الأمير كان قد سلّم بالرواية الاستعمارية الصهيونية بخصوص فلسطين، وهي رواية تشمل القدس وتشمل المسجد الأقصى، وهذا بالضرورة يمسّ الرواية الإسلامية بخصوص المسجد الأقصى! 

(علينا أن نتذكر الآن كل المثقفين العرب الذين خرجوا علينا في السنوات الأخير للتشكيك في الرواية الإسلامية حول المسجد الأقصى ووجوده في فلسطين).

جيفري جولدبيرغ، كان متنبها للجانب الفريد في تصريحات الأمير محمد بن سلمان، وما يميّزه عن غيره من الحكام العرب الذي قبلوا بوجود "إسرائيل". 

فعبّر عن ذلك بما نقله عن دنيس روس المبعوث الأمريكي السابق للسلام في الشرق الأوسط، حينما قال: "إن القادة المعتدلين العرب وإن اعترفوا بالوجود الواقعي لإسرائيل، فإنّهم لم يتحدثوا أبدا عن الحقّ اليهودي في أرض الأجداد واعتبروا ذلك دائما خطا أحمر".
(2)

نحن إذن إزاء حالة غير مسبوقة لدى الحكام العرب، لا تكتفي بالتخلي عن فلسطين تحت مبررات الممكنات وموازين القوى، وإنما تضيف إلى ذلك تبنيها الرواية الاستعمارية الصهيونية، وطالما أنّها تبنّت الرواية الاستعمارية الصهيونية، فإنّها لا ترى في "إسرائيل" أيّ قدر من الشرّ. 

فهي في النهاية تدافع عن "أرض الأجداد" وترسّخ "تاريخ الأجداد"، فأين هو الشرّ بالنسبة للأمير محمد بن سلمان؟

يتلخص الشر لدى الأمير في ثلاث قوى، هي إيران، وجماعة الإخوان المسلمين، والجماعات "السنّية الإرهابية"، أمّا "إسرائيل" فليست من هذا المثلث كما هو واضح، وطالما أن الشرق الأوسط ينقسم بحسب الأمير إلى محورين. 

الأول مثلّث الشر الذي تشكّله القوى الثلاث سالفة الذكر، فهذا بالضرورة يعني أن "إسرائيل" جزء من المحور المقابل الذي يضمّ السعودية أيضًا، لكن يبقى السؤال، إن كانت إيران في حالة توسّع إقليمي يخيف السعودية، وكانت الجماعات "السنية الإرهابية" قد نفّذت عمليات داخل السعودية، فما مشكلة الأمير مع الإخوان المسلمين؟!

تحدّث الأمير عن مشكلتين في الإخوان المسلمين، الأولى سعيها لإقامة إمبراطورية إسلامية، وهي في سبيل هذا المسعى –بحسب الأمير- "تُضلّل" المسلمين حينما تجعل واجبهم منوطا بإقامة هذه الإمبراطورية وكذلك كرامتهم.

أما مشكلتها الثانية فهي استخدامها النظام الديمقراطي لإقامة خلافة ظلّ في كل مكان، ثم لإقامة إمبراطورية حقيقية.

بصرف النظر عن المغالطات في كلام الأمير، فقد اعترف في المقابلة نفسها أن الإسلام اضطر للقتال في بعض الأماكن في العالم لنشر رسالته حينما مُنِعَ من نشرها بالكلمة والموعظة الحسنة. 

لكنه يقول إننا لا نحتاج للقتال الآن لنشر رسالة الإسلام. 

حسنًا هذه مغالطة، فالتاريخ، وطبائع الصراع فيه، لا تلغي إمكان، أو ضرورة، وجود قوّة عظمى للمسلمين، تحميهم، والأمير يقرّ بأنّ هذا قد حصل فعلا، فما المشكلة في تكراره؟!

من ناحية، يبيع الأمير للغرب الخوف من قيام إمبراطورية إسلامية، إنّه بشكل مباشر يقول للغربيين، نحن الذين نمنع قيام قوّة محترمة للمسلمين، إن قيام أي قوة محترمة للمسلمين من شأنها أن تهدّد هيمنتكم على العالم، ومن هذه الجهة يربط الأمير بين إيران والإخوان المسلمين والجماعات "السنّية الإرهابية".

وكأنّه يقول لهم بكلمة أخرى، نحن أصحاب دور وظيفي ونحميكم من كل هؤلاء ومن مشاريعهم المستقبلية، إنّكم إن تخليتم عنّا ستدفعون أنتم الثمن، إنني أذهب إلى أكثر مما ذهب إليه أسلافي، لن أبقي مجالا لهذه الجماعات، وسأجتثها من جذورها!

من ناحية أخرى، يحذّر الأمير من التأسيس لديمقراطيات عربية، بأن الديمقراطية في العالم العربي، ستأتي للغرب بإمبراطورية إسلامية، هكذا يخوّف الأمير الغربيين، ويعرض عليهم خدامته في منع أيّ صعود إسلامي. 

والمهم المباشر بالنسبة للأمير أن نموذج الحكم الديمقراطي يُنازِع نموذج الحكم المطلق الذي لولاه لم يصل الأمير للحكم، ولولاه أساسا ما كان أميرا.

والخلاصة، أن الأمير يَعِدُ عالمنا العربي بالاستبداد المطلق، فالديمقراطية مخيفة له، ومحاربتها مما يبيعه للغرب لضمان دعمه في الحكم، وكذلك الذي يشتري حكمه برضا الغرب ودغدغة مخاوفه (الخوف من إمبراطورية إسلامية) ودغدغة شهواته (الاعتراف بحق اليهود في فلسطين) لا يمكنه أن يبني التنمية الموعودة، لأنّ كل شيء منوط برضا الغربيين!

بطبيعة الحال، هذه ليست أفكارا خاصة بالأمير، فهو لم يُعرَف من قبل بامتلاك تصورات فكرية حول أيّ من الموضوعات التي يطرحها الآن، ولا حتى في بداية حكمه، إنما هي أفكار تمليها ضرورات التحالف مع بوابات القرار الأمريكي، وهي ضرورات تستدعي مستشارين على مقاس تلك البوابات.

باختصار، يبيع الأمير الغرب التخويف من "إمبراطورية الإخوان المسلمين المحتملة"، ويبيعهم "دعم الحقّ اليهودي في فلسطين"، ويقول لهم: نحن نفعل لكم ما تريدون، فلا تتخلّوا عنّا، نحن الذين لا نحمي مصالحكم الراهنة فحسب بل نحمي مستقبلكم أيضا، وإنّكم لن تجدوا من يفعل لكم هذا مثلي، لا بين أسلافي ولا فيمن يأتي من بعدي!

تأملات تجريدية حول "نيوم"

تأملات تجريدية حول "نيوم"
أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية
الخط المستقيم الأحمر المتعدد الأضلاع يوضح حدود مدينة نيوم
 وما تم استقطاعه من مصر


لمن لا يعرف، فالاسم التجريدي لمدينة "نيوم" مشتق من اللاتينية "نيو" (neo) والميم مأخوذة من الكلمة العربية "مستقبل".. والغريب أن يتم اشتقاق لا مبرر له لاسم أجنبي أساسا لأن حرف الميم موجود في اللغات اللاتينية أيضا. وفرض كلمة أجنبية على المشروع، لها دلالتها خاصة وانه من الثابت علميا وتاريخيا في كل القرون، أن اللغة العربية من أثرى لغات العالم من كثرة وسهولة اشتقاقاتها الشديدة الدقة. ومن الغريب أن تعني كلمة "نيوم": "وحش، شيطان أو شخص شرير بلا إنسانية" في قاموس "ڤيكسيونير" الفرنسي ! والتجريد ليس في اسم المدينة فحسب ولا في وصفها على الموقع الرسمي الخاص بها، وإنما ينبثق منها، من نفس تخطيطها القائم على أراضي مملوكة لثلاثة دول هي المملكة السعودية ومصر والأردن! فلأول مرة في التاريخ تقام مدينة على أراضي من ثلاثة دول وتفصل المياه كثير من أجزائها خاصة مع مصر. وذلك هو ما نطالعه في الخريطة بعاليه والتي تم نشرها في موقعين رسميين وغاب عن الخرائط الأخرى المنشورة حول نفس الخير.

  ومما توصف به على الموقع الخاص بها، قبل صفحات من الكلام التفصيلي، ما يلي:

"أنها أكثر المشاريع طموحا في العالم، على أرض جديدة بالكامل، وهدف بناؤها هو من أجل أسلوب حياة جديدة.. مدينة حيث نعيش المستقبل فهو مفهوم لا منافس له ولا مثيل له في الذكاء، ولا ينافسه التاريخ، ومبني على أكبر موارد الإنسانية التي هي: الخيال... و"نيوم" هي نوع جديد من الغد في مجال عمل مكان على الأرض لا مثيل له على الأرض. أنها بصمة جديدة لحياة على مستوى لم نره من قبل حيث الابتكار يخلق نوعا جديدا لزمن ملهم لحضارة إنسانية (...) أنها موقع استراتيجي على أحد أهم الشرايين الاقتصادية، سيجعل من "نيوم" قطبا للتجارة والابتكار والمعرفة. 
وسوف يعمل مشروع نيوم كمنطقة اقتصادية بقوانينها الخاصة بها من ضرائب وتنظيمات، تم اختلاقها لتفعيل نمو صحّي وثري للمنطقة والمستثمرين والمقيمين"... 

ومن أهم ما يميز تلك المدينة ـ الدولة كما تطلق عليها بعض المواقع، أنها ستدار أساسا بالروبوتات وبالخيال.. و"روبوتات" هي جمع "روبوت"، أي إنسان آلي وفقا لشرح الموقع.. "ويأتي هذا المشروع في إطار التطلعات الطموحة لرؤية عام 2030، بتحول المملكة الى نموذج عالمي في مختلف نواحي الحياة"، نموذج لا مكان فيه للإسلام والمسلمين إذ سيتيح للسعوديات ارتداء البيكيني إن شئن...

ولا شك في ان هذه الديباجة، خاصة الفقرة الأولى منها، أشبه ما تكون بذلك الفن التجريدي الذي ابتكروه وفرضوه علينا وعلى شعوب العالم لكي يجرّد ويدمر التعبير الفني الإنساني الممتد منذ القدم حتى تم اختلاق تلك العبثيات التجريدية في القرن العشرين، والتي اكتسحت مختلف تياراتها كل ما له علاقة بالفن... أما الفقرة الثانية المتعلقة بمدينة "نيوم"، فأهم ما تكشف عنه هو: "أنها منطقة اقتصادية لها قوانينها الخاصة بها وتنظيمات تم اختلاقها خصيصا من أجل "نيوم"، قوانين متعلقة بالضرائب والتنظيمات الحياتية الترفيهية التي تم ابتداعها لتفعيل نمو صحي وثري للمنطقة وللمستثمرين ولأثرياء العالم، وبالطبع للمقيمين المرتبطون بها..

وقد قالوا عنها أنها "محور سيجمع أفضل العقول والشركات معا لتخطي حدود الابتكار".. بينما قال ولي العهد السعودي: "أنها أول مدينة رأسمالية في العالم، وأنه لن يكون في "نيوم" غير المستثمر والعامل في أحد المشاريع والسائح.. هذا هو الشيء الفريد الذي سيُحدث ثورة"، أي وكأنها مدينة تُبني لأثرياء العالم.. بينما قال صندوق الاستثمارات العامة السعودي: "أن مدينة "نيوم" ستكون مملوكة للصندوق بالكامل.. ولن تتبع المدينة القواعد واللوائح المعمول بها في بقية السعودية التي تطبق أحكام الشريعة"! أي إنه لن يكون للشريعة وأخواتها أي وجود، وكل الأراضي والمياه المستقطعة من مصر ومن الأردن ستصبح سعودية صرف وفقا لقانون "نيوم".

ونطالع عنها إجمالا في عدة مواقع فرنسية وفي نفس الصفحة الخاصة بها: ان مدينة "نيوم" تقع في منطقة طابوق، بشمال غرب السعودية، وتضم ألف كم2 أراضي من مصر وجزء من الأطراف الأردنية لتمتد الى خليج العقبة، كما تضم 468 كم من السواحل الممتدة والشطآن المليئة بالشعب المرجانية، وجبال تصل الى ارتفاع 2500 مترا، ومساحة إجمالية تصل إلى 26,500 كم مربع، وتضم مجموعة من الجزر المتفردة.. كما أن هذه المساحة بحجمها غير المنطقي، هي أكبر من مدينة نيويورك بثلاثة وثلاثين مرة، وضعف مساحة قبرص تقريبا (9,251 كم2 )، وأكبر من سلوفينيا (20,273 كم2 )، وأكبر مما اغتصبه الصهاينة من أرض فلسطين (20,770 كم2)، وأقل من المانيا بحوالي الفين كم2..

وتقول مجلة "اكسبرس" الفرنسية في 26/10/2017، تحت عنوان: "مشروع جنوني لتأليف مستقبل الإنسانية": "من المفترض أن هذا المشروع سيمسك بزمام مستقبل الحضارة الإنسانية، وهي الطاقة والمياه، وسهولة الانتقال، والتقنيات البيولوجية، والتغذية، والعلوم التكنولوجية والرقمية، والتقنيات العليا، ووسائل الإعلام، والتسلية والملاهي في إطار السياحة (...)، ولمن يخشى أن تقع مدينة "نيوم" تحت قوانين السعودية الرجعية الصارمة، يسارع مشيّدوها بتحديد أنها منطقة خاصة، لها قوانينها الذاتية المصممة لها خصيصا"..

 أما المحلل الفرنسي تييري ميسان فقد كتب في موقعه الشهير يوم 6 مارس 2018 ما يلي:
"لقد أعلنت السعودية عن رغبتها في بناء مدينة ضخمة عالية التقنية في أكتوبر 2017. وهذه المنطقة ستدار بقانون خاص بها وفقا للنمط الغربي، دون الإشارة الى أية مرجعية للوهابية بل ولا حتى إلى الإسلام".. كما أوضح ان المدير التنفيذي هو الألماني كلاوس كلاينفيلد، المدير السابق لشركات ألكواَ ـ أركونا وسيمنز، والمدير الحالي (عند اختياره) لمجموعة بيلدربرج"... ومجموعة بيلدربرج أسسها كلا من دافيد روكفيلر والأمير برنار سنة 1954، وهي بلا شك أقوى شبكات التأثير في العالم، إذ تضم نخبة العالم في التمويل والاقتصاد والسياسة والإعلام، وهي عبارة عن حكومة عالمية حقيقية خفية، وما تتخذه من قرارات استراتيجية أساسية في اجتماعاتها تؤخذ في الاعتبار، أي يتم تنفيذه.. ومن أغرب ما قاله تييري ميسان عن هذا المشروع، الذي لم تظهر له أصداء تُذكر في الإعلام العالمي او المحلي:

"أن السيسي قد قرر أن يضم جزءا من جنوب سيناء يشتمل على مدينة شرم الشيخ وجزء من مدينة الغردقة الشاسعة. وهو ما يعني استقطاع هذه المنطقة المقابلة لطابوق، مثلما تنازل للسعودية في ابريل 2016 عن جزيرتا تيران وصنافير اللتان تغلقان خليج العقبة بين سيناء والسعودية، موضحا أنه يعيدها لأصحابها، في حين ان اتفاقية لندن في سنة 1840 تؤكد أن هاتان الجزيرتان مصريتان. وانتقال ملكية الجزيرتين الى السعودية يتضمن الاعتراف الضمني من السعودية باتفاقية كامب ديفيد التي تمنح إسرائيل حرية المرور بخليج العقبة والبحر الأحمر. ومن الواضح ان إسرائيل مؤيدة للمشروع. وفي جميع الأحوال مشروع "نيوم" لن يصبح مدينة ضخمة فحسب وإنما مجموعة من الجزر المصرية ـ السعودية التي ستترأس فيها إسرائيل السيطرة على المواصلات البحرية".. والغريب ان يتم نشر هذا الخبر في موقعين فرنسيين أورد رابطهما في نهاية المقال.

وبعد هذه الفقرة التجريدية الأخرى، لا يسعني إلا أن أضيف هذا التصور التجريدي:

من الواضح أن "نيوم" هذه هي في الواقع بداية التوسع الراسخ لتنفيذ المخطط الكاسح للإسلام والمسلمين والمسمى "إسرائيل الكبرى".. فإعمار شمال غرب السعودية وخاصة الجزء المستقطع من الأردن، والذي يشغل المساحة المتبقية لتصل حدود هذه المدينة إلى امتلاك كل امتداد خليج العقبة، الذي يتم إعداده ليكون طريق التجارة الدولية بعد تدويل مضيق تيران، وسيسمح قطعا للصهاينة بالوصول سيرا على الأرض الصلبة الممهدة الطرق والملكية لبداية تنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى".. فهذه المنظومة التجريدية، من النيل للفرات، التي لا سند تاريخي ولا ديني لها، هي ما لا يكف الإعلام الصهيوني والإعلام المماليئ للصهاينة عن ترديده.

ولو عدنا الى تأمل خريطة "نيوم" لوجدنا أنها تسلب مصر أهم أو كل شواطئها التي تقوم عليها السياحة المصرية المعتمدة على السواح الأجانب خاصة في الشتاء، وتستقطع شريحة هائلة من مياهها الإقليمية من نفس البحر الأحمر، وتغلق خليج السويس تماما على كل ما به من مشاريع ووسائل اتصال بحرية بالعالم الخارجي. أفلا يدخل ذلك في صميم عبثيات التجريد العمراني؟

ولو أضفنا العبارة الشهيرة، والخارجة عن حدود اللياقة، التي قالها ترامب في حضور ولي العهد السعودي، أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة في 22 مارس الحالي: " السعودية دولة شديدة الثراء وآمل أنك ستعطي جزءا من هذه الثروة للولايات المتحدة على شكل وظائف وعلى شراء أفضل المعدات الحربية في العالم"، لأدركنا حقيقة ما نحن مقبلون عليه، وكيف أننا حيال مرحلة، إن صحّت وتم تنفيذها، فهي مرحلة تجريدية لا مثيل لها في كل مكونات هذا المشروع..

غير أن ما نطالعه في فيديو أحد الصهاينة والذي أورد رابطه أيضا، يوضح أن المسألة ليست مجرد "إسرائيل الكبرى من النيل للفرات"، وإنما هي إحياء لخريطة بني إسرائيل الوهمية القديمة من قبيل مديّن ومؤاب وإيدوم..

والتجريد هنا بكل معانيه اللغوية والفنية..

زينب عبد العزيز
 2  إبريل  2018



معنى الإيجابية وكيف نحققها في حياتنا (2-2)

معنى الإيجابية وكيف نحققها في حياتنا (2-2)

د. محمد عياش الكبيسي

إن لثقافة المجتمع دوراً أساسياً في صناعة الإيجابية أو تعطيلها، سئل الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- هل الإنسان مخيّر أو مسيّر؟ فأجاب بطريقته اللاذعة: الإنسان الغربي مخيّر، والإنسان الشرقي مسيّر، الغربي علم أن لديه إرادة وقدرة على العمل والإنتاج فعمل وأنتج، والشرقي لا زال يسأل هل لديه إرادة وقدرة على الاختيار أو أنه يعيش في مسلسل مفروض عليه لا يملك فيه شيئا؟

نعم هذا نموذج للمشكل الثقافي الذي يدمر كل معنى للإيجابية، ويغذّي في المجتمع روح السلبية القاتلة والرغبة بالتنصل من أية مسؤولية.
طالب ينهض للمذاكرة استعداداً للامتحان، فينصحه زميله: لماذا تتعب نفسك، صدّقني لن يكون إلا ما هو مكتوب لك!
يتزوج الولد وتتزوج البنت دون تحرّ عن شخصية الآخر وأخلاقه وطريقة تعامله، وبعد أيام تتعكّر العلاقة فيسارعان إلى الفسخ بنفس الطريقة، ويكون الخطأ ليس من الولد ولا من البنت وإنما من الحظ والنصيب! 
شاب متهوّر يخالف قواعد المرور ويعمل الكوارث ويزهق الأرواح، ثم يأتي المجتمع ليحيل هذا العبث إلى القدر.
يجلس الشيخ في مثل هذه المناسبات ليؤكّد في مواعظه أنكم جميعاً على خير، وأن هذه ابتلاءات لا بد منها، وما عليكم إلا التسليم والقبول والرضا.
هذه الثقافة نفسها نراها على المستوى الأكبر، فالقرارات التي تتخذها الأنظمة الحاكمة والجماعات العاملة والتي قادت إلى سلسلة من الكوارث، كلها تحال إلى الغيب، ولا نلمس في ثقافتنا ما يدعو إلى المراجعة والتقويم أو المساءلة والمحاسبة!
إن القرآن الكريم الذي ذكر القدر غيباً، ذكر أن المسؤولية فرضاً وأمراً وثواباً وعقاباً، فقال تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، وقال: (كل امرئ بما كسب رهين)، وقال: (ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به) وقال: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يره). وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه) رواه مسلم.
أمام هذا البيان والتبيين الإلهي لا أدري كيف تسللت إلى ثقافتنا اليوم ثقافة أخرى تستند إلى الاحتجاج بالقدر تفسيراً وتبريراً وتنصّلاً عن المسؤوليّات مع أن القرآن ندّد بشدّة بأولئك الذين يلوذون بالقدر ويحتجون به فقال تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا)، وقال أيضاً: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء).
إن الإيمان بالقدر هو إيمان مطلق بإرادة الله وقدرته وعدله وعلمه وحكمته، وهو من الإيمان الغيبي البحت (الذين يؤمنون بالغيب)، أما أعمالنا نحن البشر فهي خاضعة لسنن الله المعلومة في هذا الكون والتي تربط الأسباب بنتائجها، فالدواء يعالج المرض، والماء يروي من العطش، والمجتهد ينجح، والكسول يفشل، ثم كل تصرّفات الإنسان محكومة بقوانين معلومة وواضحة، وقابلة للقياس، فالصدق أمانة والكذب خيانة، والبيع حلال والربا حرام، ليس في الإسلام طلاسم ولا ألغاز.
إن الاحتجاج بالقدر على سلوك البشر وتفسير الأحداث به مظهر للسلبية والهروب من الواقع وتحمل المسؤولية.;

معنى الإيجابية وكيف نحققها في حياتنا (1-2)

الاثنين، 2 أبريل 2018

روائع الطنطاوي (7)

روائع الطنطاوي (7)



العاقلُ مَن إذا عَرَضَ له ألَمٌ مؤقَّتٌ يجُرُّ وراءَه لذَّةً دائمةً، احتمَلَه راضيًا.
[فصول في الدعوة والإصلاح ص ٧١].

فلنأخُذْ مِن الماضي بقَدْرٍ، نأخُذُ منه ما يدفَعُ ويرفَعُ وينفَعُ، وندَعُ منه ما يُثبِّطُ ويُقعِدُ ويُنِيمُ.
[فصول في الدعوة والإصلاح ص ١٣].

إنَّ ذِكرى اللَّذَّةِ مُؤلِمةٌ، وذِكرى الألمِ لا تسُرُّ... أوَليس مِن أكبَرِ النِّعَمِ على الإنسانِ أن يَنسى! لولا النِّسيانُ كانت الحياةُ لا تُطاقُ.
[قصص من التاريخ ص٧٨].

فيا مَن أصلُه التُّرابُ، لا تَنْسَ أنَّ نهايتَك إلى التُّرابِ!
[قصص من التاريخ ص ٢٧٣].

فإذا غلَبَتْ على الإنسانِ الشَّهوةُ، وتَملَّكَه الغضَبُ، فقد أعلَن استسلامَه للشَّيطانِ.
[ذكريات علي الطنطاوي ٣/ ٢٠٩].

إنَّه ليس في الإسلامِ قصورٌ، ولكنَّا نحن المُقصِّرونَ.
[ذكريات علي الطنطاوي ٨/ ٢٣٤].

كلُّ ماشٍ يصِلُ، وكلُّ ساعٍ إلى غايةٍ لا بدَ أن يبلُغَها.
[هتاف المجد ص٤١].



 

مبادرة المبادرات..!

مبادرة المبادرات..!


د.عبدالعزيز كامل
حدَّد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسيرة الأمة في مراحل خمسٍ هي : مرحلة النبوة ،ثم مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، ثم مرحلة المُلك العضوض ، ثم مرحلة المُلك الجبري، ثم العودة بعد الغربة الى الخلافة على منهاج النبوة ، ومرحلة الملك الجبري هي التي يعيشها المسلمون منذ انهيار الخلافة العثمانية ، بدءًا من حروب البلقان عام 1913 التي جُردت فيها تلك الدولة من 80% من أراضيها في أوروبا، وإلى أن قررت الصليبية العالمية تقسيم بقية أملاكها، وإلغاء تحكيم الشريعة في رعاياها، وتنصيب حكام علمانيين على هيئات عسكر ثوريين، أو ملوك وأمراء، عملاء أو مترفين .
وكانت أبرز معالم مرحلة الجبر والقهر تلك - ولاتزال - هي تعطيل أحكام شريعة الإسلام، التي بعث الله بها نبيه رحمة للعالمين، فاقترنت الرحمة ومصالح العباد بالشريعة في مراحل الاعتزار بها والاعتداد بإقامة أحكامها، بينما اقترنت القسوة والفساد والاستبداد بمجافاتها وهجر هديها ، ويفهم هذا من قوله صلى الله عليه وسلم : ( - إنَّ اللَّهَ بدأَ هذا الأمرَ نُبوَّةً ورحْمةً , وَكائِنًا خلافةً ورَحمةٍ ، وَكائنًا مُلكًا عَضوضًا ، وَكائنًا عُنوة وجَبريَّةً وفسادًا في الأمَّةِ ، يستحلُِّونَ الفروجَ والخمورَ والحريرَ ) رواه ابن حجر العسقلاني في الإمتاع (1/117) وقال :إسناده حسن

مرحلة الحكم الجبري هي الأسوأ في تاريخ الأمة؛ وأسوأها آخرها، حين تتداعى الأمم على المسلمين كما تداعى الأكلة على قصعتها، بسبب الهوان الذي يعتريهم من جراء تسلط الظالمين الجبريين ، وتعطيلهم للشرائع وتنكرهم لهدي النبوة وقواعد الدين ، ولهذا أعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه من شهود هذا العصر فقال : ( أعاذك الله مِن إمارة السُّفَهاء) قال: وما إمارة السُّفَهاء؟ قال: (أمراء يكونون بعدي، لا يقتدون بهديي، ولا يستنُّون بسنَّتي، فمَن صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منِّي ولست منهم، ولا يردوا على حوضي، ومَن لم يصدِّقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منِّي وأنا منهم، وسيردوا على حوضي..) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي 2/514، 515 .

ولأن الشريعة كما هو معلوم؛ ليست حدودًا فقط ، ولانظامًا سياسيًا فحسب؛ فإنها تمثل الإسلام الذي أمرنا بدخوله كافة.. وحقيقتها هي حقيقة العبودية، التي تعني كل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، المطلوب المبادرة بها تحت كل الظروف والأحوال.. ولذلك كانت النصيحة النبوية في مثل أحوالنا الحالية : ( بادِروا بِالأعمالِ سِتًّا : إمَارَةُ السُّفهاءِ ، و كَثرةُ الشَّرْطِ ، و بَيعُ الحُكمِ ، و اسْتِخفافًا بِالدَّمِ ، وقَطيعةِ الرَّحِمِ ، و نَشْؤٌ يَتخذِونَ القرآنَ مَزامِيرَ ، يُقدِمُونَ أحَدَهمْ لِيُغنيهم ، و إن كان أقلهم فقهًا) [صحيح الجامع/رقم: 2812 ] ... 

هذه هي مبادرة الأعمال في عنوانها العريض.. والكلام حولها يحتاج إلى مزيد..

القوس والنشاب في بيان أسباب الرقص في الانتخاب


القوس والنشاب في بيان أسباب الرقص في الانتخاب

أحمد عمر
الجسد العربي جسد وقور.

رأينا في فلم "التوت والنبوت" الفتوة حسونة السبع يأمر ضيا الناجي، ابن عائلة الناجي العريقة، التي حكمت الحارة بالرقص، فيرقص. الرقص سخرية، وإهانة، وإقرار بالتنازل عن الكرامة في الثقافة العربية.
 وفي فلم "المليونير المتشرد" يغضب رئيس العصابة جافيد عند توقف الرقص، الرقص فردوس المجرمين. المجرم عادة لا يرقص، غالبا يتمتع بالنظر.

لن يجد الباحث، وهو يتفحّص التاريخ القديم، رقصات عربية، في الجاهلية، أو في الإسلام، سوى في العهود المتأخرة، الرقصة الوحيدة في السيرة النبوية هي رقصة الأحباش في المسجد النبوي، والتي غضب منها أبو بكر رضي الله عنه، وهمّ بطردهم، فنهاه عليه الصلاة والسلام. ويلاحظ من الخبر أموراً ثلاثة: أنهم أحباش، ورقصتهم بالحراب، وفي يوم عيد.

مؤخراً، شاعت أفلام عاطفية، تدعو إلى الرقص كفلم "ما تيجي نرقص" لإيناس الدغيدي، خصوصاً الأزواج مع سكرتيراتهم، إذا عرفنا أن العمل في الشركات العربية ضعيف المردود، سوى في الرقص والنصب، بطُل العجب. الفلم يدعو إلى الخيانة الزوجية الرمزية، أو من الدرجة الثانية، أما في أمريكا وأوروبا، فالرقص هدى وتقوى اجتماعية، فهو يحد من الجريمة، وينظم العقل، ويضبط العنف. الحضارة الغربية حضارة الحواس الخمس.

ترى موسوعة الويكيبيديا أن الرقص رياضة مسليّة ورخيصة، وفن يدعم القصة والأغنية، ويمدها بتعبير جديد، وهو ترفيه وتخويف قبلي للقبائل الأخرى إذا كان الرقص مسلحاً، وتعبير عن سعادة غامرة، برنامج "ما الك هيفا" كان يقنّع الرقص بالرياضة، زميلة هيفا الشقراء، كانت أجمل، لكن هيفا هي التي اشتهرت.

 رقصات الطرق الصوفية دخلت مع الشعوب غير العربية في ديار الإسلام ومناسكه، مثل الرقص المولوي في الطرق الصوفية التركية.
 رقصات الطرق الصوفية في القوقاز، فيها كثير من الحركة، ويُظنّ أن للطقس البارد فيها سبب، فالرقص يدفئ البدن. 
رأى كاتب هذه السطور طائفة سورية في إحدى ليالي الصيف، يرقصون في عرس، بوقار يشبه الصلاة، مدججين بخناجرهم، خاشعين، دون اهتزاز أمام الموسيقا الصاخبة، كأنهم محنطون، والنسيم هو الذي يهزهم، لا الطبل.

يقول خبراء لغات الجسد: إن الرقص الشرقي فيه بضع وعشرون حركة، مثل حروف العربية، فالرقص شِعر الجسد، أما الرقص الهندي فهو أعقد لغةً، لكنه أقل سفوراً من الرقص الشرقي العربي، الذي يثير الغرب.
 بدلات الرقص الشرقي شائعة كهدايا في أوربا. 
الرقص الشرقي، الذي نعرفه في الأفلام المصرية، يجعل الجسد أفصح في الإغراء، ويعرّيه أكثر، ويبرز مفاتنه، ولسبب ما، لعله الحداثة والتأثر بالغرب. 
وجد صانعو “العيال كبرت" أن الباليه رقصة تربوية مباحة، مع أن الراقصة لا ترقص وحدها على عكس الرقص الشرقي، والسبب هو أن الراقصة الشرقية، ترقص و"تفتح" للزبائن، لاحقا سيبادلها فتحا بفتح، غالبا سيفتح لها جيبه وربما قارورة العسل. بل إن راقصة الباليه، تؤدي حركات تشبه حركات الحية مع الثعبان، وهي أكثر فتنة في عين المسلم، فالراقصة الشرقية تسدل بعض الستائر على الجيوب في جسدها، أما راقصة الباليه، فترتدي غشاوات رقيقة، وهي تؤدي لوحاتها التعبيرية، وتسعى لإبراز الجيوب، وفتح أقواس بالفرجار مع شريكها، يصعب على عين الذكر العربي المحروم من السياسة والجنس، فهم تعبيراتها. الخبز عندنا للأكل، عند آخرين، قد يصلح لوحة!

أهل الخليج يرقصون رقصات وقورة، ملوك الخليج، لا يجدون غضاضة في الرقص مع شعوبهم، فهي رقصات جليلة، وغالباً هي بالسيف. وكان صدام حسين، الزعيم العربي الوحيد، الذي يرقص مع شعبه، ويقود حلقة الدبكة، وفي فمه سيكار كوبي.

وقد رأينا الرئيس الأمريكي، يرقص رقصة العرضة في السعودية، مقابل مبلغ خرافي من المال، فيرقص تلك الرقصة السهلة التي لا تحتاج إلى تدريب. رقصات السيف تجمع بين الفروسية والفرح، أو هي اختباء خلف السيف، الذي لا يُسلّ سوى في الأفراح وأعياد الميلاد، من أجل نحر كعكة الميلاد. ثمة رقصات في الخليج بالعصا، يهز الراقص فيها رأسه ورقبته، ويثبت القدمين، ونصف الجسد السفلي، فالأرض الترابية ستزكم الأنوف بغبارها، إذا خاطبتها الأقدام.

وقد يكون الجسد العربي الجمهوري في مصر وسوريا معذوراً في فرحته بالأعراس الديمقراطية، فالموسيقا راقصة، والرقص أمام صناديق الانتخاب ضريبةٌ كبرى. الصناديق الانتخابية الإكراهية، التي تساق إليها الجماهير، لا بهجة فيها، إلا برشوة الموسيقا، والتي صارت تصدر كل هذا الألحان المطربة، تعويضاً عن تزوير الأصوات. هكذا جرى الظن، إلى أن علمنا أن النظام المصري جنّد آلاف الراقصات، وخريجات معاهد الآداب في السجون، لإمامة الرقصات الانتخابية.

ذكّر إعلامي مصري بنبوة السيسي من جديد، فزعم أن الرقص، يذكّر باستقبال الأنصار للرسول. إعلامي آخر، اعتبرها فرحاً وتعبيراً عن البهجة. الرقص في العقل الشرقي العربي خزي وعار، وهو ما رأيناه في تغريدة فنانة مصرية اسمها مي كساب تعيب على الناس الرقص في الشوارع. هذا خلط للسياسة، بدين النظام، الذي هو الفن. نحن نرقص في عرس، ليس أشد ذلّاً منه، الأرض محتلة، "ونحن فقراء قوي"، والإرهاب يحيط بنا. رقص على أغنية لحنها هندي ومؤديها خليجي والراقص مصري، والعريس ميع رفش!

فلعل المصري ينتقم من ذاته، أو أنه يرقص ألماً، لا طرباً كما يقول بيت المتنبي الشهير، أو هي عودة للوثنية، فقد كان الرقص هو الصلاة.

العربي يعدُّ رقصة المرأة عاراً، ورقصة الرجل أكثر خزياً، وشهيرٌ قول عادل إمام أمام القاضي في مسرحية "شاهد ما شفش حاجة": "لو كل واحد ساب بيته علشان تحته راقصة، البلد حتبات في الشارع"، ونحن حقاً على قارعة شارع الحضارة.

في الغرب، الأمر مختلف، فالعامة والرؤساء يرقصون مع زوجاتهم، وعادة ما يتبادلون الزوجات رقصاً، وقد رقصت جيهان السادات مع الرئيس الأمريكي، لكنها الوحيدة، التي طلبت المال على شهادتها في برنامج "بلا حدود"!

فُسِّرتْ ظاهرة حمى الرقص، أو "رقص سانت جون"، الاجتماعية في قارة أوروبا، بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، بمقاومة الجوع، كان الجميع، رجالاً ونساءً وأطفالاً، يرقصون إلى حد الانهيار من الإرهاق. اندلعت هذه الظاهرة أول الأمر في آخن، في ألمانيا عام 1374، وانتشرت بسرعة عبر أوروبا كلها، وقد كانت أشهر أحداث هذه الظاهرة "طاعون الرقص" في ستراسبورغ عام 1518.

أغلب الظن أن الرئيس العربي، مثل الفتوة حسونة السبع في فلم التوت والنبوت، لا تستوي فتوته، ولا يعلو سلطانه، إلا بإهانة خصمه، وجعله يرقص.

الرئيس العربي هو القرّاد الأخير، الذي مسخ أفراد الشعب قروداً حتى يلمّ النقطة، والنقطة هي الإرادة، وقد انقرض السيرك بعد أن روض الإنسان كل الحيوانات تقريباً. السيرك الوحيد الباقي، هو سيرك ترويض الشعوب العربية. الغرب يتفرج مستمتعاً برؤية القرد العظيم، "الكينغ كونغ" الفرعوني، وهو يرقص حتى فقدان الوعي.

لم نرَ السيسي، أو الأسد يرقصان، ولا زوجاتهم، ولا أمهاتهم أو عماتهم أو خالاتهم، أو بنات الأخ وبنات الأخت. قبل يومين رأينا فلم الانتخابات المصرية، وهوس الرقص على بشرة خير، وقد فاز الطبل المثقوب بدورة رئاسية ثانية.

كان الأفارقة ومازالوا، يرقصون لجلب المطر، أو لدرء الأرواح الشريرة. أما رؤساء الجمهوريات العربية، فيجلبون بها الولاء والبراء. الأفارقة كانوا يستطيعون المشي على الجمر للحظات، بعد رقصات مجهدة تفقدهم الشعور، ونحن نفقد الأبناء والآباء، التاريخ والجغرافيا، ونرقص، وسنمشي على الجمر مدة رئاسية كاملة، أربع سنوات في مصر، سبعاً في سورية، بعد رقصات عابرة نخضُّ بها في أقفاص أجسادنا، أرواحاً أسيرة.

متى يزور الأسد السعودية؟

متى يزور الأسد السعودية؟

 وائل قنديل

لا تصدق أن ثمة عداء بين سعودية محمد بن سلمان وإيران، على الرغم مما يبدو على السطح من جنون صدام مذهبي بين الطرفين، ذلك أن عداء النظام السعودي ليس مع طهران، وإنما مع ثورات الربيع العربي.

بن سلمان والإيرانيون شركاء في قتل الثورة السورية منذ البداية، ولم يكن الدخول السعودي الرسمي على خط الثورة السورية إلا استجابة لرغبات طائفية مذهبية، تبحث عن ساحة لاختبار النفوذ (السني) بمواجهة النفوذ (الشيعي) الإيراني، حتى وإن هلكت ثورة الشعب السوري تحت الأقدام الطائفية.

قبل أيام، احتفت الوكالة الروسية "سبوتنيك" بما وصفتها  تصريحات مثيرة لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، حول بقاء بشار الأسد على رأس السلطة في سورية، إذ قال لمجلة التايم الأميركية إن الأسد باق في السلطة، ومن غير المرجح أن يترك منصبه قريبا. وأضاف أنه يتمنى من الأسد ألا يصبح "دمية لإيران".

لا مشكلة على الإطلاق لدى بن سلمان في بقاء بشار الأسد في السلطة فوق جثث أكثر من نصف مليون مواطن من الشعب السوري، إذ ليس مهماً في نظر حاكم السعودية الصغير أن يكون الأسد قاتلاً ومجرم حرب، ما دام من الممكن ألا يكون دمية لإيران، ولا يعنيه كل هذا الدم السوري المسفوح، بل يهمه، أولاً وأخيراً، أن ينهزم الربيع العربي في جولة أخرى على الأرض السورية، كما انهزم في مصر واليمن وليبيا، وكان النفوذ السعودي حاضراً، وداعماً بسخاء في كل هذه المعارك التي استهدفت قتل ثورات الشعوب.

لم تكن مصادفة أن تكون وجهة ديكتاتور تونس زين العابدين بن علي، عقب سقوطه، هي السعودية، وكذلك لم يكن عرض السعودية بضعة مليارات على المجلس العسكري الحاكم في مصر، عام 2011 في مقابل الإفراج عن حسني مبارك وتسليمه للرياض، حباً في سواد عيون مبارك وشعره المصبوغ، بل كان كرهاً في الثورة المصرية، وانتقاماً منها.

ولا يمكن بالطبع إغفال استقبال الرياض مخلوع اليمن علي عبد الله صالح، ثم إعادته إلى صنعاء، ليبدأ مسيرة الانقضاض على الثورة اليمنية، متحالفاً مع الحوثيين الذين تحاربهم السعودية الآن للأسباب المذهبية الطائفية ذاتها، وهي تدرك، من الناحية الأخرى، أن كل يوم يمر من هذا الصراع المجنون يخدم مصلحتها في قضم قطعة جديدة من لحم الثورة اليمنية.

وفيما يخص الدور السعودي في القضاء على مشروع الثورية، قلت، قبل ثلاثة أعوام، إنه لا يمكن الوثوق بأن ثمة رغبة سعودية حقيقية في إنهاء مأساة الشعب السوري والتمكين لثورته، مشيراً إلى وجود تناقض منطقي في هذه المسألة، كون السعودية لديها عداء لا يحتاج لكثير من الأدلة ضد الثورات العربية، ومن ثم لا يجب الاطمئنان إلى أن إظهار خلافها مع بشار الأسد انحيازا للثورة عليه، إذ لا يمكن تصور أن طرفاً كان في القلب من مشروع تدمير الربيع العربي في مصر واليمن يكون منحازاً لهذا الربيع في سورية وداعما له.

وبمرور الأيام، تأكدت عندي هذه الهواجس، وكرّرت التنبيه لها، حتى إن بعض المتحمسين غضبوا مني حين قلت يوماً إن غالبية اللاعبين في المأساة السورية كارهون للربيع العربي، وإن استخدموه ورقةً في اللعبة الإقليمية أحياناً.. إذ تتحول الثورات إلى مجرد ورقة في لعبة البوكر السياسي في المنطقة، بعناصرها الطائفية والمذهبية، والتي يتجمع حولها "أكلة لحوم الثورات العربية"، كما وصفتهم سابقا، فكل صيحات الحرب، العربية والغربية، ضد بشار، انتهت إلى تثبيت أركان حكمه، ومنحته مساحاتٍ وقدراتٍ للحركة فوق جثة الثورة السورية، منذ أعلن باراك أوباما، عقب مجزرة الكيماوي في الغوطتين 2013، أن الضربة الأميركية خلال ساعات، وحتى الحديث عن قواتٍ عربية، بقيادةٍ سعودية، تستعد لدخول سورية، للحرب ضد "داعش". 

وأذكر أنه في أغسطس/ آب 2017 حين وجه بشار الأسد الشكر لكل من روسيا وإيران وحزب الله، سجلت دهشتي من أنه لم يوجه الشكر إلى الرياض وأبو ظبي، وتوابعهما، على دورهم في دحر الثورة السورية، واكتفى بشكر إيران وروسيا وحزب الله، على الرغم من أن إسهام "محور اعتدال" في بقاء نظامه، ومكافأته على إجرامه، أكبر .. ألم يلاحظ أنهم تكفلوا بترويج الرواية ذاتها التي يرددها عن المأساة السورية؟ ألم يحققوا له غايته بتصنيف الثورات إرهاباً والربيع العربي مؤامرة كونية؟

الآن جاءت اللحظة المواتية، ليتدارك بشار نفسه ويوجه الشكر لحاكم السعودية، على هديته الأكبر: فليبق بشار على ألا يكون دمية لطهران!  وهذه مسألة يمكن التفاهم بشأنها عندما يزور بشار الرياض بدعوة من بن سلمان.. ولم لا؟