الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

سيد قطب وفتحي الشقاقي ومؤتمر غروزني

سيد قطب وفتحي الشقاقي ومؤتمر غروزني


ساري عرابي

في نيسان/أبريل من العام 1981 كتب الشهيد فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، في مجلة المختار الإسلامي، مراجعة حافلة لكتاب "معالم في الطريق" للشهيد سيد قطب، وكان الشقاقي حينها قد تجاوز الثلاثين من عمره بشهور قليلة، وحينها كان مشروع حركة الجهاد الإسلامي قد أنهى تبلوره تقريبًا داخل الجامعات المصرية وبدأ بالانتقال إلى فلسطين.

وقد كانت هذه المعالم التي اعتبرها الشقاقي، في مراجعته سابقة الذكر، "نظرية ثورية"، مستلهمًا التقليد الماركسي، فاتحة تحولات الشقاقي المبكرة داخل قطاع غزّة، حينما انتقل من "القومية الناصرية"، إلى الحركة الإسلامية، ناهضا على معالم سيد قطب، مدفوعا بنكبة العام 1967، ومن الواضح أن "نظرية سيد قطب الثورية"، ظلّت تقوم ببلورة أفكار فتحي الشقاقي، بالتضافر مع عوامل أخرى، ليس هذا مجال ذكرها، حتى انتهى من تأسيس جماعته، على أسس؛ بعضها قد أوحت بها معالم سيد قطب، حتى وإن لم تعد هذه المعالم بالفاعلية ذاتها داخل هذه الحركة.

لم تكن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، حينها، الاستجابة الفلسطينية الوحيدة لأفكار سيد قطب، فقد ساهمت هذه الأفكار بالدفع نحو تحولات أخرى داخل الحركة الإسلامية الأساسية، أي جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، إذ كانت كتابات سيد قطب في ذروة جاذبيتها، في سبعينيات القرن الماضي، وساهمت في إعادة صياغة وعي الطلاب الفلسطينيين الذين نشطوا في صفوف جماعة الإخوان المسلمين الأردنية، إنْ في الأردن أو في دول الخليج، ولاسيما الكويت، الذين أرادوا بدورهم القفز بحركتهم إلى الأمام.

يفيد خالد مشعل، رئيس حركة حماس، في المحاورة التي أجراها معه غسان شربل في صحيفة الحياة اللندنية، في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 2003، أنه في تلك المرحلة، أي مرحلة السبعينيات والثمانينيات، كان قد تأثر بسيد قطب، ومن البدهيات أن يكون حسن البنّا حاضرًا دائمًا لدى الإخوانيين حين الحديث عن التأثر، ولكن حضور سيد قطب هنا، ملازم لبدايات تحول الإخوان الفلسطينيين إلى الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني.

يشير إبراهيم غوشة، والذي شغل فترة طويلة من الزمن موقع الناطق الرسمي باسم حماس، في سيرته الذاتية، والموسومة بـ "المئذنة الحمراء"، والصادرة عن مركز الزيتونة في بيروت، إلا أنه ومجموعة من الشباب الإخواني أسسوا حركة تصحيحية داخل جماعة الإخوان المسلمين الأردنية استمرت من العام 1967 إلى العام 1970، متأثرة بأفكار كل من حسن البنا وسيد قطب، وتدعو إلى قيام جماعة الإخوان المسلمين بواجب الجهاد المسلح ضد الكيان الصهيوني، بيد أنهم تحفظوا على تجربة "معسكرات الشيوخ" لأنها كانت تستظل بمظلة حركة فتح، والتي كانت بدورها تتبنى شهداء الإخوان الذي تعاونوا معها عبر "معسكرات الشيوخ".

الدكتور عدنان مسودي، أحد مؤسسي حركة حماس بالضفة الغربية، في مذكراته الموسومة بـ "إلى المواجهة"، والصادرة أيضًا عن مركز الزيتونة؛ تحدث عن عودته من سوريا، محملاً بالأفكار "القطبية" التي كانت مقررة على أسرتهم الإخوانية في سوريا، إذ وجد أن هذه الأفكار غير معروفة لدى قيادة الجماعة في الخليل، والتي تعاملت بريبة شديدة مع مصادر أفكار مسودي، بيد أن أفكار قطب عبّرت عن نفسها أيضًا لدى مسودي، بالدعوة إلى ضرورة الاستعداد بالتدريب على السلاح، لمواجهة الكيان الصهيوني عسكريّا، وهو الاتجاه الذي انتصر أخيرًا، وتجلّى في صورة حركة حماس.

كانت أفكار قطب فاعلة في فلسطين، أيضا بدفع المجموعات المتدينة داخل حركة فتح، نحو التعبير عن نفسها بصيغ إسلامية أكثر صراحة، أو بالتحول نحو جماعة الإخوان المسلمين، فالشيخ محمد أبو طير، إمام المسجد، وأحد كوادر فتح العسكرية داخل الأرض المحتلة، في سبعينيات القرن الماضي، وأحد مؤسسي الجماعة الإسلامية داخل السجون الصهيونية، والتي شكّلت رافدًا مهمًّا لحركات المقاومة الإسلامية، لم يقرر الانفصال عن حركة فتح، والانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، إلا بعد أن قرأ كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، كما يفيد في مذكراته التي ما تزال مخطوطة، والموسومة بـ "سيدي عمر"، من تحرير الزميل بلال محمد.

حسنا، ما علاقة هذا بمؤتمر غروزني؟

كنت أودّ في الحقيقة أن ألخص في هذ المقالة، على قصرها، مراجعة الشهيد الشقاقي لكتاب المعالم، ولكني وجدت علي الجفري، والذي تبين أن مؤسسته طابة -الممولة إماراتيًّا- هي المنظم الرئيس لذلك المؤتمر، يقول إن خطوته القادمة ستكون مؤتمرًا حول "فكر القطبيين ومن تفرع عنهم من القاعدة وداعش"، في مغالطة لا تقتصر على الجفري وأضرابه، من الذين يستهدفون الإسلام بما هو طاقة حركية فاعلة في النفوس وواقع الناس، ولكنها مغالطة رائجة، تحمّل سيد قطب، في تفسير ثقافوي بائس، المسؤولية المطلقة عن ظواهر تشبه ظاهرة داعش.

يَفترض التفسير الثقافوي أن النصوص هي العامل الوحيد في نشوء الظاهرة، وأن النصوص تملك قدرة حتمية على صناعة الظواهر على نحو محدد وفي اتجاه واحد، هو في حالة سيد قطب اتجاه العنف الداخلي وتكفير المجتمعات، ولكن، وبصرف النظر عن كل نقاش محترم حول نصوص سيد قطب، فإن دحض هذا التفسير في حالة سيد قطب، لا يحتاج شيئا من الجهد النظري، ويكفي لدحضه أن نستدل بالوقائع الحيّة التي مثلتها حركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية، التي دفعت نصوص سيد قطب، إلى جانب عوامل أخرى طبعًا، نحو تبلورها في صيغ المقاومة المسلحة، الأمر الذي يعني أن سيد قطب أثرًا وإلهاما كان أكبر مما يفترضه التفسير الثقافوي.

وأخيرا، وعلى وقع الجدل الكلامي الذي أثاره مؤتمر غروزني، كيف قرأ الشقاقي سيد قطب، وكيف كانت العقيدة لدى كليهما؟ وما الفرق بين مؤتمِري غروزني، وأمثال قطب والشقاقي؟!

نكتفي بهذا المقتطف من مراجعة الشقاقي لكتاب المعالم، مجيبًا على هذين السؤالين: "ولكن كيف عالج القرآن قضية العقيدة في تلك الفترة.. هل كانت نظرية باردة بين دفتي كتاب.. هل كانت لاهوتا.. هل كانت جدلا كلاميا كالذي سمى "بعلم التوحيد".. 
كلا.. فالقرآن جاء ليطهر الإنسان.. ينقذ فطرته من الركام.. يفتح منافذ الفطرة كي تتلقى وتستجيب. ومن هنا كانت معركة القرآن معركة حية واقعية لا تناسبها نظرية جاهزة بين دفتي كتاب أو جدال ذهني قائم على منطق شكلي "علم التوحيد" ولا لاهوت يقبع في الزوايا الضيقة.. لقد جاء القرآن ليبني العقيدة في ضمير الجماعية المسلمة التي سيخوض بها المعركة مع الجاهلية ورواسبها (الضمير والأخلاق والواقع).. ولهذا كان لابد لبناء العقيدة أن يكون فعلاً وممارسة وأن يظهر في صورة تجمع عضوي حيوي.. أي تنظيم يباشر الحياة متمثلا في الجماعة المسلمة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق