الأحد، 10 أبريل 2016

تبسيط تاريخ مصر الحديث (1)


  تبسيط تاريخ مصر الحديث (1)  


ا.محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية

كاتب مشارك: د. عمرو عادل
شهد المجتمع المصري تطورًا فارقًا في القرنين الأخيرين، بداية منذ الحملة الفرنسية على مصر، وحتى اللحظة الحاضرة. ويمكن تقسيم هذه الحقبة إلى ثماني فترات، هي:
  1. قبل الحملة الفرنسية
  2. الحملة الفرنسية
  3. عصر محمد علي
  4. عصر الأسرة العلوية
  5. الاحتلال الإنجليزي
  6. ثورة 1919 ونتائجها
  7. حقبة العسكر
  8. ثورة يناير
بلغت صفحات هذه الدراسة نحو ثلاثمائة صفحة، ويتوقع أن تصدر قريبا إن شاء الله، ثم آثرنا تقديم خلاصتها في مقالات منشورة، فهذه المقالات هي بمثابة تهذيب التهذيب، أو خلاصة الخلاصة، لتعميم الفائدة.
تركز الدراسة على المقارنة بين «قوة الدولة» و«قوة المجتمع» في هذه العهود المختلفة، وقد خلصت إلى نتائج، من أهمها: أن لحظات التقدم هي لحظات التوازن بين هاتين القوتين، بينما لحظات الضعف والهزيمة هي اللحظات التي زاد فيها تغول وتوحش الدولة على حساب إضعاف وكسر المجتمع، وأن تمكين المجتمع هو المشروع الذي حملته الثورات وحركات النهضة والإحياء، بينما كان «تقوية الدولة» هو المشروع الذي حمله الاحتلال وعملاء الاحتلال.
وحددت الدراسة عوامل القوة في أربعة عناصر:
  • السلاح: الذي يمثل قوة الردع أو قوة الإجبار والتنفيذ.
  • الوعي: الذي يمثل المفاهيم والمبادئ والقيم الحاكمة.
  • إدارة الثروة (المؤسسات): وهي المؤسسات التي تدير ثروات ومقدرات البلد.
  • التشريع والقانون: وهي التي تعبر عن القيم والإجراءات الحاكمة ونظام إنفاذها.
وسَعَتْ الدراسة للنظر في كل عنصر من هذه العناصر؛ لرصد توزعه بين الدولة والمجتمع، وخرجت بتقريبات رقمية لهذه النسبة، وضعتها في رسوم بيانية؛ لشرح مسار تطور المجتمع المصري بشكل أفضل بصريا.
وقد اعتبرت الدراسة أن القوة موزعة بالتساوي بين هذه العناصر الأربعة، وذلك لطول الأمد (أكثر من قرنين من الزمان) مع الاعتراف بأن «السلاح» هو الأعلى والأهم في المراحل الفاصلة، يليه بقدر ما «الوعي»، ولكن مراحل السلم والاستقرار يكون العنصر الأهم هو «المؤسسات والثروة» و«التشريع والقانون»، ويليهما الوعي والسلاح.
وحيث اعتمدت الدراسة أسلوب التبسيط، ورسم المسارات العامة، فقد جعلنا نسبة القوة موزعة بالتساوي بين هذه العناصر الأربعة، باعتبار أن الفترة المدروسة تنوعت بين سلم وحرب، وبين اضطراب واستقرار، مما يحذف أثر القوة النسبية لعنصر من العناصر في لحظة من اللحظات.
  1. واعتمدت الدراسة منهجًا لتحليل كل عنصر من عناصر القوة على هذا النحو الآتي:

أولا: السلاح

ثانيا: الوعي


ثالثا: المؤسسات والثروة

رابعا: التشريع والقانون


وقد اعتمدنا التساوي في النقاط بين أدوات القياس لكل عنصر لضرورة التبسيط؛ لأن الدراسة تهدف إلى رسم ملامح الصورة العامة، ويحتاج التوزيع الدقيق للنسب إلى عمل أكثر عمقًا وتعقيدًا. كذلك اعتمدنا رفع النقاط إلى (100) لمزيد من الوضوح في التحليل، والذي سيظهر أوضح ما يكون عند رسم الشكل البياني.
في هذه الخلاصة لن نعرض إلا الرسوم البيانية الأخيرة التي تقارن بين قوة السلطة وقوة المجتمع.

(1)

ما قبل الحملة الفرنسية

كان التوازن قائمًا في توزيع القوى بين الدولة وبين المجتمع:
  1. فقد تفوقت الدولة على المجتمع في قوة السلاح وكثرته وامتلاكها قرار استخدامه، وبهذا كانت متكفلة بصد العدو الغازي، إلا أنها لم تكن تحتكره، بل كان المجتمع يمتلك قدرًا وافرا منه، خصوصا في الصعيد الذي كان يتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي.
  2. بينما تفوق المجتمع على الدولة في صناعة الوعي؛ ذلك أنه لم يكن بيد السلطة وسيلة مركزية لنشر الأفكار والمعلومات وصناعة وعي موحد للجماهير، كما أن السلطة لم تكن متدخلة في أمور التعليم، الذي كان يديره المجتمع بشكل شبه كامل، فكانت المدارس والمساجد ينفق عليها من الأوقاف، ويديرها العلماء وطلبة العلم، في ظل غيبة شبه كاملة من السلطة عن التمويل والإدارة لهذه المؤسسات. فحتى الأغنياء وأصحاب رأس المال يتوقف تحكمهم عند التبرع وإنشاء المدارس ولا يصنعون مناهجها ولا يتحكمون في توجيهها.
  3. وتحقق نوع من التوازن، مع تفوق للدولة في مسألة المؤسسات وإدارة الثروة، فقد اقتصرت وظيفة السلطة على إدارة ملفات الأمن والدفاع، بينما ظلت باقي المؤسسات تحت إدارة المجتمع، مثل نظام الحرف والمهن الذي كان يمثل بيئة تكافلية ورابطة اجتماعية، ولم تكن الدولة تتحكم فيه ولا تديره.
  4. كما تحقق نوع من التوازن، مع تفوق للمجتمع في مسألة التشريع والقانون، إذ لا تتدخل السلطة في التشريع، بل ظلت الشريعة الإسلامية مهيمنة على مجال التشريع والتقنين، وهي وظيفة يمارسها العلماء والقضاة بشكل أساسي، ويقتصر دور السلطة على تقنينات تفصيلية وإجرائية. كذلك فقد كانت مؤسسة القضاء مستقلة ماليًا إذ تعتمد على الأوقاف، ولم تكن السلطة العثمانية تعين سوى 5 من بين 36 منصبًا قضائيًا. وكانت للقوى الاجتماعية (العلماء، القضاة، الزعماء) أدوار فاعلة في الاعتراض على السلطة وتمثيل المجتمع أمامها، فكانوا كالطبقة بين الحكام والعامة.

الخلاصة:

تفوقت الدولة على المجتمع في مجال السلاح بفارق كبير، مما أدى لسرعة انهيارها أمام الغزو الفرنسي، إلا أن وجود قوى اجتماعية فاعلة وامتلاكها لعوامل قوة مؤثرة في المجتمع مكنها من سرعة حلولها بديلًا عن الدولة، وأن تبدأ مقاومتها ضد الغزو الفرنسي.
وبحساب مجموع القوى بين الدولة والمجتمع نرصد أن المجتمع امتلك حوالي (47.7%) من ميزان القوة، بينما امتلكت السلطة (52.3%) منها.
ويتضح شكل توزع القوى بين الدولة والمجتمع من خلال هذا الرسم البياني:
1 القوة المسلحة 2 صناعة الوعي 3 المؤسسات التنفيذية والثروة 4 التشريع والقانون

(2)

الحملة الفرنسية

ما أن انهارت السلطة المملوكية بهزيمة جيش «إبراهيم» و«مراد» بك أمام الجيش الفرنسي حتى ظهرت القوة الشعبية لتجاهد المحتل، وقد فاضت الكتب التي أرخت لذلك الوقت بالمقاومة الباسلة المستمرة من المصريين للغزاة الفرنسيين، وبرغم الفارق الهائل في القوة فقد سارت المعارك بحيث تبدو وكأنها بين جيشين متكافئين، وقد حقق المصريون انتصارات غالية، مع فارق هائل في أعداد الشهداء منهم مقابل أعداد القتلى من الفرنسيين. وقُدِّر عدد الشهداء بمئات الآلاف في وقت كان تعداد المصريين فيه مليونين فقط.
ومثلما انهار ملف «الدفاع» الذي كان بيد السلطة، انهار ملف «الأمن» أيضا بزوال هذه السلطة، وسارت حالة من الهجرة الجماعية لمن استطاع من مصر، وصحب ذلك عمليات نهب وسلب وإغارات واسعة، كل ذلك في أول فترة العدوان الفرنسي.
وصار الحال على هذا النحو في ميزان استعمال القوة حسب العناصر الأربعة:
  1. كثر السلاح بأيدي المجتمع، بما فقدته السلطة المملوكية من أسلحة، وبما استعملوه في معاركهم مع الفرنسيين، وبما غنموه منهم، وبما أعادوا تصنيعه في حمأة المقاومة، مع بقاء الفارق الهائل بين الطرفين في قوة السلاح، ولكن تساوى الطرفان في القدرة على استعمال السلاح، وفي قرار استعماله، مما أحدث نوعا من التوازن في معركة «القوة المسلحة» بين الطرفين.
  2. وفشل الفرنسيون تماما في «معركة الوعي» رغم محاولاتهم المضنية، وظلت القيادة الفكرية للمجتمع قائمة في شيوخ الأزهر ومشايخ الطرق الصوفية وزعماء القبائل ونقباء الحرف والمهن، فظل هؤلاء على موقعهم القديم من تمثيل المجتمع وقيادته، فكان المجتمع أقوى من السلطة الفرنسية في تكوين وعي الجماهير.
  3. بينما تفوق الفرنسيون – من موقعهم كسلطة احتلال- في التحكم بالثروة، فقد ضاعفوا من الضرائب على المصريين، وحاولوا السيطرة على الأوقاف من خلال أن عهدوا بإدارتها للنصارى من القبط والشوام، فاتخذها أولئك كالمغنم، وتعطلت رواتب كثير من العلماء والمؤذنين والفقهاء والعميان والمرضى وغيرهم. وأسسوا كذلك لجمعية تمثيلية تكون كالمحلل للمحتل من خلال التمثيل السياسي للمجتمع، إلا أن عدم الثقة فيهم جعلت الفرنسيين لا يعطونهم صلاحيات حقيقية.
  4. فيما بقيت مؤسسات التشريع والقانون على حالها تقريبا، ذلك أن قصر الفترة التي قضاها الفرنسيون في مصر، وامتلاءها بالمقاومة والاضطرابات، وحاجتهم إلى مهادنة فئات من الشعب المصري، خصوصا في هذه المسائل الحساسة، كل ذلك حال دون إجراء كثير تغيير في هذه المؤسسات، فبقي المجتمع محتفظا بتفوقه فيها.

الخلاصة:

عمل الاحتلال الفرنسي على تقوية سلطة الدولة وكسر المجتمع، وكانت أول محاولة لكسر وتغيير أنظمة المجتمع من خلال تحطيم أبواب الحارات ومحاولة التحكم في الأوقاف وصناعة تمثيل سياسي، إلا أنه لم ينجح في ذلك، ولما لم تطل فترة بقائه في مصر، فإنه عجز عن تفكيك القوى الاجتماعية التي قادت المقاومة، ومثلت بديلًا حقيقيًا عن سلطة المماليك بعد انهيارها.
وبحساب مجموع القوى بين الدولة والمجتمع نرصد أن المجتمع امتلك حوالي (61%) من ميزان القوة، بينما امتلكت السلطة (39%) منها، وأبلغ دليل على قوة المجتمع هو قدرتهم على فرض «محمد علي» واليًا عليهم، رغمًا عن السلطان العثماني.
ويتضح شكل توزع القوى بين الدولة والمجتمع من خلال هذا الرسم البياني:

1 القوة المسلحة 2 صناعة الوعي 3 المؤسسات التنفيذية والثروة 4 التشريع والقانون



(3)

عصر محمد علي

وهو العصر الذي أعيد فيه تشكيل المجتمع المصري؛ إذ غُرِس نظام الدولة الحديثة، بديلًا عن النظام الإسلامي، وتغيرت وجوه العلاقات بين المجتمع والسلطة، وتأسس وضع جديد تماما، بالقهر وبالسيف، حتى كانت مصر بعد «محمد علي» شيئا مختلفا عنها من قبله.
ومن خلال عناصر القوة الأربعة التي نتناولها بالبحث سنرى كيف حطم محمد علي النظام القائم، واستبدل به نظام «الدولة الحديثة» التي تتغول فتشمل كل شيء، وتتحكم في كل شيء.
  1. ففي جانب السلاح قرر «محمد علي» تجريد الشعب من السلاح، وجعله محتكرًا بيد الدولة وحدها، ولم يعطله عن هذا أن المجتمع المسلح استطاع صد الاحتلال الإنجليزي (حملة فريزر 1807)، بل أصر أكثر على ألا يبقى «السلاح في يد الفلاحين». وأسس جيشًا على النظام الحديث، وبإشراف من خبير فرنسي، سلك فيه ذات المسلك الأوروبي في الاستعباد ومعاملة الجنود كأنهم عبيد، ونزعهم من كل قيمة إنسانية أو أخلاقية وزرع تقديس الأوامر العسكرية .. فظهر بهذا أول جيش ليس له مرجعية إسلامية عليا. وهذا بخلاف الإجراءات التي استعملت في التجنيد، وفي الحد من التهرب وفي التدريب، وهي إجراءات غربية بحتة خالية من كل قيمة أو ضوابط إسلامية. بل يمكن القول بأن «البناء الإحصائي والبيروقراطي» للدولة المصرية، إنما كان لأجل الجيش في الأصل. وذات الكلام يُقال في الشأن الأمني، فقد كان من بدايات الإجراءات التي اتخذها محمد علي اختراع مناصب أمنية، ووصل في التحكم إلى حد منع التنقل بين القرى، إلا بتصريح مرور.
  2. وفي جانب الوعي والقيادة الفكرية شن محمد علي حملة عنيفة لكسر جميع القيادات الفكرية والزعامات الاجتماعية، وشمل بالإقصاء – قتلًا ونفيًا وتحجيمًا ومطاردة- كافة القيادات: العلماء، ومشايخ الطرق الصوفية، زعماء القبائل ورؤوس العائلات الكبيرة، نقباء المهن والحرف، حتى قال الشيخ محمد عبده «لم يترك في بر مصر رأسًا يقول: أنا». وأنشأ المدارس على النظام الأوروبي الحديث، فدخل بذلك نظام للتعليم يخالف ويزاحم النظام الأزهري، وأنشأ المطابع التي كانت مملوكة للدولة، ومن هنا بدأت تعلو يد الدولة وقدرتها على صناعة وعي موحد، إلا أن التعليم الأزهري بقي، ولم يختفِ، وظلت للمشايخ قدرة نسبية على توجيه الوعي وصناعته، وإن كانت أضعف بكثير من ذي قبل.
  3. واستطاعت دولة محمد علي أن تنشئ مؤسسات قاهرة تتحكم في الإدارة والسلطة؛ فقد كان نظامه المركزي القائم على إعادة التحكم في الزراعة والري والصناعة قد أنهى بشكل عملي نظام نقابات المهن والحرف والوظائف، وأنهى الوضع التكافلي الاجتماعي القديم لحساب اتخاذ كل هذه الأنشطة كأدوات وعناصر تخدم في جهاز الدولة، وضمن خطتها العامة (والوحيدة بالطبع)، ثم كانت ضربته الهائلة الكبرى، والتي لم يستطعها أحد من قبله: باستيلاء الدولة على الأوقاف، ومنح السلطة لنفسها الحق في الإشراف على إدارة الأوقاف وأخذ ريعها وإعادة إنفاقها في مصارفها.
  4. وبدأت في عهد محمد علي بذرة تدخل الدولة في مؤسسات التشريع والقضاء، فظهرت مؤسسات تزاحم القضاء الشرعي، مثل «المجالس القضائية» التي صارت إليها مهمة التشريع ووضع القوانين، لكن ظلت الهيمنة العامة للقضاء الشرعي، مما يجعل هذه النقطة نقطة توازن وحيدة بين السلطة والمجتمع في عصر محمد علي.

الخلاصة:

تغولت الدولة على حساب المجتمع في كل عناصر القوة باستثناء الرابع «التشريع والقانون»، وعاش الشعب المصري واحدة من أقسى لحظات تاريخه في استبداد السلطة.
وبحساب مجموع القوى بين الدولة والمجتمع نرصد أن المجتمع امتلك حوالي (24%) من ميزان القوة، بينما امتلكت السلطة (76%) منها.
ويتضح شكل توزع القوى بين الدولة والمجتمع من خلال هذا الرسم البياني:
1 القوة المسلحة 2 صناعة الوعي 3 المؤسسات التنفيذية والثروة 4 التشريع والقانون

(4)

عصر الأسرة العلوية

يعد عصر الأسرة العلوية (منذ نهاية حكم محمد علي وحتى الاحتلال الإنجليزي) امتدادًا للنظام الذي أسسه محمد علي، وقد ظلت عوامل القوة كما هي في عصر محمد علي:
  1. فقد استمر السلاح محتكرًا بيد الدولة، وليس للمجتمع حق فيه.
  2. واستمرت القيادة الفكرية والتوجيهية حصريًا للدولة التي امتلكت المطبعة والصحف كوسائل صناعة وعي مركزية.
  3. بينما قلت نسبة إدارة السلطة للثروة بقدر بسيط، وزادت نسبة مشاركة المجتمع، وذلك بعد قرارات الخديو سعيد بتخفيض الضرائب على الفلاحين وإعطائهم الحق في تملك الأراضي من بعد ما كانت احتكارًا حصريا للباشا والأسرة الحاكمة، كذلك فقد سمح الخديو سعيد للمصريين بالترقي إلى المراتب العليا في الجيش، وكان هذا إصلاحًا سيكون له أثر بعيد في حدوث الثورة العرابية.
  4. لكن الأزمة الكبرى كان في جانب مؤسسات التشريع والقانون؛ إذ زاد الجور على حق الشريعة والمحاكم الشرعية لحساب القوانين الوضعية، إذ شهدت هذه الفترة استيراد قوانين فرنسية، وإنشاء المحاكم القنصلية الأجنبية، ثم المحاكم المختلطة، وقد كان هذان النوعان من المحاكم تحت السيطرة الكاملة للأجانب، الذين تدفقوا على مصر في عصر محمد علي وأبنائه، وفقدت مصر استقلالها التشريعي (ولم تستعده جزئيًا ونظريًا، إلا في معاهدة 1936، وعمليًا في 1949، أي مدة قرن من الزمان).
ولهذا، ففي الوزن الأخير لعوامل القوة، نجد أن النسبة لم تتغير كثيرا، فقد امتلك المجتمع (23%) من عوامل القوة، بينما امتلكت السلطة (77%).

1 القوة المسلحة 2 صناعة الوعي 3 المؤسسات التنفيذية والثروة 4 التشريع والقانون

في أواخر عصر الأسرة العلوية (ما قبل الاحتلال الإنجليزي) طرأت عدة تغيرات على واقع المجتمع المصري؛ فتغيرت معها أوزان القوة النسبية بين المجتمع والسلطة على هذا النحو:
  1. ففي مجال القوة المسلحة، أتاح زيادة عدد المصريين في الرتب العليا للجيش من نزوع هذا الجيش نحو أن يكون تعبيرًا عن المجتمع، لا عن السلطة، كما هو الحال في ظل سيطرة العناصر الأجنبية (والتي هي في حكم المرتزقة؛ لانفصالها عن المجتمع طبقيًا وعرقيًا ولغويًا وثقافيًا). وكان هذا الانقسام المصري الأجنبي في صفوف الجيش يُحسم في كثير من الأحيان لصالح المصريين.
  2. وظهرت في المجتمع المصري قيادات فكرية جديدة بروح جديدة، أبرزها: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الله النديم وغيرهم، وقد أثار هؤلاء روحًا جديدة بين الشيوخ والعامة تحرضهم على الثورة ضد الاستبداد. وكان لهم أثر فكري وعملي بعيد. ولا ريب أن انتشار التعليم وما انتشر من الكتب والترجمات منذ رفاعة الطهطاوي وطبقته وطبقة تلاميذه قد ساهمت في ارتفاع الوعي بأحوال العالم، خصوصا ما كان منها في شأن السياسة والتاريخ (فقد شهد هذا القرن ثلاث موجات للثورة الفرنسية). كذلك فقد أخذت الصحافة هامشًا واسعًا من الحرية، وانتشرت المطابع مما أتاح انتشارًا أوسع لتيارات فكرية نابعة من المجتمع، لا معبرة عن السلطة.
  3. وفي المؤسسات استمر الاحتكار السلطوي والنفوذ الأجنبي، ولكن مع زيادة طبقة مصرية وسطى متعلمة تساهم في إدارة هذه المؤسسات، مما يجعل الأمر أفضل قليلًا من نهاية عصر محمد علي.
  4. وزادت قوة المجتمع في مؤسسة التشريع والقانون، وذلك من خلال محاولة الخديو إسماعيل تقليد السياسة الغربية بإنشاء مجلس للنواب له صلاحيات واسعة في مسائلة الحكومة ومراقبتها، وقد كان هو محتاجًا إلى هذا المجلس؛ ليمثل حماية له من الضغوط الأجنبية التي زادت عليه، بعد إسرافه في الاستدانة من المصارف وبيوت المال الغربية.
وبمجموع هذه العوامل قامت الثورة العرابية التي بدأت بحركة احتجاج داخل الجيش على معاملة الضباط المصريين وحقهم في المناصب العليا، ولكنها تفاعلت مع المطالب المجتمعية المختلفة التي شملت أمور الضرائب والسيطرة الأجنبية على الاقتصاد والنهضة الفكرية والروح الثورية التي أطلقها الأفغاني وتلاميذه، واستطاعت الثورة العرابية أن تحمل هذه المطالب، وأن تنتصر في كثير من المواقع مع الخديو، فأجبرته على تغيير الوزارة (فجاء الباردوي رئيسًا، وعرابي وزيرًا للجهادية) وعلى القبول بمجلس نواب طبقًا للائحة 66، وأقر ذلك في فبراير 1882م.
وقد تغيرت النسبة بين قوة المجتمع وقوة الدولة، فإجمالًا يتبين أن المجتمع امتلك (41%) من عوامل القوة، بينما امتلكت السلطة (59%) منها. على نحو ما يظهر في هذا الشكل:


وكانت هذه النسبة من الخطورة بمكان، إلى الحد الذي لم يعد فيه من بديل، إلا التدخل الغربي المباشر بالاحتلال الإنجليزي، فافتعلت مشكلات بالإسكندرية نزل على إثرها الأسطول البريطاني فيها بدعوى حماية الأجانب والمصالح الأجنبية، وانتهت الثورة العرابية إلى الفشل أمام الهزيمة العسكرية.
وهنا يظهر من جديد أن احتكار الدولة للسلاح كان من أسباب الضعف والهزيمة، إذ ما إن انهزم الجيش الرسمي للدولة حتى انهارت الدولة أمام الاحتلال، على العكس من الوضع أيام الغزو الفرنسي، كما أن القيادات الفكرية والعملية التي ساهمت في التوجيه لم يكن لها من العمق والرسوخ الاجتماعي (بأثر النظام الجديد الذي أسس له محمد علي) ما كان للعلماء والزعماء ومشايخ الطرق الصوفية ونقباء المهن والحرف في العصر العثماني المملوكي، كذلك فقد استسلمت المؤسسات التي تدير الثروة للاحتلال لكثرة الأجانب في مراكزها القيادية مما منع تكون مقاومة اجتماعية.
وبهذا لما استطاعت الدولة احتكار مسارات القوة والتأثير وصار المجتمع مجبرا على تمثيل نفسه من خلال مؤسسات الدولة الرسمية، لم يكن ثمة مقاومة شعبية بعدما انهارت الدولة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق