الخميس، 21 أبريل 2016

تبسيط تاريخ مصر الحديث (3)



تبسيط تاريخ مصر الحديث (3)


ا.محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية
كاتب مشارك: د. عمرو عادل

اقرأ أولًا:

(9) ثورة 25 يناير

شاخ نظام يوليو وبدت آثاره السلبية مع الشيخوخة الطويلة لحسني مبارك (ثمانون عامًا)، وصارت مصر مرتعًا للفساد، وقد اجتمعت عوامل إزالة نظام مبارك وإن لم تجتمع عوامل حدوث ثورة. على هذا النحو الآتي:
1. ظل السلاح محتكرًا بيد السلطة، الجيش والأجهزة الأمنية، ومن فوقهما القوة الخارجية (أمريكا) صاحبة النفوذ الفعلي الأكبر على الساحة المصرية. وقد التقت الرغبة الأمريكية مع رغبة الجيش في إزاحة نظام مبارك. أما الجيش فلأنه لا يؤيد انتقال السلطة لمدني (جمال مبارك الغلام الصغير معدوم المواهب)، وأما أمريكا فلظنها أنها تستطيع إقامة حكم ديمقراطي في مصر يجنبها مشكلة الإرهاب ويحتوي التيارات الإسلامية فيدجنها ويخضعها لمنظومة الديمقراطية. فلما اجتمعت هاتان الرغبتان، حسم أمر نظام مبارك وجرى انقلاب عسكري – متقنع بقناع الثورة وإرادة الشعب – عليه في 11 فبراير.
2. شهد الوعي طفرة كبرى في السنوات الست الأخيرة من حكم مبارك، وذلك لأكثر من سبب أهمها: (أ) الانترنت الذي مثل كسرًا لاحتكار المعلومة وبيئة للمقاومة والتقاء الشباب وأفكارهم الثورية وسبل تطبيقها عمليًّا. (ب) الإعلام الذي شهد موجة حرية غير مسبوقة كانت مدعومة خارجيًّا، إذ غلت يد سلطة مبارك عن التعامل العنيف مع الفضائيات والصحافة التي شهدت تكاثرًا وجرأة مدهشة ضد نظام مبارك، كما اجتمعت هذه الصحف – على اختلاف أطيافها – على تلميع شخصية محمد البرادعي كقائد للتغيير. (جـ) المنظمات الحقوقية والشبابية والتي شهدت تكاثرًا أيضًا واستقطابًا للشباب الذي يتمخض عن ثورة، وصارت تعقد المؤتمرات والندوات وورش العمل عن التغيير والنظام المنشود (الليبرالي). وقد استفاد الإسلاميون من هذه الحرية عبر الإنترنت والصحافة، بل وسمح بقنوات فضائية دينية مثلت ركنًا قويًّا في رفع الوعي بالإسلام وإن تجنبت الحديث في السياسة مباشرة أغلب الوقت.
3. وظلت مؤسسات إدارة الثروة والنفوذ محتكرة بيد الدولة بشكل كامل، إلا أن ظهور الإنترنت ودخول مصر في اتفاقيات التجارة الحرة مكَّن كثيرًا من المشروعات الصغيرة أن تنشأ عبر الإنترنت متجاوزة لسلطان الدولة، كما جعل كثيرًا من المشروعات الكبيرة ذات امتدادات فوق الدولة، فلم تعد سيطرة الدولة على كل المشروعات داخل أرضها كما كانت في السابق.
4. كذلك ظلت مؤسسات التشريع والقضاء محتكرة بيد السلطة، وللسلطة نفوذ كامل عليها، إلا أنها تأثرت أيضا بالمناخ الثوري والقوة الخارجية المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية، فشهدت أعوام 2005 حركة نادي القضاة المطالبة بالإصلاح، وغلت يد السلطة جزئيًّا عن انتخابات البرلمان 2005 مما أوصل أكبر نسبة معارضة في تاريخ حقبة العسكر، وصارت هذه الحركات القضائية التي تفاعلت معها معارضة البرلمان – بالإضافة لحركات الشباب والعمال – مصدر إزعاج للسلطة ومصدرًا آخر للوعي والتثوير.
أفضى كل هذا، مع شرارة نجاح الثورة التونسية في إسقاط نظام بن علي، إلى احتشاد شعبي واسع وغير مسبوق في 25 يناير تحول إلى احتجاج عنيف كسرت فيه جهاز الشرطة يوم 28 يناير، ومع امتناع الجيش عن مواجهة الثورة، لم يكن أمام مبارك مفر إلا الرحيل.
وهنا بدأت المعركة بين أجنحة إزالة النظام؛ الشعب الذي لم يصدق أنه بهذه القوة أن إزالة مبارك بهذه السهولة. والعسكر الذين فوجئوا أن الشعب يطلب أكثر من إزالة مبارك نفسه.. وجرى الأمر بين شد وجذب ومعارك دموية، وفوق الجميع كانت أمريكا تفضل حكمًا مدنيًّا علمانيًّا تسنده القوة العسكرية من الخلف. وأسفر كل هذا عن نجاح محمد مرسي (القيادي بالإخوان المسلمين) رئيسًا للجمهورية، كان فيها أفضل المتاح بالنسبة للجميع، فهو أفضل للإسلاميين من نظام مبارك، وأفضل للجيش وأمريكا من تشدد حازم أبو إسماعيل أو خيرت الشاطر ومن اضطراب شعبي إسلامي في مصر التي أسفرت عن قوة غير متوقعة للتيار الإسلامي، ولكل طرف أهداف أخرى.
وكما هو المتوقع، سعت الثورة إلى تمكين المجتمع (وإن أخطأ ممثلوها فاعتمدوا النهج الإصلاحي البطيئ الذي لا يصلح للثورات) فخرج دستور يغل من سلطات الشرطة والعسكر ويعيد العمل بنظام الوقف، وكان لدى مرسي مشروع عنوانه “تمكين المجتمع”. بينما قضى النظام عامًا يجمع نفسه ويلملم شتاته ويحارب من خلال مؤسسات القوة (الجيش والشرطة) ومؤسسات النفوذ والثروة، ومؤسسة القضاء في القضاء على هذه الثورة. حتى تم له الأمر بانقلاب 3 يوليو 2013.
وكما هو المتوقع أيضًا، فقد ألغى الدستور القديم وألغى البرلمان المنتخب، ووضع دستورًا تسلطيًّا أزال فيه كل أثر لتمكين المجتمع، ولم ينتخب حتى بعد عامين برلمانا وظل يحكم بالقرار المنفرد المتسلط الذي يخترق حتى الدستور الذي وضعه هو.
وتشهد المرحلة الحالية نموًّا في أمرين وإخفاقًا في أمرين:
1. نمو في الوعي الذي ألهبته مجازر الانقلاب الكاشفة عن طبيعة الدولة الحديثة ومؤسساتها.
2. ونمو بطيئ ضعيف في استعمال السلاح ومقاومة السلطة الحاكمة.
ويبقى أمران لا بد من حسمهما على مستوى الوعي ومستوى التصرف فعليًّا:
3. مؤسسات التشريع والقضاء، إذ يحتاج الإسلاميون لتعميم مسائل وطرق ومناهج «أهل الحل والعقد» و«القضاء العرفي» لتكون بديلًا حاضرًا ونموذجًا مطروحًا في مرحلة الفوضى.
4. مؤسسات الثروة والنفوذ، إذ يحتاج الإسلاميون لتحديد أهم المؤسسات وكيف يجب التعامل مع كل منها، إما بالتفكيك الكلي أو الجزئي أو تركها على حالها. مع العلم بأن تفتيت مؤسسات الدولة وإعادة بنائها أحد أهم مظاهر الثورات الحقيقية؛ ولن ينكسر الفاصل الصلب بين الطبقة الحاكمة والمجتمع دون الثورة الشاملة وإعادة السلطة للمجتمع وتفتيت الطبقة الحاكمة؛ وينبغي ذكر أن محاولة إصلاح النظام لن ينتج عنها إلا إحلال طبقة حاكمة محل الأخرى مادامت بنية النظام واحدة مهما كانت تتمتع الطبقة الجديدة بالنزاهة حيث أن قوة النظام وقدرته على احتواء أي قوى تدخله أقوى من أي محاولات.

(10) ملاحظات وخلاصات

من خلال استعراض وتحليل عوامل القوة نلاحظ الآتي:
  1. لحظات قوة الأمة هي اللحظات التي تتوازن فيها قوة الدولة مع قوة المجتمع (رسوم تداخل المنحنيات)، بينما لحظات الضعف والنكبة هي التي تتغول فيها الدولة على حساب المجتمع، فيكون منحنى قوة السلطة أعلى من منحنى قوة المجتمع، وأسوأ الفترات هي حين تنفصل المنحنيات تمامًا، فساعتها تكون قوة السلطة في أعلى مراحلها وتكون قوة المجتمع في أضعف حالاتها.
  2. المنحنى في عهد الاحتلال الإنجليزي يشبه المنحنى في عهد الأسرة العلوية ويشبه حقبة العسكر، مما يعني أن الاستبداد هو الوجه الآخر للاحتلال. هذا مع العلم مع أن الاستبداد وقت الأسرة العلوية كان «استبدادًا وطنيًّا» بخلاف الواقع الآن الذي هو مزيج من «الاحتلال والاستبداد».
  3. بالرغم من عدد المحاولات الثورية ولحظات النهوض إلا أن أيها لم ينجح، إما بنزول الاحتلال بنفسه (الاحتلال الإنجليزي) أو باستباق الثورة بانقلاب عسكري (يوليو، وفبراير 2011) أو بخدعة الديمقراطية (ثورة 19، انتخابات 2012). وهو ما ينبغي أن ينتبه له صناع القرار في المرحلة الثورية الحالية وأن يحسبوا حسابه.
  4. امتلاك الشعب للسلاح هو أحد أهم موانع الاستبداد والاحتلال، وفوق امتلاك السلاح الوعي بالحق في امتلاكه والحق في استعماله ضد أي ظلم أو قهر أو سلطة مستبدة. إن حالة التخويف من انتشار السلاح أو منعه تصطدم بثوابت الدين وقواعد التاريخ وتحاصر المفكرين والعاملين والميدانيين، فضلا عن خطورتها في تزييف الوعي.
  5. الوعي أحد أهم أسلحة المعركة، وهو مهمة المجتمع، ويرتبط بوجود قيادات مجتمعية فاعلة ومجتمع متماسك مترابط، وتدمير الوعي أحد أهم أهداف الاستبداد والاحتلال.
  6. ضرورة إلغاء نظام التجنيد الإجباري الذي يدجن الشعب، والعودة للمزاوجة بين نظام الإلزام ونظام التطوع، وفي تراثنا الفقهي والتاريخي مخزون ضخم من قيم الجهاد وضوابطه، ثم في الأنظمة المعاصرة بدائل كثيرة تعصم من كوارث التجنيد الإجباري والقيم العسكرية المسيطرة عليه.
  7. لا بديل عن كسر احتكار الدولة للوعي والتعليم من خلال سيطرتها على المؤسسات التعليمية وعلى الصحافة والإعلام، فالعودة للكتاتيب والتعليم التقليدي ومؤسسات التعليم الموازي والتعليم المنزلي والتعليم الحر والتعليم المفتوح… كل هذا ضرورة في إنشاء الجيل القادم ومنع خضوعه لمنظومة فكرية صادرة عن السلطة.
  8. زيادة الاستثمار في مجال صناعة الإعلام بوسائل متعددة وتدريب كوادر في كافة مجالات الإعلام: السينما، الإذاعة، التليفزيون، وغيرها، ومنازعة الطبقة الحاكمة في كل مجالات الإعلام وعدم ترك أي مساحة منفردة لهم.
  9. الأوقاف أحد أهم روافد قوة المجتمع، ومسألة الأوقاف (كجزء من مسألة استقلال المجتمع) هي مسألة حياة أو موت. والأوقاف قادرة على حل مشكلات احتكار السلطة للتعليم والإعلام والمؤسسات جميعًا: التشريعية والتنفيذية والقضائية، بل وتستطيع قضية الوقف حل مشكلة احتكار السلاح أيضًا.
  10. لا بد من دراسات متخصصة في أمر النظام النقدي والمالي المنشود للوقوف على الشكل الأمثل له في الواقع المعاصر، في ظل الهيمنة العالمية على مجال المال والنقد.
  11. نزع مهمة التشريع من السلطة واستقلال المؤسسات النيابية والقانونية هو من صميم النظام الإسلامي، وهو إجراء مستقر يتخذه المستبد والمحتل للسيطرة عليه، ولهذا فلا مناص من العودة والمناداة بهذا النظام وتبيين فضائله في معركة المواجهة.
  12. تنظيم القضاء الشرعي والعرفي فهو البديل المجتمعي الناجز والأسرع والأقوى للقضاء المدني (العلماني)، مع تعظيم شأن الشريعة وجعلها أمرًا لا يقبل النقاش فتكون سلطة فوق المحاكم المدنية وسبيلا إلى إصلاحها تدريجيًّا.
  13. ضرورة وجود قيادة للثورة، فقد سرق الإنجليز ثورة 1919 بتسليمها لزعيم مضمون الولاء، وسرقوا ثورة 52 بتلميع شخصية ضابط صغير في الثلاثينات من عمره، وهذا ما فعلوه في ثورة 2011 مع شخصية السيسي، وما يزال بقاء مرسي حيا يمثل لهم إشكالا في الشرعية. ولا بد من أن تتمتع القيادة بالنزاهة والكفاءة، فمشكلة النزاهة هي ما أودت بثورات 19 و52، ومشكلة الكفاءة كانت ضمن مشكلات الثورة العرابية وثورة يناير.
  14. وضوح وقوة الخطاب الثوري، فالثورات الناجحة هي التي كان لها خطاب حاسم صريح، والجماهير لا يحركها إلا الوضوح والقوة.
  15. السعي نحو امتلاك أدوات القوة، فهذه الدراسة تثبت أن غياب أحد أدوات القوة يكون دائما في صالح الاستبداد أو الاحتلال.
***
وبالإجمال فهذه هي صورة تطور ميزان القوة في المجتمع المصري منذ ما قبل الحملة الفرنسية وحتى ثورة يناير، ويبدو فيها واضحًا وجليًّا كيف كان المجتمع أقوى من السلطة في مجمل ميزان القوى، ثم تدرج الأمر لتكون السلطة أكثر تغولًا وانفصالًا عن المجتمع.
كما يبدو واضحًا أن الحالات الثورية وحالات المقاومة هي النقاط التي يقترب فيها المجتمع من الحصول على السلطة والتي تواجه بالقوة الباطشة للحفاظ على السلطة بعيدًا عن المجتمع. وهذا الأمر يفسر لم كانت هذه الفترة هي فترة ضعفنا ونكباتنا وهزائمنا الطويلة.
والشكل التالي يبين منحنى القوة للمجتمع والسلطة عبر القرنين الماضيين، في التسع مراحل المتتابعة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق