الخميس، 11 مايو 2017

سؤال مكانة مصر ودورها



سؤال مكانة مصر ودورها



د.بشير موسي نافع



لا يتحدد دور الدول بالميراث التاريخي وحده، كما يعتقد التاريخانيون، ولا بالمميزات الجغرافية البحتة، أو المقدرات المتاحة، أو الإرادة السياسية الخالصة. يتحدد دور الدول بتفاعلات الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمقدرات معاً. 
وباجتماع هذه القوى، ولد دور مصر الكبير ونما في حياة العرب، خلال القرن العشرين، منذ ما بعد الحرب الأولى وانهيار الرابطة العثمانية. 

برزت قوة مصر الناعمة، إن صح التعبير، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن من الضروري عدم المبالغة في هذه القوة. 

وقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني في 1882، وعمل الاحتلال، إضافة إلى ما تبقى من تحديث الخديوي إسماعيل، على صناعة مناخ ليبرالي نسبي، جذب إليه عدداً من مثقفي المشرق المسيحيين، وعدداً آخر من علماء المشرق السلفيين الإصلاحيين. وقد صنع الدور الملموس الذي لعبه هؤلاء في الثقافة المصرية، والعربية عموماً، صورة مضخمة لأهمية قاهرة القرن التاسع عشر ومطلع العشرين. 
الحقيقة، بالطبع، أن إسطنبول، وحتى اندلاع نيران الحرب الأولى، ظلت المركز الرئيسي للثقافة والسياسة في المشرق، إليها توجه المئات من النشطين العرب والمسلمين، بما في ذلك المصريون منهم، الذين بدأوا الكفاح ضد السيطرة الأجنبية، وفيها صنع القرار وتيارات السياسة المشرقية. وإن كانت دمشق المهد الأول للحركة العربية، فإن رافد العروبة الأهم ولد من أوساط الطلاب والمثقفين العرب المقيمين في عاصمة السلطنة.

انتهى دور إسطنبول بالهزيمة العثمانية في الحرب، وولادة الجمهورية التركية وتبنيها سياسة العزلة الاختيارية عن محيطها العربي. وبدأ العرب، من ثم، الرحلة الشاقة للبحث عن إطار مرجعي جديد لوجودهم، وسبل التحرر من السيطرة الأجنبية والانقسام غير المبرر. 

خلال العشرينيات والثلاثينيات، لم يتسع نطاق الحركة العربية وحسب، بل وأسست مقاماً لا يستهان به في حقلي الثقافة والسياسة المصرية. وقد رافق هذا التطور ولادة وعي لافت، سيما في أوساط النخبة المصرية، بحجم البلاد وموقعها، وبدورها المحتمل. حاول فؤاد، بدعم من قطاع علمائي كبير، في العشرينيات، وراثة منصب الخلافة، بعد أن ألغيت في تركيا الجمهورية، وأحاط فاروق نفسه بعدد من المصريين، العروبيين – الإسلاميين، الذين تصوروا أن بإمكان مصر أن تقود محيطها العربي كله.
 وبالرغم من التململ، والغيرة السياسية غير المسوغة، في كثير من الأحيان، في العراق وسوريا والسعودية، رأى عموم العرب في مصر مركز ثقلهم الأهم، وربما الوحيد. 
وليس ثمة شك أن ولادة المسألة الفلسطينية، والدور الذي لعبته مصر، أو كان على مصر أن تلعبه، في مناصرة الفلسطينيين، أسهم بصورة بالغة الأهمية في التقاء رؤية العرب لمصر ورؤية المصريين لبلادهم.

في الحقبة بعد 1952، أصبحت العروبة الإطار المرجعي الرسمي للجمهورية المصرية. تحول التوجه العروبي، الذي كان محل جدل في حقبة ما بين الحربين، إلى سياسات مفكر فيها، رسمت باعتبارات استراتيجية، اقتصادية وسياسية وثقافية، حتى وإن بدا أحياناً أن مصر الطرف الخاسر فيها. 

كانت نتيجة هذا كله أن أصبحت مصر مركزاً للثقافة العربية، ومرجعاً للسياسات. قادت مصر العمل العربي من أجل فلسطين منذ نهاية الثلاثينيات، وحملت راية وحدة العرب، وأصبحت مقر الجامعة العربية؛ ساندت حركات التحرر العربية من أجل الاستقلال، وخاضت حرباً وراء أخرى من أجل توكيد موقع العرب المحدثين على المسرح العالمي. لم ينتبه عرب كثيرون للدور الذي لعبته بغداد وحلب في تطور الموسيقى العربية الحديثة، لأن مصر، ومصر فقط، أصبحت المركز الذي تعارف العرب على دوره في صناعة ذائقتهم السمعية. وإلى جانب ذلك، استمرت مصر في احتضان القطاع الأكبر من صناعة السينما العربية، إلى الحد الذي تحولت فيه اللهجة المصرية إلى نوع من الرديف للفصحى. لعدة عقود، كانت الجامعة المصرية قبلة الطموحين العرب في تلقي تعليم حديث، وعلى منوالها نسجت معاهد التعليم العليا التي أخذت في البروز واحدة بعد الأخرى في عواصم الدول العربية المستقلة حديثاً. وليس التعليم الحديث وحسب، بل أن مكانة الأزهر في مجال العلوم الإسلامية لم تهتز، لا بفعل انتشار مراكز تعليم إسلامي منافسة، ولا بعد الصدام الباعث على القلق بين النظام الجمهوري والإخوان المسلمين. 

مصر، باختصار، لم تصبح قلب العروبة النابض، وحسب، بل وصانعة ضمير العرب وروحهم الحديثة.
ولم يعد غريباً بالتالي أن يكتسب هذا الموقع والدور، الذي استمر لأكثر من ستة عقود، كل هذا الثقل في الذاكرة التاريخية العربية. وليس الذاكرة العربية الجمعية وحسب، بل وحتى القطاع الأكبر من مراقبي المشرق والمتخصصين من غير العرب، لم يزل يتصور أن مصر هي معيار الوجود ومؤشر المستقبل العربي. تتصور أغلبية السياسيين والنشطين والمناضلين العرب أن أزمات المجال العربي تفاقمت بفعل غياب مصر المؤقت، أن ليس ثمة مخرج للعرب إلا بنهوض مصر، وأن طريق العرب نحو مستقبل أفضل مشروط بعودة مصر إلى تسلم مهامها في قيادة محيطها العربي كله.

بيد أن الوقائع الصادمة تقول أن على العرب، اليوم، التخفف من هذه الذاكرة، والتحرر من أسرها؛ ليس لأن مصر فقدت أهميتها أو موقعها أو حجمها، ولكن لأن مصر ليست في طريقها للنهوض، ولا يبدو أنها ستعود قريباً لقيادة شيء. الحقيقة التي يجب التعايش معها أن مصر لم تعد منبع الوعي العربي، ولا صانعة ثقافة العرب. 

التعليم المصري تعرض للانهيار منذ زمن؛ والفنون المصرية في حالة تحلل؛ وإعلام مصر يبعث على الخجل. 
تعاني مصر من تأزم اقتصادي قد يستمر عقوداً طويلة؛ ومن تهالك في كافة قطاعات الخدمات، من المواصلات، إلى الصحة. 
وبالرغم من أن كيان الدولة في أغلب البلاد العربية في حالة لا تسر، فإن مؤسسة الدولة المصرية بدأت في الانحطاط منذ ستينيات القرن الماضي، حتى أصبحت خراباً، بكل ما في الكلمة من معنى. ويكفي في التعبير عن هذا المشهد المأساوي أن دولة بحجم وتاريخ مصر باتت أسيرة نفوذ أخرى خليجية بالغة الصغر وحداثة العمر. 

أطلقت ثورة يناير/ كانون ثاني 2011 بصيصاً من الأمل لمصر، ولكن انقلاب يوليو/ تموز 2013 أخمد هذا البصيص، وأعاد السياق الانحطاطي إلى وضع أسوأ مما كان عليه. 

تحتاج مصر تقويضاً جذرياً لبنى السياسة والاجتماع والاقتصاد الراهنة، وإعادة بناء الدولة من جديد. ولكن مثل هذا الخيار لا يبدو وارداً في حسابات الطبقة الحاكمة ومحيطها الثقافي، ولا في حسابات القوى والتيارات المعارضة. وحتى لو تحقق مثل هذا الخيار، فلابد لعقود أن تمر قبل أن تستطيع مصر استعادة بعض الدور والتأثير الذي تمتعت به ردحاً من الزمن في تاريخ العرب الحديث. على العرب، بكلمة أخرى، التوقف عن انتظار مصر، التجرد من هذا الحنين غير المنطقي لدورها، والبحث عن مستقبلهم، بغض النظر عما إن كان بإمكانها مد يد العون، أو لا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق