الأحد، 3 أغسطس 2025

تسليم سلاح المقاومة الآن!

 تسليم سلاح المقاومة الآن!

رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبيﷺ ، وعضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

قبل انطلاق طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، ظهرت حملة إعلامية رفع أصحابها شعار “فلسطين ليست قضيتي”، تذرع بعضهم بأنهم قدَّموا الكثير ولا أمل في التحرير، وذهب القسم الثاني إلى أن مشروعاتهم الخاصة أولى من تحرير القدس، وأنها قضية تخص الفلسطينيين، الذين فرّطوا في أرضهم وسمحوا بوجود المحتلين!

ومع صمود الفلسطينيين المتشبثين بأرضهم بعد أكثر من عشرين شهرا من الإبادة الجماعية، رجع من تنصل من القضية للحديث عنها مرة أخرى مطالبا بتسليم سلاح المقاومة، وعاد من تبنى أكذوبة الفلسطيني باع أرضه، إلى تسويق مشروع تهجير أهل غزة، والبحث لهم عن وطن بديل

هذه الأصوات المنكرة المحسوبة على أمتنا، هي التي سخرت من سلاح المقاومة قبل ذلك بأساليب مختلفة، فلا ننسى مقولة “صواريخ ورق لا تخرم حائطا” أو دعاية: أين سلاح حماس من ترسانة أعدائها؟

والنتيجة على الأرض تقول إن سلاح المقاومة على قلته أذل الاحتلال وكشف عواره ودعايته المتضخمة، ولولا فشل العدو في تحقيق أهدافه وإثخان سلاح المقاومة في صفوفه، لما تقدَّم حلفاؤه بهذا المطلب.

هل رأينا في حقبة من حقب التاريخ مقاوما تنازل عن سلاحه إلا إذا كان قد قرر إنهاء مشروعه وحياته معا؟

لو تنازل الفيتناميون عن سلاحهم لكانوا حتى الآن تحت حكم الأمريكان، وإن 132 سنة من النضال ضد فرنسا لم تكسر عزيمة الجزائريين، الذين كانوا كلما خسروا معركة أعدوا لغيرها، وإذا فقدوا سلاحا سعوا في إيجاد البديل، حتى تم لهم مشروع التحرير.

السبيل لحماية العرض والأرض

إن امتلاك القوة بكل أشكالها هو السبيل لحماية العرض والأرض، ومنع العدوان على الدماء والأموال، والحائل دون تغول الأعداء على بلاد المسلمين؛ وهذه المقاصد الشرعية أجملتها آية في سورة الأنفال، مما حدا بالمصلحين أن يتخذوها شعارا لمشروع التغيير والتحرير، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60)

فكيف بالأمة المأمورة بالإعداد والإنفاق أن تطالب طائفة منها أعدت العدة وأخذت الأهبة أن تسلّم سلاحها لعدو غاشم ومحتل غاصب، يرفع شعار إهلاك الحرث والنسل، وإبادة الحجر والشجر، بما يحقق مكافأة المجرم ومعاقبة الضحية؟!

كيف يستقيم هذا الفكر العقيم في ظل قول النبي الكريم ﷺ في الحديث الصحيح: “المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلمُه ولا يُسلِمُه، مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه، ومَن فرَّجَ عن مسلمٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن سترَ مسلمًا سترَه اللهُ يومَ القيامة”.

وخذلان أخيك أن تتركه وحيدا في مواجهة عدوه، وألا تمد إليه يد العون في شيء، كما لا تسلمه لشيء يكرهه.

إن المشهد الحالي تخطى مرحلة الخذلان والاستسلام، إلى مرحلة إعانة العدو في إحراز ما فشل فيه بالحرب عن طريق الوساطة والتفاوض، وهل يُلدغ المؤمن من الجحر ذاته مرتين؟ من غفل عن قراءة التاريخ لن يحسن صناعة المستقبل، فقد رأى عامة أبناء هذا الجيل حلقات مسلسل الغدر في تسليم سلاح المقاومة في لبنان عام 1982 وبالتطمينات نفسها، وعلى ألسنة الوسطاء والرعاة الذين لم يغيرهم الزمن، وبعد تسليم السلاح بأيام وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا، فيما عُرف بأحداث أيلول (سبتمبر) الأسود من 16 إلى 18 حتى أصبح السواد صفة ملازمة لاسم الشهر الذي وقعت فيه واحدة من أبشع مذابح العصر الحديث.

وفي العصر نفسه قبل فئام من الفلسطينيين باتفاقية أوسلو، وسلطة منزوعة السلاح في رام الله، وترك المقاومة المسلحة إلى الجهاد الدبلوماسي والعمل السلمي والكفاح الحضاري، والنتيجة كانت في حصار الرئيس عرفات حتى مات “أو تُخلص منه”، وبقيت السلطة منزوعة الدسم والعمل، إلا في دائرة التنسيق الأمني مع المحتل، ولم يشفع لها ذلك حيث أعمل الصهاينة آلة الاعتقال والتدمير مع كل من أظهر تعاطفا مع غزة من أهل الضفة. وعلى الصعيد العالمي، فإن أوكرانيا منذ أربع سنوات تدفع فاتورة تخليها عن سلاحها النووي، وأصبحت تتسول الحماية في مواجهة الدب الروسي الذي يسعى لابتلاعها.

المفاوضات مع طالبان

ومما يحسن الاستشهاد به في هذا المقام أن مفاوضات الأمريكان مع طالبان، تخللها حديث عن وقف العمليات القتالية أثناء مرحلة التفاوض، فكان رد المفاوضين الأفغان: لولا سلاح المجاهدين وضرباتهم ما جلستم معنا على مائدة التفاوض، مستشهدين بمقولة الصحابي الفارس عبد الله بن الزبير “صونوا سيوفكم كما تصونوا وجوهكم، فإن من ذهب سلاحه أصبح كالمرأة أعزل”.

بل إن فقهاء الشريعة منعوا بيع السلاح إلى أمة محاربة -ليس بيننا وبينها صلح ولا عهد أمان- صرَّح بذلك فقهاء المالكية والشافعية، مع ما في بيع السلاح من مصالح مالية للمسلمين، فكيف بتسليم الأسلحة إلى عدو غادر ومحتل فاجر، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله “ويقرب من هذا بيع السلاح من أهل الحرب قال الأصحاب هو باطل لأنهم لا يعدون إلا لقتالنا فالتسليم إليهم إعانة محرمة”. «الوسيط»، 3/69.

وقد أصدرت لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين فتوى مفصلة في حرمة تسليم سلاح المقاومة وتجريم من يدعو إلى ذلك.

اشتملت مبادرة تسليم سلاح المقاومة على القبول بحل الدولتين، وكأن كُتابها ينسخون من بياناتهم السابقة وأضابيرهم القديمة، لأن حكومة “نتن ياهو” بأجنحتها المتطرفة من أمثال سموتريتش وبن غفير غادروا هذه المرحلة، وحديثهم المعلن الآن عن العودة إلى غزة وضم الضفة، والانتقال إلى مرحلة ما بعد فلسطين.

وقلتُ من التعجبِ ليتَ شعري

أأيقاظٌ أميّةُ أم نيامُ؟!

تطور غير مسبوق في الخذلان

هذه مبادرة لتبرير الخذلان، حتى يقال إن حماس رفضت تسليم السلاح وحل الدولتين، وكأن “نتن ياهو” وعصابته لم يرفضوا ذلك مرارا، وهو تطور غير مسبوق في خذلان أهل غزة، في الوقت الذي يتلقى فيه جيش الاحتلال كل وسائل الدعم العسكرية والمادية والسياسية، وانحصر دور إخوة الإيمان وأشقاء العروبة في نزع سلاح إخوانهم المحاصرين المجوَّعين، وليتهم قدَّموا مبادرة إدخال الطحين إلى البطون، بدلا من ذر الرماد في العيون، فإن قادة المقاومة لا يساومون على سلاحهم، ويرونه جزءا من كرامتهم، وسبق قول القائد الشهيد “أبو العبد” هنية: سلاح المقاومة هو الخط “الأكبر”، وقال العالم المجاهد د. نزار ريان عليه سحائب الرضوان: من فرَّط في سلاحه فقد فرَّط في عرضه.

ومع خذلان أهل الأرض لا ينقطع الرجاء في أسباب السماء، وإننا على يقين بأن تحرير سوريا هو خطوة كبرى في تحرير الشام الكبير، ودرة تاجه القدس وفلسطين، وأن تمسُّك المجاهدين في إدلب بسلاحهم هو الذي جعلهم الآن في قصر الحكم وعلى قمة جبل قيسون، وأن الثورة السورية لو تخلت عن سلاحها لما كتبت ملحمة نجاحها، كما أننا على يقين من أن المرابطين في بيت المقدس وأكنافه لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله، كما جاءت بذلك البشارة عن رسول الله ﷺ، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.

list of 4 items
list 1 of 4end of listهذه الأصوات المنكرة المحسوبة على أمتنا، هي التي سخرت من سلاح المقاومة قبل ذلك بأساليب مختلفة، فلا ننسى مقولة “صواريخ ورق لا تخرم حائطا” أو دعاية: أين سلاح حماس من ترسانة أعدائها؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق