معذرةً إلى ربكم!
عثمان الثويني
كويتي، مهتم بقضايا الفكر الإسلامي وناشط في برامج ومشاريع الإصلاح المجتمعي
ليست القضيَّة أن نربح في هذه الجولة أو أن نُتمَّ مشروعًا إنسانيًّا قبل أن تقصفه الطائرات، وليست الغاية أن تصل القافلة آمنة أو أن يبقى الخبز في المخبز حتى الفجر.
ليست العبرة في عدد الوجبات التي وُزّعت أو في سقف المستشفى الذي صمد.
المسألة أعمق من ذلك… إنَّها مسألة عذرٍ بين يدي الله.
حين قصّ الله علينا في سورة الأعراف قصَّة أولئك القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت، تحدَّث عن فئة ما كانت ترتكب الإثم، بل كانت فقط تنكر وتُحذِّر، وحين سُئلوا: “لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟”، أجابوا بكلمةٍ تختصر كلَّ فلسفة الفعل في زمن الانهيار: “مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ”.
إنَّها الكلمة التي تُحرّك الضمائر في زمنٍ تُقصف فيه الإنسانيَّة مع كلِّ بيت، وتُهدم القيم مع كل مدرسة، وتُجتث الحياة من جذورها مع كلِّ غارة.
حين قصّ الله علينا في سورة الأعراف قصَّة أولئك القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت، تحدَّث عن فئة ما كانت ترتكب الإثم، بل كانت فقط تنكر وتُحذِّر، وحين سُئلوا: “لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟”، أجابوا بكلمةٍ تختصر كلَّ فلسفة الفعل في زمن الانهيار: “مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ”.
إنَّها الكلمة التي تُحرّك الضمائر في زمنٍ تُقصف فيه الإنسانيَّة مع كلِّ بيت، وتُهدم القيم مع كل مدرسة، وتُجتث الحياة من جذورها مع كلِّ غارة.
هي الكلمة التي تقود كلَّ يدٍ تبني، وكلَّ قلبٍ يدعو، وكلَّ جهدٍ يُبذل، لا لأنّ النتائج مضمونة، بل لأنَّ البذل هو مناط النجاة الأخلاقيَّة والدينيَّة.
نعم، قد نعلم أنَّ العدوَّ سيقصف المستشفى فور افتتاحه، وقد رأينا البيوت تُنسف بعد دقائق من تأثيثها، والمدارس تُدكُّ وهي تحمل فوق جدرانها شعارات اليونسكو. لكن، هل نملك ترف التوقُّف؟ هل يجوز أن نربط أداء واجبنا باحتمالات الاستمرار؟
نعم، قد نعلم أنَّ العدوَّ سيقصف المستشفى فور افتتاحه، وقد رأينا البيوت تُنسف بعد دقائق من تأثيثها، والمدارس تُدكُّ وهي تحمل فوق جدرانها شعارات اليونسكو. لكن، هل نملك ترف التوقُّف؟ هل يجوز أن نربط أداء واجبنا باحتمالات الاستمرار؟
لو كان الأنبياء يفكِّرون بهذه الطريقة، لما دعا نوحٌ قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما أقام إبراهيم صرح التوحيد في أرضٍ يُلقى فيها في النار، وما شقّ موسى البحر بقومٍ لا يحملون من مقوّمات النصر شيئًا.
إنَّ بناء مدرسة في غزَّة ليس مشروعًا هندسيًّا فقط، بل هو إعلانُ موقف، ونحتٌ لمعذرةٍ خالدة بين يدي الله: “يا ربّ، لم نكن قادرين على كسر طيران العدوِّ، لكنَّنا حاولنا أن نمسح دمعة طفل، أن نطعم جائعًا، أن نُعيد زرع شجرة في الحديقة المقصوفة، لعلَّها تُثمر في عينك يا الله، لا في أعين الإعلام”.
وكذلك، فإنَّ حملات كسر الحصار، وإرسال المساعدات، وتنظيم القوافل الغذائيَّة والطبيَّة، وإن وقفت عند المعابر، وإن جُمِّدت على الحدود، وإن أُرجعت خالية، فإنَّها معذرةٌ إلى الله.
إنَّ بناء مدرسة في غزَّة ليس مشروعًا هندسيًّا فقط، بل هو إعلانُ موقف، ونحتٌ لمعذرةٍ خالدة بين يدي الله: “يا ربّ، لم نكن قادرين على كسر طيران العدوِّ، لكنَّنا حاولنا أن نمسح دمعة طفل، أن نطعم جائعًا، أن نُعيد زرع شجرة في الحديقة المقصوفة، لعلَّها تُثمر في عينك يا الله، لا في أعين الإعلام”.
وكذلك، فإنَّ حملات كسر الحصار، وإرسال المساعدات، وتنظيم القوافل الغذائيَّة والطبيَّة، وإن وقفت عند المعابر، وإن جُمِّدت على الحدود، وإن أُرجعت خالية، فإنَّها معذرةٌ إلى الله.
فالله لا يسأل عن النتائج بقدر ما يسأل عن النَّوايا والمواقف ومحاولات الكسر والبذل.
ولئلَّا تقف يوم القيامة أمامنا خصيمةُ البطون الجائعة، والضمائر المجروحة، والأكفّ الممدودة دون جواب، فلنعد الكرَّة بدل المرة ألف مرة، ولتكن كلُّ محاولة فاشلة جسرًا لمحاولة تليها، نثبت بها لأنفسنا قبل غيرنا أنَّنا ما استرحنا، وما رضينا، وما سكتنا.
إنَّ المعيار في العمل لأجل غزَّة -أو أيِّ بقعةٍ مستضعفة- ليس عدد ما تمَّ بناؤه، بل عدد مرات الوقوف على باب الله، نحمل فيها حجتنا:
إنَّ المعيار في العمل لأجل غزَّة -أو أيِّ بقعةٍ مستضعفة- ليس عدد ما تمَّ بناؤه، بل عدد مرات الوقوف على باب الله، نحمل فيها حجتنا:
أنَّنا لم نصمت، ولم نرضَ، ولم نقصِّر، وأنَّنا بذلنا السبب حتى لو تساقطت النتائج قبل أن تنضج.
“معذرةً إلى ربكم”… ليست مجرَّد تبرير، إنَّها هُويَّة عمل، ومنهج فعل، وموجّه استراتيجيّ لمن قرر ألَّا يعيش حياديًّا في زمن الظلم. إنَّها الترجمة العمليَّة للآية الأخرى: “لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ”.
ومن أراد أن يُسجّل في دفتر الربّ من “الفاعلين” لا “الآمنين”، فليحمل همّ غزَّة على كتفه، ولو باليسير، وليجعل من كل وسيلة متاحة -إعلامًا أو دعاءً أو مالًا أو حملات توعية أو مشاريع إنسانية- صوتًا يقول لله: لم نخذل، لكن خذلنا العجز.
فلنصنع معذرتنا… حجّتنا… جسرنا إلى السماء.
“معذرةً إلى ربكم”… ليست مجرَّد تبرير، إنَّها هُويَّة عمل، ومنهج فعل، وموجّه استراتيجيّ لمن قرر ألَّا يعيش حياديًّا في زمن الظلم. إنَّها الترجمة العمليَّة للآية الأخرى: “لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ”.
ومن أراد أن يُسجّل في دفتر الربّ من “الفاعلين” لا “الآمنين”، فليحمل همّ غزَّة على كتفه، ولو باليسير، وليجعل من كل وسيلة متاحة -إعلامًا أو دعاءً أو مالًا أو حملات توعية أو مشاريع إنسانية- صوتًا يقول لله: لم نخذل، لكن خذلنا العجز.
فلنصنع معذرتنا… حجّتنا… جسرنا إلى السماء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق