الأحد، 2 أكتوبر 2022

نبضات المحبين (3)

نبضات المحبين (3) 

ظاهرة القرضاوي بين الحركة والأمة

الشيخ يوسف القرضاوي 

رحل العلامة يوسف القرضاوي -رحمه الله تعالى- بعد نحو قرن، وقد امتد به الزمان حتى إنه اعترض -قبل أسابيع من موته- على دعاء أحد جلسائه له بطول العمر؛ لأنه تعب، ولأنه كان في شوق إلى لقاء ربه. وقد أتاح هذا العمر المديد للشيخ أن يجرب كل شيء: كمًّا ونوعًا، شهرةً وخفوتًا، ثناءً وذمًّا، توافقًا واختلافًا، سجنًا وحرية، وأن يجوب أصقاع العالم وأن يُمنع أيضًا من دخول بعض الدول، وأن ينزوي عن المشهد العام منذ انقلاب 2013 في مصر، ليموت بعد نحو 9 سنوات فيما يشبه العزلة.

عاصر الشيخ أنظمة سياسية عديدة: النظام الملكي ونظام ثورة يوليو 1952، ثم الأنظمة اللاحقة مرورًا بثورات ما سمي بالربيع العربي التي كان أحدَ الوجوه البارزة فيها، الأمر الذي سبّب له الكثير من المتاعب في نهاية عمره. وخلال هذا القرن أنجز الشيخ الكثير جدًّا حتى كان -بحق- شيخًا للإسلام المعاصر، وشكّل ما يشبه المرجعية أو "عالِم الأمة" الذي لعب دورًا بارزًا في التحولات الحديثة في الخطاب الإسلامي المعاصر: فقهًا وسياسةً ودعوة وحركةً. وهذه المرجعية التي تمتع بها القرضاوي حالةٌ طارئة على الفكر الإسلامي السني، مكّنه منها استعداداتٌ وإمكانات شخصية من جهة، واستثمار أدوات حديثة (كالنشر والفضائيات والإنترنت وكثرة الأسفار وتشكيل المؤسسات) من جهة أخرى، بالإضافة إلى الدعم السياسي والمالي الذي حظي به في بعض مراحله.

اكتشف القرضاوي في مرحلة لاحقة أن "شمولية الإسلام" من صميم الشريعة التي يتناول علمُ أصولها: الحاكم (خطاب الشارع) والمحكوم عليه (المكلف) والمحكوم فيه (الفعل) ونفس الحكم، وبذلك يتحقق قوله تعالى: "قل إِن صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريكَ له وبذلك أُمرتُ وأنا أوّلُ المسلمين"

ويمكن فهم شخصية الشيخ من خلال ثلاث كلمات مفتاحية، هي: شمولية الإسلام، والأمة، والشريعة. وعلى أساسها سأقدم قراءة مكثفة لتشكل ظاهرة القرضاوي، مراعيًا فيها الجانب التأريخي والتحليلي.

ففيما يخص "شمولية الإسلام"، يُعتبر الشيخ خاتم الإصلاحيين الكبار الذين جسدوا هذه الفكرة، سواءٌ في تكوينه وشخصيته الموسوعية، أم في رؤيته ومشروعه: حركةً وكتابةً، وكلٌّ منهما يَعضد الآخر. وقد يعيد بعضهم فكرة "شمولية الإسلام" إلى الشيخ رشيد رضا في مرحلته الثانية بعد وفاة محمد عبده، وقد يعيدها آخرون إلى إضافات حسن البنا على رشيد رضا. والقرضاوي لا يُخفي تأثره الشديد بالبنا الذي كان أول من عرّفه بفكرة شمولية الإسلام حين استمع إليه وهو في المرحلة الابتدائية، ولكن انضمامه إلى الإخوان المسلمين في المرحلة الثانوية أحدث تحولاً كبيرًا في مسار حياته ووعيه؛ فتحول من "واعظ ديني" إلى "داعية إسلامي" يعمل من أجل "الإسلام الشامل".

ولكن القرضاوي اكتشف في مرحلة لاحقة أن "شمولية الإسلام" من صميم الشريعة التي يتناول علمُ أصولها: الحاكم (خطاب الشارع) والمحكوم عليه (المكلف) والمحكوم فيه (الفعل) ونفس الحكم، وبذلك يتحقق قوله تعالى: "قل إِن صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريكَ له وبذلك أُمرتُ وأنا أوّلُ المسلمين". أي أنه ينقل هذا -بنفَسه الحركي- من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة المتجاوزة للدولة القطرية.

صحيح أن إصلاحية القرضاوي قد تبدو -بالقياس إلى محمد عبده ورشيد رضا- محافظةً، إلا أنها تتصل بها اتصال نسب ومنهج.

فمن حيث النسب، اتصل القرضاوي -في أول نشأته- بحسن البنا الذي تتلمذ على رشيد رضا ثم خلَفه وانتقل من الفكرة المجردة إلى الحركة، ثم تتلمذ القرضاوي على الشيخ محمود شلتوت الذي كان معجبًا بمنهج عبده في التفسير وكتب عنه، كما تتلمذ على جيل شلتوت كمحمد عبد الله دراز الذي كان والده عبد الله دراز من تلامذة عبده، وكتب تعليقًا على كتاب الموافقات للشاطبي بوصية من محمد عبده.

أما من جهة المنهج، فقد تأثر القرضاوي برشيد رضا في التفسير والفتوى، واشتركت إصلاحيته مع إصلاحية مَن قبله في جوانب عدة، منها استعادة مفهوم الأمة، والمواءمة بين الشريعة والحداثة، وتجاوز التقليد المذهبي الفقهي والدعوة إلى الاجتهاد والتجديد، واستعادة فكرة المقاصد أو المصالح، والتوسع باتجاه آراء ابن حزم وابن تيمية. والأهم من ذلك العودة المباشرة إلى النصوص التأسيسية (القرآن والحديث). ولكن عوامل الاشتراك هذه لا تلغي التفاوت الواقع بين الإصلاحيين أنفسهم: قدُراتٍ ومُخرجاتٍ، كما لا تنفي تطورات السياق وتبدل الإشكاليات؛ ففي حين كانت إشكالية عبده ورضا كيف نتقدم كالغربيين، صارت إشكالية البنا ومَن بعده كيف نصون الهوية الإسلامية المهددة على وقع الاحتلال والصراعات الأيديولوجية الدائرة في الداخل. وقد فرض هذا التحولَ تلك التطوراتُ السياسية داخليًّا بالنسبة للدولة، وخارجيًّا في العلاقة مع الغرب الذي صار استعماريًّا بعد سقوط الخلافة.

القرضاوي كان مهجوسًا بفكرة الخلافة الغائبة شأنه شأن سابقيه، ووعى جيدًا -بحكم عمره المديد- مشكلتي الاحتلال (وفي القلب منه قضية فلسطين) والاستبداد (وفي القلب منه الصراع مع الأنظمة لإقامة دولة الشريعة)، وهو الذي سُجن أكثر من مرة ثم اضطر إلى مغادرة بلده وقضى عمره خارجه منذ مطلع الستينيات.

أما فيما يخص مفهوم الأمة، فهو مفهوم مركزي لدى القرضاوي؛ لأنه "المحكوم عليه"، أي أن خطاب الشارع لم يعد موجهًا إلى الأفراد بوصفهم أفرادًا، بل إلى مجموع الأفراد بوصفهم أمة واحدة، وبالرغم من أن البنا كان الشرارة التي قدحت هذا المعنى في نفسه طفلاً، فإنه لا يمكن اختزال القرضاوي في البنا؛ لأنه قد تجاوزه -فيما يبدو لي- من عدة جهات:

ففي حين أن أولوية البنا كانت سياسية بالمعنى المباشر (الدولة التي تقود إلى الخلافة)، اشتد تعذر إقامتها في زمن القرضاوي فحاول أن يقيمها رمزيًّا وعمليًّا بوصفها جماعة متخيلة متجاوزة لأطر الدول القطرية. وفي حين بقي البنا محصورًا في إطار الحركة والتنظيم، فإن القرضاوي قد خرج -في نشاطه وحجم تأثيره- من ضيق الحركة إلى سعة الأمة، فاستعفى من العمل التنظيمي الإخواني في أواخر السبعينيات، ورفض تولي منصب المرشد العام للإخوان المسلمين مرتين، وكان لافتًا أن سبب رفضه في المرة الثانية هو أنه يريد أن يكون مرشدًا للأمة لا مرشدًا للجماعة، وقد اشتد وعيه بتجاوز الحركة إلى الأمة في الثمانينيات والتسعينيات. وإذا كان البنا قد وضع أطرًا حركية، فإن القرضاوي حاول أن يضع أطرًا متجاوزة للحركة استطاع بها أن يخترق التيارات الإسلامية المتعددة، إذا استثنينا النقد السلفي المبكر لكتابه "الحلال والحرام"، مع ما تمتع به من شخصية تصالحية داخليًّا (أعني في الدائرة الإسلامية عموما) وخارجيًّا (أعني خارج الإسلام وخاصة المسيحية واليهودية غير الصهيونية).

فالقرضاوي كان مهجوسًا بفكرة الخلافة الغائبة شأنه شأن سابقيه، ووعى جيدًا -بحكم عمره المديد- مشكلتي الاحتلال (وفي القلب منه قضية فلسطين) والاستبداد (وفي القلب منه الصراع مع الأنظمة لإقامة دولة الشريعة)، وهو الذي سُجن أكثر من مرة ثم اضطر إلى مغادرة بلده وقضى عمره خارجه منذ مطلع الستينيات.

وبفضل وعيه بالاحتلال والاستبداد، كانت فلسطين قضية مقدسة لديه، وتورط من أجلها في شرعنة العمليات الاستشهادية، الأمر الذي سبّب له مشكلة سياسية، ولكنه عاد واعتبرها لاحقًا عمليات مصلحية، وأن جوازها مرهون بتحقيقها للمصلحة. كما أنه تجاوز الأطر المؤسسية الدينية التقليدية التي سيطرت عليها دولة ما بعد الاحتلال، والتي ارتهنت إلى الحلين الاشتراكي والرأسمالي أثناء الحرب الباردة، وهنا تبلور لديه لاحقًا -في 2004- فكرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أراده بديلاً رمزيًّا ومظلة مرجعيّة جامعة تعوّض الخلافة التي كانت تعبر -تاريخيًّا- عن الوحدة المرجعية والسياسية للأمة المسلمة.

أما بخصوص الشريعة، وهي الكلمة المفتاحية الثالثة في شخصية القرضاوي، فقد شكلت عصبَ رؤيته وحياته، ووسمته بالسمة الفقهية المُجدِّدة بالمقارنة مع مشايخ عصره، كما أنه تجاوز فيها البنا الذي كان مهجوسًا بفكرة "دولة الشريعة" إلى إطار أوسع من فكرة الدولة، وهو ما جعله في تصور بعض المستشرقين يجسد ظاهر "المفتي العالمي" (Global Mufti). وقد برز منزعه الفقهي مبكرًا في قريته ثم تطور لاحقًا متأثرًا بسيد سابق صاحب "فقه السنة" الذي لقي نقدًا من قبل فقهاء التقليد المذهبي وقدم لكتابه حسن البنا، مرورًا بكتاب "الحلال والحرام" والكتب الفقهية اللاحقة، ومنها أطروحته للدكتوراه في "فقه الزكاة" التي ناقشها في قاعة الشيخ محمد عبده في الأزهر مطلع السبعينيات.

الأفق العام للشيخ هو إعادة الشريعة إلى الفضاء العام الحديث (السياسي والاجتماعي) داخل دول ما بعد الخلافة، وقد وضعه هذا في موقف احتجاجي على "إسلام الأنظمة" التي حاولت صياغة إسلام يتواءم مع مقتضيات الدولة القطرية ونظمها الحاكمة، ومن ثم سيطرت على المؤسسات الدينية والفضاءين السياسي والاجتماعي. في المقابل شكل الفضاء الأوروبي فضاءً رحبًا لتوطين الوجود الإسلامي فيه بدءًا من أواخر السبعينيات وصولاً إلى إنشائه مجلس الإفتاء الأوروبي (1997)، حيث تحول الوجود الإسلامي في الغرب من فكر ضرورة -بالمعنى الفقهي- إلى ضرورة بالمعنى الحركي والدعويّ.

والمراقب لمسار الشيخ الفقهي يلحظ فيه تطورًا من مرحلة "ابن القرية والكتّاب"، ثم تأثره بالشيخ البنا، ثم مرحلة الأزهر وتأليف "الحلال والحرام"، مرورًا بـ"فتاوى معاصرة" (1991) و"الشريعة والحياة" (1996)، وصولاً إلى حقبة الثورات العربية. فانشغالاته الفقهية التي بدأت تقليدية، سرعان ما امتزجت بالاهتمامات الحركية، وتجاوزتها في بعض الأحيان، ولكنه عاد في أواخر حياته إلى بعض الاهتمامات التقليدية (الآداب، وفقه الصلاة، وأجزاء من التفسير ليس فيها ما هو مميز). ومن الواضح أن نشاط الشيخ وحركته أثرت في فكره وبالعكس؛ فمع تشكل مرجعيته في أخصب مراحل حياته -في الثمانينيات والتسعينيات- تمتع بمرونة وذكاء مكّناه من استثمار الأفكار والوسائل الحديثة (خاصة الفضائيات والإنترنت)، وتبني الاقتراحات التي كان يطرحها عليه بعض زملائه أو بعض الشباب من حوله، فضلاً عن قدرته على استثمار موضوعات المؤتمرات والمحاضرات التي كان يُدعى إليها -بكثافة- خلال هذه المرحلة.

أما من جهة المنهج الفقهي، فقد مكّنته انشغالاته الحركية وتشكل مرجعيته من تعزيز نزعة عملية، هي نزعة فقهية بالأساس، ولكنه تحرر من أطر التقليد المذهبي؛ تأثرًا بالشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله لينهل من عموم الإرث الفقهي ويتبنى التيسير عبر انتقاء ما يراه ملائمًا لأغراضه العملية من التراث الفقهي الواسع، وما هو أوفق للمصالح التي يقدرها سواءٌ للحركة أم للأمة (يختلط الأمر لديه أحيانًا).

وقد لحظ عبد الحليم أبو شقة أواخر الثمانينيات أن فتاوى القرضاوي تختلف عن فتاوى الشيوخ التقليديين من حيث إنها فتاوى مدللة لا تتعصب لمذهب، وتعيش واقع الناس، وتذكر الحكم مقرونًا بحكمته، وتخاطب العقل المعاصر. وفي رأيي أنه امتزج لدى القرضاوي الفقهي بالدعوي، الأمر الذي ربما حمل له انتقادات بعض أهل الصنعة الفقهية حيث رأوا فيه داعية أكثر من كونه فقيهًا بالمعنى التقليدي.

تيسير الشيخ الانتقائي (الذي ربما أوقعه في عدم الاتساق أحيانًا)، كان محكومًا بفكرة توكيد مرجعية الشريعة الرحبة التي لا تصطدم بالعصر، وهو ما بدأ به "الحلال والحرام" الذي كتبه لمسلمي الغرب أصالة، وحاول فيه توسيع دائرة الحلال في تناول المستجدات الحديثة كاللباس والموسيقى والفنون وغيرها، في مسلك أشبه بمسلك ابن حزم في توسيع المباح، وإن كان الشيخ لا يطرد في ذلك، فله فيه خيارات مُشدِّدة في حين أننا نجد في التراث الفقهي آراء رحبة لم يجر فيها على طريقته في انتقاء الأيسر، أي أن القرضاوي وسع دائرة الفقه خارج الآراء السائدة ليستوعب الحياة، ولذلك يغلب عليه أنه لا يقول بمسألة ليس له فيها إمامٌ يحتمي به، ولو من خارج المألوف أو السائد.

لم يشكل الخطاب الإصلاحي لدى عبده ورضا التيار الرئيسي (main stream)، وإن تمتع بتأثير قوي، إذ التيار الرئيسي كان ممثلاً في التيار المحافظ الذي تمثله المؤسسات الدينية الكبرى وممثلوها. ولكن أهم منجزات القرضاوي تحويله الخطاب الإصلاحي -في صيغته "القرضاوية"- إلى خطاب شعبي "عالمي"، وقد برز ذلك منذ السبعينيات وما بعدها، حيث تصدى لقضايا العصر كتوسيع دائرة الحلال، والمواءمة بين الشريعة والحداثة، وترشيد الصحوة الإسلامية، ومجابهة ظاهرة الغلو في التكفير، ونقد جماعات العنف وفكر سيد قطب، ومجابهة الحلين الاشتراكي والرأسمالي، والسجال مع دعاة العلمانية، والمساهمة في البنوك الإسلامية، وغير ذلك، وكل هذا عزز من تشكل مرجعيته في الثمانينيات والتسعينيات، وقد تُوجت ببرنامج الشريعة والحياة عبر الجزيرة (1996) وموقع إسلام أونلاين على الإنترنت (1998)، وبالمؤسسات التي أنشأها بعد ذلك مما سبقت الإشارة إليه.

ولكن مع تشكل مرجعيته في الثمانينيات، بدا خطابه أكثر تصالحًا مع الغرب، وخاصة في مرحلة التسعينيات التي ساد لديه فيها توجه نحو تقوية الوجود الإسلامي في الغرب بعد انتهاء الحرب الباردة وخفوت التيارات الأيديولوجية والتقارب الإسلامي القومي، في حين أنه كان حاد النبرة في سلسلة "حتمية الحل الإسلامي" التي بدأت في 1970، وفي صراعه مع العلمانيين مطلع الثمانينيات، وهذه النزعة السجالية كانت سمة سائدة لدى معاصريه في تلك الفترة من مختلف الأطراف.

يوضح هذا المسار الفكري التاريخي لشيخ الإسلام المعاصر حجم المناكفة السياسية والضحالة الفكرية التي يتمتع بها خصومه اليوم في الثورة المضادة؛ إذ أرادوا أن يختزلوه في "الإخواني" فوقعوا في تناقضات فجة، ألخصها في أمور:

الأول: تجاهل هذه المعطيات والوقائع التي امتدت عبر نحو 7 عقود، بل كانوا هم أنفسهم فيها له من المؤيدين والمتعاطين مع مرجعيته، فالشيخ خرج من ضيق التنظيم إلى سعة الفكرة، بل إن التنظيم نفسه لم يكن له كبير دور في صناعة القرضاوي الذي شكا هو نفسه من إهماله له ومن فقره الفكري وعدم عنايته بالعلماء.

الثاني: كان للشيخ تقليد إنساني دائم يحرص فيه في برنامج "الشريعة والحياة" على تقديم العزاء في عامة الشخصيات العامة التي تموت، وقد رثى فيه الكثيرين جدًّا ما بين (1996-2013)، في حين أن بعض أصدقائه بالأمس وخصومه اليوم لم يجرؤوا على مجرد كتابة كلمة في وداعه؛ لأن ما يحركهم هو أفق الدولة القطرية ورغبات النظم السياسية، ومن ثم فقدوا الحرية حتى ممارسة نشاط إنساني طبيعي! وإلا فما معنى أن ينعى شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب -مثلاً- ملكة بريطانيا ويصمت تماما عن القرضاوي ابن الأزهر والشخصية المصرية الأبرز في التاريخ الحديث؟

الثالث: أن رثاء الشيخ لبابا الفاتيكان في برنامج الشريعة والحياة سبّب له انتقادات واسعة، وهو الذي استوسع رحمة الله، في حين أن من يزعمون السماحة والدعوة إلى السلم من خصومه ضيقوا رحمة الله حتى إنها لم تشمل القرضاوي وخصوم الأنظمة التي يدورون في فلكها!

حاولت أن أقدم هنا قراءة فكرية تاريخية للقرضاوي بوصفه علامة بارزة على تطورات الفكر والفقه والسياسة، مع بعض الإشارات النقدية التي يحتملها السياق، وإن كانت كتاباته في علوم الشريعة ونشاطه خلال الثورات العربية يحتاج إلى نقاش نقدي مفرد. رحم الله الشيخ وعوّض هذه الأمة خيرًا.

التجربة التي عمَّقت فهمي للشريعة وخبرتي بالحياة

أ. خديجة بن قنة 

تاريخ النشر: السبت, 02/19/2022 

رنَّ الهاتف مسجِّلا على شاشته الصغيرة اسم المدير العام لقناة الجزيرة وضاح خنفر. وكانت فاجعة رحيل الزميل ماهر عبد الله مقدِّم برنامج «الشريعة والحياة» في حادث سيارة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2004م لا تزال جراحها لم تندمل بعد في قلوبنا. وسألني المدير العام إن كنت أرغبُ في تقديم برنامج «الشريعة والحياة»، ورددت فورًا: هل تراني جديرة بالجلوس أمام قامة عالمٍ بحجم ووزن العلامة الدكتور يوسف القرضاوي؟!

لم يكن معهودًا حينها إدارة النساء لبرامج دينية في الفضائيات العربية، وكان للشيخ يوسف هيبته ووقاره، ولم يكن في رصيدي من زاد المعرفة الدينية ما يشجعني على خوض التجربة.

دخلتُ الاستوديو في شهر سبتمبر من عام 2004م لتقديم البرنامج مرتبكة خَجْلَى، وكان واضحًا لعيْن الرقيب المتمرِّس أن بداياتي في البرنامج افتقدت عنصر الجرأة، التي تستدعي ما يُعرف عند الإعلاميين بـ «الاتصال البصري المباشر»، فقد كانت جُرأتي تصطدم بهيبة العالِم، كلما حاولتُ النظر إليه وجها لوجه.

مع الوقت بدأتُ أدخل في جلباب البرنامج الذي كان يحتل فيه فضيلة الشيخ القرضاوي دور البطولة المطلقة، بسعَة علمه، ورحابة أفُقه، وتبحُّره في مواضيعه. وكان الشيخ يوسف هو الركن الأصيل الثابت في البرنامج، بينما كان المذيعون المقدِّمون، ضيوفًا يتغيرون حسب مقتضيات العمل.

وكان فضيلة الشيخ القرضاوي يستقطب شرائح عريضة من الجمهور إلى برنامجه. وكان ذلك موثَّقا بنِسَب المشاهدة العالية التي كان يحظى بها «الشريعة والحياة»، في عمليات رصد اتجاهات الجمهور.

وكان الناس يتداولون حلقات البرنامج على أقراص مدمجة قبل أن يشهد الإعلام ثورة التكنولوجيا الحديثة، ويروج استعمال النواقل الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مثل: يوتيوب وتويتر وفيسبوك.

كان الشيخ حريصًا على مبدأ التنوع في اختيار المواضيع، وكان للإسلام السياسي والممارسة السياسية والديموقراطية نصيب من النقاش، رافقته دومًا دعوتُه الحركات الإسلامية للتقويم والمراجعة الذاتية.

لم يكن الدكتور يوسف القرضاوي محتكِرًا للنقاش في برنامجه، فقد اتَّسع صدره لاستيعاب مداخلات كثيرة من الضيوف، من المفكرين والعلماء الذين قدَّموا رؤى ووجهات نظر تتفق أحيانًا مع رؤيته، وتختلف أحيانًا أخرى معها.

ومثلما اتسع أفق الشيخ لاحتواء علماء ومفكرين اختلفوا معه في الرأي؛ اتسع أفقه أيضًا لاحتواء كل المواضيع المطروحة على الساحة بلا استثناء، إذ لا أذكر أنه اعترض يومًا على فكرة أو موضوع مهما كانت درجة حساسيته.

كانت حواراتي مع الشيخ القرضاوي في «الشريعة والحياة» تجربةً لا تُنسَى؛ أثرتْ بها حياتي، وأسعدتْ قلبي، وعمَّقت فهمي للشريعة وتجربتي في الحياة. كما أثرتْ وأسعدتْ ملايين من مشاهدي قناة الجزيرة في كل أرجاء العالم. ولو لم تتضمن حياتي الإعلامية سوى تلك الحوارات الممتعة المفيدة مع العلامة الشيخ القرضاوي لاعتبرتُها كافية.

.......

* أ. خديجة بن قنة مذيعة في قناة الجزيرة ومقدمة برنامج «الشريعة والحياة» سابقًا

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».

مع القرضاوي في «الشريعة والحياة»

الحلقة الأولى من الشريعة والحياة عام 1996

أ. حمد الشيخ

كان ذلك أول برنامج يُبث مباشرة على الهواء عبر شاشة «الجزيرة»، وتُفتح فيه قنوات الاتصال أمام الجمهور، ليطرحوا على الشيخ أسئلتهم.

أمضيت بصحبة الشيخ تسعة أشهر، قبل أن تأخذني الأخبار في تيارها الجارف، الذي غالبته منذ أيامي الأولى في دنيا الصحافة. ثم انتقلت المهمة لغيري.

وقد تبيَّن لنا منذ الحلقات الأولى: أن البرنامج حقق الهدف المرجو منه، وحاز شعبية واسعة، سواء في بلدان الوطن العربي، أو بين الناطقين بالعربية في بلاد الغرب. وظل البرنامج الأكثر مشاهدة بين برامج الجزيرة.

لقد كان ظهور الشيخ على شاشة الجزيرة بمثابة نقلة فاصلة فيما قد نسميه «إعلام الفكر الإسلامي»، وإني لأعتقد جازمًا: أن ما قدمه الشيخ من فكر ورأي في برنامج الشريعة والحياة، يستحق من تلامذته وغيرهم الدراسة العميقة، ولا تكفي عشرات شهادات الدكتوراه للإحاطة به.

......

* أ. أحمد الشيخ مستشار رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».



نبضات المحبين (1)




السبت، 1 أكتوبر 2022

بين مهسا وبوعزيزي

 بين مهسا وبوعزيزي

 أخر كلام

حسن العيسى

في عام 1958 أحرقت مجموعة بسيطة من الفتيات بالكويت عباءاتهن، ولم يكن حرق العباءة في ذلك الوقت تعبيراً عن رفض قانون ملزم يفرض الحجاب «البوشية» والعباءة، بل كان حركة رمزية ضد نهج عادات وتقاليد قديمة متوارثة تكاد تكون في حكم إلزامية القانون، وكان حرق العباءة عملاً بسيطاً يرفض «الثوابت» الأبدية للعادات، فالزمن يمضي إلى الأمام، والتغيير والتطور هما سنّة الكون، يستحيل تغيير مساره أو تعديله، وقد تحدث انتكاسات رجعية بين الوقت والآخر، لكن النهاية هي حتمية حركة التاريخ.

85 مدينة إيرانية تجتاحها تظاهرات عنيفة يقودها شباب من الجنسين ضد ممارسات الشرطة الدينية التي سجنت الفتاة الإيرانية الكردية مهسا أميني، التي لم تكن ترتدي الملابس التي تفرضها سلطة الملالي بالقهر القانوني (لم تضع الشادور أو لبست بنطلوناً)، ماتت مهسا أثناء الاعتقال بسبب سوء المعاملة، أو ربما لمرض قديم كانت تعانيه زاد منه حالة القهر النفسي.

المتظاهرات حرقن الحجاب وقصصن شعورهن تحدياً للسلطة. 

حالة بطولية رائعة يتمتع بها هذا الشعب الذي تجاوز في ثوريته ووعيه النظام الحاكم في الجمهورية الإيرانية، رغم كل قيود القمع التي يمارسها النظام، والتي منها محاولاته لحجب مواقع التواصل الاجتماعي واستعمال القوة.

بعض الجرائد الأجنبية قارنت حالة وفاة مهسا بقيام التونسي محمد البوعزيزي بحرق نفسه في تونس عام 2010، احتجاجاً على تعسف الشرطة ونظام الحكم الدكتاتوري لزين العابدين، وكانت تلك الشرارة التي انطلق منها الربيع العربي، وهي تسمية مقلقة مقيتة عند معظم أنظمة الحكم العربية في ذلك الوقت وحتى الآن، وانتهى هذا الربيع بتدخلات خارجية وتفجُّر كيانات طائفية وحروب أهلية ومآسٍ كبيرة، لكن يبقى هناك وجه شبه كبير بين مهسا وبوعزيزي في أنهما يمثّلان الرفض الإنساني لكل أنواع القهر؛ سواء كان من السلطة السياسية أو السلطة الاجتماعية حين تستغلها الأولى لإحكام قبضتها على الحكم.

إذا كانت الثورات تندلع بفعل أعمال شجاعة من أفراد، حسب تعبير «الإيكونوميست»، فقد يكون موت مهسا الشرارة لثورة سياسية - اجتماعية في إيران، وهذا يوم بعيد أمام قوة وبطش السلطة الدينية هناك، لكن يظل حرق «الشادور» عملاً ثورياً بمعنى الكلمة وليس رمزياً، وإذا حدث مثل هذا التغيير الثوري في أمة عريقة مثل إيران، فسيقود حتماً إلى تغيرات كبرى في المنطقة.

الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية.. المجتمع المصري أنموذجاً

الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية.. المجتمع المصري أنموذجاً

تحرير: الهيثم زعفان

هذه الدراسة التي شرفت بالعمل ضمن فريقها البحثي والإشرافي في مراحلها التخطيطية والتنفيذية والنقاشية والتحريرية ونشرت بعنوان «الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية- المجتمع المصري أنموذجاً»

هي محصلة مشروع بحثي وميداني موسع وخلاصة مجموعة من ورش العمل ولقاءات العصف الذهني ومناقشة وتحكيم الجهود البحثية التي حاول الفريق البحثي من خلالها رصد الأصول الفكرية التي يرجع إليها الفكر النسوي الغربي والحركة النسوية القائمة عليه.

ومعالجة تساؤلات من قبيل:

ما المردود الحقيقي لهذه الحركة النسوية في مجتمع المسلمين بعيداً عن ضجيج الألفاظ الفخمة والصياح العالي؟

وما الذي تقدمه هذه الحركة حقاً للنساء؟

وما القضايا المحورية التي تريد تلك الحركة الوصول لتحقيقها، بعيداً عن القضايا الفرعية الهامشية التي تستخدم لتسهيل ما بعدها؟

وغيرها من التساؤلات المرتبطة بالمرأة المسلمة ومحاولات خلخلة هويتها الإسلامية.

لتتم المعالجة البحثية لتلك التساؤلات وفق المنهجية العلمية في الرصد والتحليل، وعبر توثيق الطرح من خلال المصادر الأولية للقائمين على الحركة النسوية.

اسم الدراسة: (الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية.. المجتمع المصري أنموذجاً)).

المؤلفون: الدكتور خالد قطب- الهيثم زعفان – محمد فخري- مايسه مرزوق – محمد شاكر الشريف.

تحرير: الهيثم زعفان. الناشر: مجلة البيان. عدد صفحات الكتاب: ٢٩٥ صفحة.

جاء الفصل الأول بعنوان

«الفكر النسوي وثنية جديدة» حيث يغوص هذا الفصل في أعماق العقل النسوي الموجه للحركة النسوية العالمية،

ليستخرج الفكر المكون لهذا العقل وأسسه وجذوره ومضامينه وموقفه من الرسالات السماوية ومستقبله،

كما يكشف عن مدى ارتباطه بالوثنية، وطبيعة العبادة الجديدة التي استحدثها هذا الفكر؛ والتي يرى أنها كانت تمثل العبادة الأولى للبشرية.

ويحاول الفصل الثاني الذي جاء بعنوان:

«المجتمع المصري بين الحركة النسوية والمنظمات غير الحكومة»

توضيح الآلية التي تنتقل بها تلك الأجندة إلى المجتمع المصري، من خلال تفكيك تلك الآلية لفهم استراتيجيتها داخل المجتمع وعلاقتها بالسلطة وطبيعة القائمين عليها والأدوار التي تقوم بها في مصر من أجل تطبيق تلك الأجندة.

ويعد الفصل الثالث

«قراءة في فاعليات الحركة النسوية المصرية» قراءة في الفاعليات التي تجريها المنظمات الأهلية في مصر،

سواء كانت غير حكومية أو شبه حكومية، تلك الفاعليات المتمثلة في المؤتمرات والندوات وورش العمل والدراسات التي تجريها تلك المنظمات،

ليصل بنا هذا الفصل إلى العديد من الحقائق التي توضح تطابق الخطاب المحلي مع الخطاب الدولي والتي يحاول البعض أن يوضح أنها نابعة من ثقافتنا وليست مفروضة علينا.

ويحاول الفصل الرابع

«الفكر النسوي وتشكيل الخطاب السياسي» توضيح دور الفكر النسوي في تشكيل الخطاب السياسي المحرك للسلطة الفوقية،

وذلك من خلال توضيح كيفية صناعة خطاب سياسي نسوي،

ويذهب الفصل إلى تشكيل خطاب السيدة الأولى من خلال أنموذج السيدة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية.

وجاء الفصل الخامس بعنوان

«الآليات السياسية والتشريعية للحركة النسوية في مصر» حيث حاول هذا الفصل إلقاء الضوء على كيفية توظيف الشخصيات التي تم تشكيلها للآليات السياسية والتشريعية،

من أجل تهيئة المناخ للوصول لمواقع صنع القرار، كما يشير إلى ما حققته من تغييرات داخل المجتمع المصري على المستويين السياسي والتشريعي.

في الفصل السادس

والذي جاء بعنوان «التمويل الأجنبي وأجندة الحركة النسوية»

وحيث يتبادر إلى ذهن القارئ جملة من التساؤلات من قبيل: من أين تأتي الأموال المحركة لكل ما سبق؟ وماهي طبيعتها؟ ولماذا يمنّ الغرب علينا بها؟

وهل تحمل في طياتها أهدافاً تضر بمصالح العالم الإسلامي بصفة عامة ومصر بصفة خاصة؟

وهل هناك بالفعل مجموعة من الأرقام التي يمكن رصدها في هذا الصدد؟ تساؤلات حاول هذا الفصل التصدي لها.

وجاء الفصل السابع والأخير تحت عنوان

«مدافعة الفكر النسوي الضال» والمنطلق من فرضية أنه إذا كان الفكر النسوي الضال يهدف من خلال أجندته الخاصة إلى خلخلة العقائد والشرائع وأعراف الأمة،

فهل يترك ليعيث في الأرض فساداً من غير مدافعة؟ لذا عقد هذا الفصل لوضع بعض البدائل والتصورات في كيفية المدافعة.

ملحق المصطلحات

لينتهي الكتاب بـ«ملحق المصطلحات» ومنها نذكر: المرأة الجديدة، وثنية، الرجل الجديد، اغتصاب الزوجات، العنف ضد المرأة، الزواج، الصحة الانجابية وغيرها من المصطلحات المرتبطة بأطروحات الحركة النسوية العالمية.

روابط تحميل الدراسة:

الرابط الأول

الرابط الثاني

نبضات المحبين (2)


نبضات المحبين (2)

 كلمات وفاء للمرحوم الشيخ يوسف القرضاوي



الشيخ رائد صلاح

الشيخ رائد صلاح

ضمّت مكتبة المرحوم الشيخ يوسف القرضاوي أكثر من مائة كتاب كتبها بقلمه، ومن خلال قراءتي لبعض هذه الكتب، أستطيع أن أقول إن ما ميَّز هذه المكتبة ما يلي:

1- هي مكتبة فكرية وعقدية وفقهية وأدبية، واستشراف للمستقبل.

2- قامت هذه المكتبة على خطاب التفاؤل والتأكيد الدائم أن المستقبل للإسلام، وأنَّ القرن القادم هو قرن الأمَّة الإسلامية، وأننا على أبواب خلافة راشدة على منهاج النبوة تملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، ولا بقاء لظلم أبدي ولا لباطل أبدي.

3- هي مكتبة وسطية جمعت بين التمسك بالأصول وفهم الواقع، ثمَّ صياغة الفتوى على ضوء هذا الجمع بينهما، وبهذه الوسطية أصبحت هذه المكتبة مرجعا لكل مسلم ومسلمة ولكل أسرة مسلمة في كل الأرض.

4- هي مكتبة قامت على التضافر بين ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية، فلا يمكن أن تتصادم هذه الأصول الثلاثة، بل تكمل بعضها على صعيد دائرة الأمة الإسلامية والعروبة والوطنية الفلسطينية، ومن يسعى الى اختلاق تصادم بين هذه الأصول الثلاثة، فسعيه مردود عليه، ومن يسعى تقديم العروبة كبديل عن دائرة الأمة الإسلامية أو تقديم الوطنية الفلسطينية كبديل عن العروبة، فسعيه مردود عليه.

5- لذلك فقد سعت هذه المكتبة طوال الوقت، للحديث عن قضية فلسطين كقضية كل الأمة الإسلامية، وكقضية كل العالم العربي إلى جانب كونها قضية الشعب الفلسطيني، لأن هذه القضية تجمع بين هذه الأصول الثلاثة الإسلامية العروبية الفلسطينية.

6- نجح المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي بواسطة مكتبته الجامعة المانعة، أن يقدم المشروع الإسلامي كبديل حضاري لكل أهل الأرض يسعى إلى إفشاء العدالة الاجتماعية العالمية، والسلام العالمي والكرامة الإنسانية العالمية، والحرية الراشدة العالمية، من خلال حكم إسلامي ذي سيادة وسلطان ومنعة على منهاج النبوة يملك القدرة على تجديد دوره الحضاري الذي كان، ويملك القدرة على الإبداع التكنلوجي واستثماره من أجل سعادة البشرية ورقيها، بعيدا عن جشع النظم الأرضية بمسمياتها المختلفة التي تعمل اليوم على تكريس هيمنتها وقهرها وعلوها في الأرض وجر الشعوب لفوضى الحروب وتجارة السلاح والتلاعب بخيرات الأرض ومناخها وكنوزها المدّخرة التي خلقها الله تعالى نعمة لا تحصى لهذه البشرية المتعثرة المترنحة في هذه الأيام.

7- لذلك فقد نجحت هذه المكتبة الجامعة المانعة، أن تقف بالمرصاد لكل من حاول أن يحرّف الفهم السليم للمشروع الإسلامي بادّعاء الانتصار لهذا المشروع، ولذلك لم تهادن هذه المكتبة الجامعة المانعة من تبنوا خط التكفير لغيرهم من دعاة المشروع الإسلامي وأبنائه، بكل المسميات القديمة والجديدة لأتباع هذا الخط التكفيري الذين غالى بعضهم وولغ في دماء المسلمين وأزهق أرواحهم، واستباح نهب ممتلكاتهم.

8- نجحت هذه المكتبة الجامعة المانعة أن تثري الحركة الأدبية بعدد من الدواوين الشعرية والمسرحيات الهادفة، مثل مسرحية (عالم وطاغية)، وكما يعلم الجميع فقد تحولت الكثير من قصائد هذه الدواوين إلى أناشيد تتردد على ألسن الكثير من فرق النشيد الإسلامي الملتزم، ولا تزال تتردد حتى الآن، على ألسنتنا جميعا، 

فمن منّا لم يردد ذات يوم:

مسلمون مسلمون مسلمون 
                        حيث كان الحق والعدل نكون

نرتضي الموت ونأبى أن نهون
                           في سبيل الله ما أحلى المنون

ومن منّا لم يردد ذات يوم:

تالله ما الدعوات تهزم بالأذى 
                         أبدا وفى التاريخ بر يميني

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي 
                         بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكريَ ساعة  
                               أو نزع ايماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدى 
                          ربي وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصما بحبل عقيدتي 
                         وأموت مبتسما ليحيى ديني

9- وأرى من الضروري أن أؤكد أن هذه المكتبة الجامعة المانعة، لم تكن مجرد مكتبة جامدة، ولم تكن مجرد حبر على ورق، بل اجتهد فضيلة المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي أن يترجم كثيرا من الطروحات في هذه المكتبة إلى مشاريع عملية نابضة بالحياة، وإن سيرته الطويلة العريضة تؤكد لنا ذلك، فهو الذي وضع اللبنة الأولى لجامعة قطر، وهو الذي وضع الأسس المتينة التي قامت عليها كلية الشريعة في قطر، وهو الذي أسهم ببناء الصروح العلمية في ماليزيا والجزائر، وهو صاحب فكرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولعل ما نجهله هو أكثر مما نعرفه.

10- جعل المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي من مكتبته كبساط الريح الذي تجوّل به وأوصله إلى موقع كل جرح في مسيرة أمتنا الإسلامية وعالمنا العربي إلى جانب حمل هموم القضية الفلسطينية، فكان كالطائر الميمون أينما سقط لقط، وأينما حلّ حلّت ديمات الخير فسقت وأروت، ولذلك فقد التقيت به في مواقع شتى حول هموم شتى عندما كان غير محظور الالتقاء به والحديث معه..

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، التقيت به في مؤتمر إسلامي عالمي لنصرة المسلمين في البوسنة والهرسك بعد المأساة التي حلّت عليهم، وقف من ورائها سفاحو الصرب ومن ساندهم من القوى الصليبية الغربية والشرقية، والتقيت به في مؤتمر إسلامي في لندن قامت عليه مؤسسة الدراسات الإسلامية برئاسة البروفيسور عبد الفتاح العويسي، وكانت رسالة ذاك المؤتمر نصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين، والتقيت به في احتفالية فتح القسطنطينية في إسطنبول خلال الأيام المباركة التي تعرفنا فيها على المرحوم البروفيسور نجم الدين أربكان..

والتقيت به في مؤتمر عالمي لنصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين في إسطنبول، قامت عليه لجنة القدس الدولية، والتقيت به في المؤتمر السنوي للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في القاهرة، حيث كان يقف على رأس ذاك المجلس المرحوم شيخ الأزهر جاد الحق جاد الحق. ثمَّ انقطع التواصل مع المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي بعد أن حظرت ذلك المؤسسة الإسرائيلية، ولذلك وبناء على هذا الحظر فقد كانت إحدى بنود اتهامي في ملف (رهائن الأقصى) الذي بدأ عام 2003مـ، أنني قلت عبر الهاتف بمناسبة عيد الأضحى المبارك للمرحوم العلامة الشيخ القرضاوي: كل عام وأنتم بخير.

11- وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول: أسأل الله تعالى أن يرحم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وأن يكرمه بالجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثمَّ أعزي نفسي وأعزي الأمة الإسلامية والعالم العربي وشعبنا الفلسطيني بوفاته.

 المصدر: موطني48، 30-9-2022


نجم العلماء والدعاة


د. طارق سويدان
تاريخ النشر: أحد, 02/06/2022 

النجومية علم حديث، يمكن من خلاله تدريب الشباب ليكونوا رموزًا على مستوى الأمة، وقد ألَّفتُ فيه ودرَّسته لسنين، لكني لا أجد أفضل من أن يرى الشباب النجومية متمثلة في مثال عملي يرونه أمامهم، ولا أجد بين الأحياء اليوم أفضل من أستاذي وقدوتي د. يوسف القرضاوي، نجم الدعاة والعلماء.

النجومية هي الشهرة التي تتجاوز الحدود في مجال معين، واليوم العالم كله لا يعرف أشهر من د. يوسف القرضاوي نجمًا للعلماء والدعاة.

النجومية لها قيم أخلاقية وإيمانية ونفسية، تحفظ النجوم من سلبيات الشهرة، وخاصة الغرور.

وباحتكاكي لسنين طويلة، ومنذ كنت طالبًا في أمريكا أدير المؤتمرات التي شارك بها أستاذنا د. يوسف القرضاوي، وبعد ذلك من خلال المشاريع والمؤتمرات المستمرة؛ رأيت فيه قيم التواضع والإيمان، مع الثقة بالنفس، والشجاعة في المواقف، ورأيت فيه الثبات على الحق، والرجوع للحق عند الخطأ، ورأيت فيه حسن الاستماع، حتى لتلاميذه وصغار السن، ورأيت فيه المنهجية في التفكير، والوضوح في الطرح، ورأيت فيه حرصًا عاليًا على الأمة، ونهضتها، والدفاع عن قضاياها، وكلها قيم أصيلة تندر عند النجوم.

النجومية تتطلب المهارات اللازمة للعطاء، ود. يوسف القرضاوي متعدد المواهب والقدرات بشكل نادر بين النجوم.

.....

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي»

بعد العطش عثرت على ماءٍ روي!

د. مصطفى بولند داداش*
تاريخ النشر: ثلاثاء, 5/10/2022 
بعدما أكملت دراستي في إستانبول؛ عدت إلى بلدي «أورفا» المعروفة في كتب التاريخ الإسلامية بـ«الرُّهَا»، وعُينت واعظًا في حران مسقط رأس ابن تيمية، وهي آخر عاصمة للدولة الأموية في عهد مروان الثاني المشهور بمروان الحمار.

وكنت في الرابعة والعشرين من عمري، وكان علماء «أورفا» معروفين بتمسكهم بمسلك التصوف، ولم يكونوا يحبون ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حتى كانت طائفة منهم لا يتحملون سماع اسمه، وكانوا معتادين على مطالعة الكتب الصفراء - كما يقال - ولا يحبذون ما يأتي من المعاصرين من العلماء، مهما يكن علمهم غزيرًا، ومهما يكن قولهم صوابًا. 

وحينما ذكرت لهم بعض ما يقول الشيخ القرضاوي - بدون تصريح باسمه - يُعجبون به، ويسألونني من القائل؟ فإذا أجبت بأن قائله هو يوسف القرضاوي - وهو عالم مقيم بقطر - يقولون: إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من المعاصرين، ولا بد أنه أخذ من كتب القدماء، ولا يريد أن يذكر ممن أخذ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟

وكان واحد منهم أكثر مرونة وصاحب إنصاف، وكان واعظًا قديمًا تتلمذ على يد العلماء الكبار اسمه أحمد سرا أوغلو، وليس أقل علمًا من غيره من علماء بلدنا. زارني يومًا مع طائفة من الوعاظ في بيتي بحران، لم يكن يعرفني، ورأى مكتبتي مليئة بالكتب العربية، وهي ميزة في نظر المشايخ الذين لا ينطقون بالعربية، واعتبرت وجودهم في بيتي فرصة لتعريفهم بشيخي العلامة القرضاوي؛ فأخذت كتابًا من كتبه ولعله كان «الإيمان بالقدر»، وقرأت شيئًا منه، ثم أخذت المجلد الأول من «فتاوى معاصرة» وشنَّفت آذانهم بفتوى منه، وتعجبوا بما سمعوا، لا سيما أن الأستاذ أحمد أعجبه ما سمع، وطلب مني أن أعيره عدة كتب من كتب الشيخ..

أعطيته «الإيمان بالقدر»، وسلسة من كتب الصحوة الإسلامية، وكنت أقول في نفسي: ربما يُرجع الكتب إليَّ بعد عدة أشهر، ولكن الرجل اتصل بي بعد أسبوع وأخبرني بأنه قرأ جميع ما أخذ مني، وطلب مني كتبًا أخرى، وفرحت بما سمعت منه؛ لأنني كنت أعتقد أن علماء بلدنا لا بد أن يتعرفوا على الشيخ القرضاوي، هدية الرحمن إلى الأمة الإسلامية في هذا العصر.

وكان حالي كحال من تألم من العطش مع أحبائه، فعثر على ماءٍ روي، ثم أراد أن يسقي إخوانه وأحباءه، أو مَن وجد كنزًا وأحب أن يُشرك فيه مَن يحبه.

هذا كان شعوري وتعاملي مع أبناء بلدي من العلماء. ثم أعطيت الشيخ أحمد ما يريده من كتب الشيخ، وأذكر أنه قرأ المجلد الأول من الفتاوى في أقل من أسبوع، وصار مغرمًا به، وكان يسبقني إلى المكتبة الوحيدة التي تأتي بكتب الشيخ إلى «أورفا»، وكنت أرجع من المكتبة فارغ اليد؛ لأن الشيخ أحمد حضر إلى المكتبة، وأخذ الكتاب قبلي.

وكان موضوع كلامي معه دائمًا الشيخ القرضاوي، وكتبه، وماذا فعل الشيخ، هل خرج له كتاب جديد؟ هل استمعت إلى خطبته في الجمعة؟ لماذا لم يحضر في برنامج «الشريعة والحياة»؟ عساه بخير؟

وحينما وُلد حفيده سمَّاه بيوسف القرضاوي تيمنًا باسمه، مع دعائه الدائم بأن يجعل الله حفيده مثل سميِّه. وصار الشيخ القرضاوي - بحمد الله سبحانه وتعالى - خصوصًا بين الشباب من طلاب الشريعة معروفًا بكتبه القيمة وشخصيته العالية.

.....

* د. مصطفى بولند داداش خبير في المجلس الأعلى للشؤون الدينية بتركيا

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».

.




ثنائية النصر والخراب

ثنائية النصر والخراب

مع الدكتور مصطفى محمود

مع الدكتور مصطفى محمود 
يتحدث عن  الحرب_العالمية_الثالثة   وكيف ستبدأ؟
 وكيف ستكون حياة الناس بعدها تحليل مرعب