الجمعة، 1 سبتمبر 2023

الولايات المتحدة.. وديمقراطيتها المزيفة وسياسة اللعب بوجهين!

 الولايات المتحدة.. وديمقراطيتها المزيفة وسياسة اللعب بوجهين!

الغرب وجرائمه باسم "النظام" و"الديمقراطية" 

و"حقوق الإنسان"



سمير يوسف

رئيس المنظمة “إعلاميون حول العالم”

أكد الكاتب والبروفيسور الأمريكي بول كريغ روبرتس أن الولايات المتحدة ما زالت تستخدم شعارات الحرية والديمقراطية المزيفة للتدخل السافر في شؤون غيرها وشنها الحملات العسكرية والغزوات في دول أرى فضلا عن قيامها بعمليات التجسس الواسعة ليس فقط على الأمريكيين بل على المدنيين في جميع أنحاء العالم.

ولفت روبرتس في سياق مقال نشره موقع غلوبال ريسيرتش الكندي الى أن الولايات المتحدة “دولة بوليسية” تمارس التجسس غير المشروع وتضرب عرض الحائط بالقوانين والمعاهدات الدولية عرض الحائط وكل ذلك خدمة “لفئة نخبوية” قليلة تسيطر على الإدارة الأمريكية.

الإنقلاب على الرئيس المقتول محمد مرسى

عندما وقع انقلاب الجيش على أول رئيس مصري منتخب في تاريخ البلاد شابت الموقف الأميركي الضبابية وعدم الوضوح إذ تدرج الموقف الأميركي بأن تواصل الرئيس باراك أوباما في ذلك الوقت مع الرئيس المصري الراحل محمد مرسي قبل عزله بيومين، وأعلن ان الولايات المتحدة ملتزمة بالعملية الديمقراطية وأنها لا تدعم حزب بعينه، وبيّن للرئيس المصري أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وطالب الرئيس بأن يستمع إلى أصوات كل المصريين.

الوجه الآخر للولايات المتحدة الأمريكية

وفى نفس الوقت كان وزير الدفاع الأميركي على تواصل مع قائد الجيش المصري الذي قاد الانقلاب العسكري كما صرح بذلك عبد الفتاح السيسي في مقابلته مع صحيفة “واشنطن بوست” (The Washington Post) الأميركية بعد ذلك.

وبعد أيام خرج الناطق باسم البيت الأبيض “كارني” ليعبر عن رفض الولايات المتحدة توصيف ما جرى في مصر بأنه انقلاب عسكري واصفا الرئيس المصري مرسي بأنه لم يكن يحكم بطريقة ديمقراطية وأن مساندة الجيش لمن خرجوا ضده لا تعدّ انقلابا.

ثم جاء موقف وزير الخارجية الأميركي حينئذ جون كيري المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الأميركية باتهام الإخوان بأنهم سرقوا الثورة المصرية واصفا الشباب المصري الذي خرج في ثورة يناير ضد الرئيس المخلوع حسني مبارك بأنهم خرجوا من أجل العمل والحرية، وأن أكبر تنظيم قد سرق منهم ثورتهم قاصدا بذلك تنظيم الإخوان المسلمين.

وأوقف البيت الأبيض بعد فضّ ميدان رابعة بالقوة وسقوط القتلى المساعدات العسكرية للجيش المصري لكنه سرعان ما أعاد المساعدات العسكرية من طيارات الأباتشي و(F-16) للجيش المصري موضحا أن تلك المعدات سوف تساعد الجيش المصري على القضاء على التطرف في سيناء.

تتكلمون عن ديمقراطية البلدان الاخرى

ولا كلام عن الديكتاتور والحكم الابدي والعسكري في بلداننا

.. لا للحوار الموجه

انشأت امريكا على جماجم الملايين من الهنود الحمر وواصلت جرائمها وسرقتها لخيرات دول العالم تارة تحت عنوان حقوق الإنسان وتارة بنشر الديمقراطية.. والحبل على الجرار. عليها ان تنشر هي اولا الديمقراطية وحقوق الإنسان في امريكا حيث الأمريكيون الأفارقة هم الأكثر اضطهادًا في العالم. وتضع حداً لتأثير صناعة الأسلحة، والكونغرس الأمريكي على السياسة الداخلية والخارجية المتأسرلة اصلا. ثم بعدها يلتفتون لغيرهم دون نفاق. امريكا تعتقد العالم غبي وهي فقط ذكية. “قمة الديمقراطية” والتجدد الديمقراطي في العالم” مجرد نوع من الخرطوش الفارغ سوف لن يصمد امام ولادة العالم المتعدد الأقطاب العادل والمنصف للكل ; حيث لن يكون فيه مكان للهيمنة الأمريكية وقطعان خرافها الأوروبيين تحت اي ذريعة كانت. ثم ان 700 مليون دولار لدعم هذه الخدعة لخلق مظهر آخر من أشكال هيمنتها على دول العالم سوف لن تكفي حتى لو اضيفت لها كل ميزانيات امريكا لأن العالم اكتشف الوجه الغدار للولايات المتحدة ولم يعد ينخدع بعد الآن.

كل حر وشريف سينضم الى فئة المنتقدين والمعارضين والمستهزئين لما يسمى زورا وكدبا وبهتانا وتضليلا بقمة – الديمقراطية – التي دعا اليها الرئيس الامريكي جو بايدن فمتى كانت هده الامبراطورية المارقة سندا للديمقراطية وحقوق الانسان والحرية والسلام والامن والتعاون البناء واستقلال الدول؟

الم تكن هده الامبراطورية المارقة هي السبب في الكثير من ماسي ومصائب وكوارث العالم وفواجع الشعوب؟ مادا لو عددنا الحروب العدوانية التي شنتها على دول العالم تحت تبريرات واهية وغير مقنعة البتة؟ مادا عن ملايين القتلى والجرحى بسلاحها الديمقراطي والمشردين والجوعى عبر البسيطة ناهيك عن الدمار والخراب الهائلين؟

مادا عن جرائم سجون ابو غريب بالعراق وباغرام في افغانستان وغوانتنامو؟ مادا عن الكثير من الانتخابات التي افرزت رؤساء دول بطريقة شفافة ونزيهة التي لم ترضي امريكا ودبرت انقلابات ضدهم في دهاليز مخابراتها وبتعاون عملائها؟ من منا لا يتدكر الانقلاب ضد اليساري سلفادور اليندي في التشيلي ومحمد مصدق في ايران وعمران خان في باكستان واوكرانيا وجورجيا وغيرها؟

اليست الولايات هي حامية الديكتاتوريين في العالم؟

من يساند الديكتاتورية في عالمنا الاسلامي وضمنه العربي؟ اليست هي من يوفر لهده الانظمة الحماية ويمدها باساليب القمع ويغض الطرف عن انتهاكاتها وتجاوزاتها الخطيرة؟ اليست هي من يساهم بشكل كبير في معاناة الفلسطينيين والعراقيين والسوريين والليبيين واليمنيين والصوماليين والافغان؟ متى تتوقف الولايات المتحدة عن استحمارنا والاستهزاء بعقولنا؟ اليست هي من يهدد العالم بحرب عالمية نووية؟ من اشعل حرب اوكرانيا ويستمر في صب الزيت على لهيبها؟ لا اظن ان الولايات المتحدة تجهل مواقف العالم من مسرحيتها الهزلية الرديئة المسماة  قمة الديمقراطية  كما يعلم الحاضرون انهم شهود زور في هده الطبخة المسمومة فحتى في الداخل الامريكي ليست هناك ديمقراطية بالمفهوم الصحيح للكلمة وقد تابعنا الكثير من الاحداث التي تدعم طرحنا ومنها تدخل الشرطة العنيف ضد المتظاهرين ومقتل جورج فلويد على يد شرطي حاقد ونسبة الفقراء والمشردين والمسرحين من العمل وغيرها فمن صنع الارهاب وشن الحروب الظالمة وقتل الابرياء وساند الديكتاتورية وسرق خيرات الشعوب وغيرها لا يمكن له الحديث عن الديمقراطية يا سيد بايدن.

عندما يريد الانسان ان يقول ما يعتبره انه قول الحقيقة، فعليه ان يقول الحقيقة كاملة وليس نصفها.

عليه ان لا يقول ما يناسبه ويغض النظر عما لا يناسبه. لأنه جرت العادة ان قول نصف الحقيقة يُراد به باطلاً دائماً.

في الدولة المصرية ديموقراطية العسكر اهتز عرشها بسبب اﻷزمة الاقتصادية ، و على قادتها أن يقتسموا السلطة السياسية مُناصفة بينهم و بين الشعب المصري . قبل أن يُنصِب عليهم بطريقة (ديموقراطية ) ، قادةُ الولايات المتحدة حاكما عميلا لا يرحمهم.


معالى الرئيس جو بايدن.. شكرا لا نريد ديمقراطيتكم الموكوسة لقد درسناكم

من سخريات القدر ان يفتتح الرئيس الأمريكي جو بايدن “قمة الديمقراطية” ويرصد مبلغ 700 مليون دولار لدعم ما أسماه بـ”التجدد الديمقراطي في العالم” والترويج لإجراء انتخابات نزيهة حرة، والدفاع عن حقوق الانسان، محاربة الفساد.

فمن سوء حظ الرئيس الأمريكي ان هذه الخطوة تتزامن مع الذكرى العشرين لغزو بلاده للعراق واحتلاله، واستشهاد أكثر من مليوني إنسان، وتحويله الى دولة شبه فاشلة يسودها الفساد، وتسيطر عليها الميليشيات، وكل هذا تحت عنوان نشر الديمقراطية، واجتثاث الديكتاتورية

ربما يفيد التذكير بأن جو بايدن هذا كان من أكثر الداعمين، والمتحمسين، لعزو العراق وتقسيمه على أسس طائفية وعنصرية وعرقية، وإنهاء وجوده كدولة موحدة متماسكة كل هذا من اجل حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتكريس تفوقها وهيمنتها على المنطقة بأسرها، وسرقة النفط العراقي، ولهذا كانت أول خطوة إتخذها الحاكم الأمريكي تفكيك الجيش والمؤسسات الأمنية العراقية، فالديكتاتوريات عزيزة وغالية وقريبة الى القلب إذا كانت تخدم المخططات والمصالح الامريكية.

أمريكا لا تنشر الديمقراطية الحقيقية التي يتمتع بها شعبها، وانما نسخة مختلفة، ودموية وتدميرية، رأيناها في أبشع صورها في العراق، وسورية، ليبيا، وأفغانستان، ديمقراطية عنوانها الأبرز سفك الدماء، والحصارات التجويعية، لشعوب عانت، وما زالت تعاني في هذه الدول، علاوة على دول أخرى مثل أفغانستان، ولبنان، وايران، وفلسطين المحتلة، وعدد كبير من دول العالم الثالث.

الرئيس بايدن الذي افتتح القمة ، وكان بنيامين نتنياهو من أبرز نجومها، برصد 700 مليون دولار لنشر الديمقراطية وحقوق الانسان ولكنه سيضاعف هذا المبلغ ربما عشرات المرات في تدمير الدول المستهدفة، وجميعها في الشرق الأوسط، فحرب ديمقراطيته في العراق كلفت البلاد أكثر من ترليوني دولار دمارا، وتنصيب حكومات فاسدة سرقت 880 مليار دولار، وهذا رقم منظمة الشفافية ومحاربة الفساد العراقية، وأكثر من 500 الف شهيد ونصف ترليون دولار في سورية، وضعفي هذا الرقم في ليبيا، واذا كنا نعرف تكاليف حرب أفغانستان الامريكية، أي ترليون دولار حسب التقديرات شبه المستقلة، فإننا لا نعرف حتى الآن تكاليف الحصار الأمريكي المفروض على ايران منذ أربعين عاما، وتحت ذريعة نشر الديمقراطية أيضا، ولا ننسى حرب اليمن في هذه العجالة.

إنخدعنا في “فترة ما” بهذه الديمقراطية الامريكية وقيمها، وخاصة حرية التعبير والإنتصار للفقراء والمسحوقين، مثلما إنخدعنا أيضا بالصيغة الجديدة والحديثة لها، أي وسائل التواصل الاجتماعي، لنكتشف ان هذه الحريات “مغشوشة” و”مضللة”، وتُسخّر لخدمة أمريكا وحلفائها، والتجسس عليهم، خاصة دولة الاحتلال الاسرائيلي والتغطية على مجازرها، وعنصريتها، فأي مس بها يعني الحجب الفوري دون تردد في معظم الوسائل المذكورة.

بالمبالغة، نضرب مثلا يقول ان مراسلي محطة “بي بي سي” البريطانية يواصلون عملهم بكل حرية في موسكو الديكتاتورية، والشيء نفسه يقال عن الكثير من المحطات الامريكية، بينما جرى إغلاق جميع مكاتب وسائل الاعلام الروسية، وإسكات مراسليها، وحجبها من الوصول الى المواطنين في أوروبا وامريكا.

نضرب مثلا آخر، وهو ما تواجهه منظومة “التيك توك” الصينية التي جاءت كأحد وسائل التعبير الموازية على “السوشيال ميديا” فهذه المنظومة تواجه حربا شعواء هذه الأيام في أمريكا والدول الديمقراطية الغربية تهدف الى اغلاقها، او الحد بأكبر قدر ممكن من انتشارها، خاصة في أوساط الشباب أكثر شرائح المتابعين لها، والتهمة استخدامها لأغراض صينية تجسسية، وكأن “الفيسبوك” و”التويتر” منصات نظيفة لم يثبت تجسسها، وبيع بنوك معلوماتها ومتابعيها للحكومة الامريكية، وهذه الممارسات موثقة، وباتت معروفة للجميع.

 معظم الحكومات المدعوة من الرئيس الأمريكي للمشاركة في قمة الديمقراطية هذه، دكتاتورية، فاسدة، ولكنها تتمتع بمؤهلات أكثر أهمية وخطورة، وهي الولاء للولايات المتحدة الامريكية، والخضوع لهيمنتها واملاءاتها دون تردد، وما يؤكد هذه الحقيقة عدم دعوة تركيا التي بدأت تخرج بشكل متسارع من هذه الهيمنة، وتتجه صوب موسكو، وتقلص علاقاتها مع حلف الناتو، وشراء صفقات الأسلحة الامريكية المنزوعة الدسم، والتكنولوجيا، رغم إرثها الديمقراطي المشرف، والشيء نفسه يقال أيضا عن المملكة العربية السعودية الدولة الثانية غير المدعوة والسبب التوجه شرقا الى الصين، والتحالف نفطيا مع روسيا، وليس لأسباب ديمقراطية.

نقول للرئيس الأمريكي، وبالفم الملآن، شكرا لا نريد ديمقراطيتكم المسمومة، والملوثة، بدماء أشقائنا في العالمين العربي والإسلامي، لأنها باتت اكذوبة لم تعد تقنع أحدا بما في ذلك أطفالنا، وجاءت حربكم في أوكرانيا التي تقود العالم الى الدمار والخراب، وربما الحرب النووية لتعزز هذه القناعات وتوسع دائرتها في أوساط معظم شعوب العالم، فثمن الديكتاتورية بات أرخص بكثير من تكاليف ديمقراطيتكم الدموية الباهظة جدا التي إكتوينا، وما زلنا، من نيران حروبها وفسادها.

 الكيل بمكيالين ياسيد بايدن

لا شك في أن الكيل بأكثر من مكيال يؤثر في صورة الولايات المتحدة وتقديمها نفسها راعية للديمقراطية وحقوق الإنسان وداعمة لتحرر الشعوب من الاستبداد. إن مثل تلك المواقف تفقد الشعوب العربية ثقتها بالولايات المتحدة وتعزز لديها النظرة السلبية عن المواقف الأميركية، إذ ترى الشعوب العربية أن الولايات المتحدة الأميركية حليفة للاستبداد في المنطقة وأنها تستخدم شعارات الديمقراطية لتحسين صورتها فقط، لكنها في الواقع تفعل عكس كل ما تعلنه وتنادي به من وجهة نظرهم، وهذا ما تؤمن به وتقتنع به النخب العربية وقادة الرأي وقادة الأحزاب والتجمعات التي تناوئ الاستبداد وتقف في وجهه في المنطقة.

الموقف الأميركي غير المبدئي من الانقلاب العسكري المصري يستلزم من حركات التحرر العربي أن تتنبه إلى أمور عدة؛ فعليها أن تدرك أنها معنية أولا بالقيام بالنضال بنفسها من أجل التحرر من حالة الاستبداد السياسي في المنطقة، وأن الدعم الغربي والأميركي على وجه الخصوص لحركات التحرر والانعتاق من الاستبداد يكون حالة مكملة وداعمة فقط إذ لا يمكن التعويل عليه في إحداث أي تحول سياسي مهما كان الضغط الخارجي والغربي كبيرا.

كما على حركات التحرر أن تدرك أن الغرب ليس جمعية حقوقية معنية بنشر الحرية والديمقراطية، وأن هذا الدعم الغربي يكون مرهونا بتوفر الظروف الحقيقية له بالحفاظ على المصالح الغربية في المنطقة وفي الوقت ذاته بضمان عدم تشكل أنظمة معادية له إذ لا يمكن أن يدعم الغرب أي تحولات ديمقراطية يمكن أن تلد أعداء للديمقراطية والقيم الغربية والمصالح الغربية.

إن حركات التحرر العربية، عليها أن تدرك أن خوض أي حالة إصلاح ومطالبة بالدعم الغربي الكامل لها يتطلب منها أن تدخل في تفاهمات في أدق التفاصيل مع الغرب، وأن الجلوس في المناطق الرمادية من القيم الغربية ومصالحهم سوف يزعزع الثقة بين الأنظمة الغربية وتلك الحركات ويجعلها فريسة سهلة لقوى الاستبداد والثورات المضادة.

تم التلاعب بالديمقراطية كقيمة مشتركة.

كانت الولايات المتحدة تستخدمها لخداع العالم وإخفاء طبيعتها من خلال الديمقراطية الزائفة، ولكنها دولة ذات هيمنة حقيقية.

لاحتواء المنافسين وجني الثمار، قامت واشنطن في السنوات الأخيرة بجمع ما يسمى بـ “تحالف القيم“، وعززت تحالفاتها العسكرية وأثارت مواجهة الكتلة، ما يعرّض النظام العالمي والسلام والأمن العالميين للخطر.

عندما تتحدث أمريكا عن الديمقراطية، ففي الواقع، هذا يعني الديمقراطية على النمط الأمريكي، أو الديمقراطية الأمريكية، المبنية على الهيمنة والتسلط والاستبداد.

أولاً، لا تقوم الديمقراطية الأمريكية على المساواة بل على الهيمنة. فمن الحظر الاقتصادي إلى التدخلات العسكرية وتخريب النظام، تعاقب واشنطن عمدًا أي دولة معارضة.

في كتابه “أشد الصادرات الأميركية فتكا: الديمقراطية”، كتب المؤلف الأمريكي ويليام بلوم، أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة للإطاحة بأكثر من 50 حكومة أجنبية، تم انتخاب معظمها بشكل ديمقراطي، وتدخلت بشكل صارخ في انتخابات ديمقراطية في 30 دولة على الأقل، وحاولت اغتيال أكثر من 50 قائدا أجنبيا.

وعلى مدى سنوات، خلقت الولايات المتحدة اضطرابات سياسية في أمريكا اللاتينية، ولعبت دورًا فيما يسمى بـ”الربيع العربي”، وحرضت على الثورات الملونة في أوراسيا. فلم تسببت مشاكلها في حدوث كوارث إنسانية هائلة فحسب، بل ولدت ايضا الإرهاب والتطرف. الآن، تواصل جني الثمار من خلال إجبار حلفائها على تأجيج شعلة الصراع الروسي الأوكراني.

ثانيًا، الديمقراطية الأمريكية لا تعني العدالة بل البلطجة. يتبع الساسة الأمريكيون المذاهب الأنانية المتمثلة في “أمريكا أولاً” و “الفائز يأخذ كل شيء”.

تضع الولايات المتحدة مصالحها الخاصة فوق أي شيء، وتستخدم عصا العقوبات بشكل تعسفي على منّ يعصاها. فإن العقوبات الأمريكية أحادية الجانب تتجاهل القواعد الدولية وتتخلى دون تردد عما تدعو إليه – مبادئ اقتصاد السوق والتجارة الحرة.

ثالثًا، لا تتبع الديمقراطية الأمريكية القواعد بل الاستبداد أو الاستثناء الأمريكي. تطبق الولايات المتحدة الأنانية القواعد عندما تناسبها، وتتخلى عنها عندما لا تناسبها، لقد انسحبت عمداً من الاتفاقات المتعددة الأطراف والمنظمات الدولية.

إن ما يسمى بـ”النظام الدولي القائم على القواعد“، والذي كانت تُشدد عليه وتحث الآخرين على اتباعه، ليس أكثر من نظام دولي قائم على القواعد التي وضعتها واشنطن.

لقد تجاهلت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي تحظر التهديد باستخدام القوة والاستخدام غير القانوني للقوة، وشنت بشكل صارخ حروبًا ضد دول ذات سيادة في مناسبات عديدة.

لقد عارضت وحدها طريق المفاوضات المتعلقة ببروتوكول اتفاقية الأسلحة البيولوجية الذي يضم نظام التحقق. لقد قامت ببناء القوة الفضائية الأمريكية والقوات المسلحة الفضائية، وأسرعت اختبار الأسلحة وإجراء تدريبات عسكرية في الفضاء الخارجي، ما يتعارض بشدة مع مفهوم الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي.

وفي الوقت نفسه، تسحق فضيحة إساءة معاملة السجناء في معتقل خليج غوانتانامو اتفاقية مناهضة التعذيب؛ العقوبات أحادية الجانب المفروضة على دول، من بينها إيران وسوريا، تنتهك أحكام لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي غضون ذلك، عادة ما يغض هذا “الحكم” العالمي لحقوق الإنسان البصر عن انتهاكاته لحقوق الإنسان داخل البلاد. فمن التحريض على التمييز العنصري والكراهية إلى الإعادة القسرية للمهاجرين غير المسجلين رغم تفشي الوباء، كما انتهكت واشنطن بشكل خطير سلسلة من الاتفاقيات واللوائح الدولية، بما في ذلك الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق كل العاملين المهاجرين وعائلتهم، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان.

كما يظهر تقرير لمنظمة التجارة العالمية أن الولايات المتحدة إلى حد بعيد أكبر دولة “غير ملتزمة” بقواعد منظمة التجارة العالمية، وهو ما يُمثل ثلثي الانتهاكات في المنظمة.

وعلق مقال رأي في صحيفة ((نيويورك تايمز)) “في أوائل القرن الحادي والعشرين، إذا كان هناك أي قوة تسعى إلى الهيمنة على العالم، وإكراه الآخرين، وانتهاك القواعد، فهي الولايات المتحدة”.

لكن الأكاذيب لا يمكن أن تتحمل التدقيق. فمع ترديد ما يسمى بـ”الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية“، تشبثت الولايات المتحدة في الواقع بالهيمنة والبلطجة والاستبداد. مثل هذا البلد ليس في وضع يسمح له بالتحدث عن الديمقراطية، لأنه ليس لديه مصداقية دولية على الإطلاق.

بيان رابطة علماء أهل السنّة حول الحفل الذي أقامته هيئة الترفيه السعودية في الرياض

 بيان رابطة علماء أهل السنّة حول الحفل الذي أقامته هيئة الترفيه السعودية في الرياض

رابطة علماء أهل السنة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،
استمرارا للسير في ركاب دعاة التغريب، وأعداء الملة، وفي خطوات متسارعة لمحاولة طمس الهويّة الإسلامية لبلاد الحرمين الشريفين، وتحت مسمّى التحضّرالكاذب والتمدن الخادع، أقامت هيئة الترفيه السعودية حفلاً في بلاد الحرمين، يحييه الشواذ ونجوم الإباحية، ليقوموا بعرض سافر لا يمكن أن يُرى مثله إلا في الملاهي الليلية بأحد بلاد الكفر، بما يحويه من سفور وأغاني لا تحتمل معنى غير الكفر.
بل إن الكلمات البذيئة التي وردت في أغانيهم، "أيها الإله أُريدك أن تعي هذا.. بلّغ الانبياء، الرجال لا يستطيعون إيقافنا، اركع للأنثى إلهك، اسجد للأنثي".، والتي لايحل لمسلم حاكما أو محكوما أن يسكت عليها بحال من الأحوال،وأمام هذا الفعل الكفري الصريح فإن رابطة علماء أهل السنّة تعلن:
أولا: أن هذا عمل يغضب الله تعالى ويستجلب سخطه ويجب على العلماء والمؤسسات الفقهية بل وعامة المسلمين إنكاره بكل الوسائل المشروعة.
ثانيا: تطالب الرابطة كل علماء بلاد الحرمين، "الذين عندهم بقيّة من دين وخوف من الله عز وجل"، أن يقوموا بإنكار هذا المنكر وألا يخافوا في الله لومة لائم، حتى وإن كلّفهم هذا حرياتهم وحياتهم، استجابة لأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد السفيه، ولتأطرنه على الحقِّ أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعضٍ، ثم يلعنكم كما لعنهم.
ثالثا: على علماء الأمّة ومؤسساتها الشرعيّة أن يقوموا بإنكار هذا المنكر، وتوضيح الصورة الشرعيّة للشعوب الإسلامية، وتوضيح المخططات التي تستهدف البنية التحتية للشخصية المسلمة في بلاد الحرمين وغيرها من بلاد المسلمين.
قال تعالى: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ [آل عمران: 79

رابعا: أن يوقف المسؤولون هذه الحفلات ويعلنوا تبرّؤهم منها، وأن يتوبوا إلى الله من هذه الأفعال.
خامسا: على المسلمين في بلاد الحرمين أن يقوم بواجبهم تجاه حماية مباديء الدين والتوحيد وإنكار هذا المنكر، كلٌ بما يستطيع.
سادسا: تدعو رابطة علماء أهل السنّة الأزهر الشريف أن يقوم بدوره في إنكار هذا المنكر، فما زال المسلمون في العالم أجمع يرون أن الأزهر الشريف هو منارة العلم التي يرجعون إليها إذا حزبهم أمر من أمور دينهم.


وسيظل أعداء الإسلام يكيدون له، وينفقون أموالهم في سبيل ذلك، ولكن الله عز وجل وعد (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) الأنفال.


(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف 21.

صدر عن المكتب التنفيذي لرابطة علماء أهل السنة
15 صفر 1445هـ الوافق 31 أغسطس 2023م.

النهاية القاتلة لأحلام السلطة

النهاية القاتلة لأحلام السلطة

“التاريخ يُذكّرنا بأن الطلقة التي لا تُصوَّب في وقتها ترتد إليك، فإذا كان قائد فاغنر قد فعل ما حدث فإنه فوّت على نفسه الفرصة، ولا يمكن لبوتين أن يجعله في موقع إطلاق الرصاص مرة أخرى، لذا سيدفع الثمن، هذا إذا لم تكن هناك لعبة استخباراتية فعلًا (لا احتمال لذلك)، وإن وُجد هذا الاحتمال ففي تلك الحالة سيدفع بوتين ثمنًا ثقيلًا جدًّا في الطلقة القادمة، فلن تخيب، والقائد القوي والذكي لا يجعل المشهد يعاد أمامه مرتين، وفي التاريخ العِبَر لمن يقرأ ويعي” .

الجملة السابقة منقولة نصًا من مقال كتب منذ شهرين بالتمام عندما وقعت أحداث كروستوف التي تمرد فيها مقاتلو “فاغنر” في روسيا، واحتلوا المدنية واتجهوا نحو العاصمة الروسية موسكو.

لم تكن النبوءة تلك نابعة من تنجيم بالغيب ولا رؤية للطالع، بل كانت نتيجة طبيعة لدرس التاريخ، وها هي الأيام تثبت صدق الدرس فقد قتل  يفغيني بريغوجين قائد قوات “فاغنر” أو غاب عن الساحة العسكرية أولًا والسياسية الروسية والعالمية ثانيًا.

كانت النهاية محترقًا في طائرة شمال موسكو نهاية طبيعية لفشل طلقته الأولى التي وجهها نحو صديقه القديم ورفيقه سنوات طويلة، ولا جديد في تناول علاقة بوتين الثعلب الروسي مع قائد القوات الروسية التي أدت أدوارًا عسكرية على الساحة العالمية من إفريقيا إلى أوروبا، وفي أوكرانيا خلال عام ونصف العام من الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة حتى اللحظة.

التاريخ يكرر ذاته

يقول الكاتب الصحفي الكبير أحمد بهاء الدين “إن الإنسان حيوان ذو تاريخ”، فمن لا يعي درس التاريخ لا يمكن إلا أن يكرر الأخطاء، وكما قلت إن الرصاصة حينما تفشل في هدفها فإنها ترتد إلى من أطلقها، هكذا ما كان لبوتين أن يسمح لصديقه القديم أن يأخذ فرصة لطلقة ثانية، فكانت موقعة طائرة موسكو المتفجرة أو المحترقة.

أعجبني تعليق أحد الأصدقاء حينما قال “لقد مات قائد فاغنر فطيسًا” أي بلا صاحب، فقد كان غيابه هدفًا للأطراف كلها، بوتين بالتأكيد بعد محاولة التمرد عليه، أوكرانيا بعد أن كبّدها خسائر كثيرة، أوروبا أراحت من عملياته سواء في أراضيها أو أماكن نفوذها في إفريقيا، وأخيرًا الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لن يسأل أحد عمن قتله؟ أو من تسبب في تفجير طائرته؟

قتل أو اغتيل بريغوجين ونائبه وبعض رجاله في الطائرة، وتلك حالة غريبة لدى العسكريين، فليس من العادة السفر لقيادات عسكرية عدة على طائرة واحدة، فهذا ليس من الحكمة والفطنة للعسكريين.

تلك الحالة تذكرنا بحادثتين حدثتا في مصر، كانت الأولى في 3 مارس 1981 حينما استشهد المشير أحمد بدوي وزير الدفاع المصري و13 من قيادات الجيش المصري في حادث اصطدام طائرته في منطقه سيوة بالمنطقة الغربية في مصر، وقيل إن الطائرة أثناء صعودها اصطدمت بعمود للكهرباء مما أدى إلى تفجيرها وانفجار خزانات الوقود.

نتج عن ذلك استشهاد وزير الدفاع المصري أحد أبطال حروب مصر خلال فترة الخمسينيات والستينيات حتى نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973، وقد أشارت بعض الروايات أهمها رواية النائب الوفدي علوي حافظ أن السادات تخلّص من بدوي خشية الانقلاب عليه، والمشير بدوي أحد أبطال نصر أكتوبر كما الفريق سعد الشاذلي رئيس أركان الجيش في تلك الحرب بتهمة الخيانة العسكرية.

تلك واحدة من أساليب السادات في التخلّص من منافسيه، وتبدو الحالة هنا مختلفة عن حالات أُخر في التاريخ القديم، لكنها مرتبطة بوجود عدد كبير من العسكريين على طائرة واحدة كما في طائرة صديق بوتين الذي فشل في تمرده، فكانت نهايته.

الحادث الثاني في العصر الحديث فكانت للطائرة المصرية التي سقطت في المحيط الأطلنطي في 31 أكتوبر 1999، وبغض النظر عن أسباب سقوط الطائرة التي لا يوجد ما يؤكدها حتى الآن، لكن فقدت مصر على الطائرة 36 طيارًا مصريًا في واقعة غربية، فالمعروف أنه عسكري لا يمكن أن يركب في طائرة واحدة هذا العدد من الطيارين ذلك لأن إعداد طيار واحد يكلّف الدول الكثير، ولا تزال أسباب انفجار الطائرة غامضة حتى الآن.

نظرة تاريخية أبعد

ازداد الصراع المملوكي في نهايات عصر الدولة الأيوبية، فقد مرض السلطان نجم الدين أيوب، وأصبح غير قادر على إدارة الحكم، صارت مقادير الحكم في يد السلطانة القوية شجرة الدر، واستطاعت أن تخفي وفاة زوجها أثناء حملة لويس التاسع على مصر حتى انتصر المصريون على الحملة، تعرضت شجرة الدر لمعارضة كبيرة من الأيوبيين لتوليها السلطنة، وكان عليها أن تتزوج.

تزوجت شجرة الدر الأمير عز الدين أيبك أتابك، وخلال مدة حكمه الأولى لمع نجم قائد المماليك البحرية فارس الدين أقطاي الذي تصدى لمحاولات كثيرة للانقضاض على حكم أيبك، شعر أيبك بخطورة أقطاي عليه وعلى الحكم، واستطاع بمساعدة سيف الدين قطز أن يتخلّصا من أقطاي الذي يهدد العرش.

استدعاه أيبك إلى القصر للتشاور، وغاب أقطاي عن مماليكه الذين تجمعوا أمام قصر السلطان، فما كان منه إلا أن ألقى برأسه من بوابة القصر، انتاب المماليك البحرية الذعر، والقصة معروفة بعد ذلك فقد تخلّصت شجرة الدر من أيبك أول حاكم مملوكي على مصر، وتم التخلّص بعده من شجرة الدر، ليقود بعدهما سيف الدين قطز معركة عين جالوت بعد أن تولى السلطة، ويهزم قطر التتار، وفي الطريق يقتله الظاهر بيبرس ليتولى حكم مصر كثالث الحكام المماليك.

قصة السلطان سليمان القانوني مع الصدر الأعظم إبراهيم البرغالي أشرت إليها في مقال سابق بعنوان (خيانة في القصر) التشابه الوحيد -هنا- أن البرغالي مات أو خنق فطيسًا بحد تعبير الصديق السياسي عن قائد “فاغنر” بريغوجيني، فقد طمع البرغالي في الخلافة بعد أن كان مجرد عازف للناي، فقرّبه السلطان سليمان القانوني، وصار صاحب ست امتيازات من سبع هي للسلطان، وتعاون مع أعداء الأمة في وقت كانت الدولة تستعد لحرب كبرى مع دول أوروبا وأساطيلها التي أقلقها السيطرة والتوسع للدولة العثمانية بخاصة في البحار والمحيط الأطلسي، فكانت نهاية البرغالي تليق بخيانته لصانعه وولي نعمته، وفي التاريخ عظة لمن يدركه.

أسانيد ثلاثيات السلسلة الذهبية

 أسانيد ثلاثيات السلسلة الذهبية

دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم


دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم

فريق العمل

تقع مدينة دمياط في شمال مصر، قرب ملتقى البحر الأبيض المتوسط بأحد فرعيْ نهر النيل الشهيريْن، والذي يحمل اسمها. ودمياط من المدن القليلة التي لم تسرق القرون وجودها، وتدفعها حركة الأيام إلى زاوية مظلمةٍ في كتاب الواقع والتاريخ، فهي ما تزال إحدى أهم الموانئ المصرية، وموئل صناعة الأثاث الهامة.

لكن في العصور الوسطى، لاسيَّما في قرنيْ الصراع الإسلامي – الصليبي في الشرق، كان لدمياط حضور أكثر بروزًا من الناحية العسكرية، فقد كانت أهم الثغور الساحلية المصرية على البحر الأبيض المتوسط، وكانت هدفًا أساسيًا في خطط الصليبيين المتكررة للاستيلاء على مصر، فقد كان الانقضاض على ثغر دمياط بأسطول كبير يحمل جيشًا جرارًا، ومن ثم النفاذ منها إلى قلب مصر عبر النيل، مُغريًا دائمًا للصليبيين.

في هذه الجولة التاريخية سنسلط الأضواء على أبرز تلك الغزوات الصليبية التي استهدفت مصر عبر بوابة دمياط، وكيف سرقت تلك المدينة الصاخبة بالسيوف قبل البضائع أضواء التاريخ في فترة حاسمة من تاريخ العصور الوسطي، والصراع الطويل بين الشرق الإسلامي والغرب الصليبي.
صلاح الدين.. الوزير الشاب ومعركة الدفاع عن دمياط

وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم، والناس فيها صابرون في محاربتهم. وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده، فجهز إليه نور الدين العساكر شيئًا بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها واستباحها *المقريزي.. أحداث عام 565 هـ، كتاب «اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا».

في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي (الموافق السادس الهجري) كانت مصر على موعدٍ مع انقلابٍ تاريخي كبير، إذ آلت الخلافة الفاطمية الشيعية، التي هيمنت على مصر واتخذتها خاصرتها الكبرى لأكثر من قرنين، إلى الزوال، وعادت مصر اسميًا تحت حكم الخلافة العباسية السنية، ممثلة في القائد الطموح صلاح الدين الأيوبي، بعد حلقاتٍ مثيرة من الصراع.

على مدار سنواتٍ خمس شهدت أرض مصر ثلاث مواجهاتٍ بين قوات مملكة بيت المقدس الصليبية يقودها الملك الطموح أمالريك، وقوات الملك العادل نور الدين محمود تحت قيادة أسد الدين شيركوه، وابن أخيه الشاب صلاح الدين الأيوبي. انتهت المواجهتيْن الأولييْن بما يشبه التعادل، أما الثالثة فرغم اقتراب الصليبيين في بدايتها من انتزاع الهيمنة على مصر، إلا أنها انتهت بانتصار شيركوه وابن أخيه عام 564 – 1169م، وتوحُّد مصر والشام للمرة الأولى منذ عقود، رغم وجود بعض التعقيدات السياسية في المشهد.

عيَّن الخليفة الفاطمي العاضد شيركوه وزيرًا لمصر بصلاحياتٍ واسعة، وكحلٍّ وسط، أصبح الخطباء يوم الجمعة يدعون لكلٍ من الخليفة العاضد، وللملك العادل. في ذلك الزمن كانت هذه علامة الولاء السياسي الأهم. لكن ما لبث شيركوه أن تُوُفِّي بعد أسابيع قليلة، فعيَّن العاضد ابن أخيه صلاح الدين في موقع الوزارة خلفًا له.


كانت التحديات الداخلية تحيط بوزارة الشاب صلاح الدين، فقد اعتبره معظم الأمراء الفاطميون دخيلًا على مصر، يهدد بانتزاع كل ما تحت أيديهم من سيادةٍ ونفوذ وأموال لا تحصى، فأشعلوا العديد من الثورات والقلاقل ضد صلاح الدين. بالتوازي، لم ينسَ الصليبيون هزيمتهم المذلة في مصر، ورأوا في عودتها لأول مرة منذ عقود لمعادلة الصراع الإسلامي – الصليبي خطرًا وجوديًا، فقرروا التحرك سريعًا لانتزاع مصر من قبضة صلاح الدين قبل أن يستقر وضعه على رأس هرم السلطة فيها.


عام 565هـ – 1170م، وبينما لم يمر عام واحد على وزارة صلاح الدين الأيوبي، اكتمل تنفيذ خطةٍ خطيرةٍ للاستيلاء على مصر عبر الاستيلاء على دمياط. شهد ذلك المخطط لأول مرة تحالفًا عسكريًا بين الصليبيين في الشام، وصقلية، وإسبانيا وغيرها، والدولة البيزنطية، وهو ما تجاوز – ولو إلى حين – الخلافات المذهبية العميقة، وتضارب المصالح السياسية بين الجانبين. فقد اتفقَ الجانبان على عدم السماح لبروز قوةٍ إسلامية صاعدة في مصر والشام، تقلب الموازين القائمة في منطقة شرقي البحر المتوسط.

وصلت القوات الصليبية إلى دمياط على متن أكثر من ألف سفينة وقارب، وفرضت حصارًا بريًّا وبحريًا على المدينة. أرسل صلاح الدين الأيوبي من القاهرة مددًا كبيرًا لتعزيز صمود المدينة المحاصرة، بقيادة ابن أخيه الأمير تقي الدين عمر، وخاله شهاب الدين الحارمي، وأنفق من الخزانة ما يقارب ألف ألف دينار لدعم الجهود الحربية، واستمرَّ وصول الإمدادات إلى المدينة عبر النيل. لكن لم يستطِع صلاح الدين أن يتوجه بنفسه إلى دمياط لقيادة جهود الدفاع، خوفًا من اضطراب الأحوال في القاهرة في غيابه، واستغلال خصومه الفرصة للانقلاب.

ما إن وصلت أنباء حصار دمياط إلى الملك العادل نور الدين في الشام، حتى بادر بتعبئة جيوشه، وشن هجماتٍ عديدة ضد الصليبيين في الشام، وذلك لتخفيف الضغط عن قوات صلاح الدين في مصر، وتشتيت انتباه الصليبيين، وإجبارهم على الحرب في جبهتيْن في آن.

استمرَّ القتال أكثر من 50 يومًا، عجز خلالها الصليبيون عن اختراق أسوار المدينة الحصينة، رغم استخدامهم آلات الحصار والمجانيق، فبدأت الخلافات تدب بين قادتهم لاسيّما مع وصول الأنباء عن غارات قوات الملك العادل نور الدين على المناطق الصليبية في الشام، وعجزها عن الدفاع الفعَّال لوجود معظم قواتها في معركة دمياط. كذلك بدأت الأمراض تفعل فعلها في معسكرات الصليبيين، كما تسبَّبت الظروف الجوية في غرق الكثير من السفن والمراكب؛ مما صعّب وصول الإمدادات إلى قواتهم.

رفع الصليبيون حصارَهم عن دمياط، وانسحبوا عبر البحر مخلِّفينَ وراءهم الكثير من الأثقال والمجانيق التي عجزوا عن حملها لنقص السفن والمراكب. أقيمت الاحتفالات بالنصر أيامًا في القاهرة وفي الشام، وتعزَّز موقف صلاح الدين الأيوبي في مصر كثيرًا.
الكامل الأيوبي والحملة الصليبية الخامسة.. القدس ودمياط على الميزان

هُوَ الْكَامِل الْمولى الَّذِي إِن ذكرته ـــــــ فيا طرب الدُّنْيَا وَيَا فَرح الْعَصْرِ

بِهِ ارتجعت دمياطُ قهرًا من العِدى ـــــــ وطهر بِالسَّيْفِ وَالْملَّة الطُّهْرِ

لَك الله من ملك إِذا جاد أوسطا ــ فناهيكَ من عُرفٍ وناهيك من نُكْرِ

*بهاء الدين زهير مادحًا الملك الكامل الأيوبي بعد انتصاره على الصليبيين واستعادة دمياط عام 1221م.

عام 614 هـ – 1217م اجتمعتْ قواتُ الصليبيين في مدينة عكا، التي كانت تمثّل عاصمة الوجود الصليبي في الشرق استعدادًا لغزو مصر. وصلت أنباء الحملة الصليبية إلى الملك العادل الأيوبي – أخي صلاح الدين الأيوبي – فخرج بقواته إلى فلسطين لقطع الطريق أمام الصليبيين قبل أن يهددوا بيت المقدس، أو يتوغَّلوا في البلاد. استغلَّ الصليبيون الزيادة العددية لصالح جيوشهم، فهاجموا الكثير من مناطق فلسطين والشام ونهبوها دون أن ينتزعوا السيطرة على أي هدفٍ كبير، بينما تحصَّن العادل بقواته قرب دمشق انتظارًا لوصول الأمداد من مختلف مناطق الدولة، ثمَّ ما لبث الوضع في الشام أن استقرَّ؛ لأن تلك المعركة كانت عَرَضية، فالهدف الرئيس للصليبيين كان مصر، عبر بوابة دمياط.

في العام التالي رست المئات من سفن الصليبيين على ساحل دمياط، وأنزلت الآلاف من الجنود والفرسان من الألمان والفرنسيين وسواهم، تحت قيادة حنا دي برين، ملك بيت المقدس الذي كان يقيم في عكا، العاصمة الفعلية بعد استعادة المسلمين للقدس.

كان يفصل قوات الصليبيين عن المدينة نهر النيل الذي يصب في البحر المتوسط في تلك البقعة، والذي كان يحول دون إبحارهم عبرَه إلى القاهرة مباشرة، وجود سلاسل من الحديد تغلق مدخل النيل من البحر، ويحرسها حصنٌ منيع، يسمى حصن السلسلة.

شرع الصليبيون في تحصين مواقع تمركزهم، وبناء آلات الحصار والمجانيق لاستهداف حصن السلسلة الذي يحمي مدخل النيل، وتحول دفاعاته دون قيامهم بقص السلاسل الحديدية لاختراق النيل. وصل الأمير الكامل بن العادل إلى ظاهر دمياط بقواته، وكان واليًا لأبيه على مصر، لينظم الدفاع عن الميناء الهام، وصمد الحصن لأكثر من أربعة أشهر، رغم القصف الصليبي المتواصل، ووصلت إلى الصليبيين في دمياط إمدادات جديدة أرسلها بابا روما بقيادة الكاردينال بلاجيو شديد التعصب والحماسة.

نجح الصليبيون آخر المطاف في السيطرة على حصن السلسلة، ومن ثمَّ قطعوا السلاسل الحديدية، واخترقوا حاجزًا أقامته قوات الكامل على النيل على مسافةٍ قليلة من السلاسل، فما كان من قوات الكامل، إلا أن قامت بإغراق عدة سفن كبيرة في مجرى النيل لتعطيل الملاحة عبره جنوبًا صوب معسكر الكامل.

حتى ذلك الحين، لم تكن مدينة دمياط نفسها واقعة تحت الحصار العسكري المباشر، إذ كان النيل يفصل بينها وبين قوات الصليبيين، وكانت قوافل الإمداد تصل إليها برًا من حين لآخر، كما كان أهلها يشعرون بالاطمئنان لوجود قوات الكامل التي تحول دون عبور الصليبيين النيلَ إلى المدينة، رغم الغلاء الشديد الذي بدأ يعصف في المدينة مع تطاول الحرب، وتناقص الإمدادات داخلها.

الحملة الصليبية الخامسة


في ذلك العام 615 هـ – 1218م حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ تُوُفّي سلطان مصر والشام الملك العادل الأيوبي، وذكرت بعض المصادر أن سبب وفاته هو اغتمامه لأنباء سقوط حصن السلسلة في دمياط. اضطربت الأحوال في الدولة، ووصلت الأنباء المفزعة إلى الأمير الكامل المنشغل بمعركة دمياط بأن أحد الأمراء في القاهرة – اسمه ابن المشطوب – حاول استغلال الفرصة مع بعض حلفائه للقيام بانقلاب عسكري في القاهرة، وانتزاع ملك مصر من الكامل، ومنحه إلى أخٍ للكامل يلقَّب بالفائز، لكي يحكموا فعليًا من ورائه.

ترك الكامل معسكره جنوبي دمياط على عجل، وعاد إلى القاهرة لضبط الأوضاع، فاضطربت الأحوال في دمياط، وفرَّ الكثير من أهلها وحاميتها، فاستغلَّ الصليبيون الفرصة السانحة، وعبروا النيل دون مقاومةٍ، واستولوْا على المدينة، وأعملوا القتل والسلب والنهب فيمن لم ينجح من أهل دمياط في الفرار، وهكذا سقطت دمياط بعد 16 شهرًا من بدء حصارها بهذا السيناريو الغريب، بعد صمودٍ عسكري طويل.

نجح الكامل في ضبط الأوضاع في القاهرة لصالحه، لاسيَّما مع وصول مددٍ كبيرٍ من الشام له بقيادة أخيه الملك المعظَّم عيسى، ونُفيَ ابن المشطوب إلى الشام. لكن ما لبث عيسى أن عاد إلى الشام، وخرَّب أسوار بيت المقدس، لكي لا يتمكن الصليبيون من الدفاع عنها في حال استيلائهم عليها. وشدَّد الكامل قبضته على مصر، وعلى القاهرة خصيصًا، ومنع خروج الناس منها، بعد أن خشى من أي يتسبَّب الهلع من تقدم الصليبيين في فرار الكثيرين إلى مناطق داخلية بعيدة، وإضعاف الموقف الدفاعي.

عسكر الصليبيون في دمياط، ورممّوا أسوارها وتحصيناتها، ليجعلوا منها معقلًا حصينًا، ومنطلقًا لاستكمال هجومهم على مصر، وبدأوا في شن الغارات على المناطق القريبة من دمياط، للاستيلاء على كل ما تطاله أيديهم، لكن لم تحدث مواجهة كبرى فاصلة بينهم وبين الكامل، فأصبح المشهد العسكري أشبه بحالة التعادل «stalemate» في لعبة الشطرنج. واستمرَّت الإمدادات بالرجال والأسلحة تصل إلى الصليبيين من جهة البحر.

خشى الكامل من استمرار سيطرة الصليبيين على دمياط، وتحولِّها إلى كعبةٍ للفرسان الصليبيين القادمين من أوروبا؛ مما يُنذر بنجاحهم في الاستيلاء على مصر عاجلًا أو آجلًا، فعرض على الصليبيين عرضًا سخيًّا مقابل الجلاء عن دمياط، يتضمن تسليمهم بيت المقدس، وعسقلان، واللاذقية، ومعظم ما فتحه صلاح الدين الأيوبي، ما عدا قلعة الكرك الحصينة بالأردن. أراد حنا دي برين الموافقة على عرض الكامل بعد مساومته للحصول على الكرك، و300 ألف دينار، لكن المتعصبين – وعلى رأسهم بلاجيو – رفضوا وأصروا على مواصلة القتال حتى احتلال القاهرة، والقضاء على دولة الأيوبيين. فتعثَّرت المفاوضات.

حرَّض بلاجيو الصليبيين عام 618هـ – 1221م على شن هجوم كاسح للوصول إلى القاهرة، واضطر حنا دي برين إلى الموافقة لعجزه عن كبح جماح بلاجيو، فعسكر الجيش الصليبي إلى الجنوب من دمياط على مقربةٍ من معسكر الكامل في المنصورة.

ارتكب الصليبيون خطأ فادحًا لجهلهم بطبيعة البلاد وظروفها المناخية؛ إذ كان معسكرهم يقع في منطقةٍ منخفضة، فاستغلَّ الملك الكامل تلك الفرصة السانحة التي تزامنت مع موسم فيضان النيل، فأمر بفتح السدود القريبة، فاندفعت مياه الفيضان لتكتسح الأراضي المنخفضة ومنها معسكر الصليبيين الذي تعرض لخسائر جسيمة في الأفراد والمعدات، وأحاطت المياه بالصليبيين من كل جانب، وعجزوا عن الانسحاب شمالًا إلى دمياط؛ إذ وجدوا قوات الكامل قد أغلقت في وجوههم الطريق الوحيد الذي لم تغمره المياه.

في تلك الأثناء استولى الأسطول المصري على قافلة بحرية كبيرة كانت تجلب الإمدادات إلى الصليبيين، فسرى اليأس في نفوسهم مع هذا الانقلاب المفاجيء في الأحوال. حاول الصليبيون مواصلة المفاوضات مع الكامل على قاعدة العرض السخي الذي قدمه لهم قبل أشهر، لكن لم يحظَ هذا المسعى بأي نجاح، فقد وجد الكامل نفسه قد أصبح في موضع قوة، لاسيَّما وقد وصلت إلى مصر إمدادات جديدة من الأفراد والأسلحة من طرف أخويه الأميرين: المعظم عيسى، والأشرف موسى.

لم يجد الصليبيون مفرًّا من مفاوضة الكامل على تسليم دمياط دون شرطٍ سوى ضمان سلامتهم الشخصية، فوافق الكامل على ذلك، وأخذ بعض قادة الصليبيين رهائن، لضمان تسليم حامية دمياط الصليبية المدينة إلى قوات المسلمين.

من المفارقات أن المسلمين تسلموا دمياط وقد غدت أشد تحصينًا، بعد ما أنفقه الصليبيون من جهدٍ ومال في تعزيزها دفاعيًا لتكون معقلًا دائمًا لهم في مصر. كذلك كان قد وصل مدد كبيرٍ عبر البحر إلى الصليبيين بعد أيامٍ قليلة من تسليمها للمسلمين، ولو وصل هذا المدد قبل أيام لتغير مسار معركة دمياط كثيرًا.

دمياط وحملة القديس لويس

أحدثت هزيمة الصليبيين الساحقة على يد قوات سلطان مصر الصالح نجم الدين أيوب في موقعة غزَّة عام 642هـ – 1244م صدمةً هائلة في أوروبا الكاثوليكية، لاسيَّما أنها ثبَّتت استعادة السيطرة الإسلامية على بيت المقدس، الهدف الرئيس للحملات الصليبية على المشرق.

أيَّد بابا روما إينوسنت الرابع ما أعلنه لويس التاسع ملك فرنسا من عزمه قيادة بحملة صليبية كبرى – عُرِفَت بالحملة الصليبية السابعة – لاستعادة ما فقده الصليبيون في الشرق، لكن استغرق إعداد تلك الحملة شهورًا طويلة، لاسيّما مع انشغال الأوروبيين بالخطر المغولي الذي كان يستهدف شرقي أوروبا في تلك الفترة، وببعض الصراعات الداخلية بين ملوك أوروبا، كالصراع بين فرنسا وإنجلترا.

عام 647هـ – 1249م وصلت قوات الحملة الصليبية إلى جزيرة قبرص، استعدادًا للانقضاض منها على مصر، عبر دمياط أيضًا. لما ترامت الأنباء إلى سلطان مصر آنذاك الصالح أيوب بن الكامل، عزَّز حامية دمياط بالمقاتلين والإمدادات الكافية لتحارب الصليبيين أشهرًا، ووضعها تحت قيادة الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وعسكر بقواته في المنصورة إلى الجنوب من دمياط، لقطع الطريق أمام الصليبيين لغزو القاهرة إذا نجحوا في احتلال دمياط. وأقام في قصرٍ أقامه أبوه الكامل إبان الغزوة الصليبية السابقة على مصر قبل أكثر من 30 عامًا.


الصالحُ الملكُ الذي لِزمانِه … حُسنٌ يتيهُ به الزمانُ ورَوْنقُ

مَلِكٌ تحدّثَ عن أبيهِ وجَدّه … نسبٌ لَعَمري فى العلا لا يُلحَقُ

*بهاء الدين زهير مادحًا الملك الصالح نجم الدين أيوب.


وقعت بعض المواجهات بين قوات الصليبيين، وحامية دمياط التي خرجت لتواجهَهم خارج الأسوار، لكن لم تسفر تلك المواجهات عن نتيجة حاسمة. لكن وقعت الهزيمة، عندما ارتكب الأمير فخر الدين وقادته خطأً كبيرًا في المناورة بالقوات؛ فتسبَّب بظنِّ أهل دمياط أن الجيش على وشك الانسحاب من المدينة كما حدث في الغزوة السابقة زمن الكامل، فاضطربت أحوال المدينة، وانسحب منها معظم سكانها وحاميتها، واستولى الصليبيون على المدينة الحصينة دون مقاومةٍ تُذكر، وعثروا بداخلها على ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من الأسلحة والذخائر والأقوات.

«أما بعد فَإِنَّهُ وصل كتابك، وَأَنت تُهددُ فِيهِ بِكَثْرَة          جيوشك وَعدد أبطالك. فَنحْن أَرْبَابُ السيوف، مَا قُتِل منا قِرنٌ إِلَّا جددناه، وَلَا بغى علينا بَاغ إِلَّا دمرناه. فَلَو رَأَتْ عَيْنَاك – أَيهَا الْمَغْرُور – حد سُيُوفنَا، وَعظم حروبنا،    وفتحنا مِنْكُم الْحُصُون والسواحل، وأخربنا مِنْكُم ديار    الْأَوَاخِر والأوائل، لَكَانَ لَك أَن تعض على أناملك بالندم، ولابد أَن تزل بك الْقدَم، فِي يَوْم أَوله لنا وَآخره عَلَيْك»
، كان هذا رد الصالح أيوب بقلم بهاء الدين زهير، على رسالة لويس التاسع ملك فرنسا مهددا باجتياح مصر.

جُنَّ جنون الملك الصالح، وأمر بإعدام العشرات من قادة حامية دمياط، ووبَّخ الأمير فخر الدين بشدة، وشرع في تعزيز الدفاعات في منطقة المنصورة، لتعطيل تقدم الصليبيين من دمياط إلى القاهرة. وفي المنصورة وعلى مدار أسابيع لم تنقطع الاشتباكات بين الجانبين، وتصاعدت هجمات المتطوعين المصريين والقبائل العربية بأسلوب حرب العصابات ضد مواقع الصليبيين وخطوط إمداداتهم، ووقع العشرات من الصليبيين بين أسير وقتيل كل يوم.

لكن في تلك الأثناء أخذت صحة الصالح أيوب في التدهور رغم العناية الطبية الفائقة التي بُذِلت له، ومات. فأخفت زوجته المملوكة شجر الدر خبر وفاته؛ حتى لا تضطرب نفوسُ المقاتلين في تلك الأوقات العصيبة، بينما أعلمت دائرة ضيقة من كبار القادة ومماليك الملك الصالح بما حدث، وأرسل على وجه السرعة إلى توران شاه بن الصالح، وكان في حصن كيفا جنوبي تركيا الحالية، ليعود على وجه السرعة ليتسلَّم زمام السلطنة، وأخذت تصدر المراسم السلطانية، وتوقعها، ويكأنَّها صادرة من السلطان شخصيًا، ونظَّمت البيعة من الأمراء والمقَدَّمين إلى توران شاه، وأصبح الأمير فخر الدين هو المتصرف في إدارة الدولة والمعركة بجانب شجر الدر.

أما الصليبيون فقد وصلتهم أنباء مرض الصالح الشديد، فأرادوا استغلال الفرصة لحسم المعركة، فتقدموا بالقوة الضاربة لجيشهم جنوبًا حتى لم يفصِل بينهم وبين معسكر المسلمين سوى فرع من النيل يسمى بحر أشموم. تبادل الجيشان القصف بالمجانيق، واشتدَّت أعمال المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، وابتكر المصريون طرائق فريدة للإيقاع بالصليبيين، فكان بعضهم يجعل من قشر البطيخ خوذة، ويسبح على تلك الحال إلى مقربة من معسكر الصليبيين، فإذا نزل أحدهم إلى الماء للحصول على ثمرة البطيخ أمسك به وعاد به أسيرًا إلى البر الآخر.

استمرَّت تلك الحال أسابيع، حتى دلَّ بعض العملاء من المعسكر الإسلامي الصليبيينَ على مخاضٍ في بحر أشموم يمكن أن يعبروه بخيولهم، فقام 1400 فارس صليبي يقودهم الكونت دارتوا شقيق الملك لويس التاسع، بمباغتة معسكر المسلمين عبر ذلك المخاض، فتمكنوا من قتل الأمير فخر الدين، والعديد من فرسان المسلمين ومقاتليهم الذين لم يفيقوا من الصدمة بعد، ووصل بعض فرسان الصليبيين إلى بوابة قصر السلطان.

دارت في شوارع المنصورة وأزقتها حرب شوارع حامية الوطيس، واستعاد المسلمون التوازن مع ما أظهره مماليك الصالح من بسالة وشراسة في القتال، لاسيَّما ركن الدين بيبرس البندقداري – السلطان المملوكي الشهير فيما بعد – والذين نجحوا في قتل المئات من فرسان الصليبيين وفي مقدمتهم الكونت دارتوا نفسه. وكانت معركة المنصورة تلك بداية هزيمة الحملة الصليبية على مصر.

وصل توران شاه إلى مصر، فأعلنت وفاة أبيه الصالح، وتقدَّم لقيادة الجيش في المعركة الدائرة. وقام الأسطول المصري بهجوم جريء، إذ فُككت بعض السفن، وحملت على الجمال، ونُصبت في النيل بين دمياط والمنصورة، فباغتت قافلة بحرية كبيرة لإمداد الصليبيين كان قوامها 52 سفينة، وقتل أكثر من ألف صليبي، وانقطع المدد عن القوات الصليبيية في المنصورة، فساءت أحوالها، وتجرأ المقاتلون والمتطوعون المسلمين أكثر في هجماتهم ضد الصليبيين.

حاول لويس التاسع أن يحقق ما عجز عنه عسكريًا عبر المفاوضات، فراسل توران شاه باستعداده لتسليم دمياط مقابل القدس وبعد مناطق الساحل الشامي، فقوبل طلبه برفضٍ قاطع.

مع مطلع العام التالي 648هـ حاولت قوات لويس التاسع الانسحاب شمالًا إلى دمياط، فتتبعهم فرسان المماليك والمتطوعون، وأثخنوا فيهم، ثم دارت موقعة كبيرة في فارسكور جنوب دمياط، قاد فيها توران شاه بنفسه قوات المسلمين، وألحق هزيمة ساحقة بقوات لويس التاسع، قتل فيها أكثر من 10 آلاف من الصليبيين، وأسر الآلاف؛ فأمر توران شاه بقتلهم. أما لويس التاسع فقد وقع في الأسر، واعتقل في دار القاضي فخر الدين بن لقمان في المنصورة.

وبينما تجري المفاوضات بين الصليبيين والمسلمين من أجل تقرير مصير لويس التاسع الأسير، ومدينة دمياط، دبَّ الخلاف بين السلطان توران شاه، ومماليك أبيه الصالح أيوب، لاسيَّما فارس الدين أقطاي، وعز الدين أيبك، وركن الدين بيبرس، وقد حنق المماليك منه لإساءته لزوج أبيه شجر الدر، وتنكره لما فعلته بعد وفاة أبيه من أجل حفظ الدولة انتظارًا لعودته، كما غضبوا لتقديم توران شاه رجاله الذين جاءوا معه من حصن كيفا في المناصب. تطورت الأمور سلبًا إلى حد قيام المماليك بقتل توران شاه قبل أن تمر ثلاثة أشهر على سلطنته، وأقاموا مكانه شجر الدر سلطانةً على مصر، وتلقبت بأم خليل المستعصمية.

أتمت شجر الدر المفاوضات مع لويس التاسع، والتي قضت بتسليم دمياط دون قيدٍ أو شرط، وإطلاق سراح لويس ومن بقي من أسرى جيشه – وكانوا 12 ألفًا – مقابل 400 ألف دينار. وذاعت أبيات للشاعر المصري جمال الدين بن مطروح يخلد فيها الانتصار على جيش لويس التاسع على هيئة حوار يسخر فيه من الملك لويس.


أتيت مصرًا تبتغي مٌُلكهَا … تحسب أَن الزمر يَا طبل ريحْ

وكل أَصْحَابك أودعتَهم … بِحسن تدبيرك بطن الصَّرِيحْ

سَبْعُونَ ألفا لَا يرى مِنْهُمُ … إِلَّا قَتِيل أَو أَسِيرٌ جريح

وَقل لَهُم إِن أزمعوا عودةً … لأخذ ثأر أَو لفعل قَبِيح

دَار ابْن لُقْمَان على حَالهَا … والقيد بَاقٍ والطواشي صبيحْ

والطواشي صبيح هو الشخص الذي كان مكلفًا بحراسة لويس التاسع إبان أسره في دار ابن لقمان. ورغم الهزيمة الساحقة في مصر، فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت تقدر لويس التاسع لإيمانه المسيحي الشديد، وجهده الصليبي اللافت، فاعتبرته قديسًا، وحصل على لقب سانت لويس.

جدير بالذكر أن لويس التاسع نظَّم حملة صليبية كبيرة على نمط حملة دمياط، لكن كان هدفها تونس، بعد أكثر من 20 عامًا، لكنه مرض ومات أثناء الحملة، ففشلت في تحقيق هدفها، وأهدى إليه أحد شعراء تونس قصيدة على نهج قصيدة ابن مطروح، فقال:


يَا فرنسيس هَذِه أُخْت مصر … فتأهب لما إِلَيْهِ تصيرْ

لَك فِيهَا دَار ابْن لُقْمَان قبرًا … وطواشيك مُنكرٌ وَنَكِيرْ


سياسة الخداع: بريطانيا وفلسطين، 1914-1939

سياسة الخداع: بريطانيا وفلسطين، 1914-1939

في هذا المقتطف من كتابه الجديد، يوضح بيتر شامبروك أن الأدلة التي أدرجتها بريطانيا المنطقة الفلسطينية في عرضها لإقامة دولة عربية مستقلة - والتي تم رفضها لفترة طويلة - هي أدلة دامغة
الشرطة تفتش الفلسطينيين في أغسطس 1929 خلال الانتداب البريطاني، وسط احتجاجات ضد إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين


في عام 1939، وبناءً على طلب الوفد العربي إلى مؤتمر لندن حول مستقبل فلسطين، وافقت الحكومة البريطانية أخيرًا على نشر المراسلات في زمن الحرب بين السير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، والشريف حسين أمير مكة، عينه العثمانيون رئيسا للسلطة الدينية لأقدس الأماكن الإسلامية.

كان العرب ومؤيدوهم يزعمون باستمرار منذ عام 1920 أنه في المراسلات، قام مكماهون، مقابل قيام الشريف بقيادة ثورة عربية ضد القوات العثمانية، بإدراج منطقة فلسطين في عرض الحكومة البريطانية بدولة عربية مستقلة واسعة النطاق. ومن ناحية أخرى، فقد زعمت الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ عام 1920 - وحتى يومنا هذا - أن فلسطين مستبعدة من المنطقة الموعودة للشريف.

على الرغم من أن نشر المراسلات - 10 رسائل متبادلة بين يوليو 1915 ومارس 1916 - قد تم الحث عليه من جميع الجهات في مجلسي البرلمان في ما لا يقل عن 24 مناسبة منذ عام 1920، إلا أن الحكومات البريطانية المتعاقبة كانت تعترض دائمًا على أساس أنها ستكون "" الإضرار بالمصلحة العامة".

علاوة على ذلك، طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، توترت العلاقات الإنجليزية العربية بشدة بسبب مثل هذا الرفض المستمر. فقط في فبراير 1939، عندما أرادت حكومة نيفيل تشامبرلين إخماد الثورة الفلسطينية، مع تجمع سحب الحرب في جميع أنحاء أوروبا، والحاجة إلى "تأمين الطرق الإمبراطورية إلى الشرق"، وافقت الحكومة على نشره.

وفي نفس المؤتمر، وافقت الحكومة البريطانية أيضًا على تشكيل لجنة إنجليزية عربية للتحقيق في المراسلات بالتفصيل.


ترأس اللجنة فريدريك موغام، المستشار اللورد، وانتهت اللجنة، بعد أربعة اجتماعات مطولة، بالخلاف: في تقرير مشترك، تمسك الجانبان بمواقفهما الأصلية، ووعد الشريف العرب بالحفاظ على فلسطين، وجادل المستشار اللورد أنه "في البناء الصحيح للمراسلات، تم استبعاد فلسطين في الواقع". ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، واختفت المراسلات من الساحة السياسية، ولم يتم إعادة فحصها رسميًا أبدًا.

تكشف الأدلة التي تمت مراجعتها في هذا الكتاب أن القضية البريطانية كانت لا يمكن الدفاع عنها. وتؤكد دراسة وثيقة ومنهجية للسجلات الرسمية أن الشريف كان يحق له بالفعل اعتبار فلسطين ضمن المنطقة الموعودة بالاستقلال العربي.

الأمر الأكثر إثارة للدهشة، بل والصدمة في واقع الأمر، هو أن كافة كبار المسؤولين المشاركين في اللجنة، وفي مجلس الوزراء، والذين كانوا على اطلاع كامل بإجراءات اللجنة، كانوا يعرفون واعترفوا سراً بأن القضية البريطانية كانت ضعيفة للغاية.

الكأس المسمومة

اضطر المستشار، بعد أن أطلعه مسؤولو وزارة الخارجية وقرأ الوثائق ذات الصلة، إلى تقديم ادعاءات "من الهواء" في محاولة لدعم القضية البريطانية، وهي ادعاءات لم تطرحها الحكومة من قبل مطلقًا، والتي هو نفسه لم يصدق.

وأوضح ذلك في مذكرة إلى وزير المستعمرات مالكولم ماكدونالد الذي عينه لرئاسة اللجنة والدفاع عن موقف الحكومة. تم الكشف عن يأسه من حصوله على مثل هذه الكأس المسمومة في نفس الملاحظة:
... كم سأكون سعيدًا إذا سمعت عن أي شخص في وزارة الخارجية أو مكتب المستعمرات أو في الحكومة يمكنه تقديم اقتراح مفيد ومفيد للمساعدة في تلبية المطالبات العربية أو الاعتراض عليها

ماكدونالد، الذي كان قلقًا بنفس القدر من الضعف  الواضح للقضية البريطانية، لجأ أيضًا إلى المدعي العام، السير دونالد سومرفيل، للحصول على المشورة، ولكناكدونالد، الذي كان قلقًا بنفس القدر من الضعف بعد قراءة الأوراق ذات الصلة، لم توفر ملاحظات سومرفيل أي راحة للوزير الاستعماري:

أعتقد أنه من الصعب جدًا الإشارة إلى أن مكماهون كان بإمكانه اعتبار فلسطين مستبعدة تلقائيًا... وجهة نظري الخاصة هي أنه كلما تمكنا من تجنب هذه القضية كلما كان ذلك أفضل، وأنه كلما تعمقنا في الأمر، كلما زاد اهتمامنا أعتقد أن الصعوبات التي نواجهها سوف تظهر.

وهكذا، في عام 1939، اتفق اثنان من كبار المسؤولين القانونيين في الحكومة على أن الادعاءات البريطانية كانت ضعيفة للغاية لدرجة أنها لن تخضع للتدقيق من قبل تحقيق قضائي مستقل، أو من قبل البرلمان أو الرأي العام. ومع ذلك، وفي ممارسة ذكية ولكنها غير شريفة، وفي ما وصفه أحد الباحثين بـ "الممارسة الحادة"، حافظ وزير الخزانة علناً على موقف الحكومة في التقرير. من جانبه، لخص أمين المستعمر استنتاجات اللجنة بإبلاغ زملائه "لقد تركنا الكرة تمس جذعا واحدا دون إزالة الكفالات".

كان تشبيه ماكدونالدز للكريكيت مناسبًا بالفعل: لكي يكون رجل المضرب "خارجًا"، يجب إزالة واحدة على الأقل من الكفالتين من أعلى الجذوع الثلاثة. كان المستشار اللورد، وهو يضرب، على أهبة الاستعداد، يدافع عن نصيبه، أي الخط الأحمر للحكومة (استبعاد فلسطين)، بينما يتنازل بمهارة، كلما كان ذلك مناسبًا، عن بعض الخلافات العربية، وليس كلها، التي كانت تتجه في اتجاهه.

منذ عام 1939، لم تعترف أي حكومة بريطانية بحقيقة هذا الأمر. ويشير هذا الكتاب إلى أن الوقت قد حان للقيام بذلك: فالأدلة، سواء كانت نصية أو سياقية، هائلة. آمل أن يساهم هذا الكتاب في وضع الأمور في نصابها الصحيح فيما يتعلق بالسندات الإذنية المتعددة التي أصدرتها بريطانيا في زمن الحرب بشأن فلسطين وفي تأريخ سياسات الانتداب البريطانية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والتي أدت حتماً إلى أحداث عام 1948 والتي يظل إرثها "جرحًا مفتوحًا". لجميع الذين يعيشون بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك لملايين اللاجئين خارج حدود فلسطين.

هذا مقتطف من كتاب "سياسة الخداع: بريطانيا وفلسطين، 1914-1939" بقلم بيتر شامبروك، الصادر عن Oneworld Academic .

 

ترجمة  للمقال:"عربي21"
في عام 1939، وبطلب من الوفد العربي إلى مؤتمر لندن حول مستقبل فلسطين، وافقت الحكومة البريطانية أخيراً على نشر المراسلات التي جرت في زمن الحرب العالمية الأولى بين السير هنري ماكماهون، المفوض السامي البريطاني في القاهرة، والشريف حسين في مكة، المعين من قبل العثمانيين سلطة رئيسية على أهم الأماكن المقدسة في الإسلام.

وكان العرب قد زعموا باستمرار منذ عام 1920 أن ماكماهون في تلك المراسلات، ومقابل أن يتزعم الشريف الثورة العربية ضد القوات العثمانية، شمل منطقة فلسطين في عرض الحكومة البريطانية إقامة دولة عربية مستقلة مترامية الأطراف. ومن ناحية أخرى لم تزل الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ عام 1920 وحتى هذا اليوم تصر على أن فلسطين كانت مستبعدة من المنطقة التي وعد بها الشريف.

على الرغم من أن نشر المراسلات – وهي عبارة عن 10 خطابات تم تبادلها ما بين شهر يوليو (تموز) 1915 وشهر مارس (آذار) 1916 – لطالما حثت عليه جميع الأطراف داخل حجرات البرلمان فيما يزيد عن 24 مناسبة منذ عام 1920 – إلا أن الحكومات البريطانية المتعاقبة ظلت تعارض ذلك على أساس أن نشرها من شأنه أن "يضر بالمصلحة العامة".

أضف إلى ذلك أن العلاقات الإنجليزية العربية طوال فترة عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ساءت بشكل كبير بسبب ذلك الرفض المستمر. ولم توافق الحكومة على نشر المراسلات إلا في فبراير (شباط) من عام 1939، عندما أرادت حكومة تشامبرلين إطفاء جذوة الثورة الفلسطينية، في وقت تلبدت السماء فيه بغيوم الحرب الوشيكة في كل أنحاء أوروبا، وباتت الحاجة ماسة إلى "تأمين الممرات الإمبراطورية إلى الشرق".

في نفس ذلك المؤتمر، وافقت الحكومة البريطانية على تشكيل اللجنة الإنجليزية العربية للبحث في مضامين تلك المراسلات بالتفصيل.

بعد أربعة اجتماعات، انتهت اللجنة، التي كان يترأسها وزير العدل فريدريك موغهام، إلى خلاف، حينما صدر عنها تقرير مشترك تمسك فيه الطرفان كل بمواقفه الأصلية، حيث أصر العرب على أن فلسطين كان الشريف قد وُعد بها، بينما قال وزير العدل إنه وبناء على "القراءة السليمة للمراسلات، كانت فلسطين في الحقيقة مستثناة من الوعد." ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، واختفت مسألة المراسلات من الساحة السياسية، ولم يتسن من بعد إعادة البحث فيها بشكل رسمي.

يكشف الدليل الذي أعاد النظر فيه هذا الكتاب عن أن الحجة البريطانية كانت واهية، حيث تؤكد الدراسة المتمعنة والمنهجية للسجلات الرسمية أنه كان من حق الشريف بالفعل اعتبار أن فلسطين كانت مشمولة في المنطقة التي وُعد العرب بها لإقامة دولة مستقلة.

وما هو مدهش أكثر من ذلك، بل وصادم في الحقيقة، هو أن جميع المسؤولين الكبار الذين كانت لهم علاقة باللجنة، وداخل التشكيل الحكومي، والذين كانوا يُطلعون أولاً بأول على كافة التفاصيل الخاصة بلقاءات اللجنة ونقاشاتها، كانوا يعرفون ويقرون فيما بينهم بأن الحجة البريطانية كانت في غاية الهشاشة.


اقرأ أيضا:وثائق تكشف عن محاولات سفارة الاحتلال التأثير على القضاء في بريطانياالكأس المسمومة

بعد أن اطلع وزير العدل على إيجاز من قبل المسؤولين في وزارة الخارجية، وبعد أن قرأ الوثائق ذات العلاقة بالموضوع، أجبر على الخروج بمزاعم بعيدة كل البعد عن الحقيقة في مسعى منه لتعزيز الموقف البريطاني، وهي مزاعم لم يسبق حتى للحكومة البريطانية أن جاءت بها، بل ولم يصدقها هو نفسه.

وكان قد أعرب عن ذلك بجلاء في إخطار رفعه إلى وزير المستعمرات مالكوم ماكدونالد الذي عينه رئيساً للجنة ودافع عن موقف الحكومة. في نفس ذلك الإخطار، يعرب عن استيائه من تسليمه تلك الكأس المسمومة، حيث يقول:

"كم سأكون سعيداً لو تمكنت من سماع أي شخص في وزارة الخارجية أو في وزارة المستعمرات أو في الحكومة بإمكانه أن يقدم اقتراحاً واحداً مفيداً ومجدياً للمساعدة في مقابلة أو مقارعة المزاعم العربية."

وكان ماكدونالد كذلك قلقاً إزاء ضعف الحجة البريطانية، فتوجه إلى المدعي العام السير دونالد سامرفيل يطلب منه النصح. لكن الملاحظات التي قدمها سامرفيل، بعد أن قرأ الأوراق ذات العلاقة بالأمر، لم تسر وزير المستعمرات، حيث جاء في ملاحظاته:

"أعتقد أن من الصعوبة بمكان القول إن بإمكان ماكدونالد اعتبار فلسطين مستثناة بشكل تلقائي ... ورأيي أننا كلما تمكنا من تجنب هذه القضية كان ذلك أفضل، وأننا كلما ولجنا فيها عن قرب تعاظمت برأيي المصاعب التي تواجهنا."

ولذلك، وبحلول عام 1939، اتفق أكبر مسؤولين قانونيين في الحكومة على أن الحجج البريطانية كانت شديدة الضعف لدرجة أنها ما كانت لتصمد أمام تحقيق يتم إجراؤه من قبل هيئة قضائية مستقلة أو من قبل البرلمان أو من قبل الرأي العام. ومع ذلك، وفي ممارسة ذكية، وإن كانت شائنة، فيما أطلق عليه أحد الباحثين "ممارسة ثاقبة"، تمسك وزير العدل رسمياً بموقف الحكومة الوارد في التقرير. ومن طرفه، لخص وزير المستعمرات ما خلصت إليه اللجنة من خلال إخبار زملائه: "لقد سمحنا للكرة بأن تمس جدعة واحدة دون إزالة المقابض."

استعارة ماكدونالد من لعبة الكريكيت كانت في محلها بالفعل، فحتى يخرج ضارب الكرة فإن واحداً من المقبضين الاثنين على الأقل يحتاج لأن يزال من أعلى الجدعات الثلاث. فوزير العدل كان يقوم بدور ضارب الكرة، المدافع عن البويبة، أي عن موقف الحكومة الذي يستثني فلسطين، بينما يقر بمهارة فائقة، كلما كان ذلك مواتيا له، بعض، إن لم يكن كل، المزاعم العربية التي ترتفع بها عقيرتهم تجاهه.

منذ عام 1939، لم تعترف أي من الحكومات البريطانية المتعاقبة بذلك. يرى هذا الكتاب أنه آن للحكومة الحالية أن تقر بذلك، فالدليل، نصاً ومن حيث القرائن، دليل دامغ. ما أرجوه هو أن يساهم هذا الكتاب في إقامة الحجة وإحقاق الحق فيما يتعلق بالتعهدات البريطانية المتعددة زمن الحرب العالمية الأولى بشأن فلسطين، وفيما يتعلق بالوقائع التاريخية ذات العلاقة بما كانت تنتهجه بريطانيا من سياسات أيام الانتداب في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والتي أدت لا محالة إلى ما وقع في عام 1948، والذي خلف "جرحاً مفتوحا" ما زال نازفاً حتى يومنا هذا، جرحاً عميقاً يمس كل من يعيش في المنطقة الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط، ويمس كذلك جميع الملايين من اللاجئين الذين انتهى بهم المقام خارج حدود فلسطين.

للاطلاع إلى النص الأصلي (هنا)