الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

مذبحة الإعلام في المسألة المصرية


مذبحة الإعلام في المسألة المصرية


بقلم: عمر علي البدوي 
كاتب من السعودية ـ جدة

لا يمكن أن يخيّل إلى أحد في مثل هذه الأيام أن يغيب عنه أثر الإعلام وقيمته في كشف الحقائق وربما تزييفها، ولحظة تأمل واحدة في الحروب الأمريكية على أفغانستان والعراق والتوظيف الإعلامي العبقري المذهل لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في سبيل تجييش العالم وتجسيد مظلومية أمريكية، لا يقف في طريق الانتصار لها صوت من عقل أو نداء من ضمير.

كان العالم كله يصطف وراء الدعاية الأمريكية ذات الأذرع الواسعة، وكأنه شاخص البصر أمام شاشة سينما ضخمة ويفتح ذهنه باستسلام لامتناهي لتلقي الخطاب الأمريكي المصنوع بعناية من أجل توجيه ضربة موجعة لقلب كابل وبغداد دون مراعاة للقيم الإنسانية أو تفنيد المبررات القانونية الكافية لشن الحرب.

كانت الحرب على الإرهاب مسألة إعلامية في المقام الأول من جهة الترويج لها وإذعان العالم لأجندتها، تختفي وراءها الأهداف الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية، إذ لا صوت يعلو على الحرب على هذه "الكارثة الأصولية" التي تهدد الأصل البشري وتنذر باستئصال شأفته من الكون؟؟

بالانتقال إلى مصر في اللحظة الثورية وما تلاها أو ما سبقها، لا يمكن أن تغفل حجم برامج التوك شو وطاولات النقاش وكمية الخطاب الإعلامي الذي يسرف على شاشات التلفزة المصرية الخاصة والحكومية، أو الممولة من جهات خارجية تدعم التوجهات التقليدية للنظام العربي العام.

لم يكن بمقدور الرئيس المخلوع حسني مبارك وحزبه الوطني أن يعيش لثلاثة عقود راسخ القدمين في الأرض المصرية رغم ويلاته الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، لولا حجم التلميع الإعلامي والتزييف الذي تبذل له وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء كل جهدها وإمكاناتها لتحقيق أقصى درجات تركيع المجتمع وتشتيت انتباهه الذهني.

وخلال الثورة المصرية، كان الإعلام المصري الرسمي والخاص يعيش أكثر لحظاته ارتباكاً، إذ يمكنك أن تقف على مزيج من الشتات وضعف التركيز وضلال المواقف، ويمكن ملامسة ذلك عند درجة التحول الجذرية التي تقف عليها عند بعض الرموز الإعلامية أو المحطات الشهيرة التي انتقلت بين غمضة عين وانتباهتها من تمجيد الحاكم إلى التشميت به ومن غمط الثورة والتهكم بشبابها إلى إكبارها وحشد مفاتنها واستمطار خيراتها.

واستمر هذا الارتباك خلال فترة ما بعد تمام الخلاص من الحاكم الثلاثيني البائس، وبمجرد احتدام المنافسة الانتخابية التي انتهت بصعود التيار الإسلامي السياسي سدة حكم بعض البلدان العربية الثائرة وعلى رأسها مصر العروبة والكنانة، بدأت بعض المذاهب الإعلامية تتخندق في مناطقها التقليدية وتستعيد سياقاتها المعهودة.

ويمكن تقسيم المدارس الإعلامية التي وقفت من مفهوم وأحزاب الإسلاميين إلى أربع جهات متباينة أحياناً وممتزجة أحياناً أخرى، ولكنها في الغالب لم تلامس الحياد الإعلامي إلا لماماً وربما اخترقت قواعد شرف المهنة وأخلاقيات العمل الاحترافي المستقل بطريقة فجة.

طرف من الإعلام المصري والخارجي حافظ على خصامه التقليدي مع التيار الإسلامي السياسي، حتى في لحظات ذروة صعوده كان يمارس دوره في التحذير والإنذار من أحزابه وتوجهاته، ولكن صوته يغيب في حفلة النشوة الشعبية التي احتفت بالتيار الإسلامي واختارته طريقاً للخروج من عثرة السياسة ونكسة الواقع.

وطرف من الإعلام المصري كان مستسلماً للحظة، وتابعاً للمتغلب، وهذا أوضح ما يكون في الإعلام الرسمي الذي تملكه الدولة، إذ كان لا يخرج من دوره الوظيفي من الاستجابة لتوجهات مكتب الرئاسة الإخواني حينها إلى مناصرة اللحظة الانقلابية والترويج لخارطة الطريق المصرية التي أعلنها الجيش كقوة تقليدية حكمت مصر لستين عاماً وربما تزيد كما يظهر في إرهاصات المستقبل المصري مع السيسي.

وطرف ثالث من الإعلام الخارجي حاول أن يناصر التيار الإسلامي السياسي بحجة دعم التحول الديمقراطي في مصر واحترام الاستحقاق الشعبي والانتخابي لجماعة الإخوان، ولكنه بالغ بدرجة ما في ممارسة دوره إلى مستوى كشف عن استسلامه لأيدولوجيا تتماس مع الطبيعة السياسية لأصحاب رؤوس الأموال الذين يملكونها، وكان هذا يتسبب أحياناً في تخفيف الأثر الذي تتركه هذه المحطات في الذهنية العربية، سيما في ظل التنابز الإعلامي وأجواء التشاحن والاستقطاب الحادة بين التوجهات.

وبقيت بعض المحطات الإعلامية الأجنبية التي تمثل الطرف الرابع تقترب وتبتعد قليلا من موقف الحياد وتحاول أن تقف من كل الأطراف على مسافة واحدة، نتج هذا الحياد عن هامشية المسألة المصرية بالنسبة إليها، ومن واقع ضعف استنباتها في المحيط العربي وصفتها العالمية التي تضعف من حضورها المحلي وتواضع حماسها للقضايا الإقليمية العربية والإسلامية.

وبالنظر إلى مستوى الحرية التي يتمتع بها الإعلام في الواقع المصري بعد ثورة يناير، فإنك ربما تكتشف شيئاً من حاله ومآله بالنظر إلى برنامج الكوميدي المصري الشهير باسم يوسف الذي ظل طوال فترة رئاسة مرسي يمارس أقصى درجات الاستقلال والحرية والتمكين دون أن يمس برنامجه أو شخصه بانتقاص أو احتجاب، وبمجرد انتقاله إلى العهد الانقلابي حامت الشكوك بعد إعلان توقفه المفاجئ وفي حلقته الأولى بعد العودة الكسيرة ضاقت به الطبقة السياسية الحاكمة وأعلن البرنامج استقالته من الشأن العام.

لن تُطوى من التاريخ المصري صفحة إعلامه في هذه اللحظة الحرجة من مسيرته التي شهدت تحولات وتبدلات مصيرية ومفصلية، وسيحفظ له مستوى التمادي في التزييف والكذب الذي بلغ أقصى إمكاناته، ولن يفوت عليه أن يحتفظ ببعض ممارساته على بساط السطحية والسذاجة، وكان هذا في عناوين صحفية وتلفزيونية تشهد بمستوى متدني جداً للقيمين على الإعلام المصري واستخفاف بالعقل الشعبي وإهانة تاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها.

كما إنه سيحتفظ بوثائقه التاريخية التي تسجل مستوى الحدة التي اتسمت في بعض الطروحات الإعلامية لمجرد الخلافات السياسية مع الأوضاع القائمة أو الأحزاب الإسلامية التي تنافس في فضاء عام بأدواتها المشروعة، والخصام الذي بلغ ببعض المؤسسات والمحطات الإعلامية إلى تشريع القتل والتسامح مع إدماء الشارع وإقصاء بعض أطيافه السلمية والمدنية بطريقة جنونية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق