الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

( شام الأحرار : ... قلوبنا معكم )


( شام الأحرار : ... قلوبنا معكم )

‎د. عبد العزيز كامل‎

هناك أمر ملاحظ في التاريخ ؛ هو أن الله تعالى كثيرا ما يُودِع قوة المؤمنين في استضعافهم ، كما يضع ضعف أعدائهم في استقوائهم ، كحال وحوش كبيرة ثقيلة كاسرة ، محصورة في ميدان محدود ، تطاردها طيور صغيرة طليقة في فضاء غير محدود ، فتهزم تلك الضعاف الخفاف بطلاقتها وخفة مؤنتها ، تلكم الوحوش المحشورة في مرابض الأشر والبطر !

طابقوا - إن شئتم - هذه الصورة المتخيلة على ما حدث مع فرسان الصحابة حينما خرجوا من جزيرة العرب خفافاً وثقالاً ، ينازلون الفرس بقضهم وقضيضهم في عقر دارهم ,ويناوشون الروم على اتساع ملكهم وارتفاع شأنهم ,وكذا صاولوا غيرهم من طواغيت العالم ، فهزوا عروشهم وهزموا جيوشهم , ثم أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم .

وطابقوا تلك الصورة على ما كان قبل الإسلام من غلبة المستضعفين المطاردين من أتباع موسى - عليه السلام - لطاغية ذلك العصر فرعون ومعه جنوده ، حيث جعل الله ذل الفراعنة على أيديهم حتى قبل أن يُكتب الجهاد عليهم , كما قال الله: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } (القصص : 5-6) .

طابقوا الصورة أيضا على ما كان بعد ذلك من قيادة داود الشاب - عليه السلام - لقومه المستضعفين المطرودين من أرضهم ، حيث جبر الله كسرهم فاقتحموا على الجبارين أبواب حصونهم : { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }(المائدة : 23) .
فحين مد داود يده وأمسك بقطعة الحجر ، وقذف بمقلاعه نحو الجبار جالوت ؛ كان هذا إيذاناً بتحول موازين القوى ، وتغير الأوضاع لدى قومه ، فتحولوا من شراذم تفر أمام الأعداء إلى جيوش نظامية حقيقية لها وجود

لا تظنوا- أيها الصامدون أمام تحالف الشر في سوريا وفلسطين- أن زمان هزيمة الطغيان على أيدي المستضعفين من أهل الإيمان قد ولَّى ؛ فقد أرانا الله في عصرنا من هذا آيات ، ليس آخرها ما كان من انهزام إمبراطورية الإلحاد السوفييتي السابق على أيدي المجاهدين الأفغان القدامى، ثم انهدام بنيانها وتفكيك كيانها تحت ضربات هؤلاء المستضعفين ومن معهم من المؤمنين من أنحاء الأرض آنذاك ؛ فقد ادخر الله تعالى لهؤلاء الضعفاء شرف إسقاط تلك القوة الطاغوتية الإلحادية الكبرى التي كانت تعد القوة العسكرية الأكبر في العالم حينها ، هذا في وقت لم يكن للمجاهدين فيه دولة فتحاصر ، ولا سفارات فتغلق ، ولا جيش نظامي فيدمر .

نعيد نظركم بعد ذلك إلى ما حدث لأمريكا وحلفائها في العراق بعد احتلاله وأفغانستان بعد غزوها ,حيث أغارت الطيور الحرة الطليقة بغاياتها الشريفة ومؤنها الخفيفة على الديناصورات في ترساناتها ، فأدمت أنوفها ، وغرست الشوك في عيونها ، بل أنزلتها من علياء التفرد بقيادة العالم إلى ماهي فيه الآن من تراجع وانكسار , في انتصار لم يحتفل به أحد , ولم يعترف به أحد , إلا الموقنين بقول رب العالمين : ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ... نعم مع الصابرين الأبرار , يا شام الأحرار .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق