ماذا يوجد خلف المفرقعات؟
عثمان الثويني
مفرقعات ليلة رأس السنة لا ينبغي أن نمرّرها دون تفكير، حتى وإن لم نشهدها أو نسمع دويّها.
ظاهرها احتفال، لكن خلفها قصص حزينة، وأمنيات عظيمة لم تتحقق، ومحاولات بشرية متكررة لإقناع النفس بأنّ تغيير الرقم في التقويم قادرٌ على تغيير الواقع. خلف كلّ ومضة ضوء حكاية لم تُروَ، وخلف كلّ تصفيق قلب مثقل بالخوف، وخلف العدّ التنازلي إنسان يرجو ألا يكون الغد امتدادًا أقسى لليوم الذي سبقه.
دخل البشر العام الجديد بشكلٍ متزامن بحسب مواقعهم الجغرافية، لكنّهم لم يدخلوه بذات الشعور ولا بذات الأمل.
اختلفت البلدان وتباينت الظروف، غير أنّ القاسم المشترك في مخيلة وذهنية غالبية سكان هذا الكوكب أنّ عام 2026 ليس عامًا عاديًا، بل محطة فارقة، ومنعطف حاد في تاريخ الإنسانية، لحظة افتراق طريقين لا يسمحان بالوقوف الطويل في المنتصف.
العالم يتجه نحو الحِدّة، لا بوصفها اختيارًا أخلاقيًّا، بل واقعًا يُفرض فرضًا.
العالم يتجه نحو الحِدّة، لا بوصفها اختيارًا أخلاقيًّا، بل واقعًا يُفرض فرضًا.
تطرف في المواقف، تطرف في الاصطفافات، تطرف في القرارات، وتطرف حتى في تفسير القيم.
لم تعد الوسطية فضيلة مرغوبة، بل صار يُنظر إليها كضعفٍ أو تردد.
إمّا أن تكون هنا بالكامل، أو هناك بالكامل، وإمّا أن تُحسب مع هذا المعسكر أو ذاك، حتى المبادئ الإنسانية العامة باتت تُقرأ وفق الخندق الذي تقف فيه.
نحن أمام تكتلاتٍ جديدة، وكيانات تتشكّل، وخرائط تُرسم لا بالحبر، بل بالقوة والاقتصاد والهيمنة الرقمية.
نحن أمام تكتلاتٍ جديدة، وكيانات تتشكّل، وخرائط تُرسم لا بالحبر، بل بالقوة والاقتصاد والهيمنة الرقمية.
تُعاد صياغة العالم، ويُعاد تعريف الإنسان نفسه:
من يستحق أن يُسمَع صوته؟
ومن يُسمَح بإقصائه بصمت؟
من تُعدّ آلامه مأساة كونية، ومن تُصنَّف جراحه كأرقامٍ عابرة؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية أو فلسفية، بل تُمارَس يوميًا ببرود، وتُدار بخوارزميات، وتُبرَّر بخطابات ناعمة.
وهذا كلّه ليس رجماً بالغيب، ولا قراءة متشائمة للمستقبل، بل توصيف لواقع يُعاش.
وهذا كلّه ليس رجماً بالغيب، ولا قراءة متشائمة للمستقبل، بل توصيف لواقع يُعاش.
السؤال الحقيقي لم يعد: إلى أين يتجه العالم؟ فملامح الاتجاه باتت واضحة.
السؤال الأثقل هو:
كيف يصمد الإنسان في ظلّ هذا الانقسام الحاد؟ كيف يحافظ على إنسانيته دون أن يتحوّل إلى كائنٍ قاسٍ أو مُستلب؟
وكيف يبقى واعيًا دون أن يبتلعه الغضب أو تستهلكه اللامبالاة؟
الصمود هنا لا يعني التبلد، ولا الانسحاب، ولا القسوة. الصمود يبدأ من إعادة تعريف الذات، أن يعرف الإنسان موقعه القيمي قبل موقعه الجغرافي، وأن يدرك أنّ الثبات على المعنى أهم من الانتصار في معركةٍ خطابية عابرة. في زمن الاستقطاب، يُصبح الوعي فعل مقاومة، ويغدو التفكير الهادئ شجاعة نادرة.
الصمود يعني أن نختار ما ندخله إلى عقولنا وقلوبنا، وأن نُدرّب أنفسنا على التمييز بين الصخب والحقيقة، وبين القضايا المصيرية والمعارك المصطنعة. أن نحتفظ بمسافةٍ أخلاقية تمنعنا من التحوُّل إلى نسخةٍ أخرى من التطرف الذي نخشاه، وأن نُبقي جذوة الرحمة حيّة دون أن نُفرّط في البصيرة.
ربما لن يكون عام 2026 عامًا سهلًا، وربما لن يحمل إجابات مطمئنة، لكن الإنسان الذي يمتلك وضوحًا داخليًّا، وجذورًا قيمية عميقة، وقدرة على مراجعة نفسه دون جلد، هو الأقدر على العبور. ليس لأنّه الأقوى، بل لأنّه الأصدق مع ذاته.
وفي خضم هذا الاضطراب الكوني، يبقى الإيمان ليس مهربًا من الواقع، بل بوصلة للثبات داخله. الإيمان ليس شعارات تُرفع، ولا عاطفة مؤقتة تُستدعى عند الخوف، بل يقينٌ عميق بأنّ هذا الكون –رغم فوضاه الظاهرة– لا يخرج عن تدبير الله، وأنّ الظلم مهما اتّسع لا يسبق عدلًا كُتب، ولا قوةً بلا أجل. الإيمان يعلّم الإنسان ألا يربط نجاته بتغير العالم، بل باستقامة قلبه، وألا يقيس صموده بما يملكه من أدوات، بل بما يحمله من صدقٍ وتوكل. ففي زمن تتشقق فيه الطرق، وتختلط فيه الأصوات، يبقى الثبات على الحقّ عبادة، والوعي أمانة، وحراسة القلب من القسوة لونًا من ألوان الجهاد الخفي. ومن أيقن أنّ الله معه، لم تزعزعه مفرقعات العابرين، ولا أخافته خرائط الباغين، لأنّه يعلم أنّ العاقبة ليست للأعلى صوتًا بل العاقبة للمتقين.
الصمود هنا لا يعني التبلد، ولا الانسحاب، ولا القسوة. الصمود يبدأ من إعادة تعريف الذات، أن يعرف الإنسان موقعه القيمي قبل موقعه الجغرافي، وأن يدرك أنّ الثبات على المعنى أهم من الانتصار في معركةٍ خطابية عابرة. في زمن الاستقطاب، يُصبح الوعي فعل مقاومة، ويغدو التفكير الهادئ شجاعة نادرة.
الصمود يعني أن نختار ما ندخله إلى عقولنا وقلوبنا، وأن نُدرّب أنفسنا على التمييز بين الصخب والحقيقة، وبين القضايا المصيرية والمعارك المصطنعة. أن نحتفظ بمسافةٍ أخلاقية تمنعنا من التحوُّل إلى نسخةٍ أخرى من التطرف الذي نخشاه، وأن نُبقي جذوة الرحمة حيّة دون أن نُفرّط في البصيرة.
ربما لن يكون عام 2026 عامًا سهلًا، وربما لن يحمل إجابات مطمئنة، لكن الإنسان الذي يمتلك وضوحًا داخليًّا، وجذورًا قيمية عميقة، وقدرة على مراجعة نفسه دون جلد، هو الأقدر على العبور. ليس لأنّه الأقوى، بل لأنّه الأصدق مع ذاته.
وفي خضم هذا الاضطراب الكوني، يبقى الإيمان ليس مهربًا من الواقع، بل بوصلة للثبات داخله. الإيمان ليس شعارات تُرفع، ولا عاطفة مؤقتة تُستدعى عند الخوف، بل يقينٌ عميق بأنّ هذا الكون –رغم فوضاه الظاهرة– لا يخرج عن تدبير الله، وأنّ الظلم مهما اتّسع لا يسبق عدلًا كُتب، ولا قوةً بلا أجل. الإيمان يعلّم الإنسان ألا يربط نجاته بتغير العالم، بل باستقامة قلبه، وألا يقيس صموده بما يملكه من أدوات، بل بما يحمله من صدقٍ وتوكل. ففي زمن تتشقق فيه الطرق، وتختلط فيه الأصوات، يبقى الثبات على الحقّ عبادة، والوعي أمانة، وحراسة القلب من القسوة لونًا من ألوان الجهاد الخفي. ومن أيقن أنّ الله معه، لم تزعزعه مفرقعات العابرين، ولا أخافته خرائط الباغين، لأنّه يعلم أنّ العاقبة ليست للأعلى صوتًا بل العاقبة للمتقين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق