الأربعاء، 7 يناير 2026

الهدايا الصامتة: تأملات في السعادة والعزلة

الهدايا الصامتة: تأملات في السعادة والعزلة

  • الهدايا الصامتة.. حين تكون السعادة قيدا والعزلة صيدا

قد ينتاب بعضنا شعور يفضي به إلى الجلوس وحيدا، حيث يبدو المكان صاخبا بذكريات جميلة، وصور تلامس الحب في أسمى مراتبه. بل إن الإحباط الذي منيت به النفوس الجريحة، والغارقة في دوامة اللوم المتكرر للذات، وتحميلها ما لا تطيق، مما تظنه سوء اختيار لمن أوت إليه ساعة في فردوسها، تتبادل معه الحديث، وتتقاسم معه يومياتها المبتذلة؛ حتى إنها لم تخفِ عن قرينها بساطة عالمها، في حين ينظر الآخرون إليها بعين التقديس، والاشتياق لمخالطتها.

لنتذكر معا لحظاتنا المنسية، تلك التي لم تجمعها صور أو لافتات، ولم تحشر في سطور المذكرات. ولنقم معا- أو على الأقل كل في محرابه- بمناجاة ذواتنا بصدق وإخلاص: كيف لتلك اللحظات أن تمر بسرعة، من دون أن نستشعر المتعة التي منحتنا إياها، ونحن بين ظهراني التخلي والتعلق؟ حيث القلوب تحج لبعضها في منازل الاشتياق والرضا، بينما تبلى الأجساد، لمجرد أن صورة من نحب تحبس في لحظة عابرة، ويمحى- بسوء تقديرنا للأشياء- أثر السعادة التي نتعجل اقتفاءها.

وهذا العرض، على قدر يسير من الرضا، هو هدية تجارب إنسانية في غاية القسوة والسعادة معا. إنه لا يحاكي نوعا بشريا مختلفا عن ذاك الذي يعيش على أرائك فارهة، بل يقتفي السعادة بوصفها غاية البشر في منتهى مصائرهم، ويستكشف جدوى العزلة حين تكون خيارا.

وعبر كلماته، نقترب أكثر من معنى الهدايا الصامتة التي تمنحنا إياها الحياة، رغبة منا في الاستمرار، وامتحانا قد يفشل فيه كثيرون ممن لا يحسنون الإصغاء إليها.

يفصح ما لا يمنح بطلب عن شعور تجاه الآخر المتواطئ جماليا؛ فاللحظة الاستثنائية في تمكين الرغبة من المحب لا نملك جردها ووضعها في ميزان العقل الذي يتوقف عند سؤال الاختيار

ما يمنح بلا طلب

قد تكون بعض الرغبات شوقا شديدا، لكنها في غالب الأمر حالة من الإذعان الطوعي لما يعتقد أنه عالم مكمل لنا. أقصد أن نكون نحن جزءا في لحظة ترسم صورة لنا، مرهونة بالطمأنينة والسعادة، فحين نرغب في الآخر إنما نقتاد له، لا لشيء إلا لأنه أصبح عالمنا الخاص، أو بالأحرى اكتشفنا أننا ظل لذلك الوصف المتداعي نحونا.


إعلان

إن ما يمنح بلا طلب بالكاد يعرف عن نفسه، أو يرسم ملمحا خاصا به، حتى إنه يفتقد اسما تختزله دلالات الاقتراب والتعارف منه. فما يميزه عن السائد ثقافيا واجتماعيا وتاريخيا، ذلك المنح الطوعي والانقياد النقي من دون فرض نوع من المصالح.

فحيثما تأتي الهدايا، تكون بالضرورة اختيارا فنيا لشعور الانقياد نحو المحب، وتوقا جماليا لمعرفة ما يتوارى خلف أسوار ذوات تبتسم للعالم جميعا، لكنها تختص بأحزانها وخيباتها رفيقا، يدرك أن السعادة قد تكون في الانتظار.

ليست الهدايا في قيمتها المادية، وإن كان الكثيرون يعدونها إبرازا لمنزلة المهدى إليه، لكن رمزيتها الحقيقية هي في اختصاصها؛ إذ إنها ليست أداة للتواصل فحسب، بل هي اعتراف جلي بمكانة من نحب، وإقرار بأننا بحاجة إلى المختلف عنا، والممتنع عن إبداء شعوره تجاه الآخر، حيث يكتفي بنظرة خلف ما يتخيله عن المرغوب فيه، أو غيرة تأسره في غياهب الفقد.

يفصح ما لا يمنح بطلب عن شعور تجاه الآخر المتواطئ جماليا؛ فاللحظة الاستثنائية في تمكين الرغبة من المحب لا نملك جردها ووضعها في ميزان العقل الذي يتوقف عند سؤال الاختيار.

إذ حينما تكون "أنت" الهداية الممنوحة للأنا، فإن قواعد الاشتباك تنحاز نحو عالم طفولي مليء بالإثارة والرغبة والاشتياق. وهذا الإفصاح إنما تعبير مجازي عن شعور الانقياد للسعادة، حيث لا نحمل هموم المستقبل، ولا نكترث للمواقف المتناقضة، إذ يكفي أن نكون على هشاشتنا مع من نحب.

السعادة تكمن في أن يختار الإنسان العزلة عالما، حيث يعود إلى ذاته ليكتشف أن ثمة أشياء تناسى أن يجعل منها هدايا صامتة لأولئك الذين اقترنوا به في رحلة العمر

ما لا يعلن عن ذاته

لا يفترض بالكلام أن يجعل تعبيرات البشر ومشاعرهم رهن المفردات؛ فثمة لغات أخرى يتواصل بها بنو آدم. فالفن والثقافة، على اختلاف واقعيتهما وامتزاج خيالهما، يسبران أغوار النفس وطبائعها. والغريب أن خلقا كثيرين ممن يحسنون الحديث، اختاروا أن يرجعوا إلى ذواتهم، يعتنون بها بعدما أسلمها الزمان إلى خيباتها، وأفقدها أغلى ما أهدي لها.

حين نختار الصمت، فهو بداية مرحلة حساسة، يتأخر الكثيرون في خوض تجربتها؛ حيث تسمع أصوات الداخل المتراكمة، وترى صور الذكريات المنسية، وتستنطق اللحظات الاستثنائية. إذ لا نبحث عن ماهية الأشياء وعالمها بقدر ما ننظر إلى ذواتنا: أنى لها أن تقف على أبواب المحبين، وهي بعد لا تدرك أن الرغبة الشديدة في التملك إنما تفسد الذات، قبل أن تنخر العالم بالصراع والظلم والقسوة.

عندما لا نعلن عن ذواتنا، فإننا نهب الآخر إذنا ليستنطق عالمنا ويبحر فيه بكل أمان، كي يشعر أن ثمة حاجة ملحة لخلق لغة مغايرة، ومعبرة فنيا عن جمالية اللقاء. إذ إن الصمت يوجب الاستماع جيدا لمن حولنا، والنظر في تفاصيل بسيطة، تمنح المحبين تاريخا لطي ذكرياتهم، وترتيب صورهم المبعثرة. فالكثير منا قد قرن لحظاته بأغنية ما، أو مكان قدر له أن يجتمع فيه مع من يحب، أو صدمة جعلت اللحظة مفترقا صعبا لمعرفة الآخر الذي هيمن على هويتها وتاريخها وثقافتها.

والسعادة تكمن في أن يختار الإنسان العزلة عالما، حيث يعود إلى ذاته ليكتشف أن ثمة أشياء تناسى أن يجعل منها هدايا صامتة لأولئك الذين اقترنوا به في رحلة العمر. فاعتزال الخلق لا يعني بالضرورة نفي المرء جسدا، وإنما أن يعيش اغترابا مربكا، وهاجسا مقلقا، يمنحه السكينة أمام سطوة الموت وتقلبات الحياة الموجعة.

مهما بدت قوتنا في اختيار العزلة عالما، فإننا نظل دائما رهائن النقص الذي يعتلي هواجسنا؛ فالعزلة العظيمة أن يعود الإنسان إلى ذاته، ضمن عالم تتآكله الرغبة في التملك والاستهلاك المفرط

فبينما يخوض الآخرون حروبا لنيل ما تذروه الحضارة من فتات قيمها الاستهلاكية، يختار المغترب طوعا التخلي عن العالم، والرضا بما تناله النفس في سعيها نحو الخلاص.


إعلان

ولنقل إن العزلة غنيمة في غاية الكلفة والحساسية، لكنها قد تكون جزءا مهما من الحياة كونها قرارا صعبا. فأحيانا يحتاج بعضنا إلى الانسحاب، والتخلص من وهم الاقتران الأبدي، لفهم أكثر صبرا ووعيا للذات وللعالم.

وأيا كانت نهايات اختياراتنا، فثمة عنوان يملأ المكان والزمان معا؛ إنه ببساطة هدايانا الصامتة، حين نكون نحن والآخر على إنسانيتنا، وطبيعتنا، وعفويتنا، من دون تكلف، أو طلب للتعاطف.

إن تاريخ الهدايا هو ذاكرة الإنسانية، منذ أن كانت القرابين تقدم عطايا، وقد ارتبط تطورها بشكل وثيق بمفهومنا للأشياء، لا بالعلاقة الجوهرية بين الجنس البشري. ونحن، إذ نعود إلى ذواتنا، إنما نخاطب طبائع الآخر بلغة الجمال والفن الراقي، من الداخل، حيث الضعف والاشتياق والتعلق والتخلي.

ومهما بدت قوتنا في اختيار العزلة عالما، فإننا نظل دائما رهائن النقص الذي يعتلي هواجسنا؛ فالعزلة العظيمة أن يعود الإنسان إلى ذاته، ضمن عالم تتآكله الرغبة في التملك والاستهلاك المفرط.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق