أيمن العتوم…
وصفي عاشور أبو زيد

نشرت الصحف أمس الجمعة 9 يناير 2026م عن زوجة وابنة الروائي والكاتب الأديب أيمن حسين العتوم أن السلطات استوقفته في أحد طرق الأردن، وأنزلته من سيارته واقتادته إلى جهة غير معلومة، وتركت زوجته وأمه الكبيرة في السن بالسيارة.
وحين تعتقل السلطةُ كاتبًا، فهي لا تُمسك جسدًا بقدر ما تُخاصم ذاكرة، ولا تُقيِّد يدًا بقدر ما تُضيّق على سؤال، وفي اعتقال أيمن العتوم يتقدّم الأدب من هامش الثقافة إلى صدارة المعنى؛ لأنّ العتوم لم يكن يومًا كاتبَ تسلية، بل صاحب مشروعٍ سرديٍّ هادف ورسالي؛ حيث أدرك باكرًا أنّ الرواية قد تُصبح وثيقة، وأنّ الكلمة – إذا صدقت – تُقلق أكثر مما تفعل الخطب.
وُلد أيمن العتوم في سوف من جرش 2 مارس 1972م، في بيئةٍ لا تفصل بين اللغة والهوية، ولا ترى في العربية أداة تواصل فحسب، بل بيتًا للمعنى والانتماء، وقد كان لوالده، الأكاديميّ المنتمي إلى الحركة الإسلامية، أثرٌ مبكّر في تشكيل علاقته باللغة، لا بوصفها تخصّصًا جامعيًّا فقط، بل بوصفها قدرًا معرفيًّا وأخلاقيًّا، من هنا نفهم كيف ظلّ القرآن حاضرًا في عناوينه، لا زخرفة بلاغية، بل مرجعية رمزية عميقة.
المفارقة اللافتة في سيرة العتوم أنّه بدأ مهندسًا مدنيًّا، درس الخرسانة والخرائط والحسابات الدقيقة، ثم اختار أن ينتقل إلى اللغة العربية، وأن يبلغ فيها أقصى درجاتها العلمية حتى الدكتوراه في النحو واللغة، وقد كشف هذا الانتقال عن عقلٍ بنيويٍّ يرى في اللغة نظامًا، وفي الجملة هندسة، وفي النص بناءً له قوانينه الداخلية، وهو ما انعكس لاحقًا في صرامة معماره السردي.
غير أنّ التحوّل الحاسم في مساره لم يكن أكاديميًّا، بل وجودي؛ فقد شكّلت تجربة الاعتقال السياسي في تسعينيات القرن الماضي جرحًا معرفيًّا مفتوحًا، تحوّل لاحقًا إلى نواة مشروعه الروائي، فلم يكتب العتوم عن السجن بوصفه مكانًا مغلقًا فحسب، بل بوصفه اختبارًا للكرامة، ومختبرًا للأسئلة الكبرى: الحرية، والعدالة، والمعنى، والإنسان حين يُجرَّد من كل شيء إلا صوته الداخلي.
في رواية "يا صاحبي السجن"، لا نقرأ سيرةً ذاتيةً تقليدية، بل نصًّا يشتغل على تحويل التجربة الفردية إلى وعيٍ جمعي .. السجن هنا ليس جدرانًا، بل نظام، والخوف ليس ضعفًا بل أداة حكم؛ لذلك وجدت الرواية صداها الواسع وجمهورها الكبير؛ لأنها خاطبت القارئ العربي في نقطةٍ حسّاسة: ماذا يبقى من الإنسان حين تُسلب حريته؟ وكيف تُستعاد الحرية بالكلمة؟
ثم جاءت "يسمعون حسيسها" لتوسّع أفق السرد من المحلي إلى الإنساني، ومن التجربة الذاتية إلى شهادةٍ عابرة للحدود، ففي هذه الرواية، بلغ العتوم ذروة التماهي بين الفن والواجب الأخلاقي، فكتب عن السجون السورية بلسانٍ لا يدّعي البطولة، بل ينحاز إلى الضحية، ويجعل الألم لغةً، والذاكرة مقاومةً، والصمت جريمةً لا يُراد لها أن تتكرّر.
اللافت في مشروع العتوم أنّه لم يحصر نفسه في “أدب السجون”، بل وسّع نطاق اشتغاله إلى التاريخ، والدين، والسياسة، والحب، والموت، والحرية. في "تسعة عشر" و«ذائقة الموت» و«أنا يوسف»، تتقاطع السرديات الدينية مع الأسئلة الوجودية، ويُستدعى النصّ القرآني بوصفه أفقًا تأويليًا، لا خطابًا وعظيًّا، فتتجاور الرواية مع التفسير، ويصير الأدب فعلَ تفكير.
ولم يكن اختياره لعناوين قرآنية مصادفةً لغوية، بل موقف ثقافي؛ إذ أراد أن يستعيد النصّ المقدّس من الاستخدام السياسي الضيّق، وأن يُعيده إلى فضاء الأسئلة الإنسانية الكبرى؛ لذلك بدا أدبه – في عمقه – دفاعًا عن المعنى في مواجهة الابتذال، وعن القيم في مواجهة التسطيح، وعن اللغة في مواجهة الاستهلاك.
أما في الشعر، فقد حافظ العتوم على النبرة نفسها: نبرة المشغول بالقضية، لا المنفصل عنها: من القدس إلى غزة، ومن الجوع إلى المنفى، ظلّت القصيدة عنده مساحة احتجاجٍ جمالي، لا نشرةَ أخبار، ولا شعارًا مباشرًا؛ ولهذا حضرت أعماله في مئات الأمسيات، ووجدت صداها في القراءات النقدية، والرسائل الجامعية، والدراسات التي تناولت سردَه وشعريته وبناءه الرمزي.
وما يزيد تجربة أيمن العتوم دلالةً وعمقًا أنّها استطاعت أن تشقّ طريقها إلى جمهورٍ واسع في زمنٍ تُعلن فيه الإحصاءات تراجع القراءة، وتتنازع فيه انتباهَ الناس منصّاتُ التواصل الاجتماعي، وسهولةُ المحتوى السريع، وتدفّقُ أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُغري بالاختصار بدل المعايشة، ومع ذلك، ظلّ العتوم حالةً استثنائية؛ إذ أقبل القرّاء على رواياته ودواوينه إقبال من يبحث عن معنى لا عن ملخّص، وعن تجربةٍ حيّة لا عن اقتباسٍ عابر، وقد بدا هذا جليًّا في معارض الكتاب العربية والدولية، حيث تحوّلت توقيعاته إلى لقاءاتٍ ثقافية مكتظة، وتصدّرت أعماله قوائم المبيعات، وكأنّ القارئ العربي – رغم كل ما يُقال – ما زال حين يُعرض عليه أدبٌ صادق، عميق، ومشغولٌ بقضاياه، يعود إلى الكتاب بوصفه ملاذًا، لا ترفًا، وإلى الرواية بوصفها فعلَ وعيٍ ومقاومةٍ في آنٍ واحد.
ولأنّ الكلمة الصادقة لا تمرّ بلا ثمن، تعرّضت بعض أعماله للمنع والملاحقة، وحوكم بسبب رواية، وكأنّ النصّ بات متهمًا لأنه لم يُهادن، وهذه المفارقة – تاريخيًّا – ليست جديدة؛ فغالبًا ما يُحاكم الأدب حين يعجز الواقع عن الردّ على أسئلته، ومن هنا، فإنّ اعتقال أيمن العتوم لا يُقرأ خارج هذا السياق: سياق الخوف من الرواية حين تصبح وثيقة إدانة، وحين تتحدث عن الحقائق المرة، وتعكس صورة الواقع الأليم.
إنّ خطورة ما جرى لا تكمن في شخص الكاتب وحده، بل في الرسالة التي تُبعث إلى المجال الثقافي بأسره: أن يُعاد تعريف حدود المسموح والممنوع، وأن تُختبر حرية التعبير في أكثر صورها هشاشة؛ لذلك فإنّ التضامن مع العتوم ليس موقفًا عاطفيًّا فقط بقدر ما هو دفاعٌ عن حق المجتمع في أن يسمع روايته، وعن حق الأدب في أن يؤدي وظيفته النقدية ومهمته الرسالية.
أيمن العتوم، في المحصلة، ليس مجرّد روائي ناجح، ولا شاعرٍ ذائع الصيت، بل شاهدٌ على عصرٍ مضطرب، اختار أن يكتب من داخل الجرح لا من شرفته، وأن يدفع ثمن الكلمة بدل أن يساوم عليها، ومن هنا، فإنّ الحرية التي نطالب بها له اليوم، إنما نطالب بها للغة، وللذاكرة، وللحقّ في أن نقول: إنّ الأدب حين يكون صادقًا لا يُحبس، بل يجب أن يُكرم ويحتفى به.
نسأل الله أن يفكّ أسره، وأن يحفظه وأمثاله من حملة الكلمة الحرة، وأن يبقى الأدب العربي قادرًا على الشهادة، مهما اشتدّ القيد، ومهما ضاق الهامش؛ فالتاريخ لا يتذكّر السجّانين، بل يتذكّر من كتبوا في وجههم، وبقوا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق