التصالح مع الجنون
من مادورو إلى عبد المنعم أبو الفتوح
وائل قنديل
من غزة إلى فنزويلا، تم الكشف عن الولايات المتحدة باعتبارها الشرير المتسلسل.
جوناثان كوك
6 يناير 2026 14:40 بتوقيت غرينتش | آخر تحديث: منذ 15 ساعة و40 دقيقة
تم تمهيد الطريق إلى كاراكاس - وربما إلى جانب كولومبيا وكوبا وغرينلاند، وهي أهداف أخرى لجشع دونالد ترامب الاستعماري - في غزة
هل كان بإمكان دونالد ترامب أن يسلك مع نصف الكرة الأرضية الغربي على هذا النحو لو كانت أوروبا لا تزال محتفظة ببعض العقل، وقليل من قيمها ومبادئها التي لم تتوقّف عن التغنّي بها؟.
هل كان من الممكن أن تشرعن إدارة ترامب جرائمها الجنونية، لولا أنها أيقنت أن العالم يعيش مرحلة عُريٍ حضاري كامل؟ ...
بعد القرصنة على فنزويلا وخطف رئيسها، هرولت أوروبا العجوز إلى تغطية الجريمة بإعلان الاتحاد الأوروبي أن العملية قانونية ومبرّرة، كون الرئيس الفنزويلي المخطوف دكتاتور، من دون أن تسأل دول أوروبا نفسها: ماذا عن بنيامين نتنياهو الصادر بحقّه قرارات إدانة واعتقال من أعلى محكمة توافَق عليها العالم، لتكون حاجزاً يحول دون الارتداد إلى العصور الوسطى؟.
هي الانتهازية الصفيقة وحدها التي جعلت عواصم تدّعي التنوير تغرق في ظلام حضاري وأخلاقي دامس، ولا تفكّر قبل أن تصفق للقرصنة الأميركية، لتجد نفسها بعد ساعاتٍ قليلةٍ من المواء تحت مائدة ترامب واقعة في تناقض أخلاقي وقانوني مشين، بإعلان الرئيس الأميركي رغبته أو نيّته في تكرار ما جرى في فنزويلا اللاتينية مع الدنمارك الاوروبية الخالصة، بضم جزر غرينلاند إلى الولايات المتحدة الأميركية. ...
هنا فقط صدرت بيانات الرفض والإدانة والاستنكار من بريطانيا وفرنسا وباقي دول القارّة لهذا التحرش بدولة أوروبية، وسمعنا كلامًا عن انتهاك القانون الدولي، والافتئات على الشرعية الدولية، والاستخفاف بسيادة الدول.
في بيان المستشارية، ثمّة غضب عارم، وبكاء على المبادئ والقيم المشمولة في مبادئ ميثاق الأمم المتحدة "ولا سيما السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود وهذه مبادئ عالمية، ولن نكفّ عن الدفاع عنها".
يقول البيان، لتأتي متحدّثة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، لتقول إن "ميثاق الأمم المتحدة واضح جداً، إذ ينص على مبدأ أساسي في القانون الدولي، يتمثل في عدم جواز تهديد الدول باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة".
ماذا لو سكت ترامب عن الجزر المرتبطة بالدنمارك، وقرر الذهاب إلى كولومبيا بعد فنزويلا؟
لن يكون مفاجئاً لو اعتبرت أوروبا الأمر عاديّاً ومبرّراً وقانونيّاً وشرعيّاً، فالعالم عاد إلى ظلامه، وسقط كل الكلام عن قيم المساواة والعدل في اختبار فنزويلا، كما سقط من قبل في غزّة، حيث تصالح الكل مع الإجرام الصهيوني، ومع فكرة أن يكون نتنياهو متحكّماً في عمل المنظمات والهيئات الدولية الإنسانية.
باختصار، تصالح العالم مع جنون القوة، التي باتت المصدر لشرعية الفعل، والمحدّد لردة الفعل، فكلما زاد ضعف الضعفاء كانت جريمة الجاني عاديةً، ولا تعدم المبرّرات.
هكذا تُدار الأمور من فنزويلا ودول الكاريبي إلى السجون المصرية، كما يحصل مع مرشّح سابق للرئاسة ورئيس حزب سياسي واسم بارز في تاريخ السياسة المصرية، اسمه عبد المنعم أبو الفتوح، الذي يقبع في زنزانة انفرادية مظلمة منذ نحو عقد، محروماً من الزيارات ومن العلاج. وبالرغم من ذلك، يصدر قرار قضائي جديد بمد إدراجه على قوائم الإرهاب خمس سنوات أخرى بحيثياتٍ هي الجنون بعينه، حيث وضعته محكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ مع 27 آخرين على قوائم الإرهاب، بدعوى مشاركته في اجتماعات داخل محبسه بزنزانة انفرادية لـ"تفعيل الدعم المالي، وشراء أسلحة، ورصد ضباط ومنشآت، لاستهدافهم".
الرجل في العقد الثامن ولا يرى الشمس منذ سنوات، وابنه الاكبر الذي كان يتابع قضيته اقتيد إلى السجن هو الآخر، ووضع على قوائم الإرهاب، في إجراء تكرّر مع آلاف الحالات، حتى بات الجميع يتعامل مع الأمر باعتيادٍ مخيف، وكأن الجنون صار القاعدة والعقل هو الاستثناء.
لا تختلف عملية استهداف أبو الفتوح وآلاف غيره عن استهداف ترامب زعماء دول أميركا اللاتينية، إذ لا أحد يتوقّف عن الحجج والحيثيات المجنونة التي تساق لتمنح كل هذا الجنون شرعية الأمر الواقع. إنه جنون الاستبداد الذي يتفاقم كلما تعاطى البشر مع تصرّفاته بوصفه الواقع الذي لا بديل له.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق