الأحد، 11 يناير 2026

الربيع الأميركي الصهيوني في إيران

 الربيع الأميركي الصهيوني في إيران

وائل قنديل

وفقًا للرؤية الأميركية الإسرائيلية المشتركة، الأحداث المتصاعدة في الداخل الإيراني الآن هي الفرصة الثمينة لاستكمال حزمة أهداف العدوان "الصهيو أميركي" على إيران في صيف العام الماضي، وبمنتهى الوضوح الوقح/ الوقاحة الواضحة في تبرير واشنطن العدوان على فنزويلا وخطف رئيسها، يتكرّر الموقف نفسه من الاحتجاجات في المدن الإيرانية. لم يعد ترامب وتابعه نتنياهو، والعكس هو الأصح، بحاجة إلى الكلام عن التدخّل عسكريّاً لدعم تطلعات الشعوب للحرّية وحقوق الإنسان، فغزو فنزويلا كان من أجل النفط والثروات الطبيعية ومعاقبة الرئيس مادورو على مواقفه العروبية الإنسانية الناصعة من العدوان على الشعب الفلسطيني في غزّة، وكذلك تأتي مقاربة تحالف واشنطن/ تل أبيب من الأحداث في إيران بوصفها فرصة سانحة لاستكمال تدمير القوة الإيرانية العسكرية والحضارية، بإعلان النية في التدخل عسكريّاً لدعم إسقاط النظام والدولة، من خلال تبنّي التظاهرات واحتضانها باعتبارها"الثورة" ثورة ترامب ونتنياهو وابن الشاه الذي ينفذ مهامه من العاصمة الأميركية.

ليس فيما يجري في إيران الآن أية ملامح لربيع ثوري حقيقي، بل هي احتجاجاتٌ محمولةٌ فوق قطع الأسطول الأميركي والترسانة الإسرائيلية، بغية إسقاط إيران من معادلات الشرق الأوسط، حتى وإن اتخذت الأحداث شكلاً شعبيّاً بدأ بالغضب من تردّي الأوضاع الاقتصادية، ثم سرعان ما أعلن الانسجام مع المطالب الأميركية الإسرائيلية.

والحال كذلك، يبدو مستغرباً من ثوار الربيع العربي المتقاعدين هذا الاندفاع الطفولي نحو الدفاع عن"ثورة أميركية إسرائيلية على إيران"، ومحاولة ترويجها بوصفها ربيعاً يشبه ربيعاً عربيّاً مغدوراً على يد أنظمةٍ هي بمثابة أذرع وأدوات تدار أميركيّاً وإسرائيليّاً. الربيع الثوري العربي كان يضع القضية الفلسطينية في القلب من أحلامه ومطالبه، إذ كان انتفاضاً من أجل إسقاط أنظمةٍ أمنت بقاءها بالتبعية الكاملة للمشروع الصهيوني، كما حدّدت خطواته واشنطن، والذي يتجه إلى الاكتمال الآن بعد إطاحته كل تجليات المقاومة العربية من طريقه، مستخدماً أنظمة تأسّست فوق جثة الثورات الشعبية الحقيقية. أما ما نراه في إيران، فهو مما يُسعد إسرائيل ويبهج أميركا ويثير لعاب النافذين في القارّة العجوز لإعلان الانتماء إلى ما تريدانه واشنطن وتل أبيب، كي تحظى ببعض الغنائم حال إسقاط إيران، عن طريق ذلك الغضب الملوّث بكل عوادم آلة الحرب الصهيونية.

والحال كذلك، يبدو مثيرًا للأسى ألا يدرك حكماء الربيع العربي المعتزلين أن إسقاط إيران بهذه الطريقة الأميركية هو الخطوة النهائية قبل إعلان الشرق الأوسط الإسرائيلي رسميّاً، والذي تتحوّل معه البلاد العربية إلى "فنزويليات" متناثرة على الخريطة، مجرّد مساحات مستباحة في أي وقت، من أجل الحصول على النفط والثروة، والمشهد على هذا النحو يشبه تمامًا لحظة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران 2025، إذ جاءت معظم ردّات الفعل العربية أشبه بمكلمةٍ دارت ما بين برود أكاديمي استعلائي واستعراضي، وبين غلٍّ طائفي طافح، باستثناءاتٍ معدودةٍ على أصابع اليد الواحدة لمتداخلين ومعلقين من فلسطين المحتلة كانوا يدركون الأمور على حقيقتها ويستشعرون الألم والخطر على قضية الإقليم المركزية إن نجح الأوغاد المعتدون في القضاء على القوة الوحيدة الباقية في المنطقة المناوئة لأطماع التوسع الصهيوني ومشاريعه، لتركيع المنطقة بأسرها لتكون في خدمته.

المعلن أميركيّاً وإسرائيليّاً في السابق وفي الوقت الحالي هو القضاء على كل مظاهر القوة الاستراتيجية لإيران، وفي القلب منها برنامجها النووي وترسانتها من الصواريخ، والشعار المرفوع بوقاحة هو: ممنوعٌ على أي طرفٍ في الإقليم امتلاك أيٍّ من مظاهر القوة يمكن أن يسبب نوعاً من الإزعاج للقوة الغاشمة غير الشرعية والوحيدة المسموح بوجودها وتعاظمها، وهي إسرائيل، إن لم يكن بالمقاتلات والصواريخ، فعن طريق تظاهرات تدار من هناك فتحرق ما تبقى من الأخضر واليايس هنا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق