الاثنين، 5 يناير 2026

لا الحياة ترحم ولا السقوط خيار

لا الحياة ترحم ولا السقوط خيار



حمد حسن التميمي



هل بدأت مشروعاً ثم تركته في منتصف الطريق؟

هل طاردت حلماً بكل ما تملك من وقت وجهد ثم وجدت نفسك تعود إلى نقطة الصفر خالي الوفاض؟


يحدث هذا لكثيرين؛ مشاريع تتعثر، وفرص

 تضيع، وأحلام تبقى حبيسة العقول لأن أصحابها

 يخافون أول هزة أو نظرة استهجان. في الطفولة

 نرى الدنيا كحديقة ألعاب كبيرة كل ما فيها مهيأ

 لنا، نطالب فنعطى ونبكي فنُحتضن، لكن ما إن

نكبر قليلاً حتى نصطدم بوجه آخر للحياة: رفض

 مفاجئ، فشل في امتحان، خسارة في عمل، خيبة

 في علاقة، فنفهم أن العالم لا يوزع الهدايا بالمجان

 وأن كل شيء له ثمنه من العرق والصبر وطول

 النفس. عند هذه النقطة تحديداً يبدأ الفارق بين من

 يرى الفشل علامة على أنه ليس أهلاً للنجاح،

 وبين من يتعامل معه كدرس قاس لكنه عادل؛ لأن

 الحياة تقول للجميع الرسالة نفسها، لكن القليل فقط هم الذين يسمعونها جيداً.

من أكبر الخدع التي نقع فيها أن نعتقد أن الطريق

 نحو الأحلام مستقيم ومفروش بالتصفيق والدعم،

 بينما الحقيقة أن النجاح يشبه صعود جبل طويل؛

 كل خطوة إلى أعلى تكشف حجراً جديداً يمكن أن

 تُزل القدم، لكنها تكشف أيضاً مساحة أوسع من

 الأفق. كثيرون يتوقفون عند أول انزلاق، يجلسون

 على حافة الجبل ويكتفون بالتحديق في القمة عن بُعد، يرون غيرهم يواصل الصعود فيظنون أنهم

 أقل موهبة أو حظاً، مع أن الفرق الحقيقي غالباً لا

 يكون في الذكاء ولا في الفرص بل في القدرة

 على النهوض بعد التعثر. 

ليست المشكلة في أن تسقط، فالسقوط جزء أصيل

 من اللعبة، بل في أن تستخدم سقطة واحدة ذريعة

 للاستسلام الكامل، وفي أن تسمح لصوت داخلي

 مهزوم أن يهمس لك: لقد حاولت وهذا يكفي.


تأمل للحظة حياتك كما هي الآن: 

كم مشروعاً تركته لأنه تأخر في إعطائك الثمار؟

 كم فكرة جميلة خزنتها في درج أو في ملاحظة

 على هاتفك ثم لم تعد إليها؟ كم مرة اختبأت خلف

 عذر «الظروف» حتى لا تواجه خوفك من

 التغيير؟ 

لا أحد ينكر قسوة الواقع ولا شراسة المنافسة ولا

 ضيق الوقت، لكن هناك حقيقة أخرى موازية: 

لا يوجد إنسان ناجح لم يذق مرارة الخسارة مرات

 لا تُحصى، غير أن هؤلاء تعلموا أن يحولوا كل

 سقوط إلى مراجعة لا إلى جنازة. 

بدل أن يجلدوا أنفسهم أو يكرهوا العالم، جلسوا مع

 تجاربهم وجهاً لوجه وسألوا الأسئلة الصعبة: 

أين أسرفت في التفاؤل؟ 

أين قصرت في الإعداد؟ 

من الذي وثقت به أكثر مما يجب؟ 

هذه الصراحة مع الذات هي أول خطوة للخروج

 من دائرة الضحية إلى دائرة الفاعل.

ولكي لا تبقى الفكرة نظرية، تذكر أن التعامل مع

 الفشل مهارة يمكن تعلمها مثل أي مهارة أخرى.

 ابدأ بتغيير لغتك الداخلية؛ لا تقل «انهزمت» بل

 «اكتشفت طريقة لا تناسبني»، لا تقل «أنا سيئ

 في هذا المجال» بل «لا زلت في مراحل التعلم».

 اسمح لنفسك أن تحزن قليلاً، لكن لا تجعل الحزن

 يقيم فيك؛ حدد وقتاً للندم ثم أغلق القوس وابدأ من

 جديد بخطوة صغيرة قابلة للتنفيذ اليوم لا غداً.

 دون أهدافك على الورق، قسمها إلى مراحل

 واضحة، وحدد لكل مرحلة موعداً ونهاراً محدداً

 لتقييم تقدمك. أحط نفسك بأشخاص يشبهون

 الصورة التي تريد أن تكون عليها، لا الصورة

 التي تهرب منها؛ ابحث عمن يلهمونك بالعمل لا

 عمن يريحونك بالكلام فقط. 

حافظ على جسد قادر على حملك في الطريق؛ نوم كاف، حركة بسيطة، وجرعة من العناية الذاتية تجعل عقلك أصفى أمام القرارات الصعبة.

إذا نظرت إلى المستقبل بعين من يستسلم اليوم، فستراه مظلماً مكرراً لا جديد فيه، أما إن قررت أن تجعل من كل سقطة درجة في سلمك الخاص فسيصبح الغد مساحة مفتوحة لنسخة أجمل منك لم تولد بعد. 

قد لا تستطيع التحكم في سرعة وصولك إلى أهدافك، لكنك تملك أن تختار ألا تتوقف، وهذا وحده يغير شكل النهاية. 

تخيل بعد سنوات أنك تنظر إلى الوراء فتجد أن مشاريعك التي تخيلتها يوماً مستحيلة أصبحت واقعاً، ليس لأن الحياة رقت قلبها عليك، بل لأنك رفضت أن تكون السقطة الأخيرة؛ كل مرة عدت فيها للوقوف أعدت صياغة مصيرك من جديد.

في النهاية، لا الحياة ترحم من يترك نفسه فريسة لخيباته، ولا الكرامة تقبل أن نختبئ خلف عذر السقوط إلى الأبد. 

نحن لا نُسأل كم مرة تعثرنا، بل ماذا فعلنا بعد كل

 تعثر: هل مددنا أيدينا نطلب من الحياة أن تجرنا،

 أم جمعنا شتاتنا ووقفنا على أقدامنا رغم الألم؟

 قرر أن يكون سقوطك استراحة محارب لا إعلان

 انسحاب، وامنح قلبك فرصة أن يندهش من قوته

 حين ينهض من جديد. 

قد لا يتغير العالم من حولك فوراً، لكن شيئاً عميقاً سيتغير في داخلك؛سوف تكتشف أن أثمن انتصار هو أن تنجو من نفسك الضعيفة، وأن تمشي في طريقك، مهما اشتد الظلام، مؤمناً بأن القمة لا تمنح نفسها لمن جعل من السقوط خياراً، بل لمن التزم أن يمضي، كل يوم، خطوة واحدة أخرى إلى الأمام.

Instagram: hamadaltamimiii

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق