الخميس، 8 يناير 2026

الكسوف الفكري في الأمة

 الكسوف الفكري في الأمة


د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي


في بداية القرن العشرين ظهر في العالم الإسلامي مفكرون كبار، ناقشوا قضايا التخلف، وقدموا أوراقا هامة في كل المجالات، فرأينا الأفغاني في جولاته، ومحمد عبده في قراءاته، ورشيد رضا في تأصيلاته، وأبو زهرة في تقعيداته، وعبد الوهاب خلاف في أطروحاته، وحسن البنّا في بناءه، وسيد قطب في تنظيراته، والغزالي في مناقشاته الهادرة، ومصطفي الزرقاء في نقاشاته العميقة، والعقاد في عبقرياته، والرافعي في أدبياته، والقرضاوي في مجلداته، وابن عاشور في تأملاته، والمودودي في موسوعيته، والندوي في زهده وثقافته، ومحمد إقبال في ثوريته الفكرية الهادئة، ومالك بن نبي في تحليلاته وتنظيراته.

في هذه الحقبة الزمنية الخاصة، لاحظنا في عالمنا أمورا ثلاثة:

١- وجدنا ثروة فكرية هائلة تمتاز بالتنوع والخصوبة، فرأينا الإنتاج الأدبي القوي من عظماء كالعقاد والرافعي وطه حسين، ووجدنا الي جانب ذلك ثروة فقهية هائلة من مجددين كبار أمثال أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف ومصطفي الزرقا والقرضاوي، وراينا كذلك الإنتاج الفكري الهائل من العقول الكبيرة أمثال المودودي وسيد قطب والندوي ومالك بن نبي.

٢- كان من الملاحظ وجود قراء ينتظرون من إصدارات المفكرين بشغف، ويقرؤون للجميع، ومن وراء هؤلاء ظهر الجيل الجديد من المفكرين الذين حملوا شعلة الإيمان والفكر معا، ومن هؤلاء الدكتور محمد سليم العوا، والدكتور محمد عمارة، والأستاذ فهمي الهويدي، والدكتور سلمان العودة.

٣- أنتجت هذه الأجواء الصحوة المسلمة التي شرّقت وغربت بسبب تشبّعها لهذه الأفكار، ومن هنا وجدنا الكتاب الاسلامي اكتسح الساحة بأرقامه، وعناوينه.

لقد كانت الصحوة في تلك اللحظة موصوفة باليقظة العقلية، لأن غالبية من انتمى إليها كانوا من المتعلمين، وخاصة من الذين درسوا في الجامعات الغربية، وفي الجامعات ذات التوجه العلماني، ووجدوا ضالتهم في الفكر الإسلامي، وأقنعهم الخطاب الإسلامي المنفتح، وخاصة خطاب ما قبل الأزمة، وتعاملوا مع فكر رشيد، وفقه سديد، ورأوا أن الإسلام في مشروعه يجيب من كل التساؤلات، وقرأوا للغزالي (مائة سؤال عن الإسلام)، كما قرأوا للقرضاوي (سلسلة حتمية الحل الإسلامي) وفهموا من العقاد في عبقرياته عظمة تاريخهم، وخرجوا من أزمة الهوية، ودرسوا كتب المودودي، ومنها عرفوا بداية الطريق، ومن هنا رأي العالم يقظة عقلية جديدة، ولكن ذلك كان قبل عسكرة الصحوة، وإخراجها من المربع الفكري والثقافي إلي مربع الجهاد في أفغانستان، وكان ذلك تخطيطا من قوي غربية وشرقية، فنجحوا في ذلك أيما نجاح.

بعد سقوط الإتحاد  السوفيتي، وخروجه من المعركة الكونية خاسرا، وانتصار المعسكر الغربي والليبرالي توجهت الرؤية إلي العدو المارد، فرأي الغرب يقظة عقلية في داخل العالم الإسلامي، وخطط لإشغالها في معارك وهمية، فكانت الحركات الراديكالية مهيأة للدخول في هذه المعرك نيابة عن الغرب وعملاءه، وظهرت الصحوة الخليجية المتأثرة في خطابها العام بالفكر الإخواني، والمسكونة في داخلها بالفكر السلفي، ففزع منها الحاكم الشرقي، كما خاف عنها الحاكم الغربي، وهي موجودة فوق آبار البترول، الرئة الأولي للاقتصاد العالمي، فدخلت الصحوة مرحلة حرجة جدا لم تخرج منها حتي اليوم، فقد خرج من عباءتها ألف حركة، منها العنيفة، ومنها الملكية أكثر من الملك، ولكن الخاسر الوحيد هو الإسلام في يقظته العقلية التي تأخرت.

في وسط التسعينيات من القرن العشرين، بدأت صحوة جديدة، ولكنها بنكهة ليبرالية، قبلت اللعبة، وادعت انها ما زالت إسلامية الوجهة، وظهر في الفضائيات نجوم جديدة، ولغة جديدة، سميتها (الخطاب الأنثوي) بكاء في الملأ، وأدعية بالمجان، وقراءة سطحية للحياة، وحلول سريعة للمشاكل، وأصبح الجميع دعاة علي خطي عمرو خالد، والحبيب الجفري، فبدأ العقل الإسلامي  يدخل في الغيبوبة، فلا نري إنتاجا أدبيا راقيا، ولا فكرا إسلاميا أصيلا، ولا نقاشات علمية في الفضائيات، فحتي أكون بعيدا عن التعميم، فقد كانت فضائية الرسالة تتميز حينا بطرح المشاكل الحضارية للأمة، وكان الكبار يأتون أحيانا لطرح الأجوبة، ولكنها كانت نقطة في عالم صار كله ظاهرة صوتية هائلة، ومن هنا تراجع الخطاب الإسلامي، ولم نلاحظ ظهور مفكرين كبار أمثال الغزالي في وزنه، والمودودي في عطاءه، وأبو زهرة في أطروحاته، فقد تعطل العقل الإسلامي وتحنط، وصار من المعلوم تسطيح الأفكار، وتبسيط القضايا المعقدة.

في هذه المرحلة كان المفكرون الكبار يكتبون كتبهم، ولكن شباب الصحوة كانوا يقرؤون حصن المسلم، والأدعية المأثورة، ومشاكل ما بعد الموت، ولكنهم كانوا بعيدين عن إصدارات علي عزت بيجوفيتش التي دوخت العقل الغربي، وعبد الوهاب المسيري الذي انطلق في نقد العقل الغربي، وإدوارد سعيد الذي درس الغرب من الداخل وانتقد الاستشراق من زاوية جديدة، وطارق رمضان الذي تحول إلي ظاهرة غربية بنكهة إسلامية، والشنقيطي فى تأملاته الجديدة، فهؤلاء العمالقة لا قراء لهم في عالم الصحوة اليوم، إنها لحظة كسوف فكرية، تتميز بالقراءة العاطفية للإسلام، وإنتاج الخطاب الفضائي الأنثوي، والانتظار  لمجيء منقذ من وراء الحجب.

لقد ودع الناس الكتب، واختاروا بدلا عنه التلفزيون قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، واليوم لا يبتعدون عن وسائل التواصل الاجتماعي، ويحاولون قراءة الكتابات السريعة، ويذهبون إلى هذا العالم الافتراضي ليسمعوا من الآخرين الفكر المعد، ورفض القرآن أن تكون وسيلة السمع بديلا عن وسيلة التعقل، فكلاهما مطلوبان لبناء الإنسان السوي ( وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السَّعير )، لا بديل عن القراءة إلا الجهل، ولهذا اختارت السماء أول نداءها ( أقرأ )، ولا بديل عن اليقظة العقلية في عالم يتميز بالصراع الفكري، ولكن المسلمين  قوم لا يقرؤون، وقد أفزعني بحث قرأته قريبا حيث ذكر فيه بأن كل (٢٠) مواطن عربي يقرؤون كتابا واحدا في السنة، بينما يقرأ كل مواطن بريطاني (٧) كتاب في كل سنة، فهل لاحظت الفرق بين هذه الأكوام البشرية، وبين هذه العقول الكبيرة؟ وتشير دراسة نشرتها الجزيرة بأن متوسط القراءة للمواطن العربي لا يتعدى ربع صفحة في العام كله، بينما يقرا المواطن الأمريكي (١١) كتابا في العام، إنها كارثة، ولكن الناس عندنا لا يلاحظونها، فهم يتدافعون علي أبواب المطاعم، ويتناطحون في الجلوس الطرقات، ويسهرون طويلا امام المسلسلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

نحن نعيش لحظة الكسوف الفكري بكل ما تعني الكلمة من معني، بينما يعيش غيرنا لحظات التألق، فالمكتبات في الغرب لها روادها، بل تجد حتي في المطاعم من يقرأ كثيرا وهو يأكل، بل رأيت أطفالا يخرجون رحلة مع أولياء امورهم وبصحبتهم الكتب، فلا يخرجون بلا كتب، إنهم يهتمون بالعقول كما يهتمون بالأجساد، ولكن السؤال الخطير، لمن العاقبة؟ ولمن الغلبة؟ هل يمكن للجهلة ان يُنافسوا العلماء؟ ممكن في العالم العربي والإسلامي، لان المحاباة هنا هو سيد الموقف، ولكن في عالم يحترم العلم والكفاءة، لا مكان للجهل ولا لأهله.

إن الكسوف الفكري يحب أن لا يطول فينا، فعلينا أن نخطط لبناء يقظة عقلية، فلا بد من ثورة علي الجهل ومصادره، ويجب أن نعلم أطفالنا القراءة، ومنها، وخلالها، يصنعون مستقبلهم الحياتي، ويتذكرون، أن من رباهم وضعهم في الصراط السوي.

إن غياب اليقظة العقلية أدّى إلى الكسوف الفكري، والكسوف الفكري أدّى إلى توقّف العقل من الفهم والمتابعة، والتوقف أدّى إلى حالة من العجز  والكسل الفكري، والكسل الفكري صنع ترهّلا شاملا، والترهّل الشامل أوجد قابلية للاستخدام المجاني.

لدينا اليوم أناس لا يدرون لماذا يقاتلون؟ ولا يعرفون لماذا يعيشون؟ بله أن يعرفوا كيف يعيشون؟ وهناك من يعيش فى الوحل، ولا تملك دولته شوارع عادية، ولكنهم يبنون القصور، ويرفعون المباني، ويجاهدون ضد عدو غير حقيقي، فالعدوّ الحقيقي هو الجهل، والفقر، وليس غير ذلك، لأن الناس حين يرتفع وعيهم يعرفون متى يتحركون؟ وكيف يتحركون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق