الأحد، 11 يناير 2026

عندما يمتلكُ المرءُ زمام نفسه!

 نقطة نظام

عندما يمتلكُ المرءُ زمام نفسه!

أدهم شرقاوي

حين كان «كورنيلوس فاندربلت» في سنِّ الثانيةَ عشرة، أُجبِرَ على العمل لصالح والده في مشروعه الصغير الخاصّ بالشَّحن، وكان عملًا شاقًّا، لذلك كرهه.

كان كورنيلوس طفلًا عنيدًا وطموحًا، وعقد العزم في ذهنه على الآتي: خلال أعوامٍ معدودةٍ سيؤسِّسُ مشروعه الخاصّ للشَّحن. هذا القرار البسيط غيَّر كلَّ شيء.

وباتت هذه الوظيفة التي يكرهها تدريبًا ممتازًا وضروريًّا؛ فقد تعلَّم سرَّ المهنة، وفهم قانون اللعبة.

في سنِّ السادسةَ عشرة، اقترض مائةَ دولارٍ من والدته، وهو مبلغٌ جيِّد في عام 1814، واستخدم المال لشراء قارب، وبدأ العبور بالمسافرين بين منهاتن وستاتن آيلاند. واستطاع أن يعيد المبلغ إلى والدته خلال عام.

ومع بلوغه سنَّ الحاديةِ والعشرين، كوَّن ثروةً صغيرة، وصار في طريقه لأن يصبح أغنى رجلٍ في زمانه.

ومن خبرته وضع شعاره الذي استمرَّ معه مدى الحياة:

لا تكن تابعًا أبدًا، كُنْ مالكًا على الدَّوام.

قبل أن نفتح نافذةَ الكلام ونُطلَّ منها على القصة، لا بدَّ أن نؤكِّد على عدَّة مفاهيم أوَّلًا:

1. الأرزاقُ مكتوبة، ونحن مأمورون بالسَّعي.

2. لو أمضى الإنسانُ عمره كلَّه في السَّعي فلن ينال أكثرَ ممّا كُتِب له.

3. التوقُّف عن السَّعي لتحصيل الرزق بحجَّة أن الأرزاق مكتوبة فهمٌ سقيم، وليس فيه شيء من التوكُّل، وإنَّما هو التواكُل بعينه.

4. نحن مأمورون بالعمل لأننا نعلم أن العمل بابُ رزق، ولكننا ونحن نعمل لا ننسى أبدًا أن الرزّاق في السماء.

5. سِمَةُ هذه الدنيا التفاوت، ولو كانت الأرزاق مقسَّمةً بالتساوي لما كان هناك عملٌ ولا سعي، فسبحان من قضى كلَّ أمرٍ لحكمةٍ يعلمها.

لا شكَّ أن الإصرار على تطوير الذات، والاستقلال بعملٍ خاصّ، أمرٌ محمود، ومضمارُ سباقٍ محترم، وكلَّما استقلَّ الإنسانُ ماديًّا كان أملكَ لنفسه.

على أنَّه في كلِّ قصة نجاحٍ مُلهمة، علينا ألّا ننسى أن الآلاف يقبعون في السجون لأنهم اقترضوا لأجل أن تكون لهم مشاريعهم الخاصّة. 
نعم، هناك فرقٌ بين ساعٍ وآخر، وبين محترفٍ وهاوٍ، ولكن ما منّا من أحدٍ إلّا سيأخذ ما كُتِب له.

الوظائفُ، وإن كانت مضمونةَ الراتب نوعًا ما، وتُضفي على حياة الإنسان قدرًا من الاستقرار، إلّا أنها تحمل في طيّاتها نوعًا من الرِّقّ المُغلَّف بالمدنيَّة الحديثة، ولن يفهم هذا المعنى إلّا شخصٌ كان له وظيفة، ثم صار له عمله الخاصّ.

ثمَّة شعورٌ رائع في أن يملك المرءُ زمامَ نفسه.

على أني لستُ من دُعاة التهوُّر، ولا تركِ المضمون لأجل الممكن، ولا مع المخاطرة بكلِّ شيء لأجل شيءٍ قد لا يكون.

أنا مع الجرأة المتعقِّلة… ولكن الأمر، فعلًا، يستحقّ!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق