الأحد، 11 يناير 2026

كوكبٌ آيِلٌ للانفجار!

 كوكبٌ آيِلٌ للانفجار!


ومَ بلغَ الحقُّ تمامَه، بكى عمرُ بنُ الخطّاب رضي الله عنه، لا لأنّ الفرحَ ضاقَ، بل لأنّ البصيرة اتَّسعتْ!

حين نزل قول الله تعالى:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾

أدرك ببصيرته أنّ القِمَم لا تُسكن طويلًا، وقال كلمته التي تلخّصُ السُّنن: ما بعد التمام إلّا النقصان!

فإذا كان الحقُّ، وهو حقٌّ، ينقص بعد كماله، فكيف بالظُّلم إذا بلغ قمّتَه؟

هذا كوكبٌ آيِلٌ للانفجار، لا لأنّ قوانينَ الفيزياء اختلّت، بل لأنّ ميزانَ العدل انكَسَر، ولأنّ الظُّلم حين يبلغُ القِمَّة لا يهبطُ بهدوء، بل يَسقُطُ صاخبًا كما سقطت إمبراطورياتٌ ظنّت نفسها خالدة!

هذا كوكبٌ جُرِّبَ فيه كلُّ شيءٍ إلّا الإنصاف!

واستُهلكت فيه كلُّ الشِّعارات، وبَقِيَ الإنسانُ وحده يدفعُ الثمن!

كوكبٌ تُدارُ فيه الحروبُ من خلف الشاشات، وتُتَّخذُ قراراتُ الموتِ بأصابعَ باردة، ثم يُطلَبُ من الضحايا أن يتحلَّوا بالصبر، ومن المقهورين أن يُتقنوا الصمت.

في هذا الكوكب، يُقتلُ الطفلُ لأنّه وُلدَ في المكان الخطأ، وتُمحى المدنُ لأنّها آمنت بالقضيّة الخطأ، ويُعاد تعريفُ الإرهاب كلَّ مساءٍ بحسب الجهة التي تضغط على الزِّرّ، رأينا فرعونَ يعودُ بربطةِ عنق، ورأينا هامانَ يكتبُ البيانات، ورأينا قارونَ يُدرِّسُ الاقتصاد، وما تغيّر المشهد، بل تغيّرت الأسماء، وكأنّ التاريخ لا يُعيد نفسه عبثًا، بل ليقول: إنّ الطغيان حين لا يُواجَه، يتقنُ التناسُل.

هذا الكوكب شهدَ روما وهي تبتلعُ العالم ثمّ تتآكل من داخلها، وشهدَ الأندلسَ يوم بلغ الترفُ فيها حدّ نسيانِ الرسالة، فدخلها السقوط من أبوابٍ مفتوحة، وشهدَ التتارَ حين ظنّ الناس أنّهم في نهايةِ التاريخ، فإذا بعينِ جالوت تُعيد ترتيب المعنى، وتقول إنّ القوّة التي لا أخلاقَ لها، عمرُها قصير!

وشهدَ الاستعمارَ الحديث وهو يرفعُ شعارَ الحضارة، ويتركُ خلفه قاراتٍ مكسورة، وحدودًا مشتعلة، وشعوبًا تتوارثُ الجراح.

وشهدَ أيضًا غزَّة، تُقصفُ وهي محاصَرة، لا لأنّها تهدّد العالم، بل لأنّها تُذكّره بضميره!

غزَّة التي  يُقاسُ فيها عددُ الشهداء بالساعة، ويُناقَشُ حقُّها في الحياة على موائد السياسة، تُهدَمُ بيوتها ثم يُسأل أهلُها عن سبب بقائهم، تُقطَعُ عنها الكهرباءُ والماء، ثم يُطالَبُ سكّانها بأن يكونوا عقلانيّين، ويُبَثُّ موتُ أطفالها حيًّا، ثمّ يُقال للعالم: هذه دفاعاتٌ مشروعة، وكأنّ الدم إذا كان عربيًّا، يفقدُ لونه، وإذا كان مسلمًا، يفقدُ اسمه.

لكنّ هذا الكوكب نفسه شهدَ يومًا عصًا تشقُّ البحر، ونارًا تكونُ بردًا، وجبروتًا ينهارُ أمام كلمةِ بلال: أَحَدٌ، أَحَد!

شهدَ المستضعفين في مكّة لا يملكون إلّا اليقين، فامتلكوا به ما عجزت عنه الجيوش!

شهدَ بدرًا حين كان العددُ ضدّ الحق، فكان النصرُ معه!

وشهدَ الأحزابَ وقد اجتمعوا، فذهبوا وبقيَ الوعد، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾

وما كان اللهُ ليخذلَ دينَه، ولا ليتركَ الأرضَ لقانون القوّة إلى الأبد.

الظلمُ اليوم في ذروته، نعم، لأنّه قبل السقوط لا يكونُ إلّا كذلك، والليلُ في أشدّ ساعاته ظلمةً لأنّ الفجرَ يتهيّأ، هذا كوكبٌ يتشقّقُ أخلاقيًّا قبل أن يتشقّقَ جيولوجيًّا، وما الانفجارُ القادمُ إلّا لحظةُ تصحيحٍ قاسية، تعودُ فيها الأشياءُ إلى أسمائها، ويُسألُ الإنسان: أين وقفتَ حين كان الحقُّ وحيدًا؟

ليس هذا تفاؤلًا ساذجًا، بل قراءةُ سُنَن، فكما سقطت دولٌ حين استعلت، وكما اندثرت قوى حين جعلت الإنسانَ رقمًا، سيسقطُ هذا النظامُ العالميّ حين جعلَ الدمَ تفصيلًا، والعدالةَ انتقائيّة، وسيبقى هذا الدِّين، لأنّه لا يقومُ على القوّة، بل على الحقّ، ولا ينتصرُ بالكثرة، بل بالثبات، ولا يشيخ، لأنّه متّصلٌ بالسماء.

كوكبٌ آيِلٌ للانفجار!

حين يصمّ العالمُ أذنيه عن أنينِ المظلومين، لا يكونُ الانفجارُ خطرًا، بل يكونُ العدالةَ حين تتكلّم، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”!

أدهم شرقاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق