الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

وطنيّون أم سيسيّون؟



وطنيّون أم سيسيّون؟

أحمدبن راشد بن سعيد


مدهش هذا الصمت الذي يخيّم على الصحافة السعودية أو المرتبطة بالسعودية تجاه الحملات الدعائية التي تشنها أبواق النظام الانقلابي في مصر على المملكة وسياساتها. ولو عدنا سنوات قلائل إلى الوراء، لوجدنا أن هذه الصحافة (أسمّيها صحافة من أجل النقاش فقط) كانت تشن ضد نظام الرئيسمرسي والحزب الذي  ينتمي إليه حملة فاشية تجردت من كل معايير المهنة ومواثيق الشرف، بل حتى من الأعراف التي تحكم العلاقات التاريخية بين السعودية ومصر.
واليوم، تَلزم هذه الصحافة (المطبوعة والمرئية) الصمت تجاه «انقلاب» الانقلاب على اليد التي أحسنت إليه،ومكّنت له في الأرض. لو نظرت إلى هذا الموقف من زاوية مهنية ومنطقية، لوجدته فشلاً آخر؛ إذ كيف يمكن تجاهل زعيق يوسف الحسيني ووائل الإبراشي وأحمد موسى وغيرهم من أبواق الانقلاب ضد السعودية.
كيف يمكن لقناة كالعربية، وجريدة كالشرق الأوسط أن تغضا الطرف عن الشتائم التي يكيلها إبراهيم عيسى، المقرّب من السيسي، لحكومة البلد الذي تنتميان إليه وتقتاتان من خيره، والتي يتهمها عيسى بأنها «داعشية» فكراً وسلوكاً؛ داعمة لـ «الإرهاب»، من خلال «تمويل الدواعش والسلفيين والوهابيين، الذين حولوا مصر المتنورة إلى صحراء ثقافية»، ومسؤولة عن «التخلف والرجعية والغبار، الذي أصاب مصر باستخدام أموال النفط، في نشر فكر...البداوة والصحراء»؟
كيف تتجاهلان تكرار عيسى مرة إثر مرة الزعم أن مصر ضحية غزو «الوهابية السلفية الحنبلية النفطية» التي تنتج السفاحين والقتلة والدواعش، وأنها حاولت من قبل على يد إبراهيم باشا القضاء عليه، ففشلت؟
وكيف تتجاهلان تحريضه السيسي على محاربة «الوهابية» بصفتها العقيدة المسؤولة عن «إغراق الوطن العربي كله بالتكفير والدم»؟
 الوسائط الإخبارية السعودية تجاهلت حتى اتهام «عرّاب العسكر» في مصر، محمد حسنين هيكل، المملكة بالتخلف، وزعمه أن نظامها الحاكم يفتقد مقوّمات البقاء، وأن الملك سلمان «ليس حاضراً بما يكفي»، كما تجاهلت هجوم رئيس تحرير الأهرام، محمد عبد الهادي علّام، على استقبال المملكة قادة حركة حماس، ووصفه ذلك بـ «الجهل وقصر النظر والاستعباط السياسي».

الصحافة السعودية لزمت الصمت حتى على تطاول رئيس مجلس إدارة الأهرام، أحمد النجار، على المملكة، في حفل عشاء جمعه مع السفير السعودي، أحمد القطان، في بيت السفير الجزائري بالقاهرة.

الاشتباك بين الرجلين تصدّر العناوين، لكن ليس على أعمدة الصحافة المعنية بالأمر وشاشاتها.
كان النجار عائداً لتوّه من رحلة لإيران، وطفق يدافع أمام السفير عن السياسة الإيرانية في المنطقة متهماً المملكة بأنها «هي التي قمعت الثورة في البحرين».
 كما حصلت ملاسنة بينهما بشأن الثورة السورية التي يناصبها النظام الانقلابي العداء. تعرّض السفير للإهانة، وانسحب غاضباً من الحفل.
لم تنبس قناة العربية ببنت شفة، ولم تنشر جريدة الشرق الأوسط حرفاً. على العكس، استمرت الوسائط الإخبارية «الوطنية» في التهليل لما تسميه «إنجازات» السيسي، وحربه على «الإرهاب»، و «تجديده» الخطاب الديني، واستمرت في النفخ في «البعبع الإخواني» الذي أراد يوماً تفكيك مصر، وبيع سيناء لحركة حماس، وتشكيل «إمارة إسلامية»، فأتى السيسي هبةً من السماء إلى مصر، ليحبط «المؤامرة» التي كادت تأتي على بنيان الدولة من القواعد، وتُفضي إلى «خلافة إسلامية» من الماء إلى الماء، وغير ذلك من «الحواديت» التي لم يعد أحد يهضمها، وتشكّل نوعاً من الكوميديا التراجيدية.
النجار كان أكثر اتساقاً مع ذاته، فدافع فيما بعد عن موقفه من السفير السعودي في مقابلة مع قناة النهار الجزائرية قائلاً: «كنت أدافع عن كرامة بلدي..بلدي هو الأقدم في العالم كله، وليس في المنطقة، ومؤسستي عمرها 140 سنة، وأنا أحاول أن أكون على قدر وقيمة بلدي ومؤسستي». في المقابلة نفسها، نفى النجار مشاركة النظام المصري في حرب اليمن قائلاً: لا نشارك في «العدوان» على اليمن، بحسب تعبيره، وهو تصريح أصمّت الصحافة «الوطنية» السعودية آذانها عنه.

كانت جريدة الأهرام قد انتقدت سياسة المملكة تجاه الثورة السورية، فكتب رئيس تحريرها، أن «النظام الحاكم في دمشق لا بد أن يكون جزءاً من مواجهة الظلاميين»، وأن الإصرار على تنحية الأسد» يعني أن «ما لم يتحقق بالإرهاب...يمكن أن يتحقق عن طريق بوابة السياسة»، منتقداً إصرار الملك سلمان على رحيل الأسد، وهو الذي «يتمتع بشعبية وسط قطاع لا يُستهان به من الشعب السوري»

(11 أيلول/سبتمبر 2015).
لا جديد. «الوطنيون» في آذانهم وقر، ويغطّون في نوم عميق.
إن نظام السيسي لم يخذل ثورة الشعب السوري فحسب، بل زوّد الأسد بالأسلحة، وهو ما أكده الفريق المصري المتقاعد سامي حسن في حسابه على تويتر، وأكده ناشطون سوريون إبّان قصف عصابات الأسد مدينة الزبداني بريف دمشق، حيث نشروا فيديوهات توثّق سقوط صواريخ مصرية الصنع على المدينة (موقع ناو، 28 آب/أغسطس2015).
حتى هذه التقارير تجاهلتها الصحافة «الوطنية» السعودية. وبالرغم من ضيق معظم الشعب السعودي بهذه الممارسات وغيرها (حصار غزة، إغراق أنفاقها، تدمير رفح، استقبال وفد من الحوثيين، مجرد أمثلة)، إلا أن الصحافة «الوطنية»، بما فيها قناة «أن تعرف أكثر»، لم تلق اهتماماً ألبتة لنبض الشارع. ليس ذلك فقطـ بل إن مقرّبين من دوائر صنع القرار شرعوا في التململ من ممارسات السيسي، فلم يزدد «الوطنيون» إلا تصفيقاً للانقلاب.
نواف عبيد، محلل سعودي مقرب من دوائر القرار، ومستشار للسفير السعودي في لندن، هاجم عبر حسابه في تويتر النظام المصري ناقلاً عن دبلوماسي سعودي لم يذكر اسمه أن المملكة «تدرس بجديّة إعادة تقييم علاقاتها» معه بعد الاطلاع على «أنباء مروّعة» تتعلق بزعيم الانقلاب الذي ستُجبر سياسته الخارجية «اللامعقولة» السعودية على «اتخاذ مجرى آخر معه».
ورأى عبيد أن مصر بقيادة السيسي لن تكون «حليفاً أو شريكاً أوصديقاً للسعودية أو دول الخليج» (28 تشرين الثاني/نوفمبر 2015).

لكن لا صدى لجرائم الانقلاب غير الزعيق: الإخوان، الإخوان، الإخوان. أحد الزاعقين أبداً، محمد آل الشيخ، زعم في مقال له بجريدة الجزيرة أن حسن البنا كان «لا يخفي إعجابه بموسوليني»، بل أشاد في مقال له»..بالفاشية ومنطلقاتها الدموية والعنفية» مشيراً إلى أنها «تتطابق مع أهداف حركته المتأسلمة»، وأنه استشهد بآيات وأحاديث «ليثبت أن الفاشية وقيمها...هي وسيلة جماعته ومنهجها...». عدت إلى المقال فوجدت أن الكاتب استغل ثناء البنا على جزء من خطبة لموسوليني عن أهمية الثقافة العسكرية والاستعداد الحربي، وتجاهل جوهر المقال وسياقه، وتمييز البنا كلام موسوليني عن الرؤية الكونية للمسلمين، والذي تجسّد في قوله إن الإسلام يقصد من بث الروح العسكرية في أبنائه «أن يعمل المسلمون على حفظ ميراث الله الذى ورّثهم إياه، وأن يرشدوا العالم كله إلى ما فيه نور وهدى، فهم لا يعملون رغبة فى دنيا ولا طمعاً فى ملك، ولا يسومون من يُظهرهم الله عليه...سوء العذاب. أما أوروبا فهى تنادي بالروح العسكرية منافسةً فى الاستعمار، وتجهّزاً للقضاء على الشعوب الضعيفة، ورغبة فى المآرب الاقتصادية... «. وبهذا يتضح أن البنا اقتبس نصاً من خطاب موسوليني ليذكّر الناس بعظمة دينهم وتفردّه.

مقال آل الشيخ منشور في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، ما يشير إلى أن شيئاً لم يتغيّر، وأن تضليل الجماهير عن حقيقة أعدائها مستمر، وأن شيطنة الإخوان قائمة على قدم وساق حتى وهم في غياهب السجون وسراديب التعذيب. لكن المقال ليس إلا مثالاً لخطاب تيار انقلابي هائج، يرتدي الثياب والكوفيات، ويسعى إلى تبرير استمرار دعم الانقلاب حتى بعد فشله الذريع وثبوت خيانته لمصر والخليج والأمة العربية.

 الحقيقة أن هذا التيار الموتور والمتماهي مع الصهيونية، سواء كانوا كتّاباً أو مؤسسات «صحافية»، هم أدعياء للوطنية، يمارسون التجهيل والتضليل وخذلان الصالح العام. ليذهب الأمن القومي لبلدهم إلى الجحيم، المهم ألا ينتصر احتكام الجماهير إلى الشريعة الإسلامية والذي يسمونه تصهيناً «الإسلام السياسي»، ويسمّون المناضلين من أجله «متأسلمين» شيطنةً لهم وتكفيراً. أما السيسي في نظرهم، فيجب أن يُترك حراً ليعيث فساداً، مادام أنه ماضٍ في استئصال من يكرهون. «افعل ما شئت، فقد غُفر لك»- هذا لسان حال القوم. إنهم سيسيّون لا وطنيون. ستُكتب شهادتهم ويُسألون.
• @LoveLiberty

ساقطون مع سبق الإصرار


ساقطون مع سبق الإصرار
وائل قنديل

كيف يمكن لشخصٍ، مثل الأستاذ حافظ أبو سعدة، أن يطلب من الناس أن يصدّقوه، حين يعلن أن الانتخابات النيابية التي سقط فيها مشكوك في نزاهتها، أو باطلة، وهو نفسه الذي اصطحبوه لتفقد أحوال السجون والمساجين، فخرج يقول إن طعام السجون أشهى وألذ مما تقدمه كبريات المطاعم الشهيرة؟ 
كيف للرجل الذي عمل محامياً، يدافع عن سجل الحكومة المصرية الأسود، في ملف حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، أن يتوقع أن يصدقه أحد، حين يشكو من أن الانتخابات التي أومأوا له بخوض معركتها، غير ديمقراطية، وغير محترمة؟
الرجل الذي قال عن وجبات التعذيب والانتهاك والسحل والتصفية والقتل البطيء، التي تنتجها مطابخ النظام، بداخليته وعسكره، يقدم دوراً لطيفاً على مسرح العبث السياسي الآن، بعد أن سقط سقوطاً ذريعاً، في سباق انتخابي مع زعيم الأغلبية في حزب حسني وجمال مبارك، في إحدى دوائر القاهرة.
ما قيل في دراما سقوط عمرو الشوبكي، أمام مذيع التسريبات، وسليل السيديهات، ينطبق حرفياً على حالة حافظ أبو سعدة، الذي قبل أن يبيع ضميره الحقوقي، في سوق نخاسة ما بعد الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013، وهبط من مكانه، ناشطاً ذائع الصيت في الدفاع عن حقوق الإنسان، إلى مستنقع الترويج والتسويق، لسلطة جديدة، هي، في ذاتها وتكوينها، بمثابة جريمة ضد الإنسانية.
في الجولة الأولى من مسخرة الانتخابات، فقد عمرو الشوبكي ظله السياسي، وجرّدوه من ثيابه الأكاديمية، وألقوا به في مستنقعٍ لتنهشه الضواري والكواسر، وقد سجلتُ، وقتها، أن وضعيته في الانتخابات لا تختلف عن وضعية أسامة الغزالي حرب، في قضية السب والقذف، مع مذيع المؤسسة الأمنية قبل نحو خمسة أشهر، حيث يخدع عمرو الشوبكي الجماهير، ويكذب على نفسه، حين يردّد أنه كان في "منافسة" انتخابية حقيقية مع بارونات الدولة العميقة والثورة المضادة، تماماً كما خدع الغزالي حرب نفسه، حين توهم أنه في "منازعة" قضائية محترمة مع أحد ضباع السلطة العسكرية.
ينطبق الوضع نفسه على حافظ أبو سعدة، فكلاهما كان يؤدي دوراً، لم يكن مسموحاً له رفضه، أو الانسحاب منه، أو الاعتذار عن عدم مواصلته، وإلا فهم جاهزون بمعدات الاغتيال المعنوي والتصفية الأدبية، يلوّحون بها، إن فكّر أحدهم في التمرد والخروج من اللعبة.. كلاهما مدرك أنه "يؤدي" شخصية "المضروب المهزوم" في فيلم ينتمي، كلياً، إلى سينما فتوات الحارة.
تعرف النخب التي ارتضت أن تُسْتٓخدٓم في مشروع الانقلاب عام 2013 أنها اختارت، بكامل وعيها، أن تبيع ثورتها، بقيمها وأخلاقياتها، لمجموعة من الأوغاد، وكانت تدرك، منذ البداية، أنها ترهن كراهيتها، أو تؤجرها، لمفتولي العضلات، انتقاماً من شركائهم في الثورة.. ويعلم الذين شاركوا في هذه الجريمة أن ميدان التحرير الذي باعته النخب الثورية إلى بلطجية الثورة المضادة كان يدار بمعرفة لواءات مخابرات دولة مبارك، من غرفة عمليات، في البناية التي كان فيها مكتب قناة "الجزيرة مباشر" في الميدان، بدءاً من دفع مستحقات "الهتيفة" وحتى التحكم في الصعود إلى المنصات، وإمساك الميكرفونات.
مرة أخرى، أعيد كلاما قلته بعد عام واحد فقط من الانقلاب: يمكن بكثير من التسامح تفهم أن قطاعاً هائلاً من المصريين تعرض لعملية خداع استراتيجي في 30 يونيو، فسقط في فخ ثورة مضادة دهست بسنابكها وأحذيتها الثقيلة ثورة 25 يناير 2011. لكن، لا يمكن، على الإطلاق، ابتلاع أكذوبة أن الطبقة العليا من النخبة السياسية في مصر كانت ضحية للخداع نفسه، ذلك أن هذه الطبقة كانت واعية ومدركة تماما أنها حاشدة ومحتشدة ومحشودة لإسقاط ثورة يناير، وليس لإسقاط نظام حكم الدكتور محمد مرسي. 
كل المقدمات كانت واضحة لا لبس فيها، ولا تشويش، كان الأبيض واضحاً والأسود أوضح، بحيث كان الذين زأروا كأسود جائعة، طلبا لرأس نظام الحكم المنتخب لأول مرة، راضين تماماً بدور الأرانب، وربما الفئران، في ماكينة انقلاب الثورة المضادة، طمعاً في قليل من العشب، أو اختباء من جنون الماكينة المنطلقة بأقصى عنفوانها. لذلك، يبدو غريبا حقا، ومقززاً أن يسلك حافظ أبو سعدة، ومن لف لفه، وسقط سقوطه، وكأنهم فوجئوا بنتائج حزينة، لمقدمات كان واضحاً أنها كارثية. 

فعال لما يريد!..



فعال لما يريد!..


المفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس


قلت لصاحبي وهو يحاورني:
- ارتفع قليلا.. ارتق.. ابتعد قليلا كي يتسع الأفق.. فكلما اتسعت الرؤية اتضح المشهد وضاقت العبارة..
وواصلت قائلا:
- على السطح وبين الناس فإن مفردات الواقع قد تشى بيأس مطبق أسود لا يرى ثمة بصيص ضوء.. لن أخدعك.. ولن أدعى أن جموع الأمة بخير، بل أعترف أنها -جميعها - بشرّ، الحكام والمحكومين، النخبة والعامة، المجنسين والـبدون، الصفوة والحثالة والقضاء والجيش والشرطة والاقتصاد والصناعة والزراعة، والأزهر والحرم والأقصى، ليس ثمة عندنا ما لم يلحق به البوار.. نخرب بيوتنا بأيدينا …لا منهج يقودنا .. ولو نظرنا إلى كل الفئات لوجدنا أن أكثر ما أساء ولوث بالعار كل فئة لم يكن الأعداء ولا الاخوة أو الأصدقاء، بل أبناء الفئة نفسها..
فمن أساء إلى هيبة الحكم هم الحكام أنفسهم ..
ومن أساء إلى النصارى هم النصارى..
ومن أساء إلى علماء المسلمين علماء مسلمون..
ومن أساء إلى الأزهر بعض شيوخه ..
ومن أساء إلى الجيش هم قياداته..
ومن أساء إلى الشرطة هم ضباطها وأمناء شرطتها وعساكرها وقبلهم جميعا وزراء داخليتها..
ومن أساء إلى القضاء قضاة ..
ومن أساء إلى المثقفين مثقفون، و إلى الصحفيين صحفيون، وإلى الكتاب كتاب..و..و.. وإلى الأمة سكوتها عن كل هذا..
***
ورحت أنفث زفراتي دون صوت:
لقد افتقدنا المنهج..
لقد كانت طريقة إدارتنا لكل شئوننا تفتقد إلى منهج، لذلك كان الفشل هائلا والكوارث فادحة..
لن أخدعك ولن أخدع الناس لذلك أعترف منذ البداية بأنني لا أملك تفاصيل حل بل أملك منهجا ..
لست أملك وصفة سحرية نتجرعها فى المساء فإذا بالصباح يأتى وقد انقشعت الغيوم ورحلت الهموم وانتهت الكوارث وتحولت الهزائم إلى انتصارات..
لا أملك ذلك الحل، لكن ما لا أملكه أنا قد يملكه 85 مليون مصرى و أغلب الظن يملكه 300 مليون عربى ويقينا يملكه 1700 مليون مسلم ..
الحل فى تبنى منهج الحضارة الإسلامية فى مواجهة قضايانا ..
المنهج الشامل الكامل الذى هو أوسع من أى جماعة أو حزب لأنه يستوعب الجميع ..
المنهج الذى نسيناه، والذى يثير عليه الليبراليون والعلمانيون الغبار ويقذفونه بالأوحال.. المنهج الذى يعيد إلينا الثقة بديننا.. والذى يجعل هذا الدين حتما لا مناص منه.. ليس لأن الإسلام هو الحل لمشاكل دنيانا.. بل لو لم يحل الإسلام لنا أى مشكلة من مشاكل دنيانا وهذا افتراض غير صحيح – فليس أمامنا سواه .. وليس لنا اختيار.. المنهج الذى يجعلنا نشعر بأننا الأعلون..
إن جهد الأمة الآن يجب أن يكرس لا لإصلاح شامل جذرى يستحيل حدوثه، بل لتحقيق توازن مبنى على قانون إلهى ربما يشبه قانون الكتلة الحرجة فى الفيزياء، وهو قانون لا يتحكم فيه الكمبيوتر ولا يجرى حساباته العقل بل القلب، قانون لا يخطئ، ويقضى بأننا لو استطعنا أن نربى أمام كل ألف خائن مخلص واحد لانتصرنا..
قلت لصاحبي وأقول لك أيها القارئ استخلص العبر من التاريخ منذ مؤتة وتبوك واليرموك وكربلاء حتى جماعة المصريين الأحرار أو الماسون الأحرار، استخلص العبر من شرفاء تدنوا، و أطهار تدنسوا، ومجاهدين بلغ بهم الانحراف بعد أن رفعوا لواء الثأر لآل بيت النبى صلى الله عليه وسلم أن ادعوا النبوة- لماذا يفسد الكل ويتعفن؟­ لماذا.. الإجابة واضحة وجلية : افتقاد المنهج ..
قلت له وأقول لك أيها القارئ: تسألنى عن الحل؟..
الحل أراه بقلبى بعد أن كلت عينى.. ببصيرتى بعد أن زاغ بصرى.. الحل أمل فى الله ويقين به ورجاء أن تسبق رحمته بنا عدله فينا .. وأننا مساقون سوقا إلى منهجه و إن أبينا ..
وبهذا المنهج أقول لك أيها القارئ أننا برغم كل هذا الانهيار سننهض لننتصر ..
بهذا المنهج أقرر أننا – أنا و أنت – نحن الأقل لكننا الأعز، وأننا نحن الضعفاء، المحاصرون، المعتقلون، المعذبون، الشهداء، نحن الذين ننتصر فى النهاية دائما رغم كل عناء، و أن التاريخ يلقى بالآخرين فى مزابله، و أن الله يفصل بيننا يوم القيامة..
إن المستقبل غير كل تصوراتنا له، و الإعجاز الإلهى فى الخليقة يأبى إلا أن يكون معجزا ..
إن منهج الحضارة الغربية يعتمد على المادى المجرب المحسوس، فهو أشبه بجسد بلا روح، أما جوهر الحضارة الإسلامية فإنه يعتمد على كل ذلك مضيفا إليه قوة ودعما لا نهائيا هو قوة الروح، وهنا إذن يكمن جوهر نملكه لا يمكن أن يتمتع أعداؤنا بمثله، جوهر الإيمان بأن وعد الله حق، جوهر الإيمان، لا بالله فقط، بل بنواميس الله التى خلقها والتى تحتم دائما و أبدا انتصار الحق واندحار الشر مهما بعد المدى، ومن هذا المنظور وبهذا المنهج يجب علينا أن نقرأ التاريخ وأن نتأمل عبرته، إن خيانة الحكام والنخبة ليست بحادث طارئ، فعبر التاريخ كله كان حكامنا يخونون قضية أمتهم، تاريخ الحكام والجيوش هو تاريخ الخيانة والبطش والجبروت والتزوير والكذب، إننا نقع فى خطأ تفسير المستشرقين بما يكتنفه من نوايا السوء، حين نطالع تاريخ الحكام مفترضين أنه تاريخ الحقيقة، بينما هو سلسلة من الأكاذيب لإخفاء الحقيقة، نعم كان الحكام يخونون، لكن الناس كانوا فى نفس الوقت يصوغون حضارة شاملة ورائعة فى كافة فروع العلم والدين و الأدب والمعرفة والحرب، تلك الحضارة هى التى بقيت لنا وللعالم، أما الحكام فقد ذهبوا فى مزابل التاريخ .
انظروا فى تاريخ البشرية منذ آدم، وتعلموا أن الشر جزء من منظومة الوجود، وأن الله هو الذى خلقه ليبلونا به، ليمتحننا، لكنه لا يدعه ينتصر مهما بلغت قوته ومهما بلغ ضعف الخير. 
علينا إذن أن ندرك الحقيقة المعجزة فى بساطتها، فى بهائها، فى سطوعها الذى يعمى الأبصار عن رؤيتها، أن الله فعال لما يريد فى هذا الكون، لا تتجاهلوا أهم عنصر فى أى صراع فى هذه الدنيا، أن الله فعال لما يريد. . المادى المجرب المحسوس موجود وعلينا أن نتلمس به الأسباب لكن الله فعال لما يريد. . حسابات الحاسبات الضخمة موجودة ويجب أن تحترمها ولكن الله فعال لما يريد. 
إن المؤمن ليس مطالبا بالقوة كلها بل بما يستطيع منها، و أنه حين يتجرد ويخلص، فثمة قانون أشبه بقانون الفيزياء الذى يتحكم بالكتلة الحرجة التى يتحقق بعدها الانفجار النووى، حين يتجرد فإنه يطبق القانون الذى يقضى بأنه حينما يكتمل قدر معين من التجرد والإخلاص، يأتى نصر الله الموعود ليقلب كل موازين القوى.
 انظروا إلى بدر، انظروا إلى غزوة الخندق، انظروا إلى تسلسل المعارك منذ مؤتة حتى البرموك والقادسية وأجنادين وذات السلاسل..انظروا إلى الحروب الصليبية، انظروا إلى الحرب العالمية فى حطين حين خرج صلاح الدين من مصر بجيش قوامه اثنا عشر ألفا ليواجه مئات الآلاف من جيوش الصليبيين، ولينتصر، بالقانون الإلهى الذى نعرف نتائجه وإن لم ندرك كنهه، انظروا إلى ما حدث أيامها عندما جند ملك الألمان جيشا جرارا من ثلاثمائة ألف مقاتل لينجد به الصليبيين وليقضى على المشكلة من جذورها باحتلال مكة والمدينة، وبدأ الجيش الجرار زحفه، تخيلوا لو أن هذا الجيش وصل إلى ساحة الحرب ماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟..كيف كان يمكن أن يكون تأثيره على الجغرافيا والتاريخ ؟ هل تعرفون ماذا حدث لهذا الجيش؟ حدث أن الله فعال لما يريد، أن الله غالب على أمره، لقد نشبت الصراعات بين الجيش واستحر القتل، ثم غرق الإمبراطور وهو يستحم فى ترعة صغيرة فخلفه ابنه، ثم فشت الأوبئة فمات الابن أيضا، فهل تعلمون كم وصل من الجيش الجرار إلى ساحة الحرب فى فلسطين؟ ألف ­­ ألف فقط ­­ منهكين متعبين مهزومين، الله فعال لما يريد، انظروا إلى صراع الخير والشر منذ آدم، لو اتبعنا قواعد التفكير العلمى بمنطق أهل الأرض ، بالمادى المجرب المحسوس وبأدق و أضخم الحاسبات، لانتهى الخير بالهزيمة الماحقة بعد بضع عشرات أو مئات من السنين من بداية البشرية، لكن الله فعال لما يريد، ألق البذرة فى الأرض كيفما شئت لكنها ستنبت فى اتجاه الشمس، اقلبها، سيستدير الساق نحو الشمس، الله فعال لما يريد.. 
انظروا إلى تلك النسبة المعجزة فى الإنسان والحيوان والنبات بين الذكور والإناث وملاءمة ذلك لكل جنس منها، وانظروا إلى زيادة نسبة المواليد الذكور بعد الحروب الكبرى حين يهلك كثير من الرجال، الله فعال لما يريد، وثمة قوة لا ندريها ولا ندرك كنهها لكننا نؤمن بها هى التى تحدد النهايات والمصائر، لكن خطيئتنا الكبرى أننا - خاصة بمفهوم الحضارة الغربية - نعطى العقل أكثر مما يستحق، لقد خلقنا الله ثم أعطانا من العقل ما نحتاج فعلا إليه، ما ندرك به النسبى لا المطلق، الناقص لا الكامل، فإذا كنا نؤمن بكل ذلك فلماذا نستبدل المنهج الأرضى بالمنهج الإلهى؟.. وكيف بعد ذلك ننتظر الفلاح والنجاح؟.. الله فعال لما يريد، انظروا إلى صراع الخير والشر من الأزل إلى الأبد، لقد كان المدافعون عن الخير دائما هم الأقلون، هم المستضعفون فى الأرض، كان عددهم فى كل بقعة من بقاع الأرض لا يتجاوز العشرات إزاء الآلاف، أو الآلاف إزاء الملايين، لكنهم هم الذين انتصروا دائما، لو أخضعتم التاريخ لمقاييس العقل الأرضى لما بقى فى الأرض خير، واحد فى الألف هم الذين رفعوا الراية دائما عبر التاريخ وسلموها من جيل إلى جيل، واحد فى الألف أظهر الله دائما على أيديهم وقلوبهم نوره، واحد فى الألف هم الذين أصروا دائما على ألا يستسلموا، ولقد كان الحكام دائما فى الجانب الآخر، عدا استثناءات نادرة سجلها التاريخ واحتفى بها أيما احتفاء، واحد فى الألف، هم الذين أدركوا أنهم جند الله فى الأرض و أنهم هم الوارثون، ليست خيانة الحكام والجيوش والنخبة اكتشافا جديدا، ومع ذلك، هم الذين يذهبون ملعونين - فى أغلب الأحوال - حتى نهاية الزمان ونحن الذين نبقى، نحن المستضعفين، ولست أدعى أننا كنا على الحق دائما، لكننا حاولنا طول الوقت فكنا الخطائين التوابين، نحن الذين بقينا، نحن الذين ذُبحنا وقُتلنا وعذبنا وحرّقنا وصلبنا وسجنا وهزمنا وتُقُوُّلِت علينا الأقاويل وزُيِّف ضدنا التاريخ، هم ذهبوا ونحن بقينا، لأنهم أطفأوا نور الله فيهم فلم يبق فيهم إلا الوجود الحيوانى الذى لا يترك خلفه بعد الموت إلا نتن الجيف، نحن، نحن المستضعفين منّ الله علينا فأدركنا أننا حملة راية نور تنتقل من جيل إلى جيل، أدركنا أننا نحملها كأمانة تعهدنا بها قبل أن نولد بملايين السنين لنوصلها إلى بعد أن نموت بملايين السنين، كى نقف أمام الله يوم الحساب يباهى بنا نبينا عليه الصلاة والسلام الأمم، نقف منتصرين خالدين لا نموت، ليس يضيرنا إذن أن يسقط منا فرد أو مليون فرد، فنحن نحارب من أجل قضية خلق ووجود وكون لا يحده زمن ولا وطن ولا جيل ولا فرد، قضيتنا مستمرة استمرار الوجود، ولأننا واثقون أن رايتنا هى التى تصل، فلا محل عندنا لليأس ولا انتظار للنصر، لأننا منتصرون ونحن محاصرون، منتصرون ونحن نقصف بالصواريخ أو نعدم بالرصاص، منصرون في ميدان التحرير وفي جوانتانامو وأبي غريب، منتصرون معلقين على المشانق، منتصرون مصلوبين، منتصرون لحظة اتخاذ الموقف لا لحظة النتيجة الأرضية، منتصرون حين انتصرنا فى الجهاد الأكبر على نفوسنا فتوقفت ذواتنا عن التضخم، توقف كل واحد منا عن اعتبار نفسه مركز الكون و أن موته هو نهاية الدنيا، توقفنا عن انتظار جنى ثمار جهادنا فى حياتنا، نحن نحارب اليوم كى ننتصر بعد ألف عام، تماما كما حارب الحسين كى ينفى الشرعية عمن اغتصب الحكم رغما عن المسلمين، ولو أنه استسلم لحل لكل غاصب غصيبته، قولوا لى من انتصر، يزيد أم الحسين، انظروا، لتدركوا أن جهادنا نحن هو الذى يبقى فى قلوب الناس و أن كلامهم زبد يذهب فى الأرض جفاء.
 نحن خسرنا دنيا، لم تبهرنا ولم تغرنا ولم تغونا فلا نطيق أن نفقد من الآخرة شيئا وهم فقدوا الآخرة فلا يطيقون أن يخسروا من الدنيا شيئا، وما خسرنا الدنيا لقلة حيلة لكننا أدركنا أنها لهو ومتاع الغرور، أنها جيفة، ولولا هوانها إلى الله ما رزق فيها كافر بشربة ماء، لذلك استعصت قلوبنا عليها، لا لزهدنا، بل لطمعنا فيما هو خير و أبقى. فإذا كانت الدنيا جيفة فما موقع التاريخ الكذوب من الجيفة وما قدر حكام خانوا فيها. انظروا إلى سر الإعجاز الإلهى فى خلقه ..
إن الواحد فى الألف هو الذى يحدد مسار التاريخ، وهو برغم الأغلبية الكاسحة يتطور باستمرار إلى أمام، إنهم دائما يعرقلون الانتصار، يؤخرونه، لكن مشيئة الله هى التى تنفذ على أيدينا فى النهاية، هذا الواحد فى الألف لم يخبرنا به حساب ولا تجربة ولا جهاز كمبيوتر بل أنبأنا به العزيز الجبار الرحمن الرحيم حين أخبرنا أنه يأمر آدم يوم القيامة أن يأتيه بحصاد جهنم فيأتيه من كل ألف بتسعمائة وتسعة وتسعين، الواحد فى الألف إذن هى الكتلة الحرجة التى يحدث بعدها الانتصار، فهل نعجز كأمة أن نربى من كل ألف واحدا و أن يثبت هذا الواحد وهو على يقين من نصر الله..
إننا الآن فى الزمن الذى أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم، الزمن الذى يخرج فيه الناس من دين الله أفواجا، زمن الليبرالية والعلمانية و الحداثة والعولمة، فهل تعجزين يا أمة الإسلام أن تعطى من كل ألف واحدا فقط ؟ أجل، فليثبت منا من كل ألف واحد، وسيكون لنا النصر 


أرأيت أيها القارئ كيف يمكن أن يغير المنهج من نظرتنا للأمر، لسنا مطالبين إذن بالمستحيل، ولا مطالبين بما قد يؤدى إلى مجازر الشعوب والحروب الأهلية، مطالبون فقط بما نقدر ونستطيع، بحق وإخلاص وتجرد. فليكن فى كل مكان وهيئة صالح واحد بين ألف طالح، وسينتصر الواحد الصالح لكن هذا الصالح عليه ألا يخشى إلا الله، أن يعبد الله حقا ويعرفه حقا ويجاهد فى سبيله حقا..
إن الآخرين يعرفون عن قوانا الكامنة أكثر بكثير مما نعرف، لكن الجهل والخيانة يحاصرانا، وعلى سبيل المثال فما أكثر ما كتب عن كتاب صدام الحضارات و إعادة صنع النظام العالمى، ما أكثر ما كتب عنه، لقد قدمه البعض للقارئ كما لو كان كتابا لا يأتيه باطل، ومع ذلك لم يذكر أحد أن رأي المؤلف : " صمويل هنتنجتون " فينا أفضل من رأينا فى أنفسنا، يقول الكاتب : " طالما أن الإسلام يظل - وسيظل - كما هو الإسلام، والغرب يظل -وهذا غير مؤكد - كما هو الغرب، فإن الصراع الكبير بين الحضارتين الكبيرتين و أساليب كل منهما فى الحياة سوف يستمر "..
أجل .. مهما كانت كثافة الظلام فى الحاضر، ومهما كانت حسابات العقل متشائمة، فإنه لا ينبغى أن نيأس من المستقبل فثمة وجه آخر للأمر علينا ألا نغفله، ذلك أن التطور البشرى كله مبنى على اكتشاف خطأ جل ما ظنناه حقائق راسخة لا يتطرق الشك إليها، لقد كانت حساباتهم قبل الثورة أننا نحتضر ..و أن هزيمتنا أمام جحافلهم المدعومة بالصليبيين واليهود وشنودة محتومة.. وجاءت الثورات فقلبت حساباتهم.. ثم بدأت الثورة المضادة.. فهل نستيئس؟!..
لا .. لا يحق لنا نحن مهما صادفنا من إحباط أو نكران أو فشل أن نيأس، مهما خاننا حاكم أو جيش أو مجلس عسكري أو فرد أو جماعة، فنحن لا نجاهد من أجل قضية شخصية ولا من أجل مجد أرضى، قضيتنا هى إعلاء كلمة الله، وهى قضية محسومة، نحن على الحق، من يسقط منا فاز، ومن يستمر يفوز والقضية فى كل الأحوال مستمرة. حتى الأخطاء والهزائم، يوظفها الله لنا كى تكون جنودا لنا، وانظروا فى عصرنا الحديث إلى تصرفات بعض دولنا، لقد كان تصرفها ضد مصلحة الأمة كى تثور فى الضمائر تساؤلات عن شرعية وجودها، هذه التساؤلات انفجرت بالأمس وتنفجر اليوم سوف تنفجر غدا، وسوف تغير الجغرافيا والتاريخ، انظروا مثلا إلى الأزهر عندما نسى دوره ليدعم السلطان، لقد انصرفت الأمة عنه، عزلته كى توقف تأثيره الضار على وجدانها، و حل محل الأزهر خطباء مساجد نصف ما يقولونه من أحاديث هى أحاديث موضوعة، وبرغم ذلك فبجهل الجهلاء لا بعلم العلماء احتفظت الأمة بتوجهها الصحيح، تماما كما يحافظ الصدأ على تماسك هيكل معدنى ضخم لو أزلت منه الصدأ لانهار، فانظروا فيوض الكرم حين ينصرنا بضعفنا ويحفظ عقلنا بجهلنا، انظروا أيضا إلى البوسنة، لقد كانت محاولة استئصال شأفة الإسلام هى نفسها الطريق إلى انبثاق أول دولة إسلامية فى أوروبا الحديثة. 
أيقنوا بالنصر، واعلموا أن مأساة البشرية ليست فى الموت بل فى الخلد، وما الموت سوى عرض عابر، لقد كنا أحياء قبل أن نولد، وسنحيا بعد أن نموت ثم نبعث ثم لا نموت أبدا، وإننا عندما نبدأ الطريق ندرك أن اخوة و أبناء لنا سوف يكملون ما بدأنا، ما لراية ترفع مشيئة الله أن تسقط، فأبدا لا تستيئسوا، بعون الله سوف ننجح، وسوف ننتصر على ذواتنا وعلى خونتنا وسنحارب إسرائيل كافة كما أمرنا الله - لا لكى نعيدها إلى حدود 67 بل حتى نزيلها من الوجود- ..
لو أن إنسانا شريفا وعدك وعدا فإن وعد الحر دين عليه ولو أن جلالة ملك أو فخامة رئيس أو سمو أمير أو معالى شيخ وعد وعدا فإن وعده أمر.. أما إذا وعدنا الله نفسه فإن وعده قضاء لا رد له..
مهما بدت بوادر الفشل سننجح .. سنحافظ بإذن الله على اليقين فى قلوبنا كى نمنحه لمن يأتى بعدنا ، نحن جيش الله، وعلى كل فرد منا أن يدرك أنه يحارب وحده و أنه جيش وحده و أن وعد الله حق ونصره قريب وأنه سيبعث يوم القيامة ليحاسب وحده ..
علينا أن نحافظ على أنفسنا، على ديننا ومنهجنا كى لا يصيبنا البوار والعفن الذى أصاب الذين من حولنا من ليبراليين وعلمانيين وآخرين لا تعلمهم ولكن الله يعلمهم..
علينا أن نناضل ونكافح و أن نستعد للاستشهاد فى كل لحظة، فما أقل عددنا وما أكثر أعداءنا ..
علينا أن نفعل كل ذلك بحب وبثقة ويقين بأن الله فعال لما يريد، أما نحن فجنود، أوصانا قائدنا بمهمة، وعلينا القيام بها، حتى لو متنا فى الطريق، فالقائد يعلم، وقد كان قادرا على أن ينفذ مهمته بقدرته دون تكليف لنا، لكن التكليف امتحان لنا، ليس من حقنا نحن الجنود أن نسأل القائد لماذا يفعل ما يفعل، فكوننا لا نقرأ إلا صفحة من كتاب الوجود ثم نذهب يحتم علينا بعدم اكتمال المعرفة. يحتم علينا ألا نسأل أو نعجب أو نعترض، ثم أنه سبحانه ما ضنّ علينا بوعد النصر، إن الإيمان الأكمل كان يقتضى منا أن ننفذ ما كلفنا به حتى دون وعد، لكنه سبحانه رحم الضعفاء فينا، نحن لا نصل إلى الغايات بل نتبع الوسائل، وفى وسائلنا ينبغى أن نكون دائما كما أمرنا، ولا عذر لنا، تحت أى ظرف من الظروف، فى أن نتخلى عن نبلنا وشرفنا، ولا أن ننسى أبدا أننا خير أمة أخرجت للناس..



موقع الدكتور محمد عباس
لقد اكتشفت مذهولا أن البطل الرئيسي في هذا العمل الأدبي يكاد يكون هو الفريق السيسي.. رغم أنني كتبته دون أن أعرف حتى اسمه.. د محمد عباس.
MOHAMADABBAS.NET

تاريخ النشر:September 17, 2013 

بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يفتي بدعم تركيا واقتصادها

أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بياناً يدعو فيه لمساندة تركيا والوقوف معها في حقوقها المشروعة، وقضاياها العادلة، ويحث المسلمين على دعم الاقتصاد التركي، بكل الوسائل المتاحة تحقيقا للأخوة الإنسانية.

نص البيان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ...

يتابع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تسارع الأحداث في المنطقة، والاستفزازات المتعددة للجانب التركي ومحاولة الضغط عليهم عبر الملف الاقتصادي تارة، أو الزج بتركيا في أتون صراع يبدد طاقتها، ويعطل نهضتها. وذلك للموقف الأخلاقي الذي تتمسك به في تعاملها مع الأزمة السورية ، والسلوك الإنساني الذي تنتهجه في التفاعل مع أزمة اللاجئين السوريين.

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يرى ويؤكد على ما يلي:

1- يثمن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وجماهير الأمة العربية والإسلامية، مواقف تركيا المشرفة من قضايا أمتنا الإسلامية العادلة، وبخاصة موقفها من الثورة السورية، وتضحياتها الجمة من أجل الشعب السوري الثائر ضد حكومة بشار الأسد المجرمة التي قتلت منهم مئات الآلاف، وسجنت عشرات الآلاف، وما زالت تشرد الملايين.

2- يدعو الاتحاد منظمة التعاون الإسلامي، وكافة الدول الحرة لمساندة تركيا في مواقفها الشجاعة ومحافظتها على مبادئها وسيادتها.

3- يطالب الاتحاد العرب والمسلمين جميعا بالوقوف مع تركيا، وتأييدها ودعمها بكافة ألوان الدعم والتأييد. ويدعو الله أن يلهم الرئيس المؤمن أردوغان ورئيس وزرائه الأمين أوغلو: الحكمة والسداد لنصرة الحق، والعمل لخير الإسلام والمسلمين، والإنسانية جمعاء.

4- يؤكد الاتحاد على ضرورة دعم الاقتصاد التركي، ويرى ذلك واجبا أخلاقيا إسلاميا تقتضيه الأخوة الإيمانية، ويستلزمه الولاء للمسلمين، الذي تضافرت عليه آيات القرآن الواضحة، والسنة النبوية الصحيحة. فقد قال تعالى: (ِإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، [الحجرات : 10] وقال سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ [المائدة : 2]
وفي الصحيحين، من حديث أنس، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكونوا عباد الله إخوانا).
وعند مسلم من حديث أبي هريرة: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلمه). أي لا يترك نصرته المادية والمعنوية، والسياسية والاقتصادية، والأمة الإسلامية كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم :( كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، متفق عليه من حديث النعمان بن بشير.

حفظ الله تركيا وجميع بلاد الإسلام والمسلمين من الشرور والفتن، وقطع دابر القوم الظالمين.

الدوحة في 12 صفر 1437 هـ

 الموافق 24 نوفمبر 2015م
 
 
              الأمين العام                                 رئيس الاتحاد

    أ. د. علي محيي الدين القره داغي        أ. د. يوسف القرضاوي

نجم الدين أربكان ودوره في الحياة السياسية التركية 1969 – 1997م

 نجم الدين أربكان ودوره في الحياة السياسية التركية
1969 – 1997م


  • اسم الكتاب: نجم الدين أربكان ودوره في الحياة السياسية التركية 1969 – 1997م
  • المؤلف: منال الصالح
  •  تقديم: د. عماد الدين خليل
  • دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
  • سنة النشر: 2012
  • عدد الصفحات: 342
أصدرت الكاتبة العراقية منال الصالح كتابها الجديد "نجم الدين أربكان ودوره في السياسة التركية" في الفترة ما بين عام1969 - .1997 تقول الصالح في هذا الكتاب: "لم تثر شخصية تركية من الجدل والاختلاف في النصف الثاني من القرن العشرين ما أثاره السياسي والمفكر الاسلامي نجم الدين أربكان والمعروف في الأوساط التركية باسم (أبو السبع أرواح), فتأمل سيرته يقودنا مباشرة الى قول الامام علي بن ابي طالب في كتابه نهج البلاغة " إذا أقبلت الدنيا على احد اعطته محاسن غيره واذا ادبرت عنه سلبته محاسن نفسه".
فهذا الرجل أسس خمسة أحزاب سياسية وحكم وسجن وحظر نشاطه السياسي غير مرة وفرضت عليه الاقامة الجبرية والذي ارتقى حتى شاع عنه اصطلاح الظاهرة الاربكانية, وأبدى اعداؤه إعجاباً وخوفاً منه في الوقت نفسه وتحشدت حوله الملايين ليس من الأتراك فحسب ولكن من أرجاء العالم الإسلامي". 

قراءة ا.محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية
ليس ثمة شخصية فيما أعلم وأرى تحظى بتقدير وإعجاب بين الإسلاميين في تركيا كشخصية نجم الدين أربكان، ولا يكاد يكون مجلس أو مؤتمر أو محاضرة فيتحدث فيها واحد من الإسلاميين الأتراك إلا ويذكر كلمة سمعها من أربكان أو موقفا أثَّر فيه معه، حتى لا يكاد الواحد منهم يقول: “معلمي” أو “أستاذي” إلا ويتوقع السامع أنه سيقول بعدها: نجم الدين أربكان.
وبرغم هذا، فإنه لم يكتب كتاب عن أهم شخصية إسلامية تركية باللغة العربية إلا هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي صدر بعد وفاة أربكان رحمه الله، وسائر ما كتب بالعربية –فيما أعلم- كان يتناول أمر أربكان في سياق البحث دون إفراد له بالبحث والتفسير.
ومما يثير الأسى أن وفاة أربكان جاءت في وقت انشغل فيه العالم العربي بشأنه، فقد انتقل إلى رحمة الله يوم 27 فبراير 2011، أي بعد شهر من خلع زيد العابدين بن علي وبعد أسبوعين من خلع مبارك وفي أول أيام ثورات اليمن وليبيا وسوريا، فغاض خبر وفاته في خضم الأمواج التي انهالت على عالم العرب، ولئن ارتجت اسطنبول بموته وعاينت يوما مشهودا مهيبا في جنازته فإن العرب لم يفرغوا من شأن أنفسهم ليبلغ فيهم الخبر قدره الذي يستحق.
رفعت المؤلفة منال الصالح، وهي عراقية والمعلومات المتاحة عنها شحيحة، عن العرب إثم خلو مكتبتهم من سيرة زعيم تركيا الإسلامي في حقبتها العلمانية، وخطت هذا الكتاب المحترم الممتاز عن شخصية وسيرة نجم الدين أربكان، وقد بذلت فيه مجهودا متميزا وعزيزا، إذ رجعت إلى نحو مائتين وخمسين مرجعا بين كتب عربية وإنجليزية وتركية، منشورة وغير منشورة، وبعض الوثائق الأرشيفية، ثم بالمقابلات الشخصية التي أجرتها مع نجم الدين أربكان نفسه وعدد من الشخصيات الإسلامية التركية.
ولقد جاء الكتاب ثريا نافعا كالغيث إن شاء الله لا يصيب قارئا إلا انتفع به وأخذ منه بخير، ولست أبالغ إن قلت إن قراءة هذا الكتاب بعين بصيرة وتأمل غير متسرع يجعل قارئه على علم جيد بالتاريخ التركي المعاصر وطبيعة الدولة العلمانية في تركيا بعسكرها وقضائها وأحزابها -وصراعاتهم واتجاهاتهم- وإعلامها وطبقاتها الاقتصادية وتوزيع الأعراق والميول والتوجهات فيها، كما يجعله على علم بأزمة الحركة الإسلامية في تركيا وكيف التمست طريقها لمنازلة هذا النظام العلماني العسكري العتيد الذي اجتمعت فيه شر العلمانية وشر العسكر، وكيف كان موقع تركيا من الساحة العالمية فاعلا حاضرا ومؤثرا طول الوقت على سياستها الداخلية، وكيف استفادت الحركة الإسلامية من هذه البيئة السياسية التي كم اجتمع فيها من التناقضات.
جاء الكتاب في خمسة فصول؛ 
الفصل الأول خلفية تاريخية عن السياسة التركية وموقفها من الإسلام من بداية الحقبة العلمانية وإلى ما قبل ظهور نجم الدين أربكان، وهذا تاريخ نصف قرن منذ عهد أتاتورك وحتى نهاية عقد الستينات، وموقف هذه الحكومات من “المسألة الدينية” كما تعبر المؤلفة عن “الحالة الإسلامية”، وكيف تفككت القبضة العلمانية الأتاتوركية لتصل إلى فصل جديد تماما في عهد عدنان مندريس.
وتحدث الفصل الثاني عن شخصية نجم الدين نفسه: نسبه ونشأته ودراسته وقيمته العلمية كمهندس مبتكر أراد أن يستثمر علمه في نهضة بلاده ثم مساره كرجل اقتصاد ورئيس لاتحاد الغرف الصناعية والتجارية حيث صُدِم في موقعه هذا بأن السياسة لا تسمح بالنهضة العلمية بل تحاربها، وكيف أسفر هذا عن يقينه في التحول والدخول إلى ساحة السياسة، فأسس أول أحزابه (حزب النظام الوطني)، استعرضت نشوء الحزب وبرنامجه وشعاره وقاعدته الشعبية ولماذا سمحت السلطة بوجود حزب إسلامي، ثم دخول أربكان انتخابات البرلمان مستقلا عن مدينة قونية،  ثم إغلاق الحزب مع انقلاب العام (1971م).
وسرد الفصل الثالث عقد السبعينات وفيها كان أربكان يقود الحالة الإسلامية عبر حزب السلامة الوطني، واستطاع أن يحقق نجاحات ملموسة جعلته شريكا حاضرا لا يمكن تشكيل حكومة بدونه، فإما أن يتحالف معه اليسار أو اليمين لتشكيل الحكومة أو تجرى الانتخابات مرة أخرى فتسفر عن ذات النتيجة، حتى خُتِمت هذه المرحلة بانقلاب كنعان إيفرن (1980م)، واستعرضت المؤلفة باقتدار مسيرة حزب السلامة وظروف تشكل الحكومات الائتلافية وناقشت السياسة الخارجية التركية وكيف أثر فيها –أو لم ينجح في التأثير- وجود حزب السلامة الوطني الإسلامي.
ثم جاء الفصل الرابع ليعرض تاريخ أربكان منذ (1980 – 1995م) حيث عاد إلى الساحة السياسية بحزب الرفاه، وشهدت تلك الفترة تطورا حافلا بالتفاصيل مع وجود شخصية تورجت أوزال العجيبة والتي استطاعت أن تكون نقطة وسط مثيرة للتأمل بين كل أطراف الساحة السياسية، وفي هذه الفترة تأثر حزب الرفاه وحقق نتائج أقل لكنه في نهايتها ضرب بقوة حيث لم يعد فقط شريكا في ائتلاف الحكم بل سيطر رجاله على البلديات بما فيها أهم محافظتين: أنقرة واسطنبول، وصار يبشر بنمو غير مسبوق للحالة الإسلامية في تركيا.
وختمت المؤلفة كتابها بالفصل الخامس الذي يركز بتفصيل على ثمرة هذه الرحلة الطويلة؛ إذ وصل نجم الدين أربكان إلى أن يكون رئيس الوزراء لمدة أقل من عام واحد (29 يونيو 1996 – 18 يونيو 1997م) وجرى عليه الانقلاب الناعم –الذي يحلو للباحثين أن يسمونه: انقلاب ما بعد حداثي- في (فبراير 1997م)، فاستعرضت الائتلافات الحكومية ثم الحكومة الائتلافية برئاسة أربكان وسياساته الداخلية والخارجية والترصد الداخلي والخارجي لتجربته من خلال الأحزاب والصحافة العلمانية وفوقهم العسكر وكذلك الاتحاد الأوروبي والأمريكان. ولذلك كان هذا الفصل هو أطول فصول الكتاب وأحفلها بالتفاصيل.
لقد أخذت المؤلفة بمنهج العرض والوصف دون أن يكون لها رأي تحليلي ووجهة نظر أو خلاصة جامعة تفسيرية لشخصية نجم الدين، ولكم وددت لو فعلت، إلا أن ذلك ليس بعيب، فإنما هو اختيار للباحث كما أنها طريقة يحبها طائفة من القراء: أن يُعرض الأمر دون ظهور آراء وشخصية المؤلف. صحيح أنها لا تخفي إعجابها وانحيازها لأربكان –وهذا حق صميم لكل باحث- إلا أنها عرضت كثيرا مما يُنْتَقَد به فكان ذلك موضوعية تُحمد عليها.
ووددت كذلك أن تكمل المؤلفة مسيرة الكتاب منذ ما بعد 1997 حتى وفاة أربكان فإن فيها الكثير مما يحتاج إلى كشف ومناقشة وتحليل، لا سيما وهو يفتح باب النقاش الطويل عن الفارق بين أربكان وتلاميذه، إلا أن هذا أيضا ليس بعيب يؤخذ على الكتاب، فإنه لا يقع في مجاله الزمني الذي حُدِّد له.
ما يؤخذ على الكتاب هو تسويته بين المصادر، فالكاتبة لكثرة مصادرها –وهذا أمر جيد- كانت تحشد في الموقف الواحد وجهات النظر المتعددة المختلفة، وقد لا ترجح بينها أو قد تفسر ما حدث بأنه مجموع ما سبق، بينما كان يستلزم الأمر في أكثر الأحيان أن تقدم رواية شاهد العيان على غيره، ورواية الخبير بالشأن التركي عن الصحفي، ورواية ذي البحث والدراسة عن صاحب المقال أو الكتاب التجاري، فيكون لكل رواية ثقلها ووزنها في التفسير وفي الترجيح كذلك.
أسوأ ما يُمكن أن يُعامل به الكتاب أن يُقرأ كسيرة بطل ينبغي النظر إليه بإعجاب، رغم أن نجم الدين بطل يستحق الإعجاب لا شك، وإنما ينبغي أن يُقرأ كسيرة تجربة إسلامية في ظروف بالغة القسوة تحت نظام عسكري علماني بدأ في غاية الشراسة والتوحش ثم اضطر لظروف عالمية أن يتجمل بصورة نظام ديمقراطي ويستوعب وجود تيار إسلامي محصور في ثوابت علمانية حمراء يُجبر على الاعتراف بها والتزام حدودها. ساعتها تكون التجربة مفيدة وملهمة، وساعتها يتبدى أكثر عظمة وصلابة نجم الدين أربكان ودوره في الحالة الإسلامية في القرن العشرين. يتبدى كصورة مسلم مخلص مكافح يبحث عن حل فيدركه أو لا يدركه أو يدرك بعضه ويفلت منه بعضه، لا كصورة معيار يُقاس إليه ويُحاكَم عليه فإن هذا يضرّ مقامه ومكانته قبل أن يضر من يحاول الانتفاع والاسترشاد بتجربته.

كلمات لن تسمعها إلا من اردوغان

كثيرون هم الذكور لكن قليلون هم الرجال

 السيد الرئيس رجب طيب

كلمات لن تسمعها إلا من اردوغان






ارتدادات أزمة "السوخوي" على الأبواب



ارتدادات أزمة "السوخوي" على الأبواب





في الاشتباك الحاصل بين موسكووأنقرة ثمة جوانب مسكوت عنها، بعضها يتصل بالداخل الروسي، والبعض الآخر يهم حسابات الموقف المصري.
(١)
الكل مشغول بتداعيات ما جرى، إذ منذ أسقط الأتراك لأول مرة منذ أكثر من خمسين عاما طائرة سوخوي الروسية في 11/24 صار الحدث خبر الأخبار الذي حجب كل ما عداه حتى صار "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، وهو الوصف الذي أطلق على شاعر العرب الأعظم أبو الطيب المتنبي الذي قيل عنه حين سطع نجمه في قضاء العرب إنه حجب ألف شاعر في زمانه فلم يعد يذكرهم أحد.

الجميع يترقبون ويتحسبون، حيث تحولت الأغلبية إلى متفرجين، في المقدمة منهم حلف ناتو والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولم يبق على مسرح المواجهة سوى الرئيس فلاديمير بوتين الغاضب والمستفز، وواضح للجميع أنه مشغول بالرد دفاعا عن سمعته وكبريائه، ومعه حلفاؤه الإيرانيون والسوريون على الأقل، وهناك الرئيسرجب طيب أردوغان الذي يحاول الآن احتواء آثار قراره، خصوصا ما كان اقتصاديا منها، وهو مؤيد أدبيا وسياسيا فقط من جانب الولايات المتحدة ومعتمد على مساندة حلفائه السعوديين والقطريين.
"رغم أن التداعيات لم تتبلور بعد فإنه من المؤكد أن حدث إسقاط الطائرة سيمثل نقطة تحول ليس فقط في علاقات البلدين الكبيرين -روسيا وتركيا- ولكنه مرشح أيضا لكي يصبح نقطة تحول داخل الاتحاد الروسي ذاته، وفي منطقة الشرق الأوسط أيضا، وهذه مسألة مسكوت عنها في الوقت الحاضر"
الصدمة في روسيا لم تخطر لهم على بال، فقد توعد بوتين تركيا برد قاسبدأ بإجراءات المقاطعة والعقاب على الصعيد الاقتصادي، إلا أن رئيس الحزب الليبرالي فلاديمير جيرونيوفسكى -أحد الغلاة- دعا إلى إلقاء قنبلة ذرية علىإسطنبول، أما نائبه ورئيس لجنة الصحة بالدوما (البرلمان) فدعا إلى مقاطعة الشاورما وكل المقاهي والمطاعم التركية.

ورغم أن التداعيات لم تتبلور بعد فإنه من المؤكد أن حدث إسقاط الطائرة سيمثل نقطة تحول ليس فقط في علاقات البلدين الكبيرين -روسيا وتركيا- ولكنه مرشح أيضا لكي يصبح نقطة تحول داخل الاتحاد الروسي ذاته، وفي منطقة الشرق الأوسط أيضا، وهذه مسألة مسكوت عنها في الوقت الحاضر، ولذلك كأنها تحتاج إلى بعض التفصيل والدليل.
(٢)
التدخل الروسي في سوريا أثار استياء قطاعات واسعة بين مسلمي منطقة القوقاز بوجه أخص، إضافة إلى مسلمي آسيا الوسطى الذين كانوا ضمن الاتحاد السوفياتي السابق، فهؤلاء المسلمون الذين يتوزعون على جمهوريات الشيشان وداغستان وأنغوشيا إضافة إلى طاجكستان وأوزبكستان وغيرها اعتبروا تدخل موسكو في سوريا انتصارا لنظام علوي طائفي ضد الأغلبية السنية التي ينتمون إليها، إضافة إلى أن تحالف روسيا مع إيران في مساندة نظام دمشق بدا اصطفافا إلى جانب الشيعة في مواجهة أهل السنة. 

وحين اشتبكت موسكو مع أنقرة فإن ذلك اعتبر توسيعا لنطاق المواجهة مع دولة سنية كبيرة متحالفة مع السعودية، ولأن المسلمين الروس (عددهم عشرون مليون نسمة) لهم ذكرياتهم المريرة سواء تحت الحكم الشيوعي أو في ظل هيمنة الكنيسة الأرثوذوكسية التي باركت التدخل في سوريا وساندت سحقهم خصوصا في الشيشان وأنغوشيا فقد استفزهم موقف حكومة بوتين، أضف إلى ذلك أنهم تعاطفوا من البداية مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي قدم إليهم على أنه انتصار لأهل السنة واستعادة لنظام الخلافة الإسلامية.

يستوقفنا في هذا السياق التقرير الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 11/21 نقلا عن خدمة صحيفة نيويورك تايمز، وتضمن معلومات مهمة عن أبناء القوقاز الذين يحاربون إلى جانب داعش في سوريا والعراق، إذ ذكر أن ألفي مقاتل من إقليم القوقاز التحقوا بالتنظيم من بين سبعة آلاف مسلم في روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابقة انخرطوا في القتال إلى جانب تنظيم الدولة، وبعض هؤلاء هاجروا مع زوجاتهم وأولادهم إلى ما اعتبروه دولة الخلافة الإسلامية.

صحيفة الحياة اللندنية نشرت في 11/20 أن مقاتلي دول آسيا الوسطى الذين انضموا إلى داعش يقدر عددهم بأربعة آلاف شخص، على رأس هؤلاء حليموف قائد القوات الخاصة في الشرطة الطاجيكية غول مراد الذي كان من السباقين للانضمام إلى "داعش".

لم ينس بوتين ونظامه ما تعرضت له روسيا من هجمات انتقامية قبل عشر سنوات على أيدي المقاتلين الشيشانيين الذين دمر الجيش الروسي مدينة غروزني عاصمة بلادهم، إذ طالت هجماتهم المدارس والطائرات وأحد المسارح وخطوط المترو في موسكو، هذه الخلفية تثير مخاوف سلطات موسكو من تداعيات استنفار المسلمين الروس الذين يقاتلون في صفوف داعش، والآثار التي يمكن أن تترتب على عودتهم إلى بلادهم.

هذا الكلام ليس مجرد استنتاج لأن الصحافة الروسية تحدثت في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن أن هيئة الأمن الفدرالي في جمهورية أنغوشيا عثرت على مخابئ تضمنت نحو أربعة أطنان من المواد المتفجرة، وذكر ممثل الأمن في الجمهورية أن تلك المخازن تابعة لمقاتلين بايعوا تنظيم الدولة.

وقد عثروا فيها أيضا على عبوات متفجرة جاهزة للاستخدام، منها سبعون برميلا بلاستيكيا سعة كل منها تتراوح بين خمسين ومئة لتر، في الوقت ذاته أعلن عن أنه عثر في أنغوشيا على مختبر لتصنيع العبوات الناسفة.

وأشارت الصحافة الروسية أيضا إلى أن جهاز الأمن الفدرالي في موسكو ومقاطعتها عثروا على كميات كبيرة من الأسلحة تبين أنها تعود لأنصار مجموعة مقاتلة تدعى كتيبة "أزوف" الأوكرانية.
"إن وجود الروس في سوريا واشتباك موسكو مع أنقرة إذا حققا بعض الأهداف الإستراتيجية المهمة للقيادة الروسية إلا أنهما قد يستصحبان طورا من التوترات العنيفة داخل الاتحاد الروسي لن تكون مقصورة على منطقة القوقاز وحدها، ولكن موسكو لن تكون بعيدة عنها"
الشاهد أن وجود الروس في سوريا واشتباك موسكو مع أنقرة إذا حققا بعض الأهداف الإستراتيجية المهمة للقيادة الروسية فإنهما قد يستصحبان طورا من التوترات العنيفة داخل الاتحاد الروسي لن تكون مقصورة على منطقة القوقاز وحدها، ولكن موسكو لن تكون بعيدة عنها.
(٣)
موقع مصر في التجاذبات الراهنة يتطلب وقفة خاصة، إذ تؤثر فيه وتحكمه عدة عوامل هي:
١- إن القاهرة تعارض إسقاط الرئيس الأسد، وانحيازها معلن إلى فكرة الحل السياسي للأزمة السورية الذي يعتبر نظام الأسد جزءا من الحل.

٢- اصطفاف مصر إلى جانب حملة الحرب على الإرهاب التي أصبحت الجماعات الإسلامية رمزا لها.

٣- الحرص على تقوية جسور الاتصال والتفاهم مع موسكو التي مدت يد التعاون للقاهرة في "مشروع الضبعة" الذي يقوم على استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية.

٤- تصفية الحساب مع الرئيس التركي الذي استضاف الإخوان في بلاده وفتح فضاءها للإرسال التلفزيوني المناهض للنظام المصري.

المتابع لأداء الإعلام المصري المعبر عن السياسة العامة يلحظ أثر تلك العوامل على الموقف من التجاذب الحاصل بين موسكو وأنقرة، إذ من الواضح أن مخاصمة الرئيس التركي تلعب دورا محوريا في ذلك الأداء، وهو مسلك يضع مصر في موقف دقيق وحرج، ذلك أن ثمة تطابقا في وجهات النظر إزاء سوريا بين الموقفين السعودي والتركي.

فالمملكة متمسكة بإسقاط الرئيس الأسد لأن ذلك في نظرها مؤد إلى إخراج إيران من المشهد، وهو هدف إستراتيجي تصر عليه السعودية، خصوصا بعدما أصبحت طهران مصدر تهديد مباشر لها بعدما ساندت الحوثيين الذين قاموا بانقلابهم في اليمن، وهددوا المجال الحيوي للمملكة.

هذا التطابق في الموقف السياسي بين السعودية وتركيا تم تطويره إلى تعاون واسع النطاق خلال الاجتماع الذي عقد بين الملك سلمان والرئيس أردوغان على هامش انعقاد قمة العشرين في أنطاليا التركية منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ليس سرا أن ثمة تباينا بين القاهرة والرياض في الموقف من النظام السوري، وأن ذلك التباين ألقى بظلاله على العلاقة بين البلدين التي كانت قد تأثرت سلبيا بسبب حذر القاهرة إزاء المشاركة في عاصمة الحزم والتحالف المشتبك مع الحوثيين في اليمن.

وهذه الخلفية انضافت إلى المتغير الذي طرأ على علاقة البلدين بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وتولي الملك سلمان السلطة مكانه، وتضمن ذلك التغيير اختلافا بينهما في تقييم الموقف من الإخوان، وهي العوامل التي شكلت تراكما أثر على متانة العلاقة بين القاهرة والرياض، بحيث لم تعد بذات الدرجة من القوة التي كانت عليها من قبل. 


هذه العوامل أطلقت مجموعة من السحابات في العلاقة بين السعودية ومصر، وجاء الانحياز المصري إلى الموقف الروسي في تجاذب موسكو مع أنقرة ليغدو عنصرا إضافيا أثر على صفاء الأجواء بين البلدين، وهو ما يسوغ لنا أن نقول معه إن اقتراب السعودية من تركيا استصحب بصورة تلقائية اتساع الفجوة بين القاهرة والرياض.

هذه الفرضية إذا صحت فإنها ترتب نتيجتين تبعثان على القلق، الأولى أنها تؤثر بالسلب على الدعم المالي الذي تقدمه السعودية لمصر، الأمر الذي يمكن أن يشكل عنصرا ضاغطا يثقل كاهل السلطة المصرية، والنتيجة الثانية أن من شأن الفتور الذي يلوح في أفق على علاقة القاهرة بالرياض أن يكون له صداه الذي يؤثر بدوره على موقف دولة الإمارات إزاء مصر، صحيح أن الدعم الإماراتي للقاهرة لا يزال قويا إلا أنه بدوره كان لا بد له أن يتأثر بانخفاض أسعار النفط.
"من المبكر الحديث عن حصاد المواجهة الراهنة بين المعسكرين الروسي والتركي، صحيح أن الدولتين -ومعهما المجتمع الدولي- حريصتان على تجنب المواجهة العسكرية رغم الإهانة التي أصابت قيصر روسيا، لكننا لا نستطيع أن نقطع بذلك في الوقت الراهن"
إلى جانب ذلك، فإن تقاليد التوازنات الخليجية تقتضي قدرا من التوافق والتنسيق بين الإمارات والسعودية لكي تستمر الأولى في دعمها لمصر بنفس درجة الحماس، حيث يتعذر على الإمارات الانفراد بتحمل العبء لأسباب عملية مفهومة.

هذا التحليل يقودنا إلى نتيجة خلاصتها أن مصر باختلافها مع السعودية بخصوص نظام الأسد، ووقوفها إلى جانب روسيا ومخاصمتها للموقف التركي تصبح إزاء موقف معقد يؤثر بالسلب على مواردها الاقتصادية، الأمر الذي يؤدي إلى إرباك وتعقيد الموقف الداخلي.
(٤)

من المبكر الحديث عن حصاد المواجهة الراهنة بين المعسكرين الروسي والتركي، وما ذكرته لا يعدو أن يكون إشارة إلى بعض الآثار الجانبية الكامنة في الظل، صحيح أن الدولتين -ومعهما المجتمع الدولي- حريصتان على تجنب المواجهة العسكرية رغم الإهانة التي أصابت قيصر روسيا، لكننا لا نستطيع أن نقطع بذلك في الوقت الراهن، لأن أي خطوة غير محسوبة قد تفجر الصراع في أي وقت، وليس غائبا عن الأذهان أن الحربين العالميتين الأولى والثانية انطلقتا لأسباب محدودة تعلقت بالكرامة والإهانة.

فشرارة الحرب الأولى انطلقت حين أعلن إمبراطور النمسا والمجر الحرب على صربيا عام ١٩١٤ غضبا لاغتيال ولي عهده بأيد صربية، وفي رأي بعض الباحثين أن الحرب الثانية انطلقت عام ١٩٣٩ جراء شعور الألمان بالإهانة لإهدار حقوقهم في تسويات الحرب الأولى، والأزمة التي نحن بصددها الآن من تداعيات شعور الرئيس الروسي بالإهانة جراء إسقاط تركيا للطائرة، وهو ما اعتبره "طعنة في الظهر".

لا تزال المواجهة بين موسكو وأنقرة في بداياتها، وواضح أن كل طرف يعزز مواقعه، وزيارة الرئيس أردوغان للدوحة التي تتم اليوم تدخل في ذلك الإطار.

في الوقت ذاته، ثمة علامات استفهام كثيرة حول الموقف العربي الذي تلوح فيه بوادر الانقسام، أما حسابات القاهرة وخياراتها فقد أصبحت أكثر تعقيدا بعدما تداخلت فيها الحسابات المرحلية مع المواقف الإستراتيجية، وليس أمامنا سوى الانتظار لكي نرى أي الكفتين سترجح.


المصدر: الجزيرة