الثلاثاء، 18 يونيو 2013

الباب تقرعه الرياح

الباب تقرعه الرياح 
بدر شاكر السياب

قد تكون قصيدة (الباب ماقرعته غير الريح) أكثر قصائد بدر شاكر السياب تعبيراً عن جدل العلاقة بين الشاعر والأم، وأقرب تلك القصائد إلى أدب الأمومة من وجهة النظر الفنية ، فقد كتب السياب القصيدة وهو ما يزال في لندن،يوجع قلبه المرض ويعذبه حنينه الى عراقه ،فهو يظن انه أمام طريق حياة واعدة بالعافية المشتهاة، والسعادة المرتقبة، غير أن الشاعر يقبع طريحًا خلف باب غرفته في المشفى، ينتظر من يقرع عليه الباب ليحمله الى عراقه الحبيب، يطوف فوق مدنه ونخيله ويعيش ليله الساجي، فلا يجد سوى روح الأم فقد كان دائم البحث عن حضن يحتويه ويعوضه ما فقد من حنان ويستمر في مناجاة الشاعر لأمه على هذا المنوال، وتنهض القصيدة على مبدأ الشفافية الذاتية، مع أن القصيدة مكتوبة بوعي، وبنوع من المعاناة الذهنية، النابعة من الحب والألم، غير أن الصناعة فيها لا تكشف نفسها، بخلاف كثير من قصائد الشعر الحديث، ولعل ذلك يعود إلى أنها مترعة بالرقة والحنين من جهة، ومعرفة أسرار الصنعة والقدرة على الإبداع الطافح بروعة الشعر من جهة أخرى، وذلك حين يبوح بصدق عن عاطفة الحب بوصفها أنبل العواطف الإنسانية في أقصى تجل لها.


البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحِ في اللَّيْلِ العَمِيقْ

البَابُ مَا قَرَعَتْهُ كَفُّكِ .
أَيْنَ كَفُّكِ وَالطَّرِيقْ
نَاءٍ ؟ بِحَارٌ  بَيْنَنَا ، مُدُنٌ ، صَحَارَى مِنْ ظَلاَمْ
الرِّيحُ تَحْمِلُ لِي صَدَى القُبْلاَتِ مِنْهَا كَالْحَرِيقْ
مِنْ نَخْلَةٍ يَعْدُو إِلَى أُخْرَى وَيَزْهُو في الغَمَامْ
          * * * *
البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحْ ...
آهِ لَعَلَّ رُوحَاً في الرِّيَاحْ
هَامَتْ تَمُرُّ عَلَى الْمَرَافِيءِ أَوْ مَحَطَّاتِ القِطَارْ
لِتُسَائِلَ الغُرَبَاءَ عَنِّي ، عَن غَرِيبٍ أَمْسِ رَاحْ
يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ ، وَهْوَ اليَوْمَ يَزْحَفُ في انْكِسَارْ .
هِيَ رُوحُ أُمِّي هَزَّهَا الحُبُّ العَمِيقْ ،
حُبُّ الأُمُومَةِ فَهْيَ تَبْكِي :
" آهِ يَا وَلَدِي البَعِيدَ عَنِ الدِّيَارْ !
وَيْلاَهُ ! كَيْفَ تَعُودُ وَحْدَكَ لاَ دَلِيلَ وَلاَ رَفِيقْ "
أُمَّاهُ ... لَيْتَكِ لَمْ تَغِيبِي خَلْفَ سُورٍ مِنْ حِجَارْ
لاَ بَابَ فِيهِ لِكَي أَدُقَّ وَلاَ نَوَافِذَ في الجِدَارْ !
كَيْفَ انْطَلَقْتِ عَلَى طَرِيقٍ لاَ يَعُودُ السَّائِرُونْ
مِنْ ظُلْمَةٍ صَفْرَاءَ فِيهِ كَأَنَّهَا غَسَق ُ البِحَارْ ؟
كَيْفَ انْطَلَقْتِ بِلاَ وَدَاعٍ فَالصِّغَارُ يُوَلْوِلُونْ ،
يَتَرَاكَضُونَ عَلَى الطَّرِيقِ وَيَفْزَعُونَ فَيَرْجِعُونْ
وَيُسَائِلُونَ اللَّيْلَ عَنْكِ وَهُمْ لِعَوْدِكِ في انْتِظَارْ ؟
البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ لَعَلَّ رُوحَاً مِنْك ِ زَارْ
هَذَا الغَرِيبُ !! هُوَ ابْنُكِ السَّهْرَانُ يُحْرِقُهُ الحَنِينْ
أُمَّاهُ لَيْتَكِ تَرْجِعِينْ
شَبَحَاً . وَكَيْفَ أَخَافُ مِنْهُ وَمَا أَمَّحَتْ رَغْمَ السِّنِينْ
قَسَمَاتُ وَجْهِكِ مِنْ خَيَالِي ؟
أَيْنَ أَنْتِ ؟ أَتَسْمَعِينْ
صَرَخَاتِ قَلْبِي وَهْوَ يَذْبَحُهُ الحَنِينُ إِلَى العِرَاقْ ؟
          * * * *
البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ تَهُبُّ مِنْ أَبَدِ الفِرَاقْ

 لندن  13- 3 -1963



 يخاطب بدر أمّه وكأنها لم تمت، يخبرها باشتياقه لها، ثم يعاتبها؛ لأنها غادرت والصغار يولون، ولم تتكلّف بتقديم كلمة وداع لهم! وكأن رحيلها كان بإرادتها؟ حتى إنّه لم يترحّم عليها، بعد اعترافه بأنها خلف جدار لاباب فيه ولا نوافذ (القبر)!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق