الثلاثاء، 18 يونيو 2013

بقشيش‏!‏

بقشيش‏!‏



د. سلمان بن فهد العودة
علي الطاولة نفسها كان يأكل‏(‏ بيل جيتس‏)‏ وابنه‏,‏ أعطي بيل جيتس النادل‏5‏ دولارات فاندهش وحين سأله أجاب‏:‏ فقط أنا مندهش أن ابنك أعطاني‏500‏ دولار‏,‏ وأنت أبوه أغني رجل في العالم أعطيتني‏5‏ فقط‏!‏
أجاب: هو ابن أغني رجل في العالم, ولكن أنا ابن قطاع الخشب. والبقشيش كلمة تركية لكنها عادة انجليزية تقابلها كلمة( تيبس) وهي مختصرة من مفردات تعني تأمين خدمة سريعة, ويظل البقشيش لغة عالمية صامتة يفهمها الجميع من ملامح الوجه ونظرات العين, وهو عرف عابر للقارات لا يختص به بلد ولا شعب, وفي أمريكا يشكل26 مليار دولار سنويا والفرنسيون والألمان هم الأكثر عطاء, واتسعت هذه الثقافة أخيرا لتشمل الصين ونيوزيلندا واليابان, تلك الدول التي كانت تعده عيبا كبيرا, وتتراوح نسبته ما بين10% من قيمة الفاتورة في معظم بلاد العالم إلي25% في أمريكا.
وهو مرتبط غالبا بالسواح حيث يكثر المسافرون من رجال الأعمال الذين تنم أشكالهم عن حجم الثراء لديهم.
المصريون شعب عاطفي ودود ولذا فالموضوع وإن كان شائعا إلا أنه لا يشكل أزمة شخصية,( شاي العمال) أو( خبز العيال) يتم الحصول عليه مقابل خدمة أجود أو أسرع في المطعم أو الفندق أو المطار أو السيارة أو حتي عند دورات المياه, وأفضل وسيلة للحصول عليه هي الابتسامة الصادقة والوجه المتهلل, والكلمات السحرية الجميلة, والأمانة, أحدهم أعطي مبلغا مجزيا لعامل عثر علي جوازه, الإكرامية أصبحت في بعض مطاراتنا العربية جوازا ثانيا لا بد منه في العبور, وكم هو سيء أن يحدث لك ما حدث لي في دولة مغاربية حين احتفظ العسكري بجوازي وهو يحدق ينتظر عطاء, وكنت أقول في نفسي: هل أكافئه علي تأخيري دون سبب واستثنائي من المسافرين؟
هذه حالة غير شرعية وظاهرة سلبية تستحق الشجب والحرب. لكن أن يكون في جيبك( فكة) تحتاجها في مواقف السيارات أو عند الحلاق أو ترفد بها العمال فهو نوع من التضامن الاجتماعي, صحيح ليس هو النظام الأكثر كفاءة ولا الأكثر عدالة وقد يوجد في بعض الحالات نوعا من التبعية والذل ومس الكرامة, ولكنه يساعد في اقتصاد يعتمد بشكل كبير علي التعامل مع الأوراق النقدية الصغيرة, ويعالج جزئيا ظاهرة العمل دون أجر والتي تصل في مصر إلي8 ملايين وتقترب من نسبة40%, والمصريون القادمون من الخارج أحق من غيرهم برعاية هذا التقليد.
 وحين أوصل عامل الفندق السائح إلي الغرفة وقف وتباطأ في انتظار شيء ما, وأشار إليه السائح متأسفا أنه لا يملك جنيها مصريا, أجابه العامل الظريف علي الفور: فليكن استرلينيا! وأخيرا انتصر البقشيش علي النظريات الأخلاقية التي تعتبره تحقيرا للعامل أو تعاملا غير سوي, وأصبح نظاما ثابتا ومحددا, وغالبا ما تقوم الإدارة بتقسيمه بين العاملين بالسوية, وفي بعض الدول يكون جزءا مدونا في الفاتورة.
الرشوة تختلف أحيانا فهي نوع من الفساد المالي الخفي, يعطي لموظف كبير أو مسئول أو حتي طبيب لتمييز المعطي عن سواه, ومن لا يدفع لا يحصل علي ذات المستوي من الخدمة, بينما البقشيش عرف متداول وعلني ومتواضع عليه, وقد قال صلي الله عليه وسلم عن المال( من أخذه بطيب نفس بورك له فيه, ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه, وكان كالذي يأكل ولا يشبع), وأفتي جماعة من الفقهاء بأنه حق للآخذ ولا يجوز لصاحب العمل أخذه منه, وقد يكون المعطي بذله علي سبيل الصدقة أو الهبة أو الهدية, ومن الطريف أن المحكمة الإسرائيلية العليا حكمت بأن التيبس للنادل وليس للمطعم.
لا حاجة للإلحاح أو الحديث المستفيض عن الضائقة المالية, فلسان الحال يغني عن المقال, والكريم هو من يعطي دون أن يحوج الناس للسؤال, ويلح علي من يمنعهم الحياء من مد اليد, أو يضع الهدية في ظرف ولا يقدمها مكشوفة.
والسائح ينفق مالا طائلا في الحجوزات والنقل والوجبات وشراء الهدايا, فإذا هم أن ينفح أحد الغلابي بما تبقي في محفظته بدأت الأسئلة تلح عليه: لماذا؟ وهل؟ وماذا لو قدمت لمرافقك هدية جميلة معبرة ورسمت الابتسامة علي وجهه, وأبقيت بعد رحيلك ذكري طيبة؟
أنت لن تعيد توزيع الثروة لكنك تعبر عن تعاطف وإنسانية( فأما اليتيم فلا تقهر, وأما السائل فلا تنهر, وأما بنعمة ربك فحدث).

جريدة الأهرام المصرية

|جريدة الأهرام المصرية|

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق