الاثنين، 24 يونيو 2013

إيران وسوريا .. المشهد مقلوبا


إيران وسوريا .. المشهد مقلوبا 
 ياسر الزعاترة


قبل أسابيع، وفي سياق انتقاده للتدخلات الأمريكية في الانتخابات الإيرانية عشية رفض ترشيح رفسنجاني، رد وزير الخارجية علي أكبر صالحي بالقول: إن “دعم الولايات المتحدة للديمقراطية خادع”، مشيرا إلى أن واشنطن “دعمت حتى اللحظة الأخيرة طغاة المنطقة الذين أطاحتهم حركة الصحوة الإسلامية”، في إشارة إلى ثورات الربيع العربي.

منذ شهور طويلة لم يستخدم مسؤول إيراني مصطلح “حركة الصحوة الإسلامية” في إشارة إلى الربيع العربي، وهو المصطلح الذي أطلقه المرشد خامئني بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، إذ حلَّ مكانه خطاب المؤامرة الكونية، والشتاء البائس، وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ كما في خطاب أمين عام حزب الله، وعموم الخطاب الذي يتبناه الإعلام المدعوم من إيران.

الهجمة على الربيع العربي في خطاب التحالف الإيراني جاءت بعد الثورة السورية، وازدادت وضوحا عندما تأكد الجميع أن الثورة ليست في وارد الاستسلام، ثم تصاعدت أكثر بعد دخول العديد من القوى على خط الثورة، وصولا إلى اندلاع الاحتجاجات في العراق من قبل العرب السنة ضد نظام المالكي.

في المشهد السوري، هناك الكثير من الغموض، ويكذب من يدعي أن بوسعه الجزم بمآلاته التفصيلية؛ القريبة منها والبعيدة، لكن المؤكد الذي لا ينكره عاقل أبدا هو أن إيران وحلفاءها قد دخلوا في محطة عداء بالغ السوء مع غالبية الأمة، أعني السنّة الذين لم ينظروا إلى أنفسهم كطائفة يوما، بل اعتبروا أنفسهم الأمة التي تحتضن الجميع. والقضية هنا لا تعني إيران وحدها، بل تخصّ أيضا التعايش بين السنة والشيعة داخل الدول العربية أيضا.

وبصرف النظر عن تداعيات ذلك على صراع واسع النطاق يلوح في الأفق وستخسر فيه الأمة الكثير، فإن المؤكد أيضا هو أن إيران قد استنزفت وستُستنزف أكثر في سوريا، وكذلك حال حزب الله الذي انتهى حزبا طائفيا معزولا، من دون أن يكون بوسعهما إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لجهة سيطرة العلويين على السلطة في سوريا، بصرف النظر عن مشهد الخاتمة في الثورة السورية.

وحين يكون الأمر على هذا النحو في سوريا، فإن الوضع في العراق، وكذلك في لبنان لن يبقى كما هو عليه الآن، بصرف النظر عن مستوى التأثر الذي سيتعمد على مشهد الخاتمة التي قد تأتي بعد شهور، أو حتى بعد سنوات.

السؤال الذي نطرحه في هذه السطور، هو تصور المشهد مقلوبا؛ أعني مبادرة إيران إلى الانسجام مع مقولة الصحوة الإسلامية التي أطلقها خامنئي في وصف الربيع العربي، ومن ثم تأييد مطالب الشعب السوري الإصلاحية.

وهنا سنكون إزاء مسارين؛ يتمثل الأول في عقلانية مبكرة تؤدي إلى دفع بشار الأسد إلى إصلاحات فورية بعد موجة الاحتجاجات الأولى تستوعب الوضع من دون الدخول في المرحلة التالية، حتى لو أدى ذلك إلى تحجيم قوته وسطوته على البلاد في ظل هيمنة واضحة للعلويين على المؤسسة العسكرية والأمنية.
أما المسار الثاني فيتمثل في عقلانية متأخرة بعض الشيء تؤدي إلى دعم رحيله عن السلطة بالتفاهم مع قوى المعارضة السورية والدول العربية وتركيا.

لو حدث ذلك، وكان لحزب الله موقف مشابه لحصلت إيران على ميزة بالغة الأهمية في الوعي الجمعي للأمة، ولكانت أكثر قربا من السوريين وعموم جماهير الأمة، ولما اندلعت الفتنة في لبنان كما هي الحال الآن.

ما كان مطلوبا من إيران إلى جانب ذلك هو موقف مختلف من العراق، وإلى حد ما من لبنان، لكن موقفا كهذا لن يؤدي إلى حرمان الشيعة في العراق مما تمنحهم إياه قوتهم الديمغرافية، ولا إلى تهميش حزب الله بوصفه ممثلا لطائفة كبيرة ومهمة في لبنان.

لكن إيران بموقفها المعاند والغبي لم تجلب الدمار لنفسها وحسب، بل جلبته على الشيعة العرب أيضا، بما في ذلك في البحرين وعموم المنطقة، ذلك أن ربيع العرب كان بشارة خير لجميع العرب حين يتمدد نحو جميع الدول، إذ يبشر بدولة مواطنة لا يتفاضل الناس فيها بناءً على لونهم أو دينهم أو مذهبهم.

إيران قوة كبيرة، وهي أحد المحاور الثلاثة في المنطقة إلى جانب العرب وتركيا، وهناك الكثير من القواسم والمصالح المشتركة، ويمكن لعلاقات جوار حسنة، بعيدة عن روح الهيمنة أن تصب في صالح الجميع، بدل هذا العبث الذي أرهق الإنسان الإيراني، واستنزف الدولة واستنزف العرب وتركيا وعموم المنطقة، فيما وضع الحبّ صافيا في طاحونة العدو الصهيوني.

إيران جنت على نفسها، وعلى الشيعة العرب، وعلينا جميعا، وهي ستدفع ثمنا أكبر بكثير مما تعتقد، فمن يعادي محيطه الواسع على هذا النحو السافر لن يربح أبدا.
إنها الأخطاء الإستراتيجية في تقدير الموقف، والتي لا يمكن أن تمر دون تداعيات ضخمة، وما فعلته إيران في سوريا هو من هذا الصنف من الأخطاء الإستراتيجية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق