الأحد، 23 نوفمبر 2014

أسئلة الأمن المحيرة


أسئلة الأمن المحيرة

فهمي هويدي
على عهدة الأهرام فقد تم خطف 856 مواطنا مصريا في عام واحد (1912) بمعدل عدد يتراوح بين اثنين وثلاثة كل يوم. وليس معروفا عدد حالات الخطف الآن، بعدما اكتسب الخاطفون مزيدا من الخبرة، وتوفرت لهم من حصيلة عملياتهم وإتاواتهم الإمكانات التي ساعدتهم على تطوير سلاحهم وتحديث سياراتهم، فضلا عن أنهم أصبحوا أكثر دراية بخرائط الأثرياء والقادرين الذين يسارعون إلى الاستجابة لابتزازهم إنقاذا لأرواح ذويهم.
في التقرير الذي نشرته الجريدة يوم السبت 22/11 وكتبه الزميل هاني بركات إشارة إلى أن البعض يؤثرون السلامة أحيانا ولا يبلغون الشرطة عن المختطفين حتى لا يتعرضوا لبطش العصابات، من ثَمَّ فالعدد قابل للزيادة. 
من المعلومات التي تضمنها التقرير أيضا أن المختطفين من أبناء الأكابر ورجال الدولة يتم العثور عليهم واستعادتهم بسرعة، أما من عداهم فأمرهم إلى الله.
في التقرير أيضا أن أعلى نسبة من الخطف تتم في محافظات الصعيد، المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، وأن الخاطفين يستهدفون رجال الأعمال والتجار والأطباء، حتى أنه في محافظة سوهاج تم خطف ستة أطباء، الواحد تلو الآخر، من مستشفى طما المركزي.
أشار التقرير كذلك إلى الحالات التي تتعثر فيها مساومات إطلاق المخطوفين، وتنتهي أحيانا بقتلهم للخلاص منهم في حالة تمنع أهاليهم، وعجزهم عن دفع الفدية المطلوبة.
ومن المصادفات أن الجريدة نشرت في العدد ذاته خبرا عن إلقاء القبض خلال وقت قياسي على أشخاص خطفوا طفلا علموا أن جده من الأثرياء. ولم ينتبهوا إلى أن أباه ضابط كبير في جهاز الأمن الوطني، الأمر الذي حرك أدوات التحري والرصد التي أوقعتهم قبل أن يساوموا أو يتصرفوا في مصير الطفل.
قبل النشر بيوم واحد زارني في بيتي أحد الضيوف عند الظهر، وحين عاد إلى سيارته وجد زجاجها مكسورا، وكل ما أمكن حمله من داخلها مسروقا.
وكان صاحبنا أفضل حالا من أحد الجيران في شارع مجاور، سرقت سيارته بالكامل ولم يجد لها أثرا حين هم بالذهاب إلى عمله في الصباح.
ولم تكن بعيدة عن بيتنا البناية التي سكن فيها الممثل يوسف العسال، الذي نشرت الصحف أن شخصين طرقا باب بيته في التاسعة والنصف صباحا بدعوى الكشف عن عداد النور، ثم اقتحما البيت وقاما بتكميمه هو وزوجته وسرقا ما استطاعا حمله وانصرفا، الأمر الذي أصاب الرجل بسكتة قلبية فاضت بعدها روحه وسقط ميتا.
ولم تعد المشكلة مقصورة على انتشار اللصوص وعصابات الخطف، لأن الشباب ذاعت بينهم بدعة جديدة جعلتهم يتجمعون على نواصي الشوارع يوميا إلى ما بعد منتصف الليل، حيث يفترشون الأرصفة ويجلسون فوق سيارات السكان، وكنت أظن أنهم يتسامرون فقط ويتشاتمون وأحيانا يتعاركون، مستخدمين المطاوي والجنازير، ولكن نتبين أنهم أيضا يتعاطون المشروبات الكحولية والمخدرات بأنواعها المختلفة، وهو ما رأيته بعيني ذات مساء من شرفة البيت.
السؤال الذي يشغلني طول الوقت هو: أين الشرطة؟ 
وهو ما يفتح الباب لأسئلة أخرى من قبيل أنه إذا كان ذلك يحدث في حي مصر الجديدة، وفي عزّ النهار أحيانا وغير بعيد عن قصر الاتحادية الرئاسي، فلابد أن يكون الحال أسوأ بكثير في المناطق النائية.
ثمة إجابة غير مقنعة تقول إن الشرطة مشغولة بمكافحة الإرهاب، وهي تستصحب استنكارا لطرح السؤال، سواء بدعوى أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، أو بدعوى أن البلد في حرب والدولة مهددة بالسقوط، ولا ينبغي إشغال الشرطة بأي مهام جانبية قبل أن تكسب الحرب وتقضي على الإرهاب.
هذه الإجابة مردود عليها بأن حماية الناس وتأمينهم واجب ينبغي أن تؤديه الشرطة في كل الأحوال، بل هو أول واجبات السلطة، ثم إن ذلك الذي يتهدد الناس يظل بدوره إرهابا ينبغي أن يوضع له حل، ولا مفر من الاعتراف بأن الشرطة قادرة على حماية الناس إذا أرادت، بدليل أنها تسارع إلى الدفاع عن الأكابر واستعادة ذويهم المخطوفين.
أضاف إلى ذلك أننا نرى إسرافا في حشد أرتال الشرطة لمواجهة المتظاهرين وحصار الجماعات وتأمين الشخصيات والمؤسسات العامة، في حين نرى شحَّا في تأمين الناس وحمايتهم، بل صار معتادا أن الشرطة لا تتحرك أو تستنفر إلا حين تتلقى بلاغا يتعلق بالإرهاب، لكنها باتت تتراخى وتتململ حين تبلغ بحادث سرقة أو سطو أو غير ذلك.
إننا لم نلمس جهدا جادا لتفسير ظاهرة انتشار الجريمة والاستهتار بالقانون والجرأة على الشرطة ذاتها التي فقدت هيبتها بعد الثورة، حتى يقال إن رجالها باتوا ينصحون بارتداء الثياب المدنية حين يظهرون في الأماكن العامة ويتجنبون الظهور بالملابس الرسمية، التي كان يختال بعضهم بها في السابق.
ثم إننا لم نعرف خلفية تلك العصابات وهل أفرادها أناس محترفون وبلطجية، وهل لانتشار البطالة وتوقف بعض المصانع دخل في تفاقم الظاهرة أم لا.
لقد انتشرت ظاهرة شركات الأمن الخاصة التي أصبحت تقوم مقام الشرطة في حماية القادرين، وفي الوقت نفسه فإن الناس أحكموا إغلاق البنايات والوحدات السكنية والنوافذ بالبوابات الحديدية، لكن ذلك لم يحل دون سرقة سياراتهم وخطف أطفالهم والاحتيال للاستيلاء على ممتلكاتهم وعقاراتهم.
والنتيجة أننا لم نلمس كفاءة من جانب الشرطة في حماية المجتمع، ولم نقتنع بالذرائع التي تبرر ذلك القصور.
وفي الوقت ذاته فإننا نرى تضخما في الجسم الأمني وتعددا في رؤوسه، الأمر الذي بدا إضافة إلى رصيد حماية النظام وخصما من شعور الناس بالأمن.
وما يقلقنا في كل ذلك ليس فقط ارتفاع مؤشرات وقوع الجرائم وإنما أيضا ذلك السكوت المخيم الذي يحاول تجاهل الظاهرة أو إنكارها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق