الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

رفسنجاني وحديث العقل المرفوض


رفسنجاني وحديث العقل المرفوض


ياسر الزعاترة

لم توفر المواقع الأقرب للتيار المحافظ، بخاصة الحرس الثوري فرصة التصريحات التي أطلقها الزعيم الإيراني هاشمي رفسنجاني حول سبِّ الصحابة، فقد اتخذتها ذريعة لشن هجوم عليه؛ بعضها يعبر عن موقف سلبي كامن من الرجل الذي يمثل رأس التيار الإصلاحي في البلاد، والذي يجد أن فرصته في العودة إلى صدارة المشهد السياسي تقترب؛ ليس عبر رئاسة منزوعة الأسنان، بل من خلال السلطة الحقيقية التي يمثلها المرشد، بخاصة بعد توالي الأنباء عن مرضه.
الذي لا شك فيه أن تصريحات رفسنجاني كانت لافتة من زعيم بهذا المستوى، ذهب يندد بمنهج سبِّ الصحابة، الذي اعتبره سببا في ظهور تنظيم الدولة.
من المؤكد أن توصيف القضية على هذا النحو ليس صائبا من الزاوية العملية والواقعية، لأن ردود الفعل المسلحة من قبل قطاع من السنّة ضد إيران وتحالفها ليس وليد سبّ الصحابة، رغم ما يشكله من استفزاز دائم، بل هو رد على العدوان الغاشم في سوريا، ودعم السياسات الطائفية في العراق، قبل أن يكتمل مشهد العدوان على نحو أكثر وضوحا في اليمن، بسيطرة الحوثيين على البلد بالقوة المسلحة عبر تحالف مع المخلوع الذي ثار اليمنيون ضد دكتاتوريته وفساده.
لكن خطأ التوصيف لا يلغي أن الرجل كان يبعث برسالة مصالحة إلى المحيط الإسلامي (رحب بها الشيخ القرضاوي)، وهي رسالة ترجمها من قبل أيضا عبر رسالته الودية إلى العاهل السعودي بخصوص الحكم على رجل الدين الشيعي نمر النمر، خلافا لمسلسل التهديدات الذي أطلقه رموز المحافظين طوال الأسابيع التي تلت الحكم، والتي انطوت على الكثير من الغطرسة والاستفزاز.
رفسنجاني أضاف إلى توصيفه الآنف الذكر كلاما وحدويا في منتهى الأهمية يعبر عن سعة أفق لا تخطئها العين، ولا قيمة هنا للحديث عن «التَّقِيَّة»، لأن المواقف تحدد بناءً على السياسات الواقعية، وليس الاعتقادات الباطنية؛ إذ بوسع كل طرف أن يعتقد بقلبه ما يشاء.
مما قاله رفسنجاني في سياق نقده لسب الصحابة قوله:

«في اعتقادي هذا إثم كبير، ونحن كمسلمين أصبح عددنا مليارا وسبعمئة مليون نسمة، ونشكل ما يقارب 60 دولة إسلامية نستطيع أن نكون أكبر قوة مؤثرة في العالم إذا استطعنا أن نكوّن اتحادا إسلاميا حقيقيا»، مضيفا أن «من أهم أسباب ضعفنا اليوم كمسلمين هو الخلاف والتفرقة الطائفية الموجودة بيننا، ولهذه أصبحت الدول الإسلامية ضعيفة وتابعة للدول الغربية وتواجه الضربات القاسية من كل مكان».
من جانب آخر، يمكن القول: إن ردود فعل التيار المحافظ على تصريحات رفسنجاني وهجومهم الواضح عليه إنما تعبر عن خلاف جوهري، ليس فيما يتعلق بسب الصحابة، لأن رموز التيار المذكور لا يتوقفون عن إطلاق التصريحات الوحدوية التي ترفض سب الصحابة، لكن المصيبة هي في ممارستهم العملية، بخاصة في سوريا التي لم يعد سرا أن الخلاف حولها كبير بين التيارين، وقد كشف عن ذلك وليد المعلم في تصريحاته لصحيفة «الأخبار» التابعة لحزب الله، والتي شكر فيها مواقف المرشد والحرس الثوري، بينما انتقد بوضوح من سماهم أصحاب «النهج الليبرالي».
إن تصريحات رفسنجاني، وأيّ حديث عن إعادة النظر في مواقف إيران في المنطقة، بخاصة من الغالبية السنّية لا يعبر عن صدقة أو إحسان، بل هو يعبر عن رؤية لتحقيق مصالح إيران قبل أي شيء آخر، لاسيَّما أنها تخوض معركة عبثية ضد غالبية الأمة، وتدمّر التعايش في عموم المنطقة. 
إنها تستنزف مقدراتها من دون أي أفق بالانتصار، فيما تستنزف الأمة جمعاء لصالح الكيان الصهيوني الذي يدعي المحافظون أنهم يمثلون تيارا يقف ضده، بينما هم يخدمونه من الناحية العملية، وكانت خدمتهم الأكبر في سوريا التي حوَّلوها إلى ثقب أسود يستنزف الجميع، بينما عطّل مسيرة الربيع العربي التي كانت تحمل آفاقا كبيرة للأمة على صعيد الشعوب، وعلى صعيد المواجهة مع الكيان الصهيوني والهيمنة الغربية.
لذلك كله، تستحق تصريحات رفسنجاني الكثير من الترحيب، لاسيَّما أن شعب إيران ليس عدوا للأمة، وهو جزء منها ويريد بدوره أن يعيش كريما بعيدا عن الركض خلف مشاريع وهمية لا يمكن أن تنجح بأي حال.

• @yzaatreh

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق