التهجير الناعم أو جحيم الريفييرا
ليست المسألة أنّ الصهيوني يريد استرداد أسراه من غزّة لكي تتوقف المذبحة، فكلّ الوقائع تنطق بأنّ المذبحة هدفٌ في ذاتها، والإبادة هي الموضوع الرئيس الذي لن ينتهي إلا بإخلاء غزّة من الفلسطينيين، وهذا ما تلتقي عنده إرادتان ورغبتان: أميركية ممثّلة في دونالد ترامب، وإسرائيلية عند بنيامين نتنياهو.
وكما لا يستقيم بداهةً ولا يصحّ منطقاً أنّ شخصًا يسبغ قداسة على اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الصهيوني ويطوف حولها، أن يكون داعمًا بأيّ وجه من الوجوه لكفاح الشعب الفلسطيني ضدّ الكيان، أو يمكن أن يكون ذا تأثير حقيقي يمكن أن يلجم وحشية العدوان الإسرائيلي، فإنّه يُعدّ استخفافاً بالعقل ونوعاً من الخداع أن يحاول أحد تصوير ترامب أنّه الشخص المؤهّل لصناعة سلام في المنطقة، وأنّه لا يحب الحرب والعنف، فالرجل بلسانه منذ اليوم الأوّل يُفاخر بأنه يمتلك مفاتيح الجحيم ويتوعّد بفتحه على الفلسطينيين، والمنطقة عموماً، إن لم تسلّم سلاحها وتتوب عن المقاومة، وتستسلم للإرادة الصهيونية، معلناً طوال الوقت أنّ من حقّ إسرائيل أن تفعل ما تشاء، وقتما تريد، ويطلق مبعوثيه في المنطقة للتهديد والوعيد واختراع الحجج التي تمنح الصهيوني حقّ العدوان وتمنع الفلسطيني حقّ المقاومة.
هنا يصبح افتراض أنّ ترامب، بفريقه المنحاز لإسرائيل عقيدةً وسلوكاً، يختلف عن نتنياهو بيمينه الديني الصهيوني المتطرّف، ضرباً من الغفلة والثرثرة الفارغة، وبالتالي، يكون التعامل مع الإدارة الأميركية والتعاون معها باعتبارها حكماً ووسيطاً نزيهاً نوعاً من الخديعة التي تمارس على الشعوب العربية، تصبح معها عملية الوساطة، التي باتت تتمتّع لدى بعضهم بقداسةٍ تشبه قداسة كامب ديفيد "النموذج الرائع الذي يحتذى بلغة عبد الفتاح السيسي" تصبح هذه الوساطة تحت القيادة الأميركية جزءاً من استراتيجية الحرب والآلة العسكرية الصهيونية، التي توفّر لنتنياهو الحدّ الأقصى من الشعور بالراحة والأمان وهو ينفّذ جرائمه في إبادة الشعب الفلسطيني، وترمّم له بنيانه السياسي، إذ لم يبق المُنجز الأكبر للوساطة على طريقة ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب المتجهّم، هو مصالحة بن غفير على نتنياهو، وعودته بحزبه "القوة اليهودية" إلى حكومة الليكود، بعد أسابيع من الخصام اعتراضاً على إيقاف مذابح الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين، لتكون دماء نحو 500 شهيد جديد، ومعها رؤوس عدد من قيادات المقاومة، عربوناً لتصالح القتلة.
حدث ذلك كلّه في نصف ليلةٍ، لم يتوقف خلالها القصف الوحشي، ولم تهدأ التحرّكات الدبلوماسية المنسّقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث عانقت تصريحات مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، تصريح وزير الحرب الصهيوني في تبرير استئناف الحرب على غزّة وتسويقه، إذ أعلن الأوّل أنّ رد "حماس" على الإملاءات الأميركية الإسرائيلية غير مقبول، وأنّ فرصتها شارفت على الانتهاء، فيما قال الثاني إنهم عادوا إلى القتال بسبب رفض "حماس" إطلاق الأسرى، ليتفق الطرفان على أنّ قرار استئناف الحرب جاء بالتشاور مع ترامب والبيت الأبيض، ليكون العنوان الصحيح للأحداث هو: أميركا وإسرائيل تشنّان حرب إبادة على الشعب الفلسطيني.
في مقابل ذلك، نامت الحكومات العربية، أو تظاهرت بالنوم، حتى ظهر اليوم التالي لتتثاءب وتفرك عينيها قبل أن تكتب بيانات "أشد العبارات" التي باتت طقساً تستمتع وتطمئن به تل أبيب في كلّ عدوان، موقنةً بأنّ الجملة الثانية في البيانات التي تكاد تكون متطابقة هي استجداء قبول نتنياهو باستئناف مفاوضات الوساطة، وتسوّل الضغط الأميركي عليه لكي يقبل، ثم تخرج "سي إن إن" لتنقل عن مسؤول إسرائيلي إنّ الوسطاء المصريين يبذلون جهوداً حثيثة بالفعل لإعادة إطلاق المفاوضات، ثم تظهر مبادرة أو مقترح جديد لا نعلم متى وكيف جرى تجهيزه بهذه السرعة يفرض على المقاومة القبول بما أراده ستيف ويتكوف، واعتبر ردّها عليه غير مقبول، ومبرّرّاً للقصف الإسرائيلي، وتسليم الاحتلال أسراه، مقابل إدخال مساعداتٍ إغاثيةٍ واستئناف فتح معبر رفح أمام خروج المصابين من القطاع.
في المحصلة، تصبح الصورة كالتالي: تطلق واشنطن يد تل أبيب في تنفيذ الحدّ الأقصى من عمليات القتل والإبادة والتدمير، بما يجعل قطاع غزّة مكاناً لا يصلح للحياة، سواء للجرحى أو الأصحّاء، وتتواصل المقتلة، حتى يصبح غالبية السكان مصابين وأهالي مصابين لا يجدون الحدّ الأدنى من العلاج اللازم في هذا الجحيم المصنوع في البيت الأبيض. وهنا تحضر الإنسانية المزيّفة، وتقترح فتح المعبر للخروج بلا عودة، ليبقى السؤال والحال كذلك: إذا لم يكن هذا سيناريو متفقّاً عليه للتهجير الناعم، المخبّأ في غلاف إنساني برّاق، كما أراد ترامب، فماذا يكون التهجير إذن؟
ويتبقى سؤال مكرّر حدّ الملل:
ماذا لو يجرّب الشقيق مرّة واحدة التحرّر من سجن دور الوسيط، ويكون شقيقاً فقط؟
هل كان الصهيوني سيمضي بكلّ هذه الثقة في ارتكاب جرائمه في فلسطين ولبنان وسورية؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق