الأحد، 16 مارس 2025

(رَمادٌ في يومٍ عَاصِف)

 (رَمادٌ في يومٍ عَاصِف)


"حُكَّ جِلدَ الشيعي يخرج لك الصفوي"..
خلاصة أولى..

"ليس في القنافذ أملس"..
خلاصةٌ ثانية.

كُلًّ العداوة قد تُرجى مودتُهَا
إلا عداوة من عاداك في الدينِ
خلاصة ثالثة.

" إذا كانت الديكتاتوريةُ بحراً فالعلمانيون أسماكه؛ إنْ خرجوا منه ماتوا، وأشدُّ المناظر إضحاكاً لي منظرُ علماني عربي يتحدث عن الحرية"..
خلاصة رابعة.

" لا تناقش إسلامياً تَعَلمَنْ ولا علمانياً تأسلم؛ فإنْ كان ولا بد فاستأصل المرارةَ أولاً"..
خلاصة خامسة.
***
هذه خمس خلاصات ذكرتني بهن أحداثُ سوريا الأخيرة؛ حين مارس الشيعةُ- رافضةً ونصيريةً-طبيعتَهم القذرة في الغدر والخسة والدموية؛ ليردوا بها على هَبلِ التسامح، وحمقِ التعايش، وسفاهةِ قبول الآخر التي يمتاز بها المسلم المعاصر!!

ولأن المسلم المعاصر- عند النظام العالمي- مخلوقٌ للسحل، والسجن، والقتل، وهتك العرض، وسلب المال؛ فقد انفجرت وسائلُ التواصل الاجتماعي بأحط وأوسخ حملات التشويه والشيطنة ضد هذا المسلم المسحول المُنتَهَك؛ لأنه لم يعد يحتمل هَبَلَ التسامح، وحُمق التعايش، وسَفَهَ قبولِ الآخر..
كان هذا المسلم المعاصر قد نسي في غمرة فرحته بسقوط الحكم الشيعي النصيري في سوريا خمسينَ سنة مِن المجازر والانتهاكات..
لقد جمع الجنودَ الشيعة الذين كانوا بالأمس فقط يقتلونه، ويذبحون ابنه، ويغتصبون زوجته؛ جمعهم في الميدان، ثم تَمَطَّعَ بهبلٍ مغيظ وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء!!

وقف على منبر الجامع بلحيته وعمامته وعَلَمِ سوريا الجديد؛ ثم صرخ هاتفاً: (الدرزي، والعلوي، والشيعي، والمسيحي..كلنا إيد واحدة) ليصرخ وراءه المصلون: (إيد واحدة.. إيد واحدة.. إيد واحدة)!!

وقف في مؤتمرات المكلمة الوطنية وسط كثيرٍ ممن شارك في قتله وسحله وانتهاك عرضه؛ ليحدثهم عن أهمية المواطنة، وضرورة نبذ الطائفية، وحتمية العمل على نهضة المحمية التي يسميها (وطن)!!

كان منظره جميلاً وهو يسير في غابة الضباع بثيابه البيضاء، وروحه الملائكية، وهَبَلِهِ (الرومانسي) المقيت.. كان يربت على كتف هذا الضبع، ويحتضن ذلك الخنزير، ويرسل القبلات في الهواء لذلك الذئب، ويتغزل في جمال جلد تلك الأفعى.. وحين انفتل عنهم بظهره قليلاً تحول المشهد كله إلى (رمادٍ اشتدت به الريح في يومٍ عاصف).. لقد أنشبوا فيه أنيابهم وأظفارهم، وألحقوه بزوجه التي قتلوها بعد اغتصابها، وابنه الذي ذبحوه في حجر أمه قبل اغتصابها.

حين هَبَّ أخوه المكلوم ليأخذ له (واحداً في ألفِ ألفٍ) مِن ثأره؛ فُتحت عليه في وسائل الإعلام وشبكات التواصل أبواب الجحيم؛ ليتحول بين عشية وضحاها إلى إرهابي، دموي، طائفي، عدو للحياة، متوحش يهتك أعراض النساء، ويشرب دماء الأطفال، ويهدم المدن ويخرب العمران..

كانت جوقةً مُعَدَّةً سلفاً؛ أَعطى إشارةَ البدء فيها مخططوها أولاً، ثم التقطتها وسائلُ إعلامٍ ومنصاتُ تواصلٍ يسيطر عليها- بأموال المسلمين- شيعةٌ أو نصارى.. ثم تتابع وراءهم الأذناب والتبع وَسَقَطُ المتاع.. ولا أذناب ولا تَبَعَ في عالمنا العربي مثل العلمانيين والليبراليين واليساريين الذين لا يكرهون ديناً في الأرض كراهيتهم للإسلام..
ثم ويَا لهولِ المفاجأة- شارك معهم إسلاميون أو متأسلمون ممن يتمتعون بحاسة شَمٍّ ذئبية يعرفون بها اتجاه الريح فيطيرون معها..
وهم طرائق شتى؛ فبعضهم (شيوخٌ كبار السن) فيهم من الغفلة وطلب السلامة أضعاف ما فيهم من العقل والتروي.. وبعضهم (باحثون أو مدعو بحث) ارتبط أكلُ عيشهم بالمراكز البحثية التي يسيطر عليها الشيعة والنصارى وأذنابهم..
وبعضهم (صبية ناقصي قَدرٍ وقٌدْرَة) صار وَسَطُهم الاجتماعي الجديد هو وسط المراكز البحثية التي يسيطر عليها الشيعة والنصارى وأذنابهم..
وكل هؤلاء شاركوا في الجوقة خوفاً، أو طمعاً، أو تصنعاً: خوفاً مِن قطع أرزاقهم.. أو طمعاً في أن تُرى أسماؤهم فَيُلحَقُوا بمركز بحثي، أو يحصلوا على منحة مدفوعة الأجر، أو (يترززوا) أمام خلق الله في (بودكاست).. أو تصنعاً للحياد، وإظهاراً للامتعاض، وإثباتاً لمجتمعهم الجديد (مجتمع المراكز البحثية) أنهم انسلخوا من ماضيهم الإسلامي القديم، وصاروا مثقفين إنسانويين يرفضون العنف، ويخجلون من صراخ أختهم المغتصبة آن اغتصابها..
والنوع الأخير أوسخ الأنواع وأحقرها.. وأوسخ منه نوعٌ إسلاميٌّ آخر ابتلع لسانه وسكت فلم يُعِنْ أخاه المسلمَ بكلمة؛ لأنَّ القاتل والمجرم والغادر الذي أشعل الأحداث في سوريا؛ هو حليفه الشيعي الإيراني والحزبالي الذي عيَّشَه عُمُرَهُ كله في وَهْمِ نُصرة فلسطين والقدس وغزة.. وعلى فلسطين والقدس وغزة مَعقِدُ ولائه وبرائه!!
***
لقد شارك كلُّ هؤلاء في شيطنة المسلم المسحول والمنتَهك.. جعلوه مجرماً وهو الضحية، وقاتلاً وهو المقتول، ومنتهِكَا وهو المنتهَك.. كان شيئا أشبه بمذبحة الأرمن في المسلمين التي تحولت بفعل الدعاية الغربية إلى مذبحةٍ للمسلمين في الأرمن.. أو شيئاً مثل (الدولة الأموية) العظيمة التي تحولت بفعل المؤرخين الشيعة من أمثال أبي مخنف، والكلبي، إلى دولة ظُلمٍ وظُلمات!!
صرنا نسمع ونقرأ عن سوقِ رقيق أقيم في (إدلب)، تُباعُ فيه نساء الشيعة وتُشترى.. صرنا نسمع ونقرأ عن أطفال يُذبحون، ورجالٍ يُقتلون، ونساءٍ يُغتصَبن، وبيوت تهدم، ومراكز تجارية تُنهب.. لقد جمعت الجوقةُ كلَّ الجرائم التي اقترفها الشيعةُ في حق المسلمين وألصقوها بالمسلمين، ثم قام مسلمون آخرون- أو مُسوخٌ يَدَّعُون الإسلام- بتصديق ذلك وترديده ونشره، أو نشره وترديده- وإنْ لم يصدقوه- نكايةً وتشفياً في النظام السوري الجديد.. حتى قال أحدهم: (لقد صرت أخجل أن أقول أنا سُنِّي).. وهذا القائل تحديداً أدهشني أنا على المستوى الشخصي؛ فما كنتُ أظنه يرى نفسَه مسلماً أصلاً؛ فضلاً عن أن يظن نفسَه سُنِّياً..
لقد خرج الجميع مِن دهاليزهم وكهوفهم ليشاركوا البقرَ متعةَ جنون البقر.. خرج أناسٌ كنا نظن- لاختفائهم- أنهم فَطَسوا وذهبوا إلى الخازن (مالك)..
خرج حتى (علاء الأسواني) صاحب وساخة (عمارة يعقوبيان)، و(محمد البرادعي) صاحب وساخة (جبهة الإنقاذ) الذي هَندَسَ تخريبَ مصر بعد تخريبِ العراق، و(يوسف زيدان) صاحب (التوابل)، والأثقل على النفس والروح من جبل المقطم بأحيائه..
خرج أناسٌ كنتُ- والله الذي لا إله إلا هو- أعرف ما سيكتبون قبل أن يكتبوه.. وقد ذكر لي بعضُ الأصحاب بعضَ الأسماء التي كأن الله جل وعلا خلقها لامتحان البشرية كلها وليس المسلمين فقط؛ وسألني عما يمكن أن يكتبوه قبل أن يكتبوه؛ فكنتُ أقول له: فلان سيقول كذا، وفلان سيكتب كذا، وفلان سيرقص على السلم ممسكاً العصا من المنتصفِ ادعاءً للحياد الخبيث، وفلان سيبتلع لسانه ويخرس..
فلا والله ما خرج واحدٌ منهم عما قلت.. وما ذاك لفضلِ عقلٍ عندي على الناس؛ بل لمعرفتي السابقة بطبيعة وساخاتهم، واتجاهات وساخاتهم، ومنطلقات وساخاتهم!!
أمَّا مَنصَّات (عزمي بشارة/ ميشيل عفلق الجديد) فقد كانت- وما زالت- أمَّ الوساخة وأباها.. وليس أوسخ في منصات عزمي بشارة مِن السوريين العاملين فيها، والذين شاركوا في الجوقة داعسين على رأس أكذوبة الوطنية مِن أجل لقمة عيشهم المغموسة بدماء أهلهم أولاً، ومِن أجل (المظهر) الديني لرجال النظام الجديد في سوريا ثانياً.. ذلك (المظهر) الذي يحاول أصحابُه الآن بالباع والذراع الانخلاع منه.. وسيخلعوه ولن يحققوا هدفهم مع خلعهم إياه!!
لا تنس أيضاً (المحورجية) و(المتأيرنين) و(أنصاف الشيعة) الذين لم يكن يُنتظر منهم إلا المشاركة بقوة في حفلات الوساخة المنصوبة حتى كتابة هذه السطور..
أما الشيعة الصِرف فلا يحتاج القاريء إلى شرحٍ مني لوساخاتهم وأكاذيبهم وأضاليلهم؛ فهم سادة الكذب على مر التاريخ.. وقد وصل بهم الحال أن ينشروا مقاطعَ مصورةً قديمة؛ يَحرِقُ فيها خنازيرُ الحشد الشيعي العراقي وأنجاسُ حزب اللات اللبناني جثثَ المسلمين، وينتهكون أعراضهم، ويسحلون رجالهم؛ ثم ينسبونها للمسلمين في سوريا؛ مدعين أن القتلى والمحروقين والمغتصبين شيعة.. بل وصل بهم الحال أيضاً إلى نشر صورٍ لنساء جميلات، والادعاء بأنهن تعرضن للاغتصاب ثم القتل في (اللاذقية)؛ لنكتشف- بعد قليل- أنَّ هؤلاء النسوة يعشن في أمريكا أو أوروبا مِن عشر سنوات.. وبعضهن لم تر سوريا منذ عشرين سنة، وبعضهن لسن سوريات أصلاً، وبعضهن خرجن في مقاطع مصورة يكذبن قتلهن ويؤكدن أنهن على قيد الحياة!!
***
لا تحتاج الأكاذيب الشيعية إلى شرح؛ فنحن نعيش كربلائياتهم المجنونة منذ أكثر من ألف سنة (زادهم الله كرباً وبلاءً)..
بيد أن شخصاً شيعياً واحداً مَثَّل لي على المستوى الشخصي رِهاناً خاصاً.. وإليكم قصتَه:
كان لي صاحبٌ مسلمٌ مهتم بما يسميه (التيار الإصلاحي عند الشيعة)، وكان يرسل لي من وقتٍ لآخر مقالاتٍ وكتباً ومقاطع مصورة لشيوخ ومثقفين وباحثين شيعة- مثل كمال الحيدري، وأحمد الكاتب، وبعض آل الخالصي-؛ ينتقدون فيها مصادر الشيعة وأصولهم، ويدندنون كثيراً حول أكذوبة (التقريب) التي ابتُلي بها علماء مسلمون كبار؛ تراجع بعضهم عنها قبل موته، ومات بعضهم قبل اكتشاف خديعتها.. وكنت أستحي أن أخبر صاحبي هذا أني قرأتُ هذه الكتب، واطلعت على تلك المقالات، ورأيتُ تلك المقاطع قبل أن أعرفه بعشر سنوات.. فكنتُ أظهر له الإعجاب بتنقيبه واهتمامه، ونتناقش فيما يُرسل، ثم أختم حديثي معه دائماً بقولي: (احذر؛ فليس في القنافذ أملس)، (حُكَّ جلد الشيعي يخرج لك الصفوي).. هُم شيعة وإن انتقدوا التشيع.. وما لم يُعلنوا تراجعهم عن الأصول الشركية ويدخلوا الإسلام فلا تأمن دَسَّهُم أبداً.. اليهود والنصارى فيهم إصلاحيون.. ولكنهم في النهاية يهودٌ ونصارى!!
كان يراني متعصباً منغلقاً ككثير ممن يشتموننا الآن بسبب موقفنا الفطري من مشركين محاربين قتلوا من المسلمين في عشر سنوات أكثر من مائة ضعف مما قتل اليهود والنصارى منا في مائة سنة.. وكنت أعذره لأنه لم يجرب مثل تجربتي فلم يعرف مثل معرفتي..
رَاسَلني منذ ثلاثة أيام برسالة فيها جملة واحدة.. قال: (صَدَقت؛ ليس في القنافذ أملس)، ثم أرفقَ رابطاً لحسابٍ (فيسبوكي).. وحين فتحتُه وجدته حساب أو صفحة مَن كان يسميه الشيعي الإصلاحي (أحمد الكاتب)..
ولمن لا يعرف (أحمد الكاتب) هذا؛ فهو مِن أكثر الكُتَّابِ الشيعة نقداً لأصولِ التشيع وأفكاره وخرافاته الشركية والكفرية؛ مثل: الإمامة، والعصمة، والرجعة، والقول بتحريف القرآن، وتكفير الصحابة.. وهو يشبه- إلى حَدٍّ ما- المرجع العراقي سالف الذكر؛ السيد(كمال الحيدري) الممنوع الآن من الظهور، والموضوع تحت الإقامة الجبرية في بيته بطهران، أو في مشفى إيراني مع أنه عراقي الجنسية.. وذلك بسبب نقده الشديد لكثيرٍ من هلاوس وخرافات الشيعة التي اتخذوها ديناً يدينون به..
صحيح أن (الحيدري) أكثر علماً وفقهاً وعُمقاً مِن (أحمد الكاتب) الذي يبدو في كثيرٍ من الأحيان سطحياً شعبوياً إذا قيس بالحيدري.. بيد أن الاثنين كانا حلقة صغيرة في سلسلة طويلة مِن مراجع الشيعة ومثقفيهم حفلت بالتراجعات عن تلك الهلاوس، ونقدها نقداً شديداً؛ مما سبب لهم بعض الأذى في الوسط الشيعي.. هذا بخلاف الذين أسلموا منهم وحسن إسلامهم-حسب ظني- مثل السيد (أبو الفضل البرقعي) الذي كان شجاعاً في جهره بالحق، وعانى أشد المعاناة على يد الخميني وشبيحته حتى آخر يوم في حياته رحمه الله
ظهر (أحمد الكاتب)- على مدار سنوات- بمظهر الناقد المهاجم الرافض لخرافات أهل دينه- وهو صادقٌ في ذلك- حسب ظني- لا يمارس التقية في هذا المسار تحديداً-.. بيد أنه في النهاية (شيعي).. وهذا مربط الفرس.. وإن شئت فقل: (مربط الحمار)..
قَلَّبتُ في صفحة (أحمد الكاتب) التي أرسلها صاحبي فوجدتُه كما توقعت تماماً؛ بوقاً مجنوناً يتحدث عن الإبادة، والمجازر، والإرهابيين السُنَّة، وقتل الشيعة على الهوية بفتاوى ابن تيمية، وتأليب شيعة تركيا على السوريين، واستصراخ المجتمع الدولي للتدخل (تماماً كما فعل الشيعة في العراق أيام صدام)، وجَلْدِ السيدة زينب (هذه تحديداً جديدة عليَّ فأنا لا أعرف أنَّ السيدةَ زينب قد جُلدت).. بل إنه نشر رسماً ساخراً يُظهر قناة الجزيرة- المعروفة بتطبيلها لإيران- وكأنها تُلَمِّعُ رجالَ النظام السوري الجديد، وتغسلُ جرائمهم.. وهو الرسم ذاته الذي نشره الناشط الصهيوني المعروف (إيدي كوهين)، وليس عجيباً أن يتفق الشيعي والصهيوني علينا.. هذا بالإضافة إلى (تحابيش) أُخرى من الأخبار الكاذبة والملفقة التي حفلت بها حسابات الشيعة والعلمانيين مِن (نفس الطاسة ونفس الحمام)؛كما يقول المثل الشعبي.. مع تزيين صفحته بمقاطع من (المرصد السوري) الملعون، وتلفزيون (عزمي بشارة) الألعن..
لم ينسَ (أحمد الكاتب) شيعيَّتَه؛ بل صَفَويَّتَه..
غَامت في عقله كلُّ أدواتِ البحث العلمي، وتحقيق النصوص، وتدقيق الأخبار، وتزييف الروايات، والجرح والتعديل، ونقد المتون والأسانيد.. كلُّ ذلك غاب عن عقله تماماً حين وصل الأمر إلى (الطائفة).. وهو لا يُلام في ذلك؛ بل الملوم نحن..
إنَّ كثيراً من طيبي الإسلاميين لا يدركون أنَّ (الطائفة) تحولت عند السواد الأعظم من الشيعة إلى (قبيلةٍ ونسب) بعدما كانت (ديناً وعقيدة).. ومِن الصعب- بل مِن المحال- أن ينخلعَ الإنسانُ من نسبه وقبيلته؛ وإن انخلع من دينه وعقيدته!!
قابلتُ وعاشرت وزاملت عشرات الشيعة.. متدينين وعلمانيين وملاحدة.. فلا والله ما وجدتُ فرقاً- حين يصل الأمر إلى الطائفة- بين المتدين والعلماني والملحد..
هل تتخيلون مُلحِداً يُنكر وجود إله ثم يحدثك عن (الإمامة) التي هي- في دينهم المجنون- نَصٌ مِن إله؟!
هل تتخيلون عَلمانيا يعتنقُ أشدَّ مناهج العلمانية الفرنسية تطرفاً: (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)؛ ثم يدفع (الخُمس) (للمرجِعِ) الذي يُقَلِّدُه..
ولأنني لا أحب الظلم ولا الظالمين.. فقد تابعتُ (أحمد الكاتب) هذا على مدار سنواتٍ متابعةً لا بأس بها- حتى قبل دخولي شبكات التواصل الاجتماعي- وشاهدتُ كثيراً من مناظراته القديمة مع بعض مشايخ المسلمين، وعرفتُ سَطحيتَه الشيعية الطبيعية التي يتمتعُ بها كلُّ مثقفي الشيعة، وقرأتُ له كلاماً لا بأس به في نقد فكرة (الإمامة) المجنونة التي عَبَّدَت البشر للبشر..
بيد أني لا أذكر مرةً واحدة أني قرأتُ له منشوراً واحداً شَجَبَ أو استنكر فيه مذابحَ إيران في العراق أو سوريا أو اليمن..
لا أذكر أنه ذَكَر حزبَ اللات اللبناني بكلمةِ نقدٍ واحدةٍ إبَّان مجازر الحزب الملعون في أهلنا في سوريا..
أنا لا أذكر ذلك.. ولكن لأنني مسلمٌ (والمسلم المعاصر مثاليٌّ أهبل بطبعه، حتى مع قاتلِه).. فسأقول: ربما كَتَبَ وأنا لم أنتبه.. سَأتَّهم نفسي أنني- وعلى الرغم من متابعتي له- ربما لم أنتبه إنْ كان نَقَدَ مرةً واحدة كلَّ تلك المجازر الشيعية البشعة التي لم يرتكبها حتى (هولاكو)، أو جَدُّه (جنكيز خان) في المسلمين..
لماذا أتهم نفسي؟!
لأني- كما قلت لك- مُسلمٌ معاصر مثالي.. والمسلمُ المعاصر مُتَّهَمٌ دوماً؛ فهو لتعوده على الاتهام (ياخذها مِن قصيرها) ويتهمُ نفسَه..
نحن مثاليون هُبل وسط عالم متوحش مجنون.. ويكأن المثالية لم تُخلق إلا لنا..
هل رأيتم مِن قبل طائفةً أو أتباعَ دينٍ يُذبحُ أطفالهم، وتُنتهك أعراضهم، وتُسرق أرضهم وأموالهم، ويُقتل رجالهم.. ثم يَظهرون بهذه المثالية والإنسانوية مثلنا أو مثل المنتسبين إلينا؛ حتى لا يسموننا طائفيين وإرهابيين ومتطرفين(كُخَّة)؟!!
هل رأيتم أحداً يفعل ذلك غيرنا؟!
أكثر من خمسة عقود ونحن نُذبح في الشام والعراق على يد الشيعة بطوائفهم المختلفة؛ فلا نكاد نسمع لمثقفي الشيعة حساً ولا نقداً ولا شجباً؛ ذراً للرماد في العيون..
ثم نمارس نحن أحط أنواع الحمق والغباء والحقارة بتسميتهم (إصلاحيين)، وتثمين كلامهم الفارغ عن الوحدة الإسلامية والتقريب بين المسلمين..
بل ويدعو بعض حمقانا الآن إلى مناصرتهم ضد إسرائيل و(بياجرها) في الوقت الذي عاد فيه قتلى (البياجر) هؤلاء من سوريا بعدما قتلوا وذبحوا واغتصبوا وهدموا وفَجَّرُوا المسلمين..
جنونٌ ما بعده جنون، وعَتَهٌ ما بعده عَتَه، وسفالة لا أجد في قواميس اللغة وصفاً يوفيها حقها!!
نحن ضعفاء.. أعرف ذلك..
إنني أعيش في الزمن ذاته الذي تعيشون فيه، وأتقلب في الظروف ذاتها التي تتقلبون فيها، ولا أجهل- في هذا السياق- شيئاً تعرفونه، ولا أُسقط- في هذا السياق- مُسَوِّغاتٍ تُرددونها.. بيد أنَّ الأمر زادَ وكَثُر وتَفَاقَم َحتى صار الاستخذاء هو القاعدة، والهوان هو الأصل، والخوف مِن التصنيف هو الأُسُّ والعماد.. وصرنا نفعل ذلك ونردده آلياً كجهاز تسجيل مضبوطٍ على موجةٍ واحدة!!
****
إني والله لأعجب مِن تواضع المسلمين وحدهم على ذَمِّ (الطائفية) والتحذير منها في الوقت الذي يحتمي فيه كلُّ مَن عَدَانَا وعَادَانَا بطائفته.. وعَلامَ تُذَمُّ الطائفية أصلاً وهي على الحقيقة البَدْءُ والمنتهى؟!
إنَّ الحياة في حقيقتها محكومةٌ بـ(الطائفةِ) أياً كانت؛ عرقيةً، أو سياسيةً أو اجتماعيةً أو حتى اقتصادية.. إنها شيءٌ متجذر في النفوس، ومتغلغل في العقول ومغروس في الفِطَر.. وهي صورةٌ مِن صور الاجتماع الإنساني لا يستطيع الإنسان العيشَ بدونها.. الأسرة طائفة، والعائلة طائفة، والقبيلة طائفة، والشعب طائفة.. فإذا نظرنا إلى أنظمة الحكم وأهله؛ فالعسكر طائفة، والأُسر المالكة طائفة، والأحزاب طائفة، والجماعات الدينية والسياسية والمذهبية داخل الدين الواحد طائفة.. بل إنك واجدٌ معنى مِن معاني الطائفة حتى في هذه النقابات المدنية التي تُسمى بِمِهَنِ أصحابها؛ كنقابات المهندسين والمعلمين والأطباء والتجار..
ولا أظن أنَّ (ابن خلدون) رحمه الله عنى سواها بمصطلح (العصبية) الذي أبدعه وجعله أسَّ الُملكِ وعماده؛ يدوم الملك بدوامها ويختل باختلالها.
وهذه الطائفية أو العصبية- بهذا المعنى- تبدأ أول ما تبدأ عِرقيةً صغيرة، ثم تنداح وتتسع بتغيِّر نوعها أو بتعدده، ثم لا تلبث أن تضيق بعد اتساع كما اتسعت بعد ضيق؛ فكأنَّ اتساعَها يُسلِّمُ لضيقها، وضيقَها يُسَلِّمُ لاتساعها؛ فهي رابطة تؤلف بين جماعةٍ يتسعون بها ومعها، ثم يدخل فيهم مَن لم يكن منهم عِرقاً ولكنه صار منهم ديناً أو دولة؛ فتتأسس بذلك طائفة ثانية وثالثةٌ أوسع مِن الأولى وإنْ اتكأت عليها؛ فيصبح منهم (ديناً ودولة) مَن لم يكن منهم (عِرقاً ونسباً).. ثم ما تلبث أن تتسع الدوائر وتنداح حتى تستعصي على الضبط، فتظهر فيهم علامات السقوط والانهيار، أو يظهر فيهم مَن يتداركها بالإصلاح فَيُزَمْزِمها حتى تعود إلى جذرها الأولِ التي به نَمَت وعليه اعتمدت.. فالدولة- بهذا المعنى- طائفةٌ عصبية، والدين- بالمعنى نفسه- طائفةٌ عصبية، وكلًّ ما عُقد عليه الولاء والبراء هو طائفة عصبية بمعناه اللغوي الأول.. ستجد ذلك " في إبراهيم والذين آمنوا معه إذ قالوا لقومهم إنا بُراء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده".. وستجده في أعمالِ كلِّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما ستجده في كل القبائل، والأعراق، والمناهج، والأيدلوجيات..

كانت (قريش) هي الجذر الأول، ثم صارت (مسلمين ومشركين)، ثم صار المسلمون (مهاجرين وأنصاراً)، وفي الأنصار تمايز طائفي قائم على الجذر الأول أيضاً (أوسٌ وخزرج)، كما في المهاجرين تمايز طائفي قائم على الجذر ذاته؛ (هاشم، وأميَّة، وتيم، وعدي، ومخزوم...) ثم اتسع الأمر حتى صار المسلمُ الهندي في أقصى الشرق أخاً للمسلم الأندلسي في أقصى الغرب.. وهكذا دواليك يضيق الأمر من حيث يتسع، ويتسع من حيث يضيق.. و(الهاشميُّ) العظيم الذي أرسله الله للناسِ كافة هو الذي قال صلى الله عليه وسلم:" الأئمة من قريش"؛ فأعاد هذه (الوظيفة الخاصة) بعد اتساع أمرها إلى جذرها الأول؛ إذ لم يكن ممكناً آنذاك أن يتقبل العربُ غيرَ هذا..
وهو أيضاً الذي قال: " اسمعوا وأطيعوا وإن استُعملَ عليكم عبدٌ حبشي كأن رأسه زبيبة"؛ فجعل هذا (الاستعمال)- وهو (وظيفة عامة)- مَشاعاً بين الجذرين الأول والثاني.. وكلا الجذرين مغموسٌ بالدِينٌ والعصبية، ومحاطٌ بالصلاحِ والتقوى، إذ لا يُمكن لأبي جهلٍ مثلاً- وهو القرشي- أن يكون له- لو كان حياً- مِن الوظيفتين (الخاصة والعامة) شيء؛ فإنما هو جذرٌ أول مُحاطٌ بالجذر ِالثاني، وجذرٌ ثانٍ متكيء على الجذر الأول.
وما يقال عن الإسلام في هذا السياق يقال عن كل دين وعِرق ومنهج.. وكل هذه الأديان والأعراق والمناهج إنما تتمايز بما عندها من خصوصيات أولاً، ثم برفضها للآخر ثانياً- رفضَ تمايزٍ لا رفض تعايش-، ولا تمايز بين كلِّ هذا إلا بمعرفة حدوده لنفي ما عداه؛ فإنَّ جزءاً كبيراً مِن تعريف الذات وإثباتِها مُرتبطٌ بتنكير الآخر ونفيه..
فالطائفية بهذه المعاني ليست مذمومة ولا مُستقبَحة؛ بل هي فطرية وطبيعية؛ يعيش بها الإنسان آن أمنه، كما يتترس بها آن خوفه..
ولا يُلام الآخرون لاتكائهم على طوائفهم بجذورها المختلفة؛ فهم يمارسون الفِطرة؛ بل الملوم نحن الذين نعاكس الفطرة ونضاد الطبيعة..
لا يُلامُ شيخ الشيعة الدروز (حكمت الهجري) حين يقول:" نحن في مرحلة نكون فيها أو لا نكون.. نحن نعملُ لجماعتنا كطائفة.. لا وفاق ولا توافق مع حكومة دمشق.. حكومة دمشق حكومة متطرفة مطلوبة للعدالة الدولية".. لا يُلام (الهجري)، ولا (أحمد الكاتب) ولا غيرهما..
الملوم نحن الذين ننحني لكل مَن هَبَّ وَدَبَّ فيركبون ظهورنا ونحن الأعلون إن كنا مؤمنين..
إنه لا يمكن لأحدٍ في هذه الدنيا إلا أن يكون طائفياً بمعنى من هذه المعاني السابقة.. حتى أولئك الذين يَدَّعون الإسلام- مِن العلمانيين والليبراليين واليساريين_ ثم لا يهاجمون في كل شاردة وواردة إلا الإسلام؛ مُدَّعِينَ الحيادَ ونبذ الطائفية؛ إنما هم طائفيون وإنْ ادعوا غير ذلك؛ فإنَّ الإنسان لا يخرج مِن طائفة إلا ليدخل في أخرى وإنْ لم يَعِ ذلك.. والثعبان لا ينسلخ من إهاب إلا ليدخل في إهاب!!
***
إنني أعرف أنَّ الطائفية التي يذمها المسلمون وَيُحَذِّرُونَ منها هي الطائفية الظالمة التي تستقوي على الضعيف أو تظلم البريء.. وقد رأيتُ وعاشرتُ أُسَراً مِن (النصيرية)- الذين هم أكفر فِرق الشيعة- لا يعرفون عن دينهم كثيراً ولا قليلاً، بل وكانوا يعجبون حين نخبرهم ببعض هلاوس دينهم- وهم صادقون في عجبهم لا يمارسون التقية-، وبعضهم حَجَّ واعتمر وصلى وصام دون أن يعرف أنه يعبد علياً رضي الله عنه.. فهم جَهَلَةٌ تحول دينهم عندهم إلى عِرق لا يستطيعون الفكاك منه.. وهؤلاء مِن أكبر الظلم ظُلمُهُم أو الاعتداء عليهم ما لم يقترفوا جُرماً أو يسفكوا دماً.. وحتى لو استفادوا من نظام الأسد الشيعي فإنَّ مجرد استفادتهم من النظام لا تُحملهم مسؤولية توجب أخذهم مع الأكثرية المجرمة منهم..
إنما مقصدنا من كل هذا هو الدعوة إلى اعتدال الميزان، وعودة الأمور إلى نصابها، واستعادة الشام مِن أقلياتٍ لا وزن لها سياسياً واجتماعياً بين الكثرة الكاثرة من المسلمين.
إنَّ الهجمة الإعلامية الأخيرة- والمستمرة حتى الآن- على المسلمين في سوريا، بعد الهجمة الدموية الشيعية التي بدأت منذ خمسين سنة؛ لا يُمكن أن تقابل بـ(اذهبوا فأنتم الطلقاء)، أو (كلنا يَدٌ واحدة)؛ لأنَّ هذه الطوائف رضيت وتابعت وصفقت لكل حُكمٍ غير حكم المسلمين- وليتَ حكم المسلمين كان حُكماً شرعياً على الجادة-؛ فهي برفضها لحكم المسلمين لا ترى إلا أن يظل المسلمون في الدرك الأسفل مِن السُلَّمِ السياسي؛ استقواءً بالأجنبي الصليبي أو الصهيوني أو الصفوي، واستغلالاً لضعف المسلمين وذهاب أمرهم منذ ما يزيد على مائتي سنة..
وهي حالةٌ إنْ دامت كل هذه السنوات فمن الخزي أن نتركها سنةً أخرى، وإنْ وَرِثْنَاهَا عن آبائنا وأجدانا فمن العار أنْ نُوَرِّثَها لأبنائنا وأحفادنا..
ونحن وإنْ خلا زماننا هذا مِن دولةٍ لنا أو إمامٍ نحتمي بها وبه- والإمامُ كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "جُنَّةٌ يُقَاتَلُ من ورائه"- فإنَّ الطائفةَ (قد) تقوم مقام الإمام، والولاء والبراء للمسلمين (قد) يقوم مقام الدولة.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلمه".. وليس أشدَّ ظلماً مِن أن تترك أخاك للكفار والمشركين يصطلمونه بالقتل والسحل والانتهاك، أو للعلمانيين والليبراليين واليساريين والمتأسلمين يشوهون غَضبَتَه لدينه وعرضه بِتُهَمِ الإرهاب والتطرف والإجرام، ثم لا تُحرك حتى لسانك بكلمة تنصر بها أخاك.
يقول أهل الصعيد: (اللي ما تِجيبُه المَحَنَّة يجيبُه العار)؛ وهو مثلٌ يُضرب للمتخاصِمَيْنِ في العائلة الواحدة حين يطول خصامهما ولا يعطفهما على بعضهما حنانُ القرابة أو أواصر الرحم؛ فإذا اعتدى غريبٌ على أحدهما هَبَّ قريبُه المخاصم له للدفاع عنه خشية العار؛ فمن لم يأت به حنانُ القرابة جاء به خوفُ العار..
وهو معنى فطري موجودٌ في كل أمةٍ وملة؛ بل وموجود في البهائم والأنعام والحشرات..
إلا أننا ابتُلينا في زمننا هذا بأناسٍ كأنهم لم يصلوا بعد إلى مستوى البهائم والأنعام؛ فهم يَدَّعُون أنهم مِنَّا وفينا ثم لا يأتي بهم حنانٌ ولا عار، بل ويشاركون أهل البغي بغيهم؛ متفاخرين بعار التخلي وذل التبعية!!
***
إنَّ الأمرَ في سوريا لم ينتهِ بعد، ولا أظنه سينتهي في المدى القريب على ما نُحِبُّ ونرجو.. وإنه لمن خفة العقل أن ننصحَ صاحب ثأرٍ بالحيطة والحذر، أو بالاستعداد للقادم الغامض؛ فهو في غنى عن ذلك بسبب ما رآه وعاناه، ولكنه تذكيرُ المهموم بِهَمِّ أخيه، وإلحاحُ الموجوع بوجعِ أهلِه، وتكثيرٌ لسوادِ الطائفة المسلمة أمام طوائف الكفر والشرك والعلمنة والنفاق..
وإنْ لم نفعل ذلك جميعاً؛ فسنظلُ على ما نحن عليه منذ أكثر مِن مائتي سنة؛ غثاء كغثاء السيل، وستظل أعمالُنَا وأحلامنا وآمالنا كرمادٍ اشتدت به الريحُ في يومٍ عاصف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق