الأحد، 27 يوليو 2014

ديفيد هيرست .. و"تجليات محمود عباس في غزة"

ديفيد هيرست .. و"تجليات محمود عباس في غزة"



كتب ديفيد هيرست: يمر محموود عباس بما يشبه حالة التجلي هذه الأيام. قبل شهرين فقط كان الرئيس الفلسطيني يعلن أن التنسيق الأمني مع إسرائيل في الضفة الغربية “مقدس”. أما الآن، فعباس يتلو الآية القرآنية “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير”.

 ما الذي جرى له منذ أن قال في خطاب له في جدة مباشرة بعد اختطاف وقتل المستوطنين الثلاثة، إن “التنسيق الأمني مع إسرائيل هو لصالحنا، لحماية شعبنا؟”.
 ما الذي يجرى فعلاً لمنظمة التحرير عندما أصدرت بياناً بعد الاجتماع الطارئ الذي ترأسه عباس في رام الله تمدح فيه “الموقف الصامد لشعبنا الفلسطيني العظيم وقوات المقاومة التي تقاتل ببطولة ضد جيش الاحتلال الذي يرتكب الجرائم والمجازر ضد مواطنينا؟”.
ما هذا التحول الذي طرأ على صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، فيما يشبه المعجزة؟ ها هو الآن يقول إن كل فلسطيني بات هدفاً لإسرائيل. هل هذا هو نفس عريقات الذي عرض، كما ورد في الأوراق الفلسطينية، على نظيرته تسيبي ليفني “أكبر يورشاليم” في التاريخ؟
 أشياء غريبة تحدث في ذلك الجزء من الضفة الغربية الذي لم يورثه صائب عريقات للإسرائيليين كحقيقة أخرى على الأرض. لقد شوهدت رايات حماس في المظاهرة الحاشدة التي قدر عدد المشاركين فيها بثلاثين ألف إنسان حينما تجمعوا عند نقطة تفتيش قلنديا ليلة الخميس. وانطلقت النداءات من سماعات المساجد تحث الفلسطينيين على المشاركة في المظاهرة.
 بدت طوابير شرطة مكافحة الشغب التابعة للسلطة الفلسطينية أقل استعداداً للوقوف بين المتظاهرين وخطوط الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود الإسرائيلي.
 منذ خطابه الذي ألقاه في جدة انهالت على محمود عباس الشتائم عبر الإنترنيت حتى من داخل الدائرة المؤيدة له، ونقلت أميرة هاس في مقال لها في صحيفة "هآرتس" عن عضو في حركة فتح يقيم في مخيم للاجئين، وهو في نفس الوقت أسير سابق، قوله إن 10% فقط من الفلسطينيين يؤيدون الرئيس المسن الآن.
 وانتشرت تقارير تفيد بهروب زوجته وأحفاده من رام الله إلى عمان. ما يحدث لعباس هو زلزال سياسي. قد يعمد مقاتل منظمة التحرير المخضرم إلى تبني خط جديد مؤيد لحماس من رام الله في محاولة منه لتعزيز موقفه كمفاوض. ولكن، حتى هذا الحيز يصعب على عباس أن يعيش فيه، فأقرب شركائه العرب، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتصرف حتى أسوأ من نتنياهو، ليس فقط من خلال منع المساعدات من العبور من الجانب المصري عبر الحدود وإنما من خلال تحريضه لرئيس الوزراء الإسرائيلي على القضاء على حماس عسكرياً وإلى الأبد.
 بدون أن يوسوس السيسي والملك عبد الله يومياً لنتنياهو، يشك في أنه كان سيقدم على عمل حاسم بهذا الشكل ضد غزة. يتسبب حلفاء عباس في تنزيل اللعنات عليه في أوساط الجماهير الفلسطينية، لأن هؤلاء الحلفاء جزء أساسي من العدوان على غزة. يقوم السيسي بدور حارس السجن الذي يبقي الباب مقفلاً بينما ينهال الضيوف الإسرائيليون بالضرب على النزلاء.
 رصيد عباس آخذ في التآكل يوماً بعد يوم، سواء كرئيس أو كمفاوض. وبينما يرتفع عدد ضحايا العدوان على غزة ليتجاوز الألف، قلة هم الذين توقفوا ليفكروا في الأثر الذي سيكون للعملية على صفقة الوحدة التي سعت العملية العسكرية إلى سحقها.
 حينما وقعت صفقة الوحدة، همس عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح قائلاً: “لقد تعرت حماس من كل ثيابها”، قاصداً الإشارة إلى أن حماس استسلمت أكثر من اللازم، وتنازلت عن السلطة في غزة بشكل تام. في البداية، كان يعتقد بأن خالد مشعل دفع ثمناً باهظاً، فالصفقة لم تحظ بشعبية داخل حركته (وخاصة في الضفة الغربية)، وما لبث السخط أن تضاعف حينما رفض عباس دفع رواتب خمسين ألف موظف في غزة لأنهم بقوا على ولائهم لحماس. بدا كما لو أن حماس خرجت من الصفقة شريكاً أضعف، ما لبث عباس أن غدر بهم وجهاً لوجه. أما اليوم، فالموقف على العكس مما كان عليه من قبل. اخترقت حكومة الوحدة الجدار النفسي بين حماس ومنظمة التحرير، وقدمت لمحة لما يمكن أن تكون عليه الأمة الموحدة. والآن، ساهمت الحرب الشاملة التي شنها الجيش الإسرائيلي على غزة في تعزيز هذه اللحمة، وإذا كان الانقسام سبباً في منع اندلاع انتفاضة ثالثة، فهاقد تذللت تلك العقبة ولم تعد موجودة. مازال مشكوكاً فيما إذا كانت فعلاً ستندلع، ولكن بعد مشاهد هذا الأسبوع في الضفة الغربية ليس بإمكان أحد استبعاد احتمال تفجرها، لقد باتت الآن احتمالاً واقعياً جداً. إذا كانت هذه الوحدة موجودة الآن، فمن ذا الذي سيكسب منها؟ في الحرب، الدور لحماس كونها هي التي ترد على العدوان الإسرائيلي. أما في السلم، فعباس ومنظمة التحرير قد يتوجب عليهما إتاحة المجال أمام ظهور زعيم جديد قادر على تمثيل كافة الفصائل. 
بإمكان عباس أن يقوم بسلسلة من الإنجازات الوهمية من مثل المضي قدماً في تقديم طلبات انتساب لمنظمات الأمم المتحدة ومؤسساتها، ومقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية.
 إلا أن هامش الخطأ أمامه آخذ في الانكماش. وحينما يصل وقف إطلاق النار لن تكون حماس عارية، بل ستكون مستورة بكامل الزي العسكري، كما كان عباس نفسه في يوم من الأيام.
 (ذي هافنغتون بوست)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق