الأربعاء، 22 يوليو 2015

المنصف المرزوقي المشتاق إلى غزة

المنصف المرزوقي المشتاق إلى غزة


أحمد بن راشد بن سعيّد


كان المنصف المرزوقي أول رئيس لتونس بعد ثورة الياسمين؛ ثمرة من ثمار الربيع العربي الذي يريد أنصار الاستبداد أن يسلبوه كل محاسنه، ويربطوه بالجفاف والموت؛ قائد توّجته الثورة رمزاً وبطلاً؛ شاهد حي على أن العرب أمة خلّاقة قادرة على استيعاب الديموقراطية وتطبيقها.

كان المرزوقي أول رئيس عربي يصل إلى السلطة بطريقة ديموقراطية، ويرحل بطريقة ديموقراطية. إنه مفكر وحقوقي ومثقف، ويحمل شهادة الدكتوراه في الطب.
 أظهر خلال رئاسته تونس سلوكاً راقياً في التعامل مع المعارضة، وفي إدارة الشؤون الخارجية في آن. خسر الانتخابات الأخيرة التي شهدتها تونس، لكنه وفي مشهد لافت وغير مسبوق عربياً، اتصل هاتفياً بمنافسه الذي كسب الانتخابات، وهنأه بالفوز شأن التقاليد العريقة في الديموقراطيات.
عاد المنصف المرزوقي إلى بيته بعد أكثر من ثلاث سنوات في الرئاسة، لكنه لم يخلد إلى الراحة، بل استمر في نشاطه الحقوقي والإنساني.
في 25 حزيران (يونيو) 2015 كان الرئيس التونسي السابق في عُرض البحر الأبيض المتوسط على متن سفينة هي جزء من أسطول الحرية الثالث الذي يتكون من خمس سفن على متنها نحو 70 متضامناً من الناشطين السياسيين والحقوقيين والصحافيين يحملون لأهل قطاع غزة مساعدات إنسانية، وألواحاً شمسية، ولوازم طبية.
أراد المرزوقي وزملاؤه كسر الحصار الإرهابي الذي تفرضه إسرائيل (وعملاؤها في مصر) على نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة، معظمهم لاجئون. أرادوا أن يصلوا إلى غزة بالرغم من كل التحديات، ليسجلوا بذلك انتصاراً للإنسانية على الوحشية، وللحق على الباطل، وللعدالة على الهمجية والنفاق.
روى المرزوقي تجربته مع أسطول الحرية في مقال نشره موقع الجزيرة نت في 7 تموز (يوليو) 2015: «(نحن) نعتقد أننا نسافر، وكل ما نفعله نقلُ أجسادنا من مكان إلى آخر، نشتكي من الأكل في الطائرة ومن تأخرها في الوصول نصف ساعة، ها هي تجربة الرحلة كما عرفها الأوائل وكما يعرفها الذين يسافرون حقاً: انطلاق صعب، طريق محفوف بالأخطار، وصول غير مضمون، والمفاجأة في كل منعطف. يا لي من محظوظ أنا الذي لم أكف عن التنقل أن أعرف أخيراً
طعم رحلة حقيقية!»
. تحدث المرزوقي عن معاناته من ضيق المكان، ورداءة الطعام، وصعوبة النوم، ودوار البحر ،والانقطاع عن العالم الخارجي مستشعراً معاناة من يخوضون البحر اضطراراً إلى الشواطىء الأوروبية؛ هرباً من الاستبداد والظلم، فيتكدّسون في زوارق للموت، وكأنه قد كُتب عليهم أن يذوقوا أهوال البحر بعد أن شبعوا من أهوال البر. سأل المرزوقي أستاذاً جامعياً كندياً عن سبب وجوده على متن السفينة، فأجابه أنه من السكان الأصليين في أميركا الشمالية الذين يُسمّون الهنود الحمر، وغزة، في نظره، هي أكبر محمية للسكان الأصليين على وجه الأرض هذه الأيام، ولذا جاء للتضامن معها.
رد عليه المرزوقي: «لا يا عزيزي. غزة وإن أصبحت ركاماً وخراباً، وإن حاصرها العدو والصديق، وإن عطشت وتضوّرت جوعاً...لم ولن تصبح يوماً محمية تعيش فيها قبيلة مهزومة
تنتحر ببطء. غزّتُنا تنبض برفض الاستسلام للقوة الفظة؛ بالصمود أمام الشدائد؛ بالشرف الأثيل؛ بالأمل الذي لا يخبو بريقه مهما كان الظلام حالكاً. غزة أجمل صورة للحياة وهي تقاوم الموت وتهزمه. لهذا شدَدْتُ الرحال إليها علّني أزداد قوةً بقوتها، علّها تُفيض عليّ بشيء من روحها».
أبدى المرزوقي إعجابه بشجاعة الطاقم السويدي الذي يقود السفينة واحترافه وإنسانيته، كما حيّا آخرين من مرافقيه كنائبة البرلمان الأوروبي الإسبانية، وصحافية روسية، وناشطة نيوزيلندية: «بشر من كل الديانات والجنسيات خاطروا بحياتهم وراحتهم من أجل قضية ومبدأ. وبعد هذا تجد من يعلن يأسه من البشر»؟
في 29 حزيران (يونيو) اقتربت السفينة من المياه الإقليمية لقطاع غزة، فاعترضها، كما كان متوقعاً، جنود البحرية الصهيونية الذين اقتحموها وهم مدججون بالسلاح، وصاح القبطان السويدي: «هذه السفينة أرض سويدية، ونحن في المياه الدولية، وهؤلاء الناس لا حق لهم في اعتراضنا».
وعلّق المرزوقي على ذلك بالقول: «إنها وجهة نظر المؤمن بقوة الشرعية في مواجهة أناس لم يؤمنوا يوماً إلا بشرعية القوة».
اختطف قراصنة إسرائيل المرزوقي ومرافقيه واقتادوهم إلى ميناء إسدود.
في 30 حزيران (يونيو) رحّلت سلطات الاحتلال الرئيس التونسي السابق إلى باريس، ومنها عاد إلى تونس في غرة تموز (يوليو) حيث استقبله المئات من التونسيين في مطار قرطاج استقبال الأبطال.
 عاد المسافر من حيث أتى من دون أن يدخل غزة. هل فشلت المَهَمَّة؟ لا. يقول: صحيح أننا لم نكسر الحصار لكن ثمة نجاحات: «إعادة تسليط الضوء على قضية يُراد لها النسيان، رسالة محبة وتضامن للمحاصَرين، توسّع دائرة المتضامنين مع غزة...، فضح عجرفة السلطات الإسرائيلية مرة أخرى واستهتارها بالقانون الدولي وبحقوق الإنسان...».
الرئيس المرزوقي أعلن في قرطاج دعمه أسطول الحرية المغاربي الذي سيبحر إلى غزة في الشتاء المقبل من دون أن يشارك فيه موضّحاً: «سأدفع أن يكون فيه أناس آخرون غيري حتى تبقى الشعلة مرفوعة»، مضيفاً: «قوة العملية في رمزيتها، وكي تبقى هذه الرمزية يجب ألا يظهر المرزوقي فيها حتى لا يُقال إنه يستغلها».
 كان عنوان مقال المرزوقي في «الجزيرة نت»: «الشوق إلى غزة»، وهو يذكرني ببيتين قالهما الإمام الشافعي المولود في غزة عن مسقط رأسه:


وإني لمشتاقٌ إلى أرض غزةٍ

وإنْ خانني بعد التفرّق كتماني

سقى الله أرضاً لو ظفرتُ بتُربِها

كحَلتُ به من شدة الشوق أجفاني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق