الثلاثاء، 21 يوليو 2015

الكوابيس العربية


الكوابيس العربية

واسيني الأعرج


دوامة العالم العربي كل يوم تستفحل قليلا وكأن لا قوة قادرة على إيقافها. 
لقد أصبح عاجزا عن كل شيء إلا عن إبداع الكوابيس الكثيرة التي أصبحت تؤرق الإنسان العربي في نهاره وليله وتمحو من عينيه كل نور وأمل ممكنين، وكأنها قدر لا يمكن تغييره أو تفاديه ولا أفق يمكن أن يجعل المواطن العربي يأمل وضعا غير الحالة المعاشة والتي تسير بخطى حثيثة نحو التدمير الممنهج، إذا لم يحدث ما يغير الأوضاع أو يدفع بالدول العربية للتفكير جماعيا في المصير الذي ينتظرها.
جامعة الدول العربية، المؤسسة الوحيدة الجامعة ولو شكليا، لم يعد لها أدنى دور ولا حتى التفكير في المصائر الفجائعية التي يتم اليوم التأسيس لها.
كوابيس الحروب الأهلية التي أصبحت تأكل الأخضر واليابس، وتدمر كل ما أنجز عربيا في النصف قرن الأخير، بدون الحديث طبعا، عن المنجز الحضاري القديم في الزمن، كما في الحالة العراقية والسورية واليمنية، الذي يتم حرقه وتدميره.
تصاعدت هذه الحروب الأهلية وتعددت حتى أصبح من الصعب السيطرة عليها.
فإذا كان للديكتاتوريات العربية الدور الكبير في هذه الأوضاع بتغييبها الفعل الإنساني والديمقراطي، فإن الدور الحاسم يعود للنظام الدولي الجديد التي يعيد اليوم صياغة العالم وفق المصلحة العليا للغرب الاستعماري الذي عاد بخطى حثيثة بتسميات جديدة وحضارية؟ أكثر.
أظهر هذا الوضع عجزا كبيرا في التضامن العربي، وفي القدرة على التحرك، في ظل أنانيات لا مثيل لها، وكأن الضرر لن يمس إلا الآخرين، ولا يطال الدول العربية التي لم تمسسها هذه النيران إلا قليلا أو ظلت خارجها.
النيران المشتعلة هنا وهناك، وتحرق دولا بعينها اليوم، سيتمد لهيبها ليشمل الدول العربية كلها، إن آجلا أو عاجلا، ظروف الفرقة نفسها متوفرة فيها كلها. وما أشبه البارحة باليوم عندما كان الملوك الكاثوليك الإسبان يأكلون الأراضي الأندلسية بينما ملوك الطوائف، في هدوء وطمأنينة وعلى مرأى من الدويلات العربية الأخرى، لم يروا وقتها أنهم معنيون بما كان يحدث أمام أعينهم.
كان كل واحد يظن أن النار لن تمسس إلا غيره، حتى سقط الجميع بالتتابع بشكل دراماتيكي، في عمق الهزائم التي أنهت تاريخا من ثمانية قرون ونصف. الحروب الأهلية استقرت اليوم وأصبحت نظاما سادته القتلة والمغامرون ومرتزقة الحروب، وانتفت كل إمكانية للتغيير التي انطلقت منها الثورات في بداية الأمر.
كابوس آخر يشل العالم العربي ولا يفتح أمامه أي أفق ممكن. كابوس التنمية.. الأموال العربية الضخمة التي تولدت عن الطفرة النفطية في العشر سنوات الأخيرة تندثر اليوم كالقصور الإسبانية، لتتحول إلى كومة من الرماد، وتضمحل في إثرها كل الاستثمارات العربية التي دفعت بهذا المال في عمق الأسواق العالمية والعقار والموانئ والمنجزات الإستراتيجية، واشترتها أو دخلت بأسهم كبيرة فيها، مما وفر لها سلطة القرار.
مع انهيار الأسواق النفطية بسبب الأزمات المتتالية، بدأ هذا المال يتبخر بسرعة وفق حسابات النظام الدولي الجديد، وسيضطر العرب في وقت قصير قادم، إلى بيع أسهمهم بأسعار رخيصة لا تساوي ثمن الأوراق الإدارية والمعاملات التي صُمِّمت بها هذه المشاريع، وربما الاستدانة أيضا في وضع اقتصادي بائس محكوم بسوق النفط والأسلحة.
الكابوس الثالث الذي ينهك العرب لدرجة الاستنزاف هو كابوس الدين الذي يشغل القاصي والداني.
من دين إسلامي متسامح في جوهره، ظل يشكل دوما رابطا روحيا بين العرب فيما بينهم، وفي علاقاتهم بالدول الإسلامية وغير الإسلامية. هذا الإسلام السمح والحي والروحي، أصبح إسلاما طقوسيا مفرغا من أية روح ومن أي نظرة بعيدة، قبل أن يصبح إسلاما مسلحا، جافا، دمر الوحدة الروحية والدينية للأمة، وخلق مسافات بين الإسلام والديانات الأخرى التي أدخلها من خلال منظومته الفكرية المجردة من أي فعل ثقافي إنساني وكأن المسلم وجد نفسه بقدرة قادر على هذه الأرض، وأنه وحده المالك للحقيقة والطريق المستقيم، وأدرج الإسلام المسلح كل من يخالفه الرأي في خانة الأعداء الذين تجب تصفيتهم. وتم تسويق هذا الإسلام المسلح باتجاه الغرب من خلال عاملين شديدي التعقيد. 
أولا: الخلايا الأولى من هذا الإسلام القاعدي أو الداعشي كانت أمريكية وإنجليزية، استعملت للوقوف في وجه المد الروسي في أفغانستان ثم عممت التجربة عربيا وإسلاميا.
ثانيا: ارتداد جزء من هذا الإسلام المسلح، عن ضماناته للغرب الذي ساعده، منذ أحداث البرجين التوأمين في نيويورك، فوجه بعض عملياته الإرهابية نحو المدن الغربية نفسها مثل عمليات ميترو لندن ومحطة القطار الإسبانية وشارلي إيبدو في باريس. ترتب عن ذلك نتائج وخيمة، من عنصرية وابتذال واختزال لصورة العربي والمسلم أيضا الذي أصبحت هويته تضعه في خانة القتلة الإرهابيين، أو غير المرغوب فيهم في أوروبا.
ابتذال الفعل العنصري الذي تعاقب عليه القوانين الأوروبية على تنوعها، شجع الحركات العنصرية لارتكاب جرائم كثيرة في الولايات المتحدة وهولندا وفرنسا وغيرها.
صورة لا تضر فقط بالإسلام، ولكن أيضا بالسياق الحضاري، إذ أصبحت فكرة صدام الحضارات الغبية وشديدة الانحطاط والعنصرية في جوهرها، على رأس الكثير من ألسن اليمين الأوروبي المتطرف، وأجزاء من اليمين التقليدي الغارق في الحسابات الانتخابية، والذي وجد في الإرهاب، والأجنبي العربي والإفريقي والمسلم، أيضا، ضالته في اكتساب الأصوات التي تؤهله للفوز بالانتخابات.
آخر الكوابيس الخطيرة التي أنتجها العالم العربي وتقوده بخطى حثيثة نحو حتفه، كابوس المستقبل الغائب، إذ بدون استشراف للمستقبل لا يمكن تخيل حياة ممكنة. لقد أصبح المستقبل اليوم معلقا على خيط رفيع، يمكن أن يتمزق في أية لحظة مخلفا وراءه تسونامي كلي سيأتي على كل البقايا المتبقية من عالم صنع ساعته الحضارية عندما كان خلاقا ومبدعا ومتواصلا مع العالم في ديناميته.
حالة دمار سيدها اليأس والتخلف والتقتيل القبلي والإثني والعرقي والضغينة المتفشية التي أصبحت قانونا داخل العالم العربي نفسه.
ويبدو أن حتى فكرة سايكسبيكو جديدة تضمن حدا أدنى من الحقوق والوجود العربيين، لم تعد واردة، لأن الغرب اختار مصلحته الآنية، النفطية تحديدا، وما عداها، لم يعد يعنيه في شيء.
أن يموت عشرات العرب يوميا، ليس ذلك إلا خبرا، من شدة تكرره، أصبح عاديا أو حتى دون العادي، ولا يحتل إلا أمكنة صغيرة في الصحافة الأوروبية والأنجلوساكسونية، لدرجة أن اليأس من مستقبل ممكن، لم يعد مجرد كلمة مفرغة من أي محتوى، أو ترفا أدبيا، ولكن حقيقة يومية تسندها الكوابيس العربية العديدة التي تصنع حالة العربي اليومي وهو ينظر إلى حاضر لا يرى فيه إلا الرماد، وإلى مستقبل يرى فيه كل شيء معلق على منقار عفريت، يمكن أن يتهاوى في أية ثانية. كوابيس فرضت نفسها بقوة ولا توفر أية قدرة لمقاومتها والخروج من دوائرها التي تضيق كل يوم قليلا لدرجة الاختناق النهائي.

واسيني الأعرج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق