الخميس، 13 مارس 2025

مراتك حطالك السم في العصير

 خواطر صعلوك

مراتك حطالك السم في العصير




عزيزي القارئ، لو خيّرتك بين مشاهدة فيديو لرجل يأكل شمعة مشتعلة، وآخر لملخص كتاب يحلّ أزمة الوجود الإنساني، فأيهما ستختار؟ 

لا تُجيب، فالإحصائيات تفضحك: الشمعة ستحصد مليون مُشاهد، والكتاب سيُكافح ليصل إلى ألف!

هذه هي مفارقة عصرنا الذهبي، حيث يُصنع «الغباء» ببراعة، ويُعبَّأ في فيديوهات مدتها 15 ثانية، تُلهي العقل كما يُلهي السكر طفلاً عن ألم الإبرة عند الطبيب.

كيف يتحول المحتوى التافه على «السوشيال ميديا» إلى سم فكري؟ 

يُحلل كتاب «نظام التفاهة» كيف تتحول الأنظمة الحديثة (الاقتصاد، الإعلام، التعليم) إلى آلات تنتج التفاهة وتُكافئها، فتصبح السطحية والابتذال معياراً اجتماعياً، يشير المؤلف إلى أن «نظام التفاهة» لا يهدف إلى قمع الناس، بل إلى تشتيتهم عبر تغذية عقولهم بمحتوى فارغ، ما يجعلهم مستهلكين سلبيين غير قادرين على التفكير النقدي.

يُبرز الكتاب دور النخب في تعزيز هذا النظام، حيث تُدار المؤسسات بواسطة «التافهين» الذين يُحوِّلون القضايا الجوهرية إلى مسرحيات ترفيهية.

أما الرسالة الرئيسية في هذا الكتاب فتتمحور حول أن التفاهة ليست بريئة؛ بل هي أداة تُفقد الفرد قدرته على التمييز أو التغيير والتفكير النقدي.

يُقدم الكاتب نيل بوستمان، فكرة مهمة حول هذا الموضوع أيضاً، في كتابه «تسلية أنفسنا حتى الموت» يحذر من تحوّل التسلية إلى ثقافة ثم تعميمها على الثقافة نفسها، حيث تُقدّم القضايا الجادة (كالخيانة والفساد وعقوق الوالدين ) كعروض فارغة تتعامل مع القضايا المهمة بموسيقى كوميدية.

أيضاً عزيزي القارئ، يقدم كتاب «عصر رأسمالية المراقبة» لشوشانا زوبوف، كيف تستغل شركات التكنولوجيا بيانات المستخدمين لخلق اقتصاد يعتمد على التلاعب بسلوكياتهم، عبر تغذية حساباتهم بمحتوى مفرط التبسيط (مثل فيديوهات «التيك توك» أو التحديات السطحية)، وأن «السم في العصير» ليس صدفة، بل نتيجة إستراتيجيات مُمنهجة لتحويل المستخدم إلى آلة تُنتج تفاهات وتستهلكها، والمضحك المبكي أن الخوارزميات، تلك الآلة الباردة، تتحالف مع غبائنا! فكلما زاد تفاعلك مع فيديو «غبي»، زادت فرص ظهور المزيد منه.

ينتقد الكاتب كريستوفر لاش، في كتابه الرائع «ثقافة النرجسية»، تحوّل المجتمع إلى عبادة الذات والبحث الدائم عن الإشباع الفوري، ما يقضي على الحوار الجمعي ويُعزّز العزلة، ويفسر لنا بقلم عذب وانسيابي السبب وراء انجذابنا لصناعة واستهلاك المحتوى التافه، لأنه يُشعرنا بتحقيق سريع للسعادة الوهمية، كبديل عن الإنجازات الحقيقية.

يحاول كال نيوبورت، في كتابه «الحد الأدنى الرقمي» أن يجد حلاً ما لهذه المسألة، فكتب كتاباً كاملاً ليدعو إلى التحرر من إدمان المنصات الرقمية عبر التركيز على الأنشطة ذات القيمة (كالقراءة، الحرف اليدوية)، بدلاً من التمرير اللانهائي لـ «الستوريات»، واعتبر هذا حلاً عملياً لاستبدال «السم» بـ «عصير» حقيقي يُنعش العقل.

عزيزي القارئ، إن الكتب السابقة تُجمع على أن التفاهة ليست مسألة شخصية، بل نظام عالمي تُديره آلات رأسمالية تهدف لتحويلنا إلى «أرقام» في إحصائيات المشاهدات. ما نضحك عليه اليوم قد يكون بداية انهيار قدراتنا على التمييز بين الجاد والسخيف. الحل؟ ابدأ بخطوة بسيطة، قلل جرعاتك من «السوشيال»، واقرأ كتاباً واحداً من القائمة أعلاه.

وقبل أن أنهي المقال يجب أن أرد على القارئ الذي سمعته قبل قليل وهو يقول «يا أخي، الحياة مليئة بالتعقيدات، وهذا المحتوى ليس خطيراً لهذه الدرجة، ونحن نريح عقولنا مع هذا النوع من المحتوى ونضحك... بس لا تعقدها»!!

حسناً عزيزي القارئ، لك ما تشاء ومن حقك أن تريح عقلك... حتى لو كانت الراحة أشبه بغفوةٍ فوق قضبان قطار! لكن حين تتحول الغفوة إلى سُباتٍ عميق، وتصير الثقافة ثقافة تسلية لكل ما هو جاد، فلن نستيقظ إلا على صوت صفارة الانذار: «انتبهوا... مراتك حطتلكم السم في العصير!»... فهل نستمر في الشرب؟. 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق